عام مالي جديد: ما تحتاجون معرفته عن كعكة الموازنة ومن أكلها
مع حلول العام المالي الجديد ليوم، تبدأ الحكومة في تطبيق موازنة عام 2025-2026، والتي أقرها البرلمان في 17 يونيو الماضي. في هذا التقرير الموجز، يقدم «مدى مصر» شرحًا مبسطًا لأبرز ملامح هذه الموازنة الجديدة على صعيد أولويات المصروفات، والمصادر الرئيسية للإيرادات.
الصورة الإجمالية للمصروفات وتوزيعها
استحوذ قطاع الخدمات العامة وحده على ما يقرب من 60% من إجمالي المصروفات العامة، وفقًا للتقسيم الوظيفي للموازنة العامة للدولة.
وتبعًا لدليل تصنيف الموازنة العامة، الصادر عن وزارة المالية عام 2016، يقوم التصنيف الوظيفي على توزيع النفقات على الوظائف والقطاعات، وكذلك الأهداف التي تستهدف الحكومة تحقيقها، سواء كانت أهدافًا اجتماعية أو اقتصادية.
يقوم هذا التصنيف على تقسيم الإنفاق العام وفقًا للمهام التي تضطلع بها الحكومة، مثل توفير الرعاية الصحية والتعليمية أو الدفاع والأمن والعدالة، أي يمكن من خلاله معرفة الأهمية النسبية للمهام الحكومية التي تختلف من فترة لأخرى.
ويتضح من البحث في بيانات الموازنة العامة أن هذا القطاع، والذي يضم ضمن قائمة من الجهات ذات الطابع الحساس، قسم الدين العام بوزارة المالية المسؤول عن معاملات الدين العام، قد استحوذ وحده على أكثر من تريليوني و718 مليار جنيه، من أصل أربعة تريليونات و573 مليار جنيه تمثل إجمالي المصروفات.
ويضم قطاع الخدمات العامة: الأجھزة التنفیذیة والأجھزة التشریعیة وأجھزة الشؤون المالية وأجهزة الشؤون الخارجیة ومعاملات الدین العام، ومن أبرز الجهات التي يتضمنها: مجلس النواب، ومجلس الشیوخ، ورئاسة الجمھوریة، ورئاسة مجلس الوزراء، والمجالس التخصصية، ودواوین عموم المحافظات، والجھاز المركزى للمحاسبات، ووزارة المالية ومصالحھا، ووزارة الخارجية.
ويظهر الشكل التالي الصورة العامة للتصنيف الوظيفي للمصروفات في الموازنة العامة في العام المالي 2025-2026.

ويرتبط هذا النصيب الكبير لقطاع «الخدمات العامة» بمصروفات قسم الدين العام في وزارة المالية، والمسؤول عن سداد فوائد الدين العام. ولهذا السبب، وكما يظهر من الشكل التالي، يستحوذ الإنفاق على الفوائد ضمن هذا القطاع، على نحو 84% من إجمالي الإنفاق على قطاع الخدمات العامة.

ويظهر من الشكل التالي تطور نصيب قطاع الخدمات العامة، كنسبة من المصروفات العامة خلال خمس سنوات مالية، حيث بلغ نصيب هذا القطاع أعلى مستوى له خلال عشر سنوات. كما يظهر من الشكل نفسه أن نصيب هذا القطاع -كنسبة من إجمالي المصروفات- قد استمر في الارتفاع بشكل متواصل خلال خمس سنوات مالية.

الصحة والتعليم
يتضح من بيانات الموازنة العامة الجديدة أن نصيب قطاعي الصحة والتعليم مجتمعين بلغ 12.27% فقط من إجمالي المصروفات العامة، وهو ما يمثل أقل مستوى لنصيب القطاعين معًا خلال عشر سنوات.
ويوضح الشكل التالي تطور نصيب قطاعي الصحة والتعليم، كنسبة من إجمالي المصروفات خلال عشر سنوات. ويظهر من الشكل نفسه التراجع المستمر منذ العام 2021-2022 وحتى العام المالي الجديد في نصيب القطاعين.

ويأتي تراجع نصيب الصحة والتعليم إلى إجمالي المصروفات على هذا النحو متسقًا بطبيعة الحال مع ما كشفت عنه مراجعة بيانات الموازنة العامة، ونشره «مدى مصر» في تقرير سابق، أظهر تراجع الإنفاق على التعليم كنسبة من الناتج المحلي إلى أدنى مستوى خلال عشر سنوات مالية، فيما استمرت في عدم التزامها بالإنفاق المنصوص عليه دستوريًا للصحة والتعليم.
وخصصت الموازنة العامة 315.095 مليار جنيه للإنفاق على التعليم، تمثل 1.54% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما خصصت للإنفاق على الصحة 246.191 مليار جنيه، بنسبة 1.21% تقريبًا من الناتج المحلي الإجمالي.
يأتي ذلك في الوقت الذي تتمسك فيه الحكومة في المقابل بالتأكيد على «استيفاء نسب الاستحقاق الدستوري للصحة والتعليم بالموازنة الجديدة»، بحسب بيان لوزارة المالية، شدّدت فيه على التزامها بـ«بتنفيذ التوجيهات الرئاسية بزيادة الاستثمار في قطاعات التنمية البشرية [الصحة والتعليم في الأساس بحسب تعريف الأمم المتحدة للتنمية البشرية]».
ويستند هذا الزعم إلى القاعدة التي «ابتكرتها» الحكومة والتي تسمح لها بإضافة مدفوعات الفوائد على القروض التي أنفقت على الصحة والتعليم إلى مخصصاتهما، فضلًا عن إضافة إنفاق بعض الجهات على التعليم والصحة، كمستشفيات الجيش والشرطة، أو الإنفاق على المعاهد الأزهرية مثلًا، فضلًا عن احتساب الإنفاق على الصحة والتعليم مقابل الناتج المحلي الإجمالي في العام المالي السابق على هذا الإنفاق.
واستخدمت وزارة المالية ما سبق من معايير خلال إعدادها الموازنة العامة للعام المالي المقبل، لتمرير الإنفاق على الصحة والتعليم بالفعل.
الأجور
شهدت مخصصات الأجور في الموازنة العامة للدولة زيادة هي الأعلى منذ أكثر من عشر سنوات، إذ بلغت تلك الزيادة 18%.
لكن القطاعات الوظيفية المختلفة شهدت زيادات متفاوتة في مخصصات أجورها، وجاء على رأسها من حيث معدل النمو قطاع الخدمات العامة.
يوضح الشكل التالي التفاوت في نمو الأجور في القطاعات الوظيفية المختلفة، ويظهر من الشكل نفسه الفارق الكبير في معدل النمو هذا بين قطاع الخدمات العامة -والذي يضم كما سبق الإشارة قائمة من الجهات ذات الحساسية- وغيره من القطاعات.

هذا التفاوت الكبير أرجعه محمد بدراوي، عضو لجنة الخطة والموازنة، إلى الفوارق الكبيرة بين الجهات التابعة للدولة -بل حتى ضمن الوزارة الواحدة بين الجهات المتعددة التابعة لنفس الوزارة- في أنماط المكافآت والبدلات المتعددة، والتي لا تدخل ضمن نظام الأجور الذي يقره قانون الخدمة المدنية، مضيفًا: «صحيح أن بعض الجهات تخضع لقانون الخدمة المدنية وبعضها الآخر لا تخضع، لكن اللوائح المرتبطة بكل جهة من جهات الدولة تضع تفاصيل إضافية غير مرتبطة بهذا القانون تحدد قائمة من المكتسبات الإضافية كالمكافآت والبدلات ومقابل أداء بعض المهام، وهي لوائح يترتب عليها فروق كبيرة في الدخول الإجمالية، ولا يحدها إلا قانون الحد الأقصى للدخل».
الضرائب
تمثل الضرائب في العام المالي الجديد 85% من الإيرادات العامة، كما يتضح من الشكل التالي

وبدورها، تمثل الضرائب على السلع والخدمات المصدر الرئيسي لتلك الحصيلة الضريبية، كما يتضح من الشكل الذي يستعرض أبرز مصادر الضرائب.

تمثل الضرائب على السلع والخدمات، والتي يفترض أن تجلب للموازنة العامة الجديدة تريليون و91 مليار جنيه، مصدرًا للضرائب غير المباشرة، والتي تعد بصورة عامة نمطًا غير عادل من الضرائب يفرض على الاستهلاك لا الدخل، وبالتالي لا يرتبط بالقدرة على سداد الضريبة.
ويتضح من الشكل السابق الفارق الكبير في الاعتماد على تلك الضريبة، قياسًا إلى الضرائب على شركات الأموال، والضرائب على الأذون والسندات، والتي تمثل أبرز مصادر الضرائب على الطبقات الأعلى.
كما تمثل الضرائب على المرتبات مصدرًا للضرائب يعتمد على العاملين بأجر، فيما تمثل الضرائب على النشاط التجاري والصناعي الضرائب على المنشآت الفردية، وهي منشآت صغيرة ومتوسطة.
وتمثل الإيرادات جانبًا من الصورة الأكبر في الموازنة العامة وهي «الموارد»، وهو مفهوم يأخذ في الاعتبار مصدرين إضافيين للتمويل وهما الاقتراض والمتحصلات من الإقراض ومبيعات الأصول المالية.
وفي تقرير سابق، استعرض «مدى مصر» الدور الكبير للاقتراض في تمويل الموارد في الموازنة الجديدة، إذ يتجاوز الاقتراض الجديد في موازنة السنة المالية القادمة 3.5 تريليون جنيه، في حين بلغ إجمالي الموارد في المشروع نحو 6.761 تريليون جنيه.
تقارير ذات صلة
رحلة الدعم والديون في ميزانيات السيسي من «أنتم نور عينينا» إلى «هو أنا معايا فلوس للكلام ده»
قصة الاقتصاد المصري في عشر سنوات
10 سنين صحافة مستقلة: ما قلناه في الاقتصاد
كانت مصر تمر بأزمة سياسية واقتصادية استثنائية حين انطلق موقع «مدى مصر» منذ عشر سنوات. واليوم، نعيش في ما يبدو ذروة تقاطع الأزمة السياسية مع الاقتصادية. منذ بدايتنا ونحن نرصد…
لا أحد يفهم حسابات «مدبولي» عن «المعاشات» و«الحماية الاجتماعية»
أرقام رئيس الحكومة لم يستطيع تفسيرها أي من أعضاء «الخطة والموازنة» بـ«النواب»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن