تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».

جولات خارجية للبرهان ونائبه| هلال يعود إلى الواجهة.. وحرب استنزاف في مدن الخرطوم

جولات خارجية للبرهان ونائبه| هلال يعود إلى الواجهة.. وحرب استنزاف في مدن الخرطوم

ما زال الجيش السوداني وقوات الدعم السريع يُقلّبان بلا هوادة، عبر السلاح، في دفاتر الصراع التاريخي في البلاد، في نسخته الأحدث والأشد دمارًا، عبر أربعة أقاليم سودانية على رأسها العاصمة الخرطوم للشهر الحادي عشر على التوالي، مخلفين مزيدًا من القتلى والانتهاكات واقتصادًا يتداعى وشروخًا اجتماعية قاربت أن تتسع على الرتق. 

ومع التطورات الأخيرة للحرب لصالح الجيش السوداني في مدن العاصمة السودانية، تثور المخاوف، في المقابل، من أن احتمالية انهيار «الدعم السريع»، في الخرطوم، قد تقود إلى موجة جديدة من العنف في إقليم دارفور المضطرب، على مدى 20 عامًا متواصلة، إذ ستسعى حينها «الدعم السريع» لتوطيد معاقلها به. 

في خضم هذه المخاوف، ظهر إلى العلن، للمرة الأولى، منذ اندلاع الحرب، في أبريل الماضي، الزعيم الأهلي والمسؤول السابق في حكومة النظام المخلوع، موسى هلال، في فيديو مدته أكثر من 30 دقيقة، متحدثًا عبر مكبر صوت أمام المئات من جنوده وآلياتهم العسكرية، في معقله بمنطقة مستريحة بولاية شمال دارفور وسط.

ويُمثل هلال قيادة أول نواة لقوات الدعم السريع التي قاتلت الحركات المسلحة المتمردة على الحكومة المركزية في إقليم دارفور، عام 2003، باسم قوات حرس الحدود، وتوترت علاقاته لاحقًا مع حكومة الرئيس المخلوع، عمر البشير وقائد «الدعم السريع»، محمد حمدان دقلو «حميدتي» انتهت به إلى السجن، وشدد هلال في خطابه على أن كل مجرم سيحاسب وأن السودان لن ينهار.

في 2017، في خضم صراعه مع الحكومة المركزية وحاكم ولاية شمال دارفور وقتها، اقتحمت «الدعم السريع» معقل هلال واقتادته بشكل مهين أمام عدسات الكاميرات، الأمر الذي يُعتقد أنه تسبب في شرخ كبير بينه وبين حميدتي، حيث استدعى، في خطابه الأخير، لحظات اعتقاله تلك أمام أنصاره. 

في ظل هذه التعقيدات، يبدو أن الجيش، اتخذ قراره بالهجوم العسكري الشامل على «الدعم السريع» التي سيطرت على أجزاء واسعة من ولاية الجزيرة المجاورة للخرطوم، بما في ذلك عاصمتها «ود مدني»، في ديسمبر الماضي. 

هجوم الجيش على أكبر ولايات البلاد الاقتصادية لاستعادتها من قبضة «الدعم السريع» بدأ بدخول قواته من ناحية جنوب الجزيرة حيث تمكن من استعادة خمس مناطق في طريقه إلى عاصمة الولاية، بحسب مصادر عسكرية تحدثت لـ«مدى مصر»، بينما تبقى قواته في محيط مقر الإذاعة والتلفزيون بمدينة أم درمان غربي العاصمة الخرطوم، على أهبة الاستعداد، من أجل الانقضاض على قوات الدعم السريع المتحصنة داخلها. 

سياسيًا، تستمر التحركات على مستوى المحيط الإقليمي عبر مسار  يُمسك به نائب رئيس مجلس السيادة، مالك عقار، الذي بدأ جولة خارجية إقليمية من أجل تحجيم أي دور سياسي خارجي لقوات الدعم السريع. أما المسار الثاني فتُمسك به الكتلة الديمقراطية وتمثله «جوبا» التي بدأت في محاولة خلق وضعية سياسية جديدة لإحداث اختراق في معادلات الصراع السوداني المعقدة.

في المقابل، تحاول القاهرة أن تشكل خطًا موازيًا آخر يتمثل في استضافة عدد الاجتماعات الخاصة بالسودان، سواء المتعلقة بالمسألة السياسية أو المتعلقة بالوضع الإنساني.

تأتي هذه التحركات بعد تغير خريطة الحرب في السودان، عقب استعادة الجيش زمام المبادرة العسكرية والسياسية، فقد غيّر تقدمه في مدينة أم درمان القديمة، بعض الوقائع العسكرية التي كانت محل شك مستمر في مسألة قدرته على استعادة أي منطقة سيطرت عليها «الدعم السريع». اختراق الجيش في أم درمان انعكس على موقف الحكومة السياسي، فبدأت تحركات واسعة ببعض دول الجوار والإقليم الإفريقي من أجل تطويق أي محاولة التفاف سياسية تعزز من موقف «الدعم السريع». إلا أنه مازالت هناك بعض الشكوك حول القيادة العسكرية في أعقاب انتكاساتها العسكرية في الشهور القليلة الماضية، حتى في القاهرة.

البرهان وعقار في جولات خارجية جديدة

يحاول الجيش السوداني الاستفادة من زخم تقدمه العسكري على الأرض، في شكل تحركات خارجية لرئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، ونائبه مالك عقار، فبدأ الأخير جولة خارجية، الأربعاء الماضي، امتدت لنحو أسبوع، شملت أوغندا ورواندا. 

خلال هذه الجولات أعلن عقار عن خطة جديدة لإنهاء الحرب في السودان، فيما قال مصدر بوزارة الخارجية السودانية لـ«مدى مصر» إن خطوات عقار لا تنفصل عن إرادة مؤسسات الدولة، مشيرًا إلى أن السودان يعمل على إنهاء الحرب في مستويات مختلفة. 

وأضاف المصدر الدبلوماسي أن السودان يتفهم الدور الذي يمكن أن تلعبه دول الجوار لقطع الطريق على «الدعم السريع» في الحصول على دعم خارجي أو مساندة إقليمية، لافتًا إلى أن دول الجوار تعترف بالمؤسسات السيادية، رغم محاولة قوات الدعم السريع وقياداتها الحصول على دعم خارجي. 

في أثناء لقائه الدبلوماسيين الأوروبيين بالعاصمة الأوغندية كمبالا، قال عقار إن حكومة السودان تسعى لإنهاء الحرب وليس لإيقاف الحرب، مضيفًا أن طموح حكومة السودان هو إنهاء التاريخ الطويل للحرب في السودان عبر خريطة طريق خلال مراحل من أجل أن التأسيس لحقبة جديدة في تاريخ الدولة السودانية. 

وقال مصدر بمجلس السيادة، لـ«مدى مصر» إن عقار نوّه إلى خطورة أن تحظى «الدعم السريع» بأي شرعية تمكنها من المساومة والإفلات من الجرائم التي ترتكبها. أما في العاصمة الرواندية كيغالي، سلم عقار، الرئيس بول كاغامي، خريطة الحكومة السودانية من أجل إنهاء الحرب. 

وبحسب مصدر آخر في مجلس السيادة، فإن زيارة عقار إلى رواندا تأتي في ظل سعي الحكومة إلى توضيح الجهود التي تبذلها من أجل منع أي محاولة لنزع شرعية الدولة السودانية وقطع الطريق على أي محاولة من «الدعم السريع» للحصول على دعم خارجي. 

وأضاف المصدر أن الحكومة السودانية بكل أجهزتها تسعى إلى محاصرة «الدعم السريع» خارجيًا ومنع أي دعم خارجي لحميدتي. 

البرهان في القاهرة وحميدتي في طرابلس

تستمر المنافسة بين قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان وغريمه قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو، في تفسير صراعهما، لدول الإقليم  بين الصديقين السابقين، اللذين أطاحا بنظام الرئيس المخلوع عمر البشير، في 2019، وعادا وأطاحا بالحكومة الانتقالية التي تشاركا معها السلطة لـ25 شهرًا في 2021.  

caption

بينما حل البرهان، صباح أمس، في العاصمة المصرية القاهرة، استبقه خصمه حميدتي إلى العاصمة الليبية طرابلس التي وصلها، في وقت مبكر، من صباح اليوم نفسه.

استقبل الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، بمطار القاهرة وأجريت للضيف مراسم استقبال رسمية بقصر الاتحادية وتم استعراض حرس الشرف، وعزف السلامين الوطنيين. قبل أن يبدأ الطرفان جلسة مباحثات ثنائية مشتركة لبحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين والقضايا ذات الاهتمام المشترك، بحسب ما أفاد بيان لمجلس السيادة.

وقال المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، أحمد فهمي، إن لقاء السيسي مع البرهان استعرض تطورات الأوضاع في السودان والجهود الرامية لتسوية الأزمة الجارية بما يضمن استعادة الاستقرار ويحافظ على سيادة ووحدة وتماسك الدولة السودانية ومؤسساتها، ويلبي تطلعات الشعب السوداني الشقيق نحو تحقيق الأمن والاستقرار.

كما شدد السيسي على حرص مصر على أمن السودان ومواصلة تقديم الدعم الكامل لتحقيق الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي بالسودان ودعم وحدة الصف السوداني وتسوية النزاع القائم انطلاقاً من الارتباط الوثيق بين الأمن القومي للبلدين. 

وأضاف المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية أن السيسي والبرهان توافقا على استمرار التشاور المكثف والتنسيق المتبادل في هذا السياق خلال الفترة المقبلة لما فيه المصلحة المشتركة للبلدين والشعبين.

ويرافق البرهان  كل من وزير الخارجية المكلف، علي الصادق، ومدير جهاز المخابرات العامة، أحمد إبراهيم مفضل.

وتأتي زيارة البرهان إلى القاهرة، بعد يومين، من زيارته إلى العاصمة الليبية طرابلس، واجتماعه مع كل من رئيس المجلس الرئاسي الليبي،، محمد المنفي ورئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة.

وفي طرابلس، أعلن الناطق باسم حكومة الوحدة الوطنية، محمد حمودة، وصول قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو إلى طرابلس واجتماعه مع الدبيبة تلبية لدعوة الأخير التي وجهها إليه، يوم السبت، خلال اتصال هاتفي.

وجاءت زيارة البرهان وحميدتي إلى طرابلس، عقب إعلان الدبيبة عن ضرورة إحلال السلام في السودان ودفع أطراف الصراع إلى الجلوس على طاولة الحوار من أجل وقف الحرب الجارية منذ 15 أبريل 2023.

وناقش البرهان مع المنفي والدبيبة ثلاثة ملفات رئيسية، في مقدمتها ملف النازحين السودانيين إلى ليبيا، وتمكين وكالات الأمم المتحدة من الوصول إليهما بعدما اشتكى الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، السنغالي عبد الله بايتلي إلى مجلس الأمن الدولي، في 15 فبراير الجاري، من منع وكالات الأمم المتحدة من تقديم المساعدة للاجئين السودانيين في جنوب شرق ليبيا.

كما اشتكى البرهان لمحاوريه الليبيين في طرابلس من «تجاوزات» قوات الدعم السريع في «حربها على المواطنين الأبرياء»، بحسب بيان نشره مجلس السيادة، يوم الإثنين.

وقال الدبيبة، يوم السبت، إنه أكد في اتصاله مع حميدتي على ضرورة تقريب وجهات النظر بين الأطراف السودانية لإحلال السلام والاستقرار في السودان، فيما قال حميدتي إنه ناقش مع الدبيبة تطورات الأوضاع في السودان والجهود التي بذلت من أجل إنهاء الحرب والوصول إلى سلام في البلاد ، مشيرًا إلى أنه عرض على الدبيبة رؤيته لحل الأزمة من جذورها وإعادة بناء السودان على أسس جديدة عادلة، وفق ما كتب على حسابه بمنصة «إكس»، السبت.

caption

مصدر مقرب من المنفي، قال لـ«مدى مصر»، إن البرهان ناقش في طرابلس منع تسليح حميدتي ووضع النازحين ومنع امداد حميدتي بالمقاتلين والسلاح والتدخل لدى تشاد لوقف دعمها له والمساعدة في تغيير موقف الإمارات بحكم علاقات الدبيبة مع محمد بن زايد، معلنًا موافقته قبل أن يأتيه البرهان.

من جانبه، كان الدبيبة  قد أعلن موقفه مرارًا من الحرب في السودان وانتقد علانيةً دعم حفتر لحميدتي في أكثر من مناسبة

وحول كيفية مساعدة البرهان في طلباته أكد مصدر مقرب من الدبيبة أن لديه اتصالات مع بن زايد ولديه شبكة محلية قوية وواسعة وأدوات يعمل خصومه في طرابلس وبنغازي على منعه من استخدامها.

و بشأن زيارة البرهان إلى القاهر قال مصدر حكومي مصري لـ«مدى مصر» إن الزيارة تأتي في إطار مسعى مشترك بين القاهرة والخرطوم في إعادة صياغة دور الرجل القائم على قمة  المجلس العسكري السوداني في ظل تراجع دوره إقليميًا ودوليًا وتراجع حظوظه في  الحرب الدائرة داخل السودان مقابل ما يحظى به غريمه الحالي ورفيقه السابق (حميدتي) الذي أصبح محل عملة تبيض سياسي في كل القارة الإفريقية تتم بتعاون مشترك بين الإمارات العربية المتحدة وشريكها الأفريقي الرئيس إثيوبيا.  

وبحسب المصدر نفسه، فإن القاهرة تدرك، على مضض، توسيع دور حميدتي، من منطلق أن التعامل مع البرهان، رغم خلفيته الإسلامية التي لا تتوافق مع الخيار السياسي للنظام المصري،  أفضل كونه عسكري نظامي عكس حميدتي المعروف بخلفيته الميليشياوية، التي جاءت من خلال قيادته لقوات الدعم السريع المتهمة بارتكاب مخالفات واسعة للقانون الدولي تصل إلى انتهاكات الإبادة الجماعية في دارفور. 

وأضاف المصدر أن القاهرة سعت لدعم البرهان بكل الوسائل و حققت اختراقًا لا بأس به في هذا الصدد من خلال دعمه مع عدد من الدول الرئيسية من بينها الولايات المتحدة التي مازالت غير منفتحة على توسيع دور حميدتي ولن تقبل به رئيسًا للسودان بأية حال، وكذلك فرنسا، ضمن دول أخرى. 

لكن في الوقت نفسه، يضيف المصدر، فإن البرهان «خسر كثيرًا على الأرض في السودان» وهو ما أضعف موقفه خاصة في ضوء الحوار الجاري بين حميدتي وبين رئيس وزراء السودان السابق عبد الله حمدوك الذي استقال مع إقدام البرهان على حل الحكومة المدنية والتراجع عن خطة نقل الحكم من العسكر إلى المدنيين قبل نحو عامين، وهو ما تم بدعم من حميدتي قبل أن ينقلب حميدتي الذي كان البرهان عينه نائبًا لرئيس مجلس السيادة.  

وقال المصدر إن حمدوك وحميدتي هما بالتأكيد أرقام مهمة في المسار السياسي  السوداني الحاضر والمستقبلي، وأن مصر لا تريد أن يخرج البرهان من هذا المسار، خاصة في ضوء ما ترصده من تراجع كبير لموقفه داخل المؤسسة العسكرية السودانية مقابل شخصيات اخرى تعلم القاهرة أنها أكثر تشددا في انتمائها الإسلامي.  

وتابع المصدر أن مصر لا تريد الدخول في مواجهة مباشرة مع الإمارات حول التسوية الجارية في السودان ولكنها لا تستطيع ورغم الدعم الإماراتي أن تغفل مصالحها في السودان.

وأكد المصدر أن الحرب على غزة، التي عجزت الدبلوماسية الاقليمية والدولية، حتى الآن، عن إيقافها والمخاوف من اندلاع حرب إسرائيلية على لبنان بحلول الربيع، وإن استغرقت القاهرة، فهي لا تعني أن مصر تغفل التطورات الجارية في السودان التي أصبحت فعليًا في واقع تقسيم مناطق نفوذ على الأرض بين البرهان وحميدتي،  مع الأخذ في الاعتبار أن الثاني له السيطرة الأكبر والدعم الإقليمي الأكبر.

وكان مسؤول مصري كبير قال لـ«مدى مصر» إن القاهرة بدأت ترتيبات لجذب الزعيم السياسي، رئيس الوزراء السوداني، السابق عبدالله حمدوك، بعدما كانت تعارض تقدمه في المشهد السياسي.

وأشار إلى أن تغير موقف القاهرة من حمدوك جاء عقب سلسلة من الانتكاسات الأخيرة التي تعرض لها حليفها رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش، عبدالفتاح البرهان، الذي يقود المواجهة منذ 15 أبريل 2023 مع قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو.

وقال المسؤول المصري إن لجوء البرهان إلى القاهرة يأتي للتعبير عن مخاوفه من أن يؤدي التقارب بين حميدتي وقادة «الحرية والتغيير» إلى تعزيز موقفه السياسي والتفاوضي بعد التقدم الميداني لقوات الدعم السريع وقبولها الوساطة الدولية لوقف الحرب والتي يتوقع أن تمنح بعض المكاسب السياسية والأمنية ما يجعل الدعم السريع لاعبًا أساسيًا وشريكًا مع الجيش والأجهزة الأمنية في السودان.

وأضاف أن القاهرة تخطط لاستضافة حمدوك والمقربين من تيار الحرية والتغيير، وتمكينهم من إجراء سلسلة من الحوارات واللقاءات السودانية–السودانية، في القاهرة، خلال الفترة المقبلة، لضمان عدم ابتعاد رئيس الوزراء السابق عن القاهرة في ظل اتصالاته مع الإمارات والقوى الغربية التي تفضل عودته لقيادة المشهد السياسي.

وتابع أن القاهرة تعمل حاليًا، عبر المجتمع المدني، من أجل جذب حمدوك إلى مصر مرة أخرى، في ظل إدراكها أن للرجل موقف مسبق حيالها إبان رئاسته للحكومة، حيث تتطلع إلى إقناع حمدوك بتغيير موقفها وطريقة تعاملها مع الفاعلين في المشهد السوداني في إطار مساعيها لتوسيع دائرة اتصالاتها في السودان مع مختلف الأطراف لضمان الحفاظ على نفوذها من التآكل، في ظل التسابق الإفريقي والغربي والخليجي على الجارة الجنوبية لمصر. كما أن القاهرة لا تخطط لإعلان انحيازها لأي طرف سياسي في السودان، رغم ميلها لدعم الجيش في معركته ضد قوات الدعم السريع.

حرب استنزاف في الخرطوم

ميدانيًا، قال مصدر عسكري بقاعدة وادي سيدنا العسكرية لـ«مدى مصر» إن انتصارات الجيش في أم درمان تنعكس على ثلاثة مستويات: الأول يتعلق بارتفاع المعنويات العسكرية بعد ربط منطقة كرري العسكرية شمالًا بمنطقة أم درمان العسكرية جنوبًا. أما المستوى الثاني، بحسب المصدر، فيتعلق بالاستعداد العسكري الذي تم خلال مدة قصيرة توجت بإرسال تعزيزات عسكرية ولوجستية مكّنت الجيش من القيام بعمل عسكري مهم، لافتًا إلى أن هذه التعزيزات كشفت قدرة الجيش الفعلية على إحداث تغيير في المعادلة العسكرية من خلال الترتيب اللوجستي.

أما المستوى الثالث، وفق المصدر العسكري، فهو تراجع قدرات «الدعم السريع»، وأضاف المصدر أن انتصار أم درمان مثّل انتكاسة عسكرية كبيرة لـ«الدعم السريع» وأدى إلى تراجع كبير في دفاعاتها، مؤكدًا عدم وقوع أي محاولة هجوم على معسكرات الجيش المختلفة، مقابل انسحابات واسعة لـ«الدعم السريع» في أم درمان. 

بالنسبة للعمليات العسكرية في محيط الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون، آخر معاقل قوات الدعم السريع في قلب مدينة أم درمان وأجزاء من جنوبها، قال مصدر عسكري إن الجيش يحاصر المنطقة تمامًا، مضيفًا أن «الدعم السريع» هناك تحاول المحافظة على مخزونها من الذخائر والعتاد العسكري، بجانب محاولتها استخدام بعض الأسرى كدروع بشرية، ورجح المصدر العسكري أن تستمر العملية خلال الأيام المقبلة، فيما لم يفصح عن أي معلومات عسكرية عن العملية. 

مصدر عسكري آخر بقاعدة المعاقيل العسكرية بولاية نهر النيل شمالي العاصمة السودانية الخرطوم، قال إن قوات من الجيش تستعد لعملية برية واسعة في شمال مدينة بحري بمشاركة  قوات من بعض الحركات المسلحة الدارفورية، فيما أضاف مصدر عسكري ميداني آخر بولاية نهر النيل، أن هناك تحركات عسكرية تشهدها الولاية من أجل تعزيز الدفاعات المتقدمة بها.

وكان قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، زار عدة مواقع عسكرية في مناطق مختلفة بالولاية من بينها معسكر يتبع لقوات العدل والمساواة بزعامة جبريل إبراهيم، كما تلقت قوات تابعة لمناوي وأيضًا قوات تابعة لمصطفى تمبور تدريبها في ولاية القضارف شرقي البلاد من أجل التقدم نحو ولاية الجزيرة. 

هذه التحركات ليست بعيدة عن معارك الاستنزاف التي يخوضها الجيش ضد قوات الدعم السريع في شمال بحري من ثلاثة اتجاهات، ففي محور منطقة الكدرو دمّر الجيش عددًا من المدافع والراجمات الحربية، بحسب مصدر عسكري تحدث لـ«مدى مصر».

أما في منطقة الدروشاب شمال، بالقرب من سلاح الأسلحة، تخوض قوات العمل الخاص عددًا من المعارك المتقطعة مع مقاتلي قوات الدعم السريع الفارين من مناطق الحلفايا والكدرو. وبالنسبة لمنطقة حطاب والسمرة، يستهدف الجيش السيارات التابعة لـ«الدعم السريع» التي تحمل الذخائر والعتاد العسكري.

من جانبه أكد مصدر ميداني عسكري لـ«مدى مصر» أن الجيش يخوض أكبر المعارك وأشرسها عبر كل القوات العسكرية التابعة له، سواء المدفعية أو المُسيرات وقوات العمل الخاص من أجل قطع الإمداد العسكري، من وإلى مصفاة الخرطوم (الجيلي)، التي تتمركز فيها قوات الدعم السريع.

حرب «بابنوسة» مستمرة.. و«هلال» يعود إلى الواجهة

في حرب «بابنوسة» المستمرة على مدار الشهرين الماضيين، في ولاية غرب كردفان جنوب غرب البلاد، صد الجيش المتمركز حول المدينة، هجومًا كبيرًا من قوات الدعم السريع، وقال مصدر عسكري لـ«مدى مصر» إن الجيش كبّد القوات خسائر في العتاد والأرواح. 

وكان الجيش قد عزز دفاعاته في المدينة، بجانب وصول تعزيزات لوجستية من أجل تعزيز قدرته العسكرية الدفاعية في المدينة. 

هلال وسط أنصاره

ومع تصاعد نبرة الصراع الاجتماعي في السودان، عاد الزعيم الأهلي، والمسؤول السابق، موسى هلال الذي يواجه عقوبات اقتصادية غربية لدوره في حرب دارفور السابقة، إلى الواجهة من معقله بمنطقة مستريحة بولاية شمال دارفور وسط المئات من جنوده.

قالت مصادر مقربة منه لـ«مدى مصر» إن هلال كان موجودًا، طيلة الفترة الماضية، بولاية النيل الأبيض بعد اندلاع المواجهات العسكرية في الخرطوم بين الجيش و«الدعم السريع»، في منتصف أبريل الماضي. 

قالت مصادر أخرى لـ«مدى مصر» إن هلال الذي توجد خصومة سياسية بينه وبين حميدتي، أخفق في التوصل إلى تفاهمات مع «الدعم السريع» من أجل إيقاف الحرب. 

ويتمثل التطور الرئيسي في ظهور هلال والذي يتزعم مجلس الصحوة السوداني الثوري، وهو تنظيم سياسي مسلح، في استقباله، مطلع الأسبوع الحالي، بمعقله بمنطقة مستريحة بولاية شمال دارفور، المئات من قواته على متن عربات الدفع الرباعي محملة بالآليات العسكرية، قادمين من ليبيا. 

وقال مصدر مطلع لـ«مدى مصر» إن القوات أتت لحماية الوطن من مهددات الانقسام الجغرافي والاجتماعي التي يمكن أن تحدثها الحرب القائمة، وأيضًا للحفاظ على الدولة ومؤسساتها العسكرية والمدينة.

وخلال مخاطبته قواته القادمة من ليبيا، لم يكشف هلال عن انتمائه لأي جهة في هذه الحرب التي وصفها بالعبثية، لكنه في الوقت نفسه أكد أن الحرب جلبت أعداءً من خارج السودان وأن البلاد أصبحت منطقة غزو لبعض المتفلتين واللصوص من دول الجوار. 

وأكد هلال أن كل مجرم ينهب ويغتصب سيحاسب أمام الشعب السوداني ولن يفلت من الحساب مهما كانت الظروف، لافتًا إلى أن كل من تسول له نفسه تخريب السودان لن يستطيع. فيما قال المصدر، إن خطاب هلال كان واضحًا بشأن المجرمين الذين تعدوا على الحق العام والخاص، وأنه يجب أن تتم محاسبتهم وفق للقانون، لافتًا إلى أنه لن يسمح بانهيار كيان الدولة على يد من وصفهم بالمستجلبين والمرتزقة عابري الحدود.

في السياق، قال المحلل السياسي، محمد الماحي لـ«مدى مصر»، إن مواقف هلال السابقة واصطفافه مع التيار الرافض لترشح الرئيس المخلوع، عمر البشير، في الانتخابات التي كان من المزمع إقامتها 2020، بالإضافة إلى انتقاد فساد المنظومة الحاكمة خاصة في عمليات الذهب، جعلت البشير أكثر تمسكًا بـ«الدعم السريع» وقائدها الذي قاد هجومًا مفاجئًا على منطقة مستريحة بقوات ضخمة مستخدمًا القوة المفرطة، عام 2017، انتهى باعتقال هلال.  

وأضاف أن البشير أصدر وقتها قرارًا بحل قوات موسى هلال ودمجها في «الدعم السريع»، إلا أن الغالبية رفضت الانضمام لحميدتي وفضلت الخروج من الأراضي السودانية، موضحًا أن عودتها في هذه التوقيت قصد منه التموضع في مواقعها السابقة وحمايتها، خاصة أن هناك توقعات بحدوث انفلات أمني في إقليم دارفور.

واستبعد المحلل السياسي، دخول قوات هلال في الصراع الدائر، لأنه يقود مساعٍ ولديه اتصالات مع قادة «الدعم السريع» الذين طلبوا منه التوسط بينهم وبين الجيش لإنهاء الصراع، مضيفًا «لن تدخل قوات هلال في القتال إلا إذا تعرضت لهجوم من قوات الدعم السريع».

وتوقع المحلل السياسي حدوث انفلات أمني غير مسبوق في إقليم دارفور، مرجحًا أن يكون لهلال أدوارًا كبيرة في إنقاذ الوضع، لقربه من جميع مكونات الإقليم السياسية والأهلية. 

ويمتلك الزعيم الأهلي لمجموعة المحاميد، موسى هلال، إحدى بطون الرزيقات، المتمركزة في شمال دارفور، ذاكرة دامية مع قوات «الدعم السريع» التي اقتحمت معقله في منطقة مستريحة عام 2017 في أثناء تلقيه العزاء في وفاة والدته، وقتلت ابنه وعددًا من أقاربه، ثم اعتقلته ورحلته إلى الخرطوم حيث سُجن لنحو أربع سنوات. وبحسب مصادر عسكرية سابقة بالاستخبارات العسكرية تحدثت لـ«مدى مصر»، فإن حميدتي حرص على بقاء هلال في السجن طيلة تلك الفترة. 

اقتصاد على شفا الانهيار

مع تحول الاقتصاد السوداني إلى اقتصاد حرب وتعطل معظم الصادرات وتوقف نسبة كبيرة من الإيرادات، بالإضافة إلى المشكلات الهيكلية المستمرة على مدى عقود، أصبح اقتصاد البلاد على شفا الانهيار. 

وكشف وزير المالية، جبريل إبراهيم، عن أوضاع حرجة يمر بها الاقتصاد السوداني بسبب الحرب المشتعلة في البلاد بين الجيش والدعم السريع، مشيرًا إلى انخفاض إيرادات الدولة بنسبة 80%، نتيجة تركز النشاط الاقتصادي في العاصمة الخرطوم.

وقال إبراهيم، في مؤتمر صحفي، الاثنين الماضي، بمدينة بورتسودان، إن الاقتصاد السوداني انكمش، خلال السنوات الأربع الأخيرة، بما يقارب 40%، متوقعًا أن يستمر الانكماش لهذا العام، نتيجة ضعف الصادرات وتعطيل المشروعات وقلة الإيرادات وارتفاع سعر الصرف. 

ولفت إلى أن موزانة العام الحالي هي موزانة حرب، وصفها بالمرنة، وأنه يُعاد النظر فيها كل ثلاثة أشهر، منوهًا إلى أن أولويات الدولة هي الوفاء بالمجهود الحربي والإغاثة والصحة والفصل الأول من صرف رواتب العاملين بالدولة.

وكان إبراهيم اتهم «الدعم السريع» بسرقة طنين و700 كيلوجرام من الذهب من مصفاة الذهب بالخرطوم، بينما قال وزير الطاقة والنفط، محي الدين نعيم، في تصريحات لوسائل إعلام محلية، إن تمرد قوات الدعم السريع حرم البلاد من إنتاج 7 ملايين برميل من خام النفط وإن الإنتاج الحالي للنفط المحلي أقل من 20 ألف برميل في اليوم.

يأتي ذلك، في وقت يوضح مراقبون وخبراء اقتصاديين ارتفاع مستويات التضخم إلى 300% مقارنة بنسبة 80% في العام الماضي قبل اندلاع الحرب، وتوقعوا أن تصل معدلات التضخم إلى 450% بحلول نهاية العام الحالية، ما يزيد من ضغوط البلاد. 

وقال المحلل الاقتصادي هيثم فتحي، لـ«مدى مصر» إن الإجراءات الأخيرة التي اتخذها وزير المالية والمرتبطة بالموازنة الحالية تهدف إلى زيادة إيرادات الدولة التي تأثرت باندلاع الحرب في الخرطوم وجزء من ولايات كردفان وبعض المناطق الأخرى.

وتوقع فتحي أن يشهد الوضع الاقتصادي ترديًا في الفترة المقبلة، خاصة في ظل استمرار الحرب وهجرة الكثير من رؤوس الأموال، لافتًا إلى أن الأوضاع في البلاد ستكون صعبة ما لم تمول الدول الشقيقة والصديقة الحكومة السودانية، بالإضافة إلى العمل على زيادة الصادرات وتخفيض الواردات. 

ونوه بأن أفضل الوسائل لزيادة الإيرادات تتمثل في تسهيل حركة الصادرات والعمل على وضع حوافز للتصدير والمصدرين وإزالة كل العوائق التي تعتريه.

ويرى فتحي أن الاقتصاد السوداني قادر على تجاوز ما وصفها بـ«المحنة» باتخاذ قليل من الإجراءات والبرامج الاقتصادية مع وضع سياسات اقتصادية متناسقة، ما بين سياسة نقدية محكمة وسياسة مالية وسياسة جمركية تتناسب مع زيادة الصادرات وتقليل الواردات وسياسات تعمل على تحفيز الولايات المستقرة أمنية في زيادة الإنتاج والانتاجية، مشيرًا إلى أن هناك الكثير من الأراضي في الولايات المستقرة يمكن أن يستفاد منها في الإنتاج الزراعي أو التجاري.

عن الكتّاب

أخبار ذات صلة

#السودان

إضرابات في القطاع الصحي في نيالا | البرهان يلغي منصب نائب القائد العام ومساعده | رئيس الاستخبارات العسكرية السودانية يزور طرابلس | الجيش يبدأ عملية استعادة الكرمك بولاية النيل الأزرق

في نشرة السودان: شهد هذا الأسبوع سلسلة من الإعلانات التي استكملت ملامح القرار الصادر في 2 أبريل الجاري عن رئيس مجلس السيادة…

14 دقيقة قراءة
#نشرة السودان

«الدعم السريع» تستولي على الكرمك في النيل الأزرق | مقتل نحو 100 مدني في دارفور في هجمات نُسبت إلى الجيش | الحرب على إيران تضاعف أزمة الأدوية في السودان

بينما كان قائدا طرفي الصراع في السودان يوجّهان تهاني مسجلة بمناسبة عيد الفطر إلى المواطنين، واصلت قواتهما وطائراتهما المُسيّرة العمليات العسكرية، مخلفة…

13 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن