تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

تكتيكات الاستعمار الإسرائيلي: دروس القدس وسيناء وجنوب لبنان

فتحي نمر
6 دقيقة قراءة
تكتيكات الاستعمار الإسرائيلي: دروس القدس وسيناء وجنوب لبنان
جدار الفصل العنصري الإسرائيلي في الضفة الغربية. المصدر: «رويترز»

تكتيكات الاستعمار ليست جامدة، بل تتغير وتتحول بسلاسة وفق السياق والهدف، أحيانًا تتجلى في هدير الجرّافات التي تهدم البيوت فوق رؤوسنا، وأحيانًا في تشريعات «قانونية» عنصرية تشرّعن نهب الأرض، وغالبًا ما تكون مزيجًا من الاثنين معًا. فمنذ بدايات الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين، كان تثبيت الحقائق على الأرض يمهّد الطريق لانتزاع اعتراف رسمي لا رجعة عنه بالواقع الجديد.

عند احتلال الجزء الشرقي من القدس عام 1967، سارعت سلطات الاحتلال إلى تغيير الواقع القائم: هدم معالم المدينة العربية وتغيير ديموجرافي واسع عبر زرع المستوطنات بين الأحياء الفلسطينية المهمّشة. وكما كان متوقعًا، قوبلت هذه السياسات بانتقادات لاذعة من قادة العالم بسبب انتهاكاتها الصارخة للقانون الدولي. غير أن هذه الانتقادات بقيت في إطار الأقوال، من دون أي ضغط فعلي يوقف تلك الأفعال أو يردها. 

وبعد عقود قليلة، أصبح هذا التغيير «الطبيعي الجديد»، فقدت وسائل الإعلام اهتمامها بما كان قائمًا سابقًا، ومضى العالم قدمًا كأن شيئًا لم يكن. ثم جاء الإعلان الرسمي عن ضم الجزء الشرقي من القدس عام 1980 ليُضفي صفة «قانونية» على أمرٍ بات واقعًا مفروضًا.

ظهر نمط مماثل مع بناء جدار الفصل العنصري، الذي أدانه المجتمع الدولي آنذاك على نطاق واسع. وقد رافقت تلك الإدانة تصريحات إسرائيلية تفيد بأن الجدار «مؤقت»، وأنه لا يشكل أساسًا لأي مفاوضات مستقبلية ولا حدودًا سياسية. ولكن اليوم، مع تدهور الأوضاع في الضفة الغربية التي يواصل الاستيطان ابتلاعها بوتيرة متسارعة، تبدو فكرة إزالة الجدار أو إعادة الأراضي التي استولى عليها أقرب إلى الخيال.

مع نمو عدد المستوطنين بعد احتلال الضفة الغربية عام 1967، أُنشئت هيئات لإدارة المستوطنات الصهيونية والإشراف عليها. واتخذت هذه الهيئات شكل مجالس محلية وبلدية وإقليمية، تولَّت إدارة الشؤون «المدنية» للمستوطنين، بما في ذلك مهام التخطيط والإدارة داخل مناطق الاستيطان، وقد مُنحت مؤخرًا صلاحيات أوسع. رغم أن وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق (COGAT) تُعد الجهة العسكرية المسؤولة رسميًّا عن إدارة الاحتلال في الضفة الغربية بما يشمل الشؤون الفلسطينية مثل إصدار تصاريح البناء وغيرها في معظم مناطق الضفة الغربية، إلا أننا اليوم نشهد نقلاً لهذه الصلاحيات إلى المجالس الإقليمية للمستوطنين في خطوة تعد تحولاً من الضم الفعلي إلى الضم القانوني. 

استغرقت هذه العملية عقودًا، وخلالها اقتصر رد المجتمع الدولي على بيانات إدانة و«التعبير عن القلق»، بينما كانت الأطراف نفسها تعمّق علاقاتها مع النظام الإسرائيلي عبر اتفاقيات تجارة حرة، وإعفاءات من التأشيرات، ومعاهدات تخدم اقتصاد دولة الاحتلال. 

وفي خطوة تعكس هذا التحول بوضوح، بدأت الولايات المتحدة بتقديم خدمات قنصلية في المستوطنات داخل الضفة الغربية. قد يبدو ذلك خروجًا عن سياسات أمريكية سابقة، لكنه في جوهره امتداد لنهج تقنين الأمر الواقع الذي شهدناه في القدس والجولان.

تتجلى هذه الاستراتيجية أيضًا في السلوك الدبلوماسي لدولة الاحتلال. خلال الإبادة في غزة، توغّل الاحتلال في جنوب لبنان لضرب حزب الله الذي دخل الحرب إسنادًا للمقاومة. وفي حين نصّ اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان، في 2024، على انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها، أقام النظام الإسرائيلي خمس قواعد عسكرية لتعزيز السيطرة على الجنوب.

وتباهى وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، بقوله إن الوجود في خمس نقاط في جنوب لبنان ليس جزءًا من اتفاق وقف إطلاق النار، بل فُرض كأمر واقع وقبلت به الولايات المتحدة. 

وفي سوريا، لم يكتفِ الاحتلال بالسيطرة على جزء من هضبة الجولان التي استولى عليها في حرب 1967، بل استغل سقوط بشار الأسد ليتجاوز الجولان إلى ريف دمشق. وتُوصَف المناطق المحتلة حديثًا بأنها «منطقة عازلة»، فيما تُضمّ عمليًا إلى دولة الاحتلال. وهكذا يُثبت واقع جديد بانتظار لحظة مواتية لتكرار النهج ذاته والتوسع نحو «منطقة عازلة» أخرى. 

النتيجة الواضحة لكل ما سبق أن الجهود الدبلوماسية باتت تنحصر في السعي لمنع تدهور الوضع الجديد، بدلًا من معالجة الانتهاكات الجذرية التي أنتجته. ويقود ذلك إلى خفض مستمر في سقف المطالب: فبعد أن كان الموقف الدولي السائد يطالب بتفكيك المستوطنات في الضفة الغربية، أصبح الحديث اليوم يقتصر على كبح سرعة توسعها. أما المطالبة الأصلية بإنهاء الاحتلال، فقد تراجعت إلى الهامش، كأنها أثر من زمنٍ مضى.

تُعلّمنا التجربة أن الواقع المفروض، إن لم يُواجَه سريعًا وبقوة، يتحول إلى دائم. والمراهنة على مفاوضات من موقع ضعف، أو الاستنجاد بوساطة «المجتمع الدولي» على أمل أن يمارس ضغطًا فعليًا على إسرائيل، استراتيجية لم تثمر سوى خيبات متكررة. فالتاريخ يشير إلى أن التنازل الأحادي عن الحقوق أو خفض سقف المطالب لا يقابَل بتسوية متبادلة، بل بمزيد من التوسع في الانتهاك.

حتى اتفاقية أوسلو، التي صُممت بطريقة منحت إسرائيل القرار النهائي في إدارة حياة الفلسطينيين بين النهر والبحر، وسمحت باستمرار احتلال «مريح» ومموّل من المجتمع الدولي، لم يلتزم بها المحتل إلا بالقدر الذي يخدم توسعه. وحين أدرك قدرته على انتزاع المزيد من دون ثمن حقيقي، لم يتردد في التنصل منها عمليًا. 

وكانت مكافأة التزام السلطة الفلسطينية الأحادي -بل وتعاونها وتنسيقها الذي مسّ بشرعيتها- هي شيطنتها، ومصادرة أراضيها، وتمهيد الطريق لضم الضفة الغربية وتحويل مراكزها الحضرية إلى جزر معزولة أقرب إلى بانتوستانات.

هكذا تحوّل «المؤقت» الأوسلوي أحادي الجانب إلى دائم، ثم تآكل تدريجيًا ليستقر نظام أكثر قسوة.

ما يتكشف من كل ما سبق هو عقيدة استعمارية إسرائيلية واضحة: اصنع حقائق على الأرض، تحمّل موجة الإدانة الأولى، طبّع الواقع الجديد، ثم حوّله إلى قانون. وفي كل دورة من هذا النمط ينخفض سقف التوقعات، ويتحوّل الحد الأدنى من المطالب إلى «خيال غير واقعي»، ويضيق الأفق السياسي. وما يبدأ كإجراء مؤقت يصبح دائمًا، فتتراكم الوقائع طبقة فوق أخرى حتى يبدو التراجع عنها مستحيلًا. 

لكن ثمة حالات اضطرت فيها إسرائيل إلى التراجع عن تغييرات فرضتها، وتجمعها سمة واحدة: أنها جاءت نتيجة ضغط مادي وكلفة حقيقية فُرضت عليها. لم تكن ثمرة توسلات دبلوماسية، ولا حصيلة اعترافات رمزية

انتفاضة البوابات في القدس عام 2017 مثال واضح. حين حاولت إسرائيل نصب بوابات إلكترونية وكاميرات مراقبة على مداخل المسجد الأقصى، واجهها المقدسيون بعصيان مدني واسع ورفضوا المرور عبرها. عشرة أيام من الاحتجاجات والمواجهات أرهقت المنظومة الأمنية وشلّت البلدة القديمة. في النهاية، تراجع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وأُزيلت البوابات والكاميرات. 

لم يكن ذلك نتيجة بيان إدانة، بل نتيجة كلفة مباشرة تكبّدها الاحتلال. 

وربما يظل المثال الأبرز هو الجهد المصري في حرب 1973، الذي أفضى في نهاية المطاف إلى انسحاب إسرائيلي من سيناء. لو اكتفت مصر بانتظار تدخل المجتمع الدولي، لتحولت مستوطنة «ياميت» إلى نواة تمدد دائم تكرّس واقع يصعب اقتلاعه. فالحرب، بما أحدثته من كسر للتوازن القائم، أعادت تعريف شروط التفاوض وحدود الممكن، ومهّدت الطريق لمسار انتهى بانسحاب من شبه جزيرة سيناء.  

أما في جنوب لبنان، وبعد احتلال استمر قرابة عقدين، وجدت إسرائيل نفسها في عام 2000 أمام واقع لم يعد بالإمكان إدارته بالكلفة السابقة. جاء الانسحاب بعدما تراكمت الخسائر البشرية والضغوط الداخلية، وتآكلت جدوى البقاء.

وبذلك، إن كان في تاريخنا نحن المحتلون درس واضح، فهو أن التحرر من الاستعمار لا يحدث إلا حين تصبح كلفة الإبقاء على الواقع المفروض أعلى من كلفة تغييره. وتشير دروس القدس وسيناء وجنوب لبنان إلى أن القوى الاستعمارية لا تتنازل طوعًا، بل حين تُجبَر على إعادة الحساب. 

عن الكاتب

فتحي نمر

فتحي نمر، زميل شبكة السياسات الفلسطينية. عَملَ في السابق باحثًا مشاركًا في مركز العالم العربي للبحوث والتنمية. درس في جامعة بيرزيت، ومسؤولَ برامج في مركز رام الله لدراسات حقوق الإنسان.…

آراء أخرى

رأي
راجي مهدي

خريف حزب الله

«يواجه مشروع حزب الله كله لحظة مكاشفة تاريخية»

اقرأ →
رأي
عمر موسى

جاري أنس الشريف

«أعتز بأنس الصحفي، لكني أشعر أن صورته في مخيلة الناس، تمثل نقيضًا لصورة أنس جاري الذي أعرف»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).