تجاهل «الترميم» يقتل أسرة سكندرية تحت سقف «الإيجار القديم»
لقي ثلاثة أفراد من أسرة واحدة مصرعهم، وأصيب رابع بجروح خطيرة، الأحد الماضي، إثر انهيار سقف منزلهم عليهم، في وسط الإسكندرية، فيما حمّل فردٌ من العائلة مالك العقار مسؤولية الحادث، قائلًا إنه تجاهل على مدار عقدين، أمرًا رسميًا بترميم العقار الذي استأجروه بنظام الإيجار القديم عبر أجيال.
ورغم أن تجاهل أوامر الترميم يُعد مخالفة تستوجب الغرامة، فإن العشرات من المُلاك يتجاهلونها، بحسب المحامي المتخصص في قضايا الإيجار القديم، كريم عزت، خلال حديثه لـ«مدى مصر».
وخلال السنوات الأخيرة، تصاعد الصراع بين المستأجرين بنظام الإيجار القديم، الذي أتاح توريث عقود الإيجار مع تثبيت القيمة الإيجارية، والملاك الساخطين على حرمانهم من أرباح طائلة محتملة في سوق عقارات يشهد ازدهارًا كبيرًا منذ التسعينيات. وزادت حدة هذا الصراع بعد أن أصدرت الدولة، العام الماضي، قانونًا، ينهي «الإيجار القديم» تدريجيًا خلال سبع سنوات.
يروي أحمد عبد المقصود، شقيق أحد ضحايا الحادث تفاصيل اللحظات الأولى، قائلًا لـ«مدى مصر»: «لقيت حد من الشارع بيتصل بيّا وبيقولي: الحق فيه هَبد حصل عندكم في البيت، وفي تراب طالع».
كان والد عبد المقصود استأجر، قبل عقود، المنزل القديم المكوّن من طابقين في منطقة غربال بحي محرم بك وسط الإسكندرية، وكان بمثابة منزل العائلة، حسبما يقول الابن، ثم أصبح لاحقًا منزل شقيقه محمد، الموظف بشؤون الطلبة في كلية الآداب بجامعة الإسكندرية، الذي كان يعيش فيه مع زوجته سماح وأطفالهما الأربعة.
ويضيف عبد المقصود: «جينا نشوف فيه إيه، وعرفت إن فيه حد في البيوت العالية اكتشف إن في سقف واقع»، موضحًا أن فرق الدفاع المدني وصلت سريعًا وبدأت في رفع الأنقاض، ليكتشفوا أن الانهيار الجزئي أصاب غرفة نوم محمد وزوجته، ما أدى إلى مقتلهما وابنتهما فريدة، أربع سنوات، وإصابة ثاني أصغر أبنائهما، آدم، بجروح خطيرة، استدعت بقاءه في العناية المركزة حتى ليلة الاثنين الماضي، بينما نجا الابنان الأكبران، البالغان من العمر 15 و12 عامًا، لوجودهما خارج المنزل وقت الحادث.
من جانبه، أمر محافظ الإسكندرية، أيمن عطية، مديرية التضامن الاجتماعي بـ«إجراء الأبحاث الاجتماعية اللازمة، لصرف تعويضات لأسر المتوفين والمصابين، بما يضمن تقديم الدعم اللازم لهم في أسرع وقت ممكن»، إلا أن عبد المقصود يؤكد أن لا تعويض يمكن أن يعوض فقدان أسرة أخيه.
ويحمّل عبد المقصود مالك العقار مسؤولية الانهيار، مؤكدًا أن الكارثة كان يمكن تفاديها لو أصلح المالك الأضرار الإنشائية التي أصابت المنزل قبل أكثر من عقدين. ويوضح أنه في عام 2004 أو 2005، تعرض المنزل لتشققات في هيكله، عقب هدم منزل قديم مجاور، ما تسبب في «عملية شد أو سحب كده لمبنى البيت بتاعنا».
ويتابع عبد المقصود أن محافظ الإسكندرية آنذاك، عبد السلام المحجوب، عرض المساعدة في إصلاح الأضرار، لكن المالك أصرّ على أن تُبلغ العائلة سلطات الحي للحصول على أمر ترميم، والذي حصلت عليه بالفعل في الفترة ما بين 2006 و2007، حسبما قال، إلا أن المالك تجاهله منذ ذلك الوقت.
بموجب قوانين الإيجار، تُصدر سلطات الحي التابعة للمحافظة أوامر الهدم أو الترميم، إما بناءً على طلب السكان، أو إذا لاحظت أضرارًا خلال عمليات التفتيش الروتينية، كما يوضح عزت لـ«مدى مصر»، في حين تقع تكاليف الترميم على عاتق المالك.
ويؤكد المحامي أن هذه الأوامر مُلزمة، وإذا لم يتم تنفيذها، يمكن للمُستأجرين تقديم بلاغات للشرطة ضد المالك بتهمة الإهمال. وبموجب القانون، يمكن أن تُفرض غرامات على المُلاك، وقد يصل الأمر إلى حد توجيه تُهم جنائية إذا أدى الإهمال إلى انهيار، وتسبب في وفاة السكان.
إذًا، لماذا لم يواجه مالك العقار أي عواقب طوال تلك السنوات؟ يشير عزت إلى أن سلطات الأحياء غالبًا ما تتقاعس عن تنفيذ أوامر ترميم أو هدم المباني المُتداعية، بينما تصدر في كثير من الحالات أوامر غير مُعلنة بالترميم الجزئي أو الهدم، ولا تُبلغ السكان أو المُلاك بوجودها في بعض الأحيان، ولا تُتابع تنفيذها، بل تكتفي بتقديمها عند التحقيق في حالات الانهيار، كأنها تقول: «أصدرنا أمرًا، لكن المالك تجاهل تنفيذه»، مُلقية باللوم كاملًا على المُلاك.
ينتشر هذا السيناريو بشكل خاص في الإسكندرية، حيث تكثر المنازل المُتداعية في العديد من الأحياء، خصوصًا تلك الواقعة فوق مستويات عالية من المياه الجوفية.
وبينما أشارت التغطية الإخبارية للحادث إلى صدور أمر ترميم للمنزل خلال العام الجاري، يؤكد عبد المقصود أن العائلة لم تُبلغ بأي أمر جديد، إن كان قد صدر بالفعل، مضيفًا أن المالك تجاهل أمر الترميم مرارًا على مدى سنوات، مُبررًا ذلك بعدم قدرته على تحمل تكاليف الترميم، خاصة مع انخفاض قيمة الإيجار الذي تدفعه الأسرة، الذي ظل لسنوات طويلة ثلاثة جنيهات شهريًا، قبل أن يرفع القانون الجديد الحد الأدنى إلى 250 جنيهًا.
من جهته، أشار عزت إلى أن هناك أسباب عدة لتجاهل مُلاك العقارات القديمة أوامر الترميم، منها عجز الملاك في بعض الأحيان عن تحمل التكاليف، أو أن يكون الملاك الحاليون ورثة وغير مهتمين بأمر العقار، لكنه أشار أيضًا إلى أن بعض المُلاك يتعمدون ترك العقارات تتدهور على أمل أن يتمكنوا، عند انهيارها في نهاية المطاف، من الاستفادة بفرص عقارية أكثر ربحية.
ويؤكد عبد المقصود أن الأسرة عرضت مرارًا المساهمة في تكاليف الترميم، ما يدفعه للاعتقاد بأن المالك تعمّد ترك المنزل يتدهور لكي ينهار. كما يشير شقيق الضحية إلى واقعة قال إنها حدثت عام 2011، حين اقترح مقاولو عقارات هدم المنزل لبناء مبنى سكني جديد، ووافقت الأسرة، لكن المالك رفض بسبب خلاف مع المقاولين حول نسبة ملكيته في المبنى الجديد.
ورغم عدم التوصل إلى مكان المالك حتى الآن، أشار عبد المقصود إلى الإهمال عندما أدلى بشهادته أمام النيابة العامة، وإن أوضح أنه لا يعتزم اتخاذ أي إجراء قانوني، لأنه لا يتوقع أن يُسفر عن شيء، معتبرًا أن ذلك لن يغيّر مصير عائلة شقيقه.
وبالتوازي مع ما يشير إليه المحامي من مسؤولية الأجهزة المحلية عن متابعة ترميم العقارات المتداعية، أصبح إهمال المُلاك، الذي يرقى إلى حد التخريب المُتعمد، سمة شائعة في العقود الأخيرة، خصوصًا في ظل نظام الإيجار القديم، الذي أسفر عن حرب صامتة في ظل تثبيت القيمة الإيجارية، ليسعى العديد من المُلاك إلى طرد المستأجرين أو التحرر من قيد الإيجار المحدد، وسط شعور بأنهم حُرموا من فرصة الربح من عقاراتهم، حسبما سبق وصرّح بعضهم لـ«مدى مصر».
فرض قانون «الإيجار القديم» الجديد، الذي صدر العام الماضي، زيادات فورية على القيمة الإيجارية القديمة، ونص على تحرير كامل لعلاقات الإيجار خلال خمس إلى سبع سنوات، ما يسمح للمُلاك بطرد المستأجرين خلال تلك الفترة، وهي التغييرات التي كان المستأجرون وممثلوهم قالوا لـ«مدى مصر» إنها ضاعفت من حدة التوتر بين المُلاك والمُستأجرين، لافتين إلى عدم امتلاك الكثير منهم بديلًا للمنازل التي عاشوا فيها منذ عقود، فيما لا يعكس القانون القيمة التي استثمروها في العقارات، ولا يقدم لهم تعويضات عن قيمة «خلوات الرجل» التي دفعوها مقدمًا عند توقيع عقود الإيجار، وهي مبالغ تعادل أسعار شراء العقارات وقت الدفع.
تقارير ذات صلة
بعد أول زيادة في وحدات «الإيجار القديم»، المستأجرون يتخوفون من الزيادة القادمة
من المتوقع أن تشعل الموجة المقبلة من الزيادات الإيجارية مزيدًا من التوتر
الدولة في مأزق «الإيجار القديم»
لماذا استمر الجدل مشتعلًا حول موضوع يمسّ ملايين المواطنين المصريين على مدار عقود؟
من فات إيجاره تاه.. المالك والساكن ينتظران مخرجًا
أكد مجلس النواب، في بيان له، على التزامه بتنفيذ الحكم
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد