تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

«اتجمعوا العشاق في الزنزانة»: عن أحمد دومة والشعرية التي لا يسعها المنطق السجني

عبد الرحمن الجندي
6 دقيقة قراءة
«اتجمعوا العشاق في الزنزانة»: عن أحمد دومة والشعرية التي لا يسعها المنطق السجني
أحمد دومة تصوير: مؤسسة حرية الفكر والتعبير

دائمًا ما أدرك أحمد دومة أن إعادة الاعتقال آتية لا ريب فيها، وأن زنزانة السجن ستلتهم جسده من جديد.

على مدى السنوات الثلاث الماضية، خلال عملنا معًا لترجمة قصائده إلى الإنجليزية، اقتربت تلك اللحظة مرارًا. كان يُخطَر بين حين وآخر من نيابة أمن الدولة العليا بفتح تحقيق عبثي جديد بتهمة «نشر أخبار كاذبة»، فنحبس أنفاسنا متوجسين. قبيل كل استدعاء، كان يرسل إليّ رسالة يقول فيها: «أمانة عليك القصايد يا عبد الرحمن. متنساش القصايد».

حتى جاء اليوم المشؤوم: الاثنين، السادس من أبريل 2026. أعاد النظام اعتقال الشاعرَ والثوري أحمد دومة، وأمرت نيابة أمن الدولة العليا بحبسه أربعة أيام على ذمة التحقيق بتهمة «نشر أخبار كاذبة داخل وخارج البلاد». استندت القضية الجديدة إلى مقال سياسي نشره دومة قبلها بـ12 يومًا، تناول فيه رؤية عابرة للحدود لإلغاء السجون، محللًا كيف تغدو المجتمعات نفسها أنظمةً سجنية. جُدِّد حبس دومة في التاسع من أبريل 15 يومًا أخرى، ما يشير إلى عزم الدولة على إعادته خلف القضبان بالفعل هذه المرة. 

أمضى دومة عقدًا كاملًا في السجون كمعتقل سياسي منذ 2013، قبل أن يتحرر بعفو رئاسي عام 2023. منذ ذلك الحين، استدعته نيابة أمن الدولة ما لا يقل عن سبع مرات، وألزمته بدفع كفالات باهظة، كان آخرها مئة ألف جنيه. تمثّل هذه المرة الأولى، منذ العفو، التي يعيده فيها النظام إلى السجن. برغم فجاعة الخبر، لكنه لم يفاجئ أيًا من أصدقاء دومة، ولا حتى دومة نفسه، ولا من يملك أدنى معرفة بطبيعة النظام.

أدى دومة دورًا محوريًا في ثورة الخامس والعشرين من يناير، بحضوره الدائم في ميدان التحرير. كما أسهم في تأسيس عدد من أبرز حركات الاحتجاج في مصر، منها حركة «كفاية» التي أدّت دورًا حاسمًا في إشعال شرارة الثورة، كما كان من مؤسسي ائتلاف شباب الثورة.

لكن تلك المشاركة وحدها لا تفسّر عداوة الدولة الشخصية مع دومة لهذا الحد. على العكس، منذ 2013 وإحدى هوايات النظام المفضلة هي ترويض وجوه الثورة الشابة على الملأ، وإعادة صياغتهم بوصفهم ضالّي الأمس، تائبي اليوم، وقد تعلّموا أخيرًا حكمة القبول بعبثية النضال، فاحتواهم النظام بأذرع مفتوحة. غير أن دومة لم يُبدِ استعدادًا قط للدخول في برنامج الترويض ذاك لينال قسطًا ولو بسيطًا من الراحة. لم يقبل، في أي لحظة من سنوات سجنه العشر، ولا في الأعوام الثلاثة التي تلت خروجه، بفكرة اللا جدوى التي صنعها النظام صنعًا. تلك أزمة النظام الكبرى معه: رفض دومة العبث أفقًا سياسيًا، إذ لم يَقِس المعنى يومًا بمنطق النتائج الملموسة. ما أود قوله هو أن دومة، فوق كل شيء، شاعر. 

انطوى شعرُ دومة على التزامٍ لا يلين بقضية السجناء السياسيين في مصر والعالم، وبفلسطين. كتب في محبسه بنهم، معتبرًا الكتابةَ حبلَ نجاة. خرجت مجموعته «كيرلي» من صميم تلك التجربة خلف القضبان، وظهرت في معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2021 عن دار المرايا، قبل أن تحظرها الجهات الأمنية، ثم تداهم جناح الدار، وتسحبها من الرفوف.

حكى لي دومة يومًا عن فترة تقاسم فيها السجن مع شاعرٍ معتقل آخر، جلال البحيري. احتُجز كلٌّ منهما في عنبرٍ منفصل بسجن طرة، فاغتنما لقاءاتٍ نادرة في عيادة السجن لتبادل الشعر. في أحد تلك اللقاءات الخاطفة، شرع البحيري يلقي قصيدة جديدة من الذاكرة لدومة، فيما هرع السجانون لتفريقهما، فظلا يتلقفان الشعر من بعضهما عبر الأذرع والقيد حتى أبعداهما عن مرمى السمع. احتاج دومة إلى ثلاثة لقاءاتٍ من هذا القبيل، على مدى أسابيع، ليصغي إلى القصيدة كاملة.

لاحقًا، حين تعذّر اللقاء، هرّب أحد السجناء نصوص البحيري بخط يده إلى دومة، فبات يتلوها على الزملاء من نضارة باب زنزانته في أمسياتٍ طويلة خافتة.

ومع ذلك، حين أقول إن دومة شاعر، فلا أعني كونه كاتبًا للشعر، بل إنسانًا يجوب العالم على نحوٍ شعري: شاعرًا في نثره كما في شعره؛ شاعرًا حين يثور، وحين يحب، وحين يَمقت، وحين يضطرم غضبًا.

في مقالها «تأمّل في الشعريّة»، تدعونا شيرا المالِك إلى فهم الشعريّة، عن طريق إدوار غليسان، بوصفها «تجلّيًا ساحرًا.. لعلاقاتية عميقة ترفض أي تصورٍ لعالمٍ خارج قدرتنا على صنعه وإعادة صنعه».

تلك هي هبة دومة ولعنته: قدرةٌ لا حدّ لها على تخيّل عالم أرحب نجرؤ على الحلم بصنعه وإعادة صنعه. عجز التعذيب، والحبس الانفرادي، وأكثر من عقدٍ من الاعتقال القاسي، عن اقتلاع قدرته على التخيل تلك. لذا استعصى على النظام المصري احتمال وجود دومة. يتبدّى جليًّا أن دومة، في نظر الدولة، غدا -أكثر من كونه معضلةً سياسيةً- معضلةً فلسفيةً وجماليةً.

أوصف دائمًا حالنا في ميدان التحرير عام 2011 كلحظةَ نشوةٍ خاطفة. أفضت تلك اللحظة إلى حالٍ من «التزامن» على نحو ما يعرفه بندكت أندرسون في كتابه «الجماعات المتخيَّلة»؛ حالةٍ مشحونة يدخل فيها الجمعُ زمنًا مشتركًا، ويتجه فيها الخيالُ الجماعي نحو أفقٍ واحد، واضعًا نفسه في تاريخ يربطه بمن سبق ومن هو آت. «في مثل هذه اللحظات تحديدًا»، يكتب أندرسون، «ينشد أناسٌ لا يعرف أيهم الآخر الأبيات نفسها على اللحن ذاته».

في قصيدته «مفسد السهرة»، يعود دومة إلى تلك اللحظة، فيجعلها ترتجف من جديد:


«بنصارع الأيّام، على حقّنا فيها
غير عابئين بيها، ولا بالقدر
صعاليك، ماكانش ف حيلتنا
لا تورية ولا حذر


ما كانش من فردوسنا حاجه ناقصة
كان الولد مِنّنا إذا ينشطر
-برصاصة- ما بيوقف الرقصة» 

بدا دومة كأنه دخل لحظة النشوة تلك، وعلى خلاف كل التوقعات، بقي ثابتًا لا يبرحها حتى بعدما مضى رفاقه قدمًا. أعزو هذه القدرة إلى طبيعته الشعرية الأصيلة. تلقّى دومة العالم كما يتلقى الشاعر قصائده: منفتحًا على الحقائق مهما اشتدّت قسوتها، مستأنسًا الغموض المقلق، متقبلًا، بل ومتلذذًا بالجموح المنفلت عن السيطرة. لم يخف يومًا أن يقول ويفعل ما يمليه عليه ضميره نحو ما يكشفه له العالم، ولو كلّفه ذلك كلَّ شيء. وقد كلفه كل شيء، بالفعل، مرة بعد مرة.

في المقال الذي بررت به الدولة حبسه، يصوغ دومة تصورًا إلغائيًا عابرًا للحدود، يصل سجون مصر بسجونٍ أخرى حول العالم: الاحتلال الإسرائيلي، وتونس، وسوريا، وبريطانيا، وغيرها. يصف منظومةً مترابطة قوامها المحو، يشدّها معًا منطقُ الإبادة الذي يحكم أنظمة قهرنا المشترك.

يكتب: «الرسالة الموجّهة للمجتمع هي: "السجن هو البديل الوحيد للولاء المطلق أو الخرس التام" هذا التطبيع يحوّل المجتمع من فضاء للحرية (كما وجب به أن يكون) إلى "باحة سجن كبيرة"، حيث يصبح الخارج من الزنزانة مشروعًا لمعتقل قادم، والمواطن "الحر" مجرّد سجين مع إيقاف التنفيذ، أو سجين إلا قليلاً».

يندرج دومة في سلالةٍ طويلة من الشعراء المصريين الذين فهموا أن حريتهم الجسدية ما هي إلا سجن مع إيقاف التنفيذ. اتخذ طويلًا من زين العابدين فؤاد، شاعر انتفاضة الخبز في سبعينيات القرن الماضي، نجمًا يهتدي به، مستحضرًا على الدوام أبياته: «اتجمعوا العشّاق في سجن القلعة»، التي خلّدها الشيخ إمام في أغنيته. عرف دومة جيدًا لأي العشّاق ينتمي ومع أيهم كتب عليه أن يجتمع. يسميهم في «جيل الأنبياء»:

«يا كافرين بالجموع

ومآمنين بالـ لأ

ومأدّيين فرضكم

-جمعًا- على المتاريس» 

لذا أنهى النظام المصري «حرية» دومة الخاطفة: لم يكن دومة ليكون إلا في احتكاكٍ دائم بالعالم الذي يتحرك فيه، مقلقَلًا ومقلقِلًا داخل منظومة صُمِّمت للمشي جوه الحيط، مهرطقًا لا يفوت فرضه على المتاريس. أقسم دومة، في تقليد الشاعرة الجذرية السوداء جُون جوردان، أن يكون شعره شوكةً في حلوق أعدائه.

تكريمًا لدومة، علينا أن نرفض ما يغرقنا من يأس وشعور بعبثية السعي نحو حريته. ذلك أقل ما ندين له به. علينا أن نكرم الشاعر بأن نتخيله حرًّا، وأن نعمل على هذا الأساس، لأنه ما كان ليقبل بأقل من ذلك لو بُدلت الأماكن. فهو الذي كتب لنا ذات يوم من زنزانته في طرة:

«أوّل مرّه أحسّ كإنّّي

مسجون

وغيابك سجّاني

والكلمة تقيله على لساني

فأبطّل أغنّي

وأسألني

امتى هتبطّل تنساني» 

نُشرت نسخة إنجليزية من هذا المقال على منصة Los Angeles Review of Books.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
سامح سمير

نروح لمين يا مصر؟

«"رايحة بينا علي فين يا مصر؟" هذا هو السؤال المكرر في البرامج التليفزيونية والندوات والمقاهي والبيوت خلال السنوات الماضية، إلا أنني مؤخرًا، وبعد خبرة في العمل…»

اقرأ →
رأي
أحمد حرارة

الساموراي الأخير

«حياة حافلة ومسيرة عامرة وطريق صعب، لا يمكننا اختزاله في قرار ليلى سويف بالإضراب عن الطعام»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).