تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
سوق الدواجن «للكبار فقط»

سوق الدواجن «للكبار فقط»

كتابة: سارة سيف الدين، مصطفى حسني 8 دقيقة قراءة

شهدت أسعار الدواجن خلال الأسبوع الماضي ارتفاعًا حادًا، إذ قفز سعر الكيلو من المزرعة إلى نحو 95 جنيهًا، مقارنة بـ72 جنيهًا، قبل أن يتراجع خلال الأيام الثلاثة الأخيرة إلى قرابة 85 جنيهًا، بالتزامن مع حملة إعلامية موسعة انتقدت ما وُصف بالزيادات غير المنطقية في الأسعار مع اقتراب شهر رمضان.

وفي محاولة لاحتواء الأزمة، أعلنت الحكومة، أمس، عن اتفاق وزارتيّ التموين والزراعة وجهاز مستقبل مصر، «مُثلث الأمن الغذائي»، على استيراد كميات «كبيرة»، لم يُكشف عن حجمها، من الدواجن المجمدة وأجزائها من «عدّة دول»، على أن تُطرح في منافذ البيع التابعة للحكومة بأسعار مُخفضة.

بينما لم تتضح بعد ملامح هذا الاتفاق الاستيرادي، أجمع عدد من مربي الدواجن والعاملين في القطاع، ممن تحدثوا لـ«مدى مصر»، أن أزمة ارتفاع الأسعار لا تعود فقط إلى عوامل العرض والطلب، ولا يمكن اختزالها في ممارسات التجار، بل ترتبط أكثر بهيكل السوق نفسه وتفاعلات المتحكمين به، فيما تكتفي الحكومة بالتعامل مع النتائج النهائية لواقع القطاع، دون معالجة آليات العمل ذاتها.

كيف يعمل (أو لا يعمل) السوق؟

تمر الدواجن، أو أجزاؤها، التي نشتريها من محلات بيع الدواجن الحية أو أرفف السوبرماركت، عبر سلسلة إنتاج طويلة، تبدأ باستيراد الأعلاف والأمصال و«الجدّات»، من خلال عدد محدود من الشركات المُحتكرة، التي تستكمل العملية الإنتاجية داخل عنابرها، حتى مرحلة التسمين، وهي تغذية الكتكوت بعمر يوم واحد لمدة تصل إلى 45 يومًا، ليُصبح بعدها جاهزًا للذبح والبيع. 

في هذه المرحلة، يظهر دور صغار المنتجين، الذين يساهمون بنحو نصف إنتاج الدواجن في السوق، عبر شراء الكتاكيت من الشركات الكبرى وتسمينها، وهو ما يجعل لتلك الشركات اليد العليا في توجيه السوق.

ويختلف كبار المُنتجين في سوق الدواجن عن صغارهم على مستويين: الأول، أن عددهم محدود، ويتحكمون على مختلف حلقات الإنتاج، بدءًا من الجدّات والفراخ البياضة والكتاكيت، وصولًا إلى الأمصال والأعلاف. والثاني، وهو الأهم، أن لديهم قدرات تخزينية ضخمة.

في المقابل، يضطر صغار المُنتجين إلى بيع الدواجن فور انتهاء دورة التربية، أيًا كان سعر البيع، حتى لو أدى ذلك إلى تكبدهم خسائر، بينما يستطيع الكبار ذبح الدواجن وتخزينها في ثلاجات ضخمة، وتكوين مخزون كبير من الدواجن المُبردة والمُجمدة، وبيعها في الوقت المناسب.

ماذا حدث هذه المرة؟ لا جديد

يقول أحد مربي الدواجن، الذي يمتلك أربع مزارع، إن المحتكرين وحيتان السوق، هم من يتحكمون في رفع أسعار الدواجن الحيّة، من بداية الدورة الحالية، مشيرًا إلى أن أسعار الكتاكيت كانت قد انخفضت، منذ نحو شهرين إلى ما بين سبعة وثمانية جنيهات للكتكوت، نتيجة تخارج أو توقف عدد كبير من صغار ومتوسطي المُربين بسبب الخسائر، ما أدى إلى تراجع الطلب على الكتاكيت، وانهيار أسعارها، قبل أن تصل إلى أكثر من 35 جنيهًا حاليًا.

في المقابل، احتفظت الشركات الكبرى بالكتاكيت، ورفضت بيعها بأسعار منخفضة، ما أدى إلى تقليص المعروض لدى صغار المُنتجين، ومنح الكبار ميزة احتكارية تتعلق برفع الأسعار.

من جانبه، يعزو مربي دواجن صغير بمحافظة أسوان ارتفاعات الأسعار الأخيرة إلى تزامن زيادة الطلب بسبب اقتراب شهر رمضان، مع نهاية دورة تربية شهدت فجوة بين العرض والطلب، لأسباب تتعلق بخسائر المُربين. 

ويضيف المربي أن عاملًا آخر أسهم في الأزمة يتمثل في ارتفاع معدلات النفوق، لا سيما في مناطق وسط وشمال البلاد، نتيجة الظروف الجوية، وهو ما اتفق عليه مربون آخرون.

بدوره، يوضح صاحب مزرعة دواجن، في حديثه لـ«مدى مصر»، أن الأزمة الحالية ليست مفاجئة، إذ تتكرر تقريبًا كل عام خلال الفترة الممتدة من ديسمبر إلى مارس، وهي الأسوأ على مستوى التربية بسبب انتشار الإصابات والفيروسات بين الطيور، مضيفًا أن هذه الفيروسات باتت متحورة، في حين لم تعد التحصينات المتاحة كافية، في ظل غياب أي دعم فعلي من وزارة الزراعة للمربين. 

«أنا عندي عنبر يضم نحو عشرة آلاف طائر، نفق قرابة أربعة آلاف، ما أدى إلى تراجع المعروض في السوق» يقول صاحب المزرعة، لافتًا إلى أن تراكم الخسائر دفع كثيرًا من المربين إلى إغلاق مزارعهم، بينما دخل آخرون السجن نتيجة الشراء بالأجل وعدم القدرة على السداد. ويقدر أن نسب النفوق قد تصل إلى 20 ألف طائر من أصل 50 ألفًا في المزرعة الواحدة. 

ويُفسر مربي الدواجن من أسوان أن التراجع الذي قُدر بنحو عشرة جنيهات خلال ثلاثة أيام ناتج عن تدخلات أمنية لفرض الأسعار بشكل قسري، موضحًا أن الأسعار في البلاد يديرها عدد محدود من السماسرة، الذي يتلقون طلبات الشراء والبيع يوميًا. وفي مثل تلك الظروف، التي تكررت مرارًا، تعقد معهم الجهات الحكومية اجتماعات، وتأمرهم بخفض الأسعار قسريًا. 

هل تدخل الحكومة يمنع تكرار الأزمة؟

في حديثه لـ«مدى مصر»، يقول معاون وزير التموين الأسبق، وائل عباس، إن الدولة لا تتدخل «أمنيًا» لفرض الأسعار، وإنما تمارس دورًا رقابيًا يقتصر على رصد المخالفات واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتجاوزين. ويضيف أن ارتفاع تكاليف الإنتاج على أصحاب المزارع ليس «سرًا»، والدولة تدرك حجم الضغوط الإنتاجية التي يواجهها القطاع، مشيرًا إلى أن التدخل الحكومي قد يكون أحيانًا في صالح التاجر والمربي، عبر محاولات توفير الأعلاف لضمان استمرارية الدورة الإنتاجية.

هذا الطرح لا يحظى بموافقة صغار ومتوسطي المنتجين. يشرح أحد المربين بمحافظة الدقهلية لـ«مدى مصر» أن التحركات الحكومية الموسمية، التي تتخذ شكل بيانات تشكك في مبررات زيادات الأسعار، إلى جانب عقد اجتماعات طارئة مع ممثلي الصناعة، تؤدي في الغالب إلى خفض السعر النهائي للدواجن بشكل تعسفي ومفتعل، وتحتفي الحكومة، وفقًا لقوله، بهذا التراجع بوصفه إنجازًا، دون الالتفات إلى ما يحدث بالتزامن من ارتفاع حاد في أسعار الكتكوت، وهي الحلقة التي يحقق فيها المحتكرون أكبر مكاسبهم، كما تمثل أهم أسباب ارتفاع الأسعار، خاصة مع زيادة الطلب. 

ويؤكد أحد صغار المربين بمحافظة قنا، أن الحكومة والإعلام يشنان حملات واسعة فور ارتفاع الأسعار على المستهلكين، بينما يسود الصمت عندما تنخفض الأسعار إلى مستويات تُسبب خسائر كبيرة لصغار ومتوسطي المُربين، الذين يشكلون أكثر من نصف السوق.

ويُضيف المُربي أن الحديث عن أسعار الدواجن يتجاهل حقيقة أن «أسعار بيع اللحم»، تأتي في نهاية سلسلة تبدأ بأسعار مدخلات الإنتاج، التي تشمل الأمصال والأعلاف والكتاكيت. ويشير إلى أن أسعار الكتاكيت تشهد تذبذبات حادة، قد تصل أحيانًا إلى مستويات متدنية، نتيجة خسائر يتكبدها صغار المربين، تدفعهم -ولو مؤقتًا- للخروج من السوق، ما يؤدي إلى تراجع الطلب على الكتاكيت. 

وعند حدوث ذلك، بحسب المربي، يلجأ المُحتكرون، وهم المزودون الأساسيون للكتاكيت، إلى إدخالها في عنابر التسمين الخاصة بهم، أو إعدام الفائض عن قدراتهم الاستيعابية، بما يخلق شحًا بالسوق، تعود معه الأسعار إلى الارتفاع. ومع ارتفاع أسعار الكتاكيت، مدفوعة بزيادة الطلب التي نشأت عن انخفاض أسعارها في وقت سابق، يُغرق كبار المُنتجين، مع نهاية الدورة، السوق بكميات كبيرة من الدواجن، هي نتاج الكتاكيت التي كانت رخيصة وقرروا تسمينها بأنفسهم، إلى جانب طرح دواجن «الأمهات» التي لم تعد صالحة لإنتاج الكتاكيت، والتي تُباع عادة بأسعار أقل. ويؤدي ذلك إلى تعزيز المعروض وهبوط الأسعار، ليعود صغار المربين مجددًا إلى دائرة الخسائر.

يقول المربي إن صغار المربين خلال الفترة من عيد الأضحى الماضي وحتى نهاية نوفمبر الماضي، تكبدوا خسائر متواصلة، ومن استمر في دورات الإنتاج، فعل ذلك إما للحفاظ على دوران استثماره، أو بدافع الالتزامات المالية والديون وضرورة السداد.

من جانبه، يرفض صاحب المزرعة تحميل التجار وحدهم مسؤولية تحديد سعر السوق، مشيرًا إلى أن الشركات الكبرى العاملة في مدخلات الصناعة تبيع منتجاتها بأسعار مرتفعة. ويضيف: «لو الدولة عايزة تبيع الفراخ بسعر رخيص، تضبط الأول أسعار المدخلات: إدينا دعم على التحصينات والأعلاف». 

أما رئيس شعبة الدواجن، عبد العزيز السيد، فيرى أن التدخل المطلوب يتمثل في تفعيل أوسع دور جهاز حماية المنافسة، وتوسيع نطاق محاسبة المحتكرين داخل القطاع.

هل الاستيراد حل؟ 

يقول عضو بغرفة صناعة الدواجن لـ«مدى مصر» إن الأزمة الحالية تكمن في «الارتفاع غير المتوقع» للأسعار، موضحًا أن الإنتاج المحلي جيد، لكن الأسعار وصلت إلى مستويات قياسية بلغت 97 جنيهًا للكيلو، وهو ما دفع الدولة إلى اتخاذ قرار الاستيراد. ويشير إلى أن «مستقبل مصر» تولى مهمة استيراد السلع الاستراتيجية في محاولة لاحتواء الأزمة، مؤكدًا أن الاستيراد ينبغي أن يكون في حدود «الفجوة» فقط، دون إغراق السوق، حفاظًا على الصناعة الوطنية.

في المقابل، يرى نائب رئيس الاتحاد العام لمنتجي الدواجن، ثروت الزيني، أن الاستيراد ليس حلًا، بل ساهم، خلال تجارب سابقة، في هدم الصناعة الوطنية، مشيرًا إلى أن الأسواق تضم بالفعل دواجن مُجمدة بسعر يصل إلى 135 جنيهًا، وهو أعلى من سعر المنتج المحلي، داعيًا الحكومة إلى تعظيم الإنتاج المحلي وحل مشكلاته، بدلًا من اللجوء إلى الاستيراد. ويضيف أن زيادة الطلب مع اقتراب شهر رمضان تمثل السبب الرئيسي للارتفاع، مؤكدًا أن الحل الجذري يكمن في حل مشكلات الصناعة وضبط آليات العرض والطلب التي وصفها بأنها «غير منضبطة»، لا سيما مع تجاهل مشكلات أصحاب المزارع عند انخفاض الأسعار.

ويشاركه في الرأي رئيس شعبة الدواجن، الذي يؤكد أن حل الأزمة لا يكمن في الاستيراد، بل في التوصل إلى «معادلة سعرية» للسوق. ويوضح أن المربين تكبدوا خسائر كبيرة لفترات طويلة، حين كانت أسعار الدواجن تتراوح بين 55 و65 جنيهًا، رغم أن تكلفتها بلغت نحو 68 جنيهًا، مضيفًا أن التوقعات كانت تشير إلى زيادة منطقية في الأسعار مع ارتفاع الطلب، إلا أن المفاجأة كانت وصولها إلى 97 جنيهًا في المزرعة و115 جنيهًا للمستهلك، قبل أن تبدأ في التراجع إلى نحو 87 جنيهًا. ويحذر السيد أيضًا من أن الاستيراد قد يدمر الصناعة إذا لم يتم بحذر وبأسعار أقل من السوق المحلية، مشيرًا إلى أن كبار المنتجين ألحقوا بضرارًا بالصناعة عبر رفع الأسعار.

بدوره، يقول صاحب مزرعة الدواجن إن الحديث المتكرر عن الاستيراد باعتباره حلًا للأزمة «غير مقنع»، موضحًا أن الشحنات التي تصل بحرًا تحتاج إلى ما لا يقل عن شهرين لاستخراج التصاريح والوصول إلى السوق، ما يعني أن الأزمة ستكون انتهت، وربما انقضى شهر رمضان، قبل أن تظهر نتائج هذا الخيار. ويتساءل: «حين أُعلن فجأة أن الشركة القابضة ستضخ فراخ في السوق، من أين جاءت بها؟ هل لحقت المراكب توصل؟ ولّا الفراخ في الأساس كانت مخزنة لدى أصحاب المجازر التابعة لغرفة صناعة الدواجن؟»

عن الكتّاب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن