تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
ألا زلتِ مجنونة يا قوطة؟

ألا زلتِ مجنونة يا قوطة؟

كتابة: سارة سيف الدين 7 دقيقة قراءة

جاء ارتفاع أسعار الطماطم ضمن أبرز القضايا التي علّق عليها رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، السبت الماضي، خلال مؤتمر صحفي أعقب جولته بسوق العبور لتجارة الجملة، قائلًا: «كان في مشكلة في سلعة الطماطم في الأيام السابقة. السبب كان طارئ في المحصول، في عدد من محافظات الصعيد، حصلت فيها مشكلة تسببت في نقص المعروض، ما رفع الأسعار».

وأضاف مدبولي: «الحمدلله، تجاوزنا ده»، مُؤكدًا أنه تابع الأسعار بنفسه خلال جولته، حيث «تحسنت وبقى السعر من 15 - 20 جنيهًا للكيلو»، مع وعد بمزيد من الانخفاض مع دخول كميات جديدة إلى السوق.

كانت أسعار الطماطم قفزت خلال النصف الثاني من شهر رمضان، لتتراوح حاليًا بين 40 إلى 60 جنيهًا للكيلو في مناطق مختلفة، بعد أن كانت بين 15 و25 جنيهًا، ما أربك سوقًا ومجتمعًا، على اختلاف طبقاته، يعتمد مطبخه تاريخيًا على الطماطم بكميات هائلة. وبينما أرجع مدبولي الأزمة إلى ظرف طارئ في الصعيد قلّص المعروض، رأى عدد من مزارعي الطماطم بالصعيد وتُجار وأستاذيّ اقتصاد زراعي، تحدثوا إلى «مدى مصر»، أنها أزمة متكررة، وليست طارئة.

caption
تصوير: المصدر: وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي

«مضروب خالص»، هكذا وصف جمال العمروسي، تاجر الطماطم بالصعيد، لـ«مدى مصر»، محصول الطماطم بمناطق الأقصر وإسنا والبحيرة، وهي أهم مناطق إنتاج العُروة الشتوية، التي تُزرع بالصعيد منذ أغسطس، ويبدأ حصادها في شهر يناير.

ويعود تراجع الإنتاج إلى إصابة المحصول بآفة، تُعرف بـ«دودة التوتا أبسلوتا»، التي تعد من أخطر الآفات المرتبطة بالطماطم والمعروف عنها بالكارثة المطلقة (ومن هنا يأتي اسمها absoluta)، إذ قد تؤدي إلى وقف نمو الثمار أو القضاء على المحصول بالكامل. وبالتوازي، أثرت موجات الانخفاض الحاد في درجات الحرارة سلبًا على المحصول، ما أدى إلى توقف الحصاد خلال شهر مارس بدلًا من استمراره حتى منتصف أبريل، كما جرت العادة، بحسب المصادر. 

أحد مُزارعي الطماطم بمركز سمالوط بالمنيا، حسني أبو طهير، أوضح لـ«مدى مصر» أن رشّ المبيدات خلال المواسم السابقة مرة أو اثنتين كان كافيًا للقضاء على الدودة، لكن «دلوقتي احنا محتارين ومش عارفين نتخلص منها، لدرجة إن في ناس قررت تقلّع الطماطم من الأرض».

من جانبه، يشرح الباحث في التنمية الريفية، صقر النور، أن التغيرات المفاجئة في درجة الحرارة تخلق بيئات مواتية لتكاثر بعض الحشرات، وواحد من أهم المتغيرات غير المرئية التي تلحق بالزراعة هو زيادة دورة الآفات، بحيث تظهر أكثر من مرة خلال الموسم الواحد، ويضيف أن الاستخدام العشوائي للمبيدات، وانتشار الأنواع المغشوشة بسبب ارتفاع أسعارها، يزيد من مقاومة الحشرات لها، موضحًا أن الطماطم تعد من المحاصيل شديدة الحساسية، نظرًا لزراعتها في الحقول المفتوحة وليس داخل الصوّب. 

إلى جانب الإصابة بـ«التوتا أبسولوتا»، والتقلبات الجوية، أشار مزارعون إلى أن هناك أراضي لم تُزرع بالطماطم من الأساس، بسبب عزوف الفلاحين. «الناس رفعت إيدها من الزرع» خلال العُروة الشتوية، بحسب وصفهم، نتيجة خسائر كبيرة تكبّدوها خلال ثلاث عُروات، لتأتي «دودة الأبسلوتا» وتقضي على ما تبقى من إنتاج هو أقل من احتياجات السوق. 

يفسر العمروسي، وأستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة بني سويف، محمد الرُميلي، هذه الخسائر بنمط مُتكرر في بعض المحاصيل، حيث يؤدي ارتفاع أسعار المحصول، نتيجة انخفاض الإنتاج، إلى اندفاع كثير من المزارعين نحو زراعة الطماطم لارتفاع أسعارها، ثم يتضح أن الإنتاج أصبح أكبر مما يتحمّله السوق، فتنخفض الأسعار بشكل حاد، ويخسر الفلاحون.

أرض مزروعة بالطماطم

ولا تعد خسائر الطماطم قليلة، نظرًا لارتفاع تكلفة زراعتها، بحسب النور. يتكلف زراعة الفدان ما بين 100-110 آلاف جنيه، بحسب أبو طهير الذي يُفصل هذه التكلفة في الأسمدة الكيماوية والمبيدات التي تتكلف 25 ألف جنيه، و20 ألف جنيه للشتلات، بعد ارتفاع سعر الألف شتلة من 800 إلى 2500 جنيه، بالإضافة إلى عشرة آلاف جنيه للكهرباء، ومثلها للسماد العضوي «السباخ»، وأخرى لشبكات التنقيط، بخلاف المصروفات الأخرى من إيجار وعمالة وغيرها. 

كما ساهمت زيادة أسعار المحروقات، خاصة السولار، في رفع تكلفة النقل، وإن لم يكن ذلك شأنًا يخص الطماطم وحدها، حيث أوضح العمروسي أن تكلفة النقل ارتفعت من 17 ألف جنيه للعربة التي تنقل 280 قفصًا إلى 21 ألف جنيه، بعد الزيادات الأخيرة.

وأشار المزارعون إلى أن الأسعار المُرتفعة حاليًا بالكاد تعوض الخسائر الكبيرة التي لحقت بهم خلال العام الماضي، فما بين صغار ومتوسطي الفلاحين، تراوحت الخسائر بين آلاف وملايين الجنيهات.

وبالنسبة للسوق، يشهد سوق الطماطم، ركودًا شديدًا، بدءًا من تجار الجُملة، إذ أوضح أحدهم أن «التجار بقوا خايفين يشتروا الطماطم، السعر ينزل ونخسر، وبدل ما بناخد 70 أو 80 دُوبل، (نقلة تتكون من 280 قفص) بقينا بناخد 20-25 بس». ولا يختلف الحال كثيرًا عن ما قاله عدد من التجار بمحال الخضراوات والفاكهة بسوق سليمان جوهر بالجيزة، حيث أصبحوا يشترون عدد كيلوات أقل، مع عزوف المستهلك عن الشراء.

خلال المؤتمر الصحفي مع رئيس الوزراء، قالت إحدى الصحفيات، بصفتها مواطنة، إنها فوجئت بارتفاع أسعار الطماطم، حتى قبل زيادة أسعار المحروقات، مضيفة أنها تقدمت بشكوى عبر منظومة الشكاوى الحكومية، التي استجابت سريعًا، عبر تدشين حملات رقابية بالمنطقة التي تسكن فيها، بجانب توضيح أن السبب يعود إلى العُروة الشتوية.

يرى النور أن هذه الاستجابة تعبر عن استياء المستهلكين في الحضر، خاصة الطبقات الوسطى، تجاه ارتفاع أسعار السلع الزراعية، مما يسلط الانتباه على المنتج، بينما يظل ما يتكبده الفلاح من أجل الاستمرار في الزراعة غير مرئي وغير مسموع. 

هنا، تصبح الطماطم، المعروفة تاريخيًا بجنونها، لتذبذب أسعارها وسهولة تعرضها للتلف كثمرة، حلقة الوصل بين الأرض وطاولة الطعام، وبين الفلاح والصحفية. 

نوعان من الطماطم: «مستوية» تباع في أحد منافذ الحكومة بالدقي، بسعر 35 جنيهًا، وأخرى قابلة للطهو والسلطة بسعر 40 إلى 50 جنيهًا

وتعد الطماطم خامس أكبر محصول يُنتج محليًا، بعد البنجر وقصب السكر والقمح والبطاطس، وفق بيانات منظمة الأغذية والزراعة «الفاو». ومع ذلك، انخفضت المساحات المزروعة بها خلال عشر سنوات، بحوالي الخُمس، كما تراجع الإنتاج بنسبة 15% ليصل إلى نحو سبعة ملايين طن، بحسب أحدث بيانات الإنتاج الزراعي من الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.

وأبعد من ذلك، كانت الطماطم، رغم جنونها، تُصدر لدول الجوار، مُبردة أو مُصنعة، ولكن حتى هذا الأمر لم يستمر، إذ تراجعت صادرات الطماطم المُصنعة، مثل الصلصة ومعجون الطماطم والكاتشب، خلال العام الماضي، إلى أدنى مستوياتها خلال خمس سنوات، بعد فقدان أسواق رئيسية مثل السودان وفلسطين وليبيا، بينما ظهرت أسواق بديلة مثل الإمارات والسعودية، لكن بكميات أقل لم تعوض خسارة الأسواق الرئيسية. 

كما تراجعت صادرات الطماطم المُبردة، إلى أدنى مستوى لها خلال خمس سنوات، لتصل إلى نحو أربعة مليون دولار فقط خلال العام الماضي، وهو ما يُمثل ربع صادرات العام السابق. في المقابل، كانت الطماطم الكرزية، الاستثناء الوحيد، إذ قفزت صادراتها من عشرة آلاف دولار عام 2021، إلى أكثر من مليونيّ دولار العام الماضي، وكانت روسيا وأوكرانيا وهولندا أكبر المستوردين، بحسب بيانات التجارة الخارجية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء. 

في هذا السياق، يطرح النور مُجددًا سؤالًا عن دور الدولة التنظيمي للزراعة في مصر، والذي تراجع بشكل ملحوظ فيما يخص الزراعة الفلاحية التقليدية في الأراضي القديمة لصالح الزراعة الاستثمارية في الصحراء. هذا التراجع، بحسب النور، مسّ مختلف أوجه العملية الزراعية، كتطوير وتوزيع بذور أكثر مقاومة للآفات والتغيرات المناخية والرقابة على سوق المبيدات. الرُميلي، من جانبه، أشار الى أزمة الإرشاد، «وزارة الزراعة حاليًا إيديها مش طايلة زي زمان، مفيش مهندسين زراعيين خلاص، وبالتالي توقف الإرشاد الزراعي، والوزارة مبقتش عارفة تحكم الموضوع». كما حمّل النور والرُميلي الدولة مسؤولية ضبط السوق.

صاحبة أحد المحال بشارع سليمان جوهر، أعربت لـ«مدى مصر» عن استيائها من تصريحات مدبولي، السبت الماضي، بشأن الأسعار، مؤكدة أنها لا تعبر عن أسعار السوق الحقيقية، ولم ينلها من تصريحه بانخفاض أسعار الطماطم سوى «الإساءات» من الزبائن طوال اليوم، متهمينها بالجشع، ومكرّرين ما قاله مدبولي على مسامعها. 

وبينما ردّت منظومة الشكاوى الحكومية على الصحفية بوجود أسعار أفضل في المنافذ التابعة للدولة، رصد «مدى مصر»، أمس، بيع كيلو الطماطم بأحد منافذ الحكومة بالدقي، بسعر 35 جنيهًا، مع ملاحظة أنها تبدو أردأ طماطم يُمكن الحصول عليها، كما هو مُوضح بالصورة، في حين بلغ سعر كيلو «القوطة المستوية» 30 جنيهًا بمحال الخضراوات، أي أن السعر في المنافذ الحكومية أعلى.

«القوطة المستوية» التي تباع في أحد منافذ الحكومة بالدقي، بسعر 35 جنيهًا
عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن