«الكشري».. الثمن الخفي للسيادة الغذائية المسلوبة
لا أعلم أيّنا يلاحق الآخر. أطارده في ثلاث محافظات مصرية، ويطارد مخيلتي بطعمه ورائحته وذكرياتي معه. ساعات من التحضير ودِقة صارمة في المقادير. وفي تلك المرات التي أكون مرغمًا فيها على الأكل من الشارع، أُحاصَر بخيار أوحد، لا ثان له: الكشري وبسْ.
من قلب وسط البلد بالقاهرة، مرورًا بالإسماعيلية وحتى بورسعيد، لا تحتاج إلى مؤشرات البورصة أو تقارير البنك المركزي لقياس نبض الاقتصاد المصري. يكفيك أن تقضي بعض الوقت بين رنين الترابيزات المعدنية، والملاعق البلاستيكية، ورائحة الثوم والخل ممتزجة بأحاديث الزبائن. الكل هناك يتأهب لتلك اللحظة، حين يغرفُ العامل بملعقته خليط الأرز والعدس والمكرونة، تتجلّى الحقيقة الاقتصادية دون أيّ تجميل، فأنت الآن لست أمام مجرد وجبة، بل في حضرة كون صغير، عيّنة عشوائية من الاقتصاد العالميّ: قمح من روسيا، زيت من أوكرانيا أو الأرجنتين، عدس من كندا أو تركيا، وبصل زُرع في حقول الدلتا.
الكشري في حد ذاته، لا يقتصر على كونه طبقًا شهيًا ذا تكلفة منخفضة، بل هو ظاهرة اجتماعية ونقطة التقاء اجتمع فيها المصريون على اختلاف طبقاتهم. بسعره المنخفض نسبيًا وقيمته الغذائية العالية، وجد الكشري مكانًا له في قلوب آكليه، حتى وإن صعب تقفّي أثره أو معرفة كيف وُجِد بيننا، إلا أنه أصبح شريانًا يمد ملايين البطون الخاوية بالسعرات الحرارية، وتحوّل تدريجيًا إلى «الطبق الوطني» أو الـ«Comfort Food» الذي يحظى بإعجاب وتقدير جميع الطبقات الاجتماعية. أصبح رمزًا للألفة والبساطة والذاكرة الجماعية المصرية.
ربما، وبفضل هذه البساطة تحديدًا، ينتصر الكشري في الشارع، لكنه يخسر معركة الصورة الذهنية دائمًا أمام سطوة الدراما. لسنوات طويلة، صدّرت لنا المسلسلات صورة لموائد لا تنتهي، يتوسطها «الحمام المحشي» و«الفراخ المحمّرة» و«صواني البشاميل»، محتكرين الكادر كأبطال استثنائيين لـ«العزومات» الرسميّة وخصوصًا عزومات رمضان. تلك الصورة التي قد تشكل وعي المصريين وغير المصريين عن مطبخنا، تجسدت في أقصى صورها الكاريكاتورية في مشهد «بوفيه فرح سنية» الأيقوني من مسلسل «لن أعيش في جلباب أبي».
بين «كُل إنت يا عبده، خليك في نفسك إنت» و«يا ماما أنا ما أكلتش مكرونة»، الديك الرومي هو «سفير الشاشات» الأنيق، وضيف المناسبات، وعلامة الوجاهة الاجتماعية، الذي تحفظ به «فاطمة كشري» ماء وجهها، محتفيةً بمظاهر الترف والكرم. لكنّ الكشري «سفير الواقع» ابن البلد الذي كثرت صولاته وجولاته في سوق الوكالة، حتى وإن غاب عن البوفيه حينها، إلا أنّه كان حاضرًا برمزيته وذكرياته بوجود «فاطمة كشري» نفسها متسيدة المشهد ومُرحبةً بالمعازيم.
أستحضرُ صورًا حيّة، مليئة بالروائح والأطعمة، فلا أجد إلا الصلة الوثيقة بيني وبين ذلك الطبق. فبعد يوم طويل في المطبخ ومشقّة تحضيره، أستمتع بأكله في المنزل رغم حوادث زيت القلي وكثرة الحلل والأطباق. إلى جانب أنه الطعام الوحيد الذي ألجأ إلى أكله في الشارع ما إن اضطررت لذلك. أقيس مدى قربي من أصدقائي بمقدار ما تناولناه من الكشري معًا، وقد كسر بعضهم حاجز الخمس مرات بالفعل، أمّا البعض الآخر فلا يزال هذا الطقس على قائمة أمنياتنا لتوطيد صداقتنا.
لم يعد الحال كما كان، يخذلني الكشري فأهرع لمعرفة ماذا حدث. الطبق الذي لطالما اعتبرته ساحة مساواة نادرة، يجمع على طاولاته المعدنية الكل، دون أن يقيّم حساب إنستجرام أحدهم أو يطلب كشفًا لحساب بنكي لآخر، طالته تداعيات الوهن الاقتصادي، الذي لم يرحم حال المصريين ولا غذائهم، ولا طبقهم الوطني. أسعار في ارتفاع، لطبق صغير الحجم فقد تجانسه. لا أزال أذكر حين كانت العشرون جنيهًا كافية للحصول على علبة متوسطة الحجم، تسدّ الرمق. اليوم، أقف أمام نفس البائع، لأدفع ستين جنيهًا مقابل علبة تضاءل حجمها، واختفى منها العدس، وكأن التضخم لم يأكل قيمة العملة فحسب، بل أكل معها مكونات الطبق. الوجبة الغذائية التي ظننت أنها متوفرة ومُتاحة للجميع، تكاد اليوم تخلو من الأرز. أصبح الطبق يملؤه نشا المكرونة رديئة الجودة، مفتقدًا الحمص في الكثير من الأحيان. تجاوزت ملاحظتي تلك حدود جغرافيا المحافظات، وسلاسل المطاعم، والأسماء الكبرى التي سيطرت على صناعة الكشري في مصر، لتجعلني أتساءل: ما الذي حدث ويحدث لغذاء المصريين؟ ولماذا يملأ النشا فمي، مُزيحًا الطعوم الأخرى التي اعتدتُ عليها؟
في ديسمبر 2025، حصل الكشري أخيرًا على ختم «الجنسية» الرسمي، بإدراجه ضمن قائمة التراث غير المادي لليونسكو كمنتج مصريّ خالص، يضرب بجذوره، بحسب السردية التي احتفت بها الدولة، في عمق التاريخ المصري القديم. لكن الذاكرة الموثّقة، تلك التي لا تخضع لبروتوكولات المنظمات الدولية، تفتح أمامنا مسارات أكثر تشابكًا وارتحالًا.
في القرن الرابع عشر، كان ابن بطوطة يتجول في بلاد الهند، يراقبهم وهم يطبخون «المُنج» مع الأرز ويأكلونه بالسمن، ويسمونه «كشري». وصفه بأنه طعام يفطرون به كل يوم ويشبه في مكانته «الحريرة» في بلاد المغرب. بعدها بخمسة قرون، وفي عام 1853 تحديدًا، وثّق المستكشف ريتشارد فرانسيس بيرتون في مدينة السويس مشهدًا يتسيّده «طبق من الكشري، عدس وأرز وسمن وبصل مقطّع مسوّى على نار هادئة»، وصفه بأنه وجبة إفطار ذات أهمية لأهل المدينة في شتائهم. الرواية الشائعة التي استقرت في الأذهان تنسب الكشري للجنود الهنود الذين قدموا مع الاحتلال البريطاني إبّان الحرب العالمية الأولى.
يتّضح لي الآن أنها مجرّد طبقة واحدة فوق طبقات أقدم وأعمق. فخلف هذه الصورة، يقف تاريخ من التطور والتمصير لطبق مَر بعمليات إضافة وتعديل، وليدة المطبخ المصري لا تُنكر عليه محلية طابعه، مثل صلصة الطماطم والبصل المقلي والدَقة، أو المكرونة التي نُسب الفضل فيها إلى الجالية الإيطالية بمصر. وقف الطبق صامدًا أمام رحلة طويلة يصعب البت في مساراتها، لكنه يخبرنا عن مدى التقدير والمرونة الثقافية التي اكتنفته، بحيث أصبح اليوم تراثًا مصريًا مُسجلًا يختبئ وراءه واقع أكثر تعقيدًا. ماذا لو نظرنا إلى هذا الطبق ليس كوجبة، بل كمرآة تعكس لنا علاقة مصر بأرضها وسكانها وواقع الاستعمار الاقتصادي الذي أعاد تشكيل مائدتنا؟
كل ملعقة من هذا الطبق تروي فصلًا في قصة السيادة المسلوبة؛ قصة أرضٍ حُرمت يومًا من قمحها وبقولها مقابل الاستيراد الأرخص، لتجد نفسها بعد عقود تزرع الفراولة والبرتقال لتزيّن موائد الشمال العالمي، بينما تستجدي القمح والعدس من بورصاتهم ليُقيم أود أبنائها. إنه ليس مجرد نظام عالمي، بل هندسة اقتصادية حوّلت الكشري خاصتنا من منتج محلي، إلى رهينة لتقلبات الدولار وحروب الآخرين.
إنها قصة صراع بين مفهومين غالبًا ما يتم الخلط بينهما. الأول هو «الأمن الغذائي»، وهو ما تركز عليه السياسات الرسمية، ويعني قدرة الدولة على توفير الغذاء لسكانها، سواء من الإنتاج المحلي أو عبر الاستيراد، وهو الأهم في الحالة المصرية. أما المفهوم الثاني، الأعمق والأكثر جذرية، فهو «السيادة الغذائية». هذا المفهوم، الذي صاغته حركات الفلاحين الدولية مثل «لا ڤيا كامبيسينا»، ولا يتعلّق فقط بتوفير الطعام، بل بـ«حق الشعوب في غذاء صحي وملائم ثقافيًا، يُنتج بأساليب مستدامة وسليمة بيئيًا، وحقهم في تحديد نظمهم الغذائية والزراعية الخاصة».
لفهم أبعاد أزمة السيادة الغذائية في مصر، لا بد من تفكيك طبق الكشري إلى عناصره الأولية. فكل مكون ليس مجرد عنصر غذائي، بل هو مؤشر اقتصادي وسياسي يكشف عن مواطن القوة والضعف في السياسات الغذائية المصرية. هذا الطبق، الذي يبدو متجانسًا، يكشف كيف أن السعي وراء «الأمن الغذائي» القائم على الاستيراد قد أتى على حساب «السيادة الغذائية» الحقيقية.
القمح: فن إدارة التبعية.. لا الفكاك منها
على عكس كشري المنزل، تشغل المكرونة الحيّز الأكبر من الطبق في المحلات، «عشان يطلع الطبق مضبوط، التلت والتلتين على طول، تلتين مكرونة، وتلت للرز»، هكذا أخبرني محمود حميد (50 عامًا)، يعمل بصناعة الكشري منذ عام 1992. لم يكتفِ محمود بإشباع فضولي عن هذه القاعدة الذهبية، التي تنطبق على أي طبق مهما كان سعره، بل أكمل حديثه حول «فنون تسوية المكرونة» والفارق الذي رآه بين بورسعيد والقاهرة في المكرونة المُستخدمة خصوصًا، وطبق الكشري عمومًا.
يؤكد حميد أن هذه التقسيمة بين المكونات تعطي الطبق طعمه المعتاد، وتضفي عليه توازنًا لا نجده بين مقدار ما تنتجه مصر من قمح، وما نستهلكه. يشكّل محصول القمح عصب الحياة اليوميّة لملايين المصريّين، من رغيف الخبز المدعّم، وحتى المكرونة التي تعلو طبقات الكشري. تشير بيانات تقرير وزارة الزراعة الأمريكية في سبتمبر 2025، إلى أن إجمالي الاستهلاك السنوي من القمح يقارب 20.5 مليون طن، بينما لا يتجاوز الإنتاج المحلي 9.2 مليون طن في أفضل الأحوال. مصر، باعتبارها أكبر مستوردي القمح عالميًا، تقف عَزْلاء عارية الأيدي تمامًا، على الخطوط الأولى بين موسكو وكييف، بنسبة اكتفاء ذاتي قُدر متوسطها بـ50.1%، فتُلزم باستيراد ما يقارب تسعة ملايين طن من القمح سنويًا، بحسب تقديرات دراسة تستند إلى بيانات الفجوة القمحية ونسبة الاكتفاء الذاتي منذ بداية الألفية وحتى عام 2022، وهو وضع يلقي بعبء هائل على ميزان المدفوعات ويجعل «أمن مصر الغذائي» رهينة الأسواق العالمية المتقلبة.
تجلت هذه الهشاشة الاستراتيجية بوضوح مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، حيث كانت الدولتان من أهم موردي القمح لمصر، ما أدى إلى صدمات سعرية مهددةً استقرار الإمدادات. تمحورت الاستجابة الرسمية للدولة حول تعزيز «الأمن الغذائي» عبر تنويع مصادر الاستيراد، فتوسعت مصر في شراء القمح من 22 دولة، بدلًا من الاعتماد على عدد محدود من الموردين.
يظهر هنا التناقض الجوهري بين سياسات «الأمن الغذائي» ومبادئ «السيادة الغذائية». فبينما تضمن استراتيجية تنويع الواردات وجود إمدادات مستمرة تُخفّف من مخاطر الاعتماد على مورد واحد، فإنها في جوهرها لا تعالج المشكلة الأساسية، بل تديرها وتكرسها. فمبادئ السيادة الغذائية، كما حددتها الحركات الفلاحية، تدعو إلى تقليل الاعتماد على الخارج وتعزيز الإنتاج المحلي وتمكين صغار المزارعين من السيطرة على قرارهم الزراعي. تتحرّك السياسة المصرية الحالية من منطلق إدارة المخاطر لا غير، وتعمل بشكل مباشر ضد هذه المبادئ، مُحوّلة الدولة إلى مشترٍ عالمي أكثر كفاءة، وليس مُنتِجًا محليًا أكثر قوة.
الأرز: شراهة المياه في أراضينا العطشى
إذا كان القمح يروي قصة تبعية مزمنة، فإن الأرز يروي حكاية مفارقة محيرة. في طبق الكشري، يلتقي العجزان: عجز العملة الأجنبية الذي يمثله القمح، وعجز نهر النيل الذي تمثله حبات الأرز. وبينما حاربت الدولة لتدبير الدولار لشراء القمح، حاربت المُزارع لمنعه من ري الأرز.
في قلب هذه المعادلة، يقف محمد الجوهري وشهرته أبو سيف (46 عامًا)، الذي عمل بصناعة الكشري لمدة 13 عامًا قبل افتتاح محله الخاص منذ حوالي سبع سنوات. يعتمد أبو سيف بشكل أساسي على توريدات من تجار بالقاهرة والجيزة، في رحلات ربع سنوية إلى بورسعيد، تحمل طلبيات لتشغيل مطعمه «طنّ أرز، طنّ عدس، طن مكرونة». يُخبرني أن حركة البيع تباطأت بشكل ملحوظ، ففي بدايات عام 2018، كان مخزون من المواد الخام ينفد بالكامل خلال شهرين أو ثلاثة على الأكثر، أما الآن، فقد باتت نفس الكمية تستغرق ما بين ثلاثة إلى أربعة أشهر لتنفد. العلاقة بين الزبائن والأسعار علاقة عكسية، فالمتغيّرات كثيرة والأسعار في ارتفاع دائم. الثابت الوحيد هو صمود أصحاب محلات الكشري أمام تقلبات الأسعار المستمرة وانخفاض عدد الزبائن الملحوظ، كُلٌ بطريقته.
لعقود طويلة، كان الأرز المصري قصة نجاح بامتياز. ففي مطلع الألفية، احتلت مصر المرتبة الأولى عالميًا في إنتاجية الفدان، محققة اكتفاءً ذاتيًا كاملاً وفائضًا كبيرًا. ففي ذروة نشاطه التصديري عام 2007، صدرت مصر أكثر من مليون طن، مُحقّقة عائدات دولارية ضخمة، قبل أن تبدأ رحلة التراجع الدراماتيكي.
في معادلة الكشري، يَمثُل الأرز «المتهم الشره» في قفص الاتهام الحكومي. لسنوات، سادت سردية رسمية تصف الأرز بأنه مبدد للمياه، مبررة تقليص مساحاته من نحو 1.1 مليون فدان إلى ما يقارب 724 ألف فدان في بعض المواسم، مع توقيع عقوبات بالحبس ستة أشهر على المزارعين المخالفين، وغرامات تتراوح بين ستة وعشرة آلاف جنيه عن كل فدان، ناهيك عن حصر زراعة المحصول في عدد من المساحات التي تحدد سنويًا، بمقتضى المادة 28 و140 من قانون الموارد المائية والري. لكن هذه السردية تتجاهل وظيفة بيئية حيوية يشرحها أستاذ استصلاح الأراضي والموارد المائية، نادر نور الدين، في بودكاست «الحل إيه؟». فالأرز ليس مجرد محصول، بل هو «إكسير الحياة» بالنسبة لفلاحين الدلتا، حيث تغسل مياه زراعته التربة من متبقيات الأسمدة والمبيدات والأملاح، مانعة تغوّل مياه البحر المتوسط عليها فلا تملّحها. دلتا مصر، باعتبارها أوهن مناطق العالم لارتفاع مستوى سطح البحر إلى جانب التغير المناخي، تقليص زراعة الأرز بها قد يوفر المياه في اللحظة الراهنة، ولكنه يغامر بخصوبة موطن لـ63% من الأراضي الزراعية بمصر.
تكتسب هذه المغامرة خطورتها القصوى في ظل المتغير الأخطر جنوبًا: سد النهضة الإثيوبي. لم يعد الحديث عن السد نقاشًا سياسيًا ثانويًا، بل أصبح المحدد الرئيسي للميزانية المائية المصرية، في بلد يعد الأكثر جفافًا. ومع اكتمال الملء وتخزين المياه خلف السدود الإثيوبية، انتقلت مفاتيح «الصنبور» فعليًا إلى الهضبة الإثيوبية، ما يضع مصر أمام كابوس يسميه نور الدين «السنوات العجاف»، تلك السنوات التي قد ينخفض فيها الفيضان الطبيعي، وتكون الأولويّة فيها لتخزين المياه في إثيوبيا لا لتمريرها إلى مصر.
تحت وطأة هذا التهديد الوجودي، وحالة الشح المائي الشديد التي تفرض عجزًا سنويًا يُغطى بإعادة تدوير مياه الصرف الزراعي، تحوّل قرار زراعة الأرزّ من خيار فلاح يبحث عن الربح وسلامة الأرض، إلى قرار سيادي صارم. أصبح طبق الكشري، في أبرز مكوناته، رهينة مباشرة لما يحدث عند منابع النيل، حيث يدفع الفلاح المصريّ وآكل الكشري ثمن فاتورة المياه، التي، وبعد أكثر من 13 عامًا من المفاوضات والدبلوماسية، لم تتردد مصر في إبداء غضبها علنًا من تعنّت الجانب الإثيوبي.
في المقابل، يرى الباحث الاقتصادي محمد رمضان في حجة «الفقر المائي» جزءًا من الحقيقة فقط. فبينما يُحرم طبق الكشري من الأرز والعدس بدعوى شح المياه، يرى رمضان أننا أيضًا أمام حالة من «الندرة المصطنعة»، إذ يُعاد توزيع الموارد المائيّة بعيدًا عن تحقيق توازن محصولي يلبي احتياجات المواطن، لتذهب المياه في النهاية إلى مائدة المستهلك الأجنبي في صورة محاصيل تصديرية، كضريبة لنموذج الزراعة الموجهة للتصدير.
يشير رمضان إلى أن أزمة «تصدير المياه»، عبر الموالح، لا تكمن فقط في استنزاف الموارد، بل في الجدوى الاقتصادية المنقوصة لهذا النموذج. فنحن نكتفي بدور المُزارع الذي يبيع المادة الخام، دون امتلاك صناعات غذائية قوية أو علامات تجارية قادرة على المنافسة. يقول رمضان واصفًا هذا الوضع: «إنت بتحتل موقع مش شديد التنافسية أو الجاذبية في سلسلة توريد البرتقال. إنت مجرد بتزرع محصول بيستهلك مياه وبتصدره، مثلًا ما عندكش براند عصير عالمي للبرتقال».
يضعنا غياب هذه القيمة المضافة في مقارنة خاسرة مع نماذج أخرى في حوض المتوسط، مثل إسبانيا التي لم تكتفِ بالزراعة، بل بنت سلسلة توريد متكاملة لزيت الزيتون، تقوم فيها بتعبئة وتغليف حتى منتجات جيرانها في جنوب المتوسط وإعادة تصديرها كمنتج إسباني عالي القيمة، وكذلك إيطاليا في صناعة الأجبان. أما النموذج المصري الحالي، فهو يستهلك الحلقة الأغلى (المياه) ليبيع المنتج الأرخص (الفاكهة الخام)، محرومًا من المنفعة العظمى التي تكمن في التصنيع والتسويق والنفاذ إلى الأسواق العليا.
في مواجهة ارتفاع الأسعار، يلجأ أبو سيف إلى شراء كميات كبيرة تفي احتياجات المطعم من شهرين إلى ثلاثة، حتى وإن تسبب هذا في ضغط مادي عليه. ولكن على المدى البعيد ينتظر لحظة «هدوء الأسعار» ليشتري المنتجات التي يفضلها مرة أخرى مثل «رزّ العريضة». قد تنجح هذه الاستراتيجية مع الحبوب، ولكن مكوّنات مثل البصل والطماطم لا تناسبها مثل هذه الحلول، إذ يحتاج طبق الكشري إلى توفرهما طازجين يوميًا: مرة للصلصة ومرة للبصل «الورد»، رغم تقلب أسعارهما الحاد والمستمر، بحسب أبو سيف.
العدس البني: أو كيف فقدنا محصولًا بلون الطمي
قبل وقت قريب، دخلت المطبخ لتحضير طبق كشري. تفانيت جدًا في إعداده لكنني انتبهتُ، عندما وضعتُ الصحن فوق الطاولة استعدادًا للأكل، إلى أنّني نسيتُ المكرونة. لم أنس إضافتها إلى الطبق فحسب، بل نسيت إعدادها تمامًا، كأنّ عقلي تمرد ضمنيًا على كل المرات الأخيرة التي راوغني فيها طعم «النشا»، معلنًا احتلاله لبراعمي التذوقية بالكامل، ومشوهًا ذاكرتي عن الكشري. اليوم، ألجأ في معظم الوقت إلى: الأرز والعدس البني، والبصل المحمّر ليزين أعلى الطبق، في محاولة لاستعادة الطعم المفلفل والغنيّ الذي خربته علي مكرونة المحلات. اكتشفت، عن طريق الخطأ، بأنّني أُعد «المجدّرة». لم تقتصر رحلة بحثي عن الطعم الأصيل للكشري، على التنقل بين مطاعم المحافظات المختلفة، بل انحرفت بوصلتي نحو وجهة غير مقصودة، مطبخ الأردن والعراق وفلسطين، وكل ذلك عن طريق الصدفة، مع عدة إضافات، وهنا أقصد «الشعيرية» و«الكزبرة» التي تخلو منهما الوصفة الأصلية التي وجدتها لـ«المجدّرة».
«والله الأول كان أحسن، كل حاجة كان فيها بركة، كنت بتاكل طبق كشري كامل من كل حاجة، عدس زيادة، تقلية زيادة»، هكذا أجابني حميد، حينما سألته عمّا إذا لاحظ أي فروق بين الكشري في بداية الألفية مقارنة باليوم. مثله مثل باقي الأطباق، يسمح الكشري بمتّسع من التجارب والاختراعات مثل إضافة الكبدة. أتذكر رفضي الشديد لها منذ عدة سنوات، لكن بعد تجربتها فوجئت تمامًا، فقد أضافت للطعم بُعدًا جديدًا وقيمة غذائية أعلى. أمّا عن بعض الاختراعات فلا أفهمها ولا أستسيغها، مثل «الكشري بالتومية» الذي أخبرني عنه أحد عمّال مطعم أبو سيف، أو مكرونة «لسان العصفور» التي يعتبرها حميد تشويهًا للوصفة الأصليّة.
العدس البني (أبو جبة)، أو الكهرمان كما يدعوه حميد، لم يكن أوفر حظًا من رفيقيه في الطبق، فإذا كانت المكرونة تمثل التبعية، والأرز يمثل التراجع، فإن العدس يجسد الانهيار شبه الكامل. ضمن وصاياه لإعداد طبق كشري مثالي، يؤكد حميد أن وفرة العدس تأتي على رأس القائمة.
عرِف قدماء المصريين العدس منذ عصر بناة الأهرام، فوجد لنفسه مكانًا على مائدتهم، واصطحبوه معهم إلى قبورهم، تمامًا مثلما عرفوا القمح والحمص والفول. تجنّب الكهنة، في نظامهم الغذائي، الفول، فتركوه لعامة الشعب، مُفضّلين أكل العدس عليه، فلا هو يسمن الأجساد ولا يَعسُر هضمه. يقول وليم نظير في كتابه «الثروة النباتية عند قدماء المصريين»: «فبينما تحرى الكهنة الخفة والزهد، متعمقين في دراسة اللاهوت، وُجِد العدس في وقتٍ لاحق ممزوجًا مع القمح والشعير في أحد قبور العصر اليوناني الروماني». ولعل هذا المزيج كان حجر الأساس لذائقة مصرية جمعت بين الشرق والغرب، والعدس والقمح، كما يشير الكتاب ذاته.
تاريخيًا، كان العدس يزرع في الوجه القبلي بعد موسم الفيضان. ولكن بعد بناء السد العالي، أصبح يزرع في كل مكان، في بداية ومنتصف شهر نوفمبر من العام. انحدر الوضع بشكل كبير، تشير دراسة إلى الانخفاض النسبي في مساحة الأراضي المنزرعة بالعدس في مصر بنسبة 89%، خلال العقد الماضي وحده، لتنحسر نسبة الأفدنة المزروعة من 3.2 ألف فدان في 2010 وتصل إلى 0.35 ألف فدان عام 2019 (أي نحو 350 فدانًا فقط)، ما أدى إلى زيادة بنسبة 91% في حجم الواردات خلال فترة الدراسة (2010-2021). لم يعد الزهد في مصر خيارًا روحيًا مجانيًا، بل أصبحت له فاتورة ثمنها الانهيار، والإقصاء الذي عانى منه «العدس»، حيث استُبدل به القمح ومحاصيل التصدير في الحقل مرة، والعدس التركي والكندي في السوق مرة ثانية. إذ لم يَكفِ إنتاج العدس المصري سوى تغطية 1.8 يوم من أصل استهلاك قُدر بـ104 آلاف طن، بحسب بيانات عام 2021.
خرائط النفوذ وملكية البذور
إذا كان استيراد القمح والعدس يمثل الوجه الظاهر للتبعية، فإن الوجه الخفي يتجلى في التفاصيل الصغيرة التي تمنح الكشري نكهته، صلصة الطماطم والبصل المقلي. هنا، يكمن الشيطان في التفاصيل فعليًا، لنتأرجح بين سؤال «من يملك الأرض؟» إلى السؤال الوجودي الذي يطرحه الباحث صقر النور: «من يملك البذرة، وبالتالي من يملك مستقبل الزراعة؟».
تكشف البيانات أن مصر تستورد ما يقارب 98% من بذور الخضروات. هذا يعني أن الطماطم التي تُسبّك يوميًا في المطابخ المصرية، والبصل الذي تتعدد استخداماته في ما هو أبعد من «ورد الكشري»، هما ثمار بذور أجنبية، مهجّنة ومحمية بحقوق ملكية فكرية لشركات عالمية عابرة للحدود.
يشير النور في مقاله «البذور كأداة للهيمنة: تقويض السيادة في مصر الزراعيّة» إلى أننا لم نفقد فقط البذور المحليّة المتكيفة مع بيئتنا، بل فقدنا معها «المعرفة». تحول الفلاح المصري من «مُنتِج للبذور» يحفظها من موسم لآخر، إلى مجرد «مستهلك» مُجبر على الرضوخ لنموذج الزراعة عالية المدخلات وشراء البذرة والسماد والمبيد من نفس الشركة العالمية كل موسم.
الإجابة عن سؤال: لماذا لا نزرع ما يكفي من العدس والقمح؟ لا تتعلق فقط بالتربة والمناخ، بل بـ«من يملك القرار في الأرض». يفكك رمضان خريطة القوى الفاعلة، محددًا إياها في ثلاثة لاعبين كبار يهيمنون على المشهد الزراعي التصديري:
أولًا: القطاع الخاص القديم، وهي شركات زراعية كبرى تأسست بين الستينيات والثمانينيات، مثل دالتكس وفارم فريتس، وتتركز في مساحات شاسعة بالأراضي المستصلحة في النوبارية وطريق مصر الإسكندرية الصحراوي. ثانيًا: اللاعبون الجدد نسبيًا، وهي الشركات الخليجية التي دخلت السوق في بداية الألفية، مثل الراجحي السعودية والظاهرة الإماراتية، بعد أن استحوذت على مساحات كبيرة في توشكى وشرق العوينات. وأخيرًا: الأجهزة السيادية التي دخلت مؤخرًا كفاعل رئيسي ومباشر في الإنتاج الزراعي.
يُركّز هذا الثالوث بشكل أساسي على نموذج الزراعة الواسعة الموجهة للتصدير، وهو نموذج يصفه رمضان بأنه «نموذج أمريكاني قوي» قد يصلح لسهول الغرب الأوسط الأمريكي، لكنه لا يناسب مصر كثيفة السكان والفقيرة مائيًا. يرى رمضان أن التفكير في السيادة الغذائية يتطلب تجاوز المؤشرات الاقتصادية المباشرة نحو «العوامل شديدة المحلية والثقافية»، حيث تبرز عبقرية المزارعين المصريين في استغلال المساحات الصغيرة في الدلتا والصعيد، والتي لا تتجاوز أحيانًا خمسة قراريط، لتحقيق الاكتفاء الذاتي. ويستشهد في هذا السياق بالنموذج الصيني، حيث يشتغل صغار الفلاحين بكفاءة عالية على مساحات ضيقة، دامجين التكنولوجيا الحديثة بالمعارف المحلية المتوارثة عبر آلاف السنين.
هذه المعرفة لا تُستقى من الكتب، بل عبر ممارسات بيئيّة مستدامة اكتسبتها الأجيال بالتجربة، مثل «تدوير المحاصيل» للحفاظ على جودة الأرض. وبناءً على ذلك، يعتقد رمضان أن صغار المزارعين في مصر يحققون مستويات كفاءة تتفوّق على المزارع الكبيرة، وهو ما يستوجب توجيه الدعم الحكومي لهم لتعزيز هذه القدرة الإنتاجية.
في المحصلة، يعود رمضان بسؤال السيادة إلى مائدة الطعام: «احنا بنستهلك الكشري كتير ليه؟»، ويجيب بأن الأمر مرتبط بالفقر الناتج عن أزمة في «التحوّل التنموي» وفشل خطط التصنيع الوطنية، ما جعل المصريين مرتهنين لنمط غذائي يفرضه الواقع الاقتصادي لا الاختيار الحر.
قد يتضح هذا الفقر المتعدد عند النظر إلى خريطة استهلاك البروتين الحيواني. تخبرنا نشرة الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (ديسمبر 2025) أن الإنتاج المحلي من اللحوم الحمراء انخفض بنسبة 18.4%، ليقف متوسط نصيب الفرد عند 8.0 كجم سنويًا (بنسبة اكتفاء 55.4%). أمام هذا التراجع، استحوذت الدواجن على مساحة أكبر من مائدة المصريين، حيث بلغ نصيب الفرد منها 15.9 كجم سنويًا. ورغم هذا الاعتماد المتنامي نحو البديل الأبيض والأرخص نسبيًا، يظل إجمالي ما يحصل عليه الفرد من اللحوم بنوعيها يدور حول 24 كجم طوال العام. هذه المعادلة الرقمية، التي تتضاءل فيها اللحوم الحمراء، تترك فراغات لا يسكن خوائها سوى الكشري والنشويات كخيار اقتصادي لا بديل عنه.
أمام هذا العجز، يشرح رمضان كيف تتشكّل المنظومة الغذائية كحصيلة لعوامل اقتصادية واجتماعية، موجزًا النظام الحالي في ثلاثية: الكربوهيدرات الرخيصة، والزيوت النباتية والمهدرجة، والبروتين القليل، واضعًا في الحسبان نمط العمل لساعات طويلة، الذي يفرض الاستهلاك الكثيف لمنتجات عالية السعرات ومنخفضة القيمة الغذائية. «سؤال القمح هو سؤال شديد التعقيد لأن إنتَ هتغيّر ثقافة استهلاك القمح المكثفة دي إزاي؟ ببساطة شديدة إنتَ محتاج ترفع مستوى معيشة الناس، إنهم ما يضطروش ياكلوا قمح بالكثافة دي». تدخل الأزمة الاقتصادية في المعادلة، ليتضاءل الوقت المتاح لإعداد وجبات مُغذيّة ومفيدة، خاصّة على النساء اللواتي يتولين الأعمال الرعائية غير المدفوعة، ويُشاركن في عمليّة الإنتاج بسبب الواقع الاقتصادي الرأسمالي المفروض عليهن. هذا النمط «غير المنطقي» كما يصفه رمضان، لا يلقي بظلاله على الفقراء وحدهم، بل امتد ليشمل الطبقة الوسطى أيضًا، مؤثرًا على توزيع الأدوار والعبء الرعائي.
الاحتفاء الأخير: أن تزهد بغير إرادتك
في الزاوية الخارجية للمطعم، حيث بدأتُ رحلتي، يرتد صدى صوت حميد الذي يمسك بمغرفة الكشري منذ 34 عامًا، ليغلق دائرة أسئلتي واضعًا يده على جوهر التحوّل الذي طرأ على الطبق. يقول حميد: «كان أسرع وأرخص أكلة للفقير، دلوقتي ما عادش للفقراء فعلًا خالص». بات الكشري أقرب إلى أن يكون طبقًا سياحيًا، من كونه ملاذًا للفقراء كما مضى، حين بدأ حميد مهنته.
بحسب تقديره، تبلغ تكلفة الطبق الواحد المُشبِع حاليًا نحو 50 جنيهًا. وفي سيناريو تخيُّلي لأسرة مكونة من ثلاثة أفراد، تعتمد على الكشري كوجبة غداء يومية طوال الشهر، ستصل الفاتورة إلى 4500 جنيه شهريًا. هذه التكلفة وحدها تلتهم 64% من الحد الأدنى للأجور في مصر البالغ سبعة آلاف جنيه.
طبق الكشري ليس مجرد وجبة. بل مرآة لواقع متراكب، وبعد أن ابتعد عن مائدة الفئة التي طالما ناصرته، يصبح الاعتراف بالكشري في اليونسكو مجرد عزاء لواقعٍ صار فيه الزهد أغلى مما تحتمله جيوب البشر.
هوامش:
1- محصول بقولي صيفي (Vigna radiata)، ينتمي إلى الفصيلة البقولية؛ وهي العائلة النباتية ذاتها التي ينتمي إليها العدس والفول.
2- أرز الحبة العريضة (Broad-grain Rice): سلالات تنتمي لمجموعة (Japonica)، تتميز بحبات قصيرة وعريضة ومحتوى نشوي يمنحها قوامًا متماسكًا عند الطهي، وهي السلالة الأكثر استهلاكًا في مصر.
3- القيراط، وحدة قياس مساحة تعادل 175.03 متر مربع تقريبًا، وهو يمثل 1/24 من الفدان المصري.
كُتب هذا النص ضمن فترة التدريب والدراسة الخاصة في«الأكاديمية البديلة للصحافة العربية». وهي برنامج زمالة مُكثف مدته عام، يشجع على الإبداع والتفكير النقدي في الصحافة وتشرف عليه شبكة «فبراير».
تقارير ذات صلة
ألا زلتِ مجنونة يا قوطة؟
تعد الطماطم خامس أكبر محصول يُنتج محليًا، بعد البنجر وقصب السكر والقمح والبطاطس
ماذا تفعل الدولة بين مطرقة التضخم وسندان انخفاض النقد الأجنبي؟
تظل مرونة سعر الصرف هدفًا مستمرًا للحكومة في محاولة للحفاظ على الاستثمارات الأجنبية
سوق الدواجن «للكبار فقط»
حل الأزمة لا يكمن في الاستيراد
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن