موسم البطاطس في خطر بعد زيادة أسعار التقاوي 366%
أعلنت وزارة الزراعة، الأسبوع الماضي، تكثيف حملات الرقابة والتفتيش على محطات ومنافذ بيع تقاوي البطاطس وشركات استيرادها، لضمان وصول كل كميات التقاوي للمزارعين، ومواجهة «الشائعات التي أطلقها بعض التجار حول انخفاض الكميات المستوردة للتلاعب في السوق بغرض تحقيق مكاسب مادية»، مؤكدة أنه تم استيراد 116 ألف طن تقاوي، منذ العام الماضي وحتى الأسبوع الماضي، فضلًا عن توافر 20 ألف طن تقاوي تُزرع محليًا، وهو ما يكفي كل المساحات الزراعية.
تأتي حملات الوزارة، بعد ارتفاع أسعار تقاوي البطاطس لهذا الموسم 366%، مقارنة بالعام الماضي، ما سيضاعف أسعار البطاطس في اﻷسواق بنهاية موسم الزراعة، بحسب مزارعين وتجار، أوضحوا لـ«مدى مصر»، أن الأزمة الحالية ليست بسبب نقص التقاوي، وإنما سببها الاحتكار والتسعير.
وتستورد مصر الكمية الأكبر من تقاوي البطاطس سنويًا، من دول أوروبية مختلفة، تضيفها إلى 20 ألف طن سبق استيرادها وزُرعت محليًا لإنتاج تقاوي جديدة، تنتج جميعها خمسة ملايين طن سنويًا، على مدار ثلاث عروات.
وتحدد الإدارة المركزية للحجر الزراعي ولجنة التقاوي كميات تقاوي البطاطس التي سيتم استيرادها، وفقًا لاحتياجات الشركات والأراضي لضمان عدم إغراق السوق أو تعطيشه، في حين تتولى شركات خاصة عملية الاستيراد الفعلي، حسبما قال مصدر بالوزارة لـ«مدى مصر».
وفقًا لبيانات الحجر الزراعي تستحوذ أربع جهات على استيراد أكثر من نصف واردات من تقاوي البطاطس، هي شركات: دالتكس، ودمياتك، وأجروفود، واتحاد منتجي ومصدري الحاصلات البستانية. الشركات الثلاث تستورد جزءًا من التقاوي لاستخدامها في مزارعها لإنتاج البطاطس المخصصة للتصدير، وتوزع الكميات المتبقية على تجار بالاتفاق المسبق قبل بداية كل موسم، أما الاتحاد فهو يضم الآلاف من كبار المستوردين والمصدرين والمزارعين، ويمنح أعضائه الأولوية في توزيع التقاوي، ويوزع ما يتبقى على المزارعين خارج الاتحاد.
وفي نهاية العام الماضي، ارتفعت أسعار التقاوي عالميًا نحو 250 دولارًا للطن، وذلك نتيجة تقلص المساحات المزروعة بتقاوي البطاطس في أوروبا بسبب تغير المناخ، ما خفّض 20% من المُتاح منها للعام الجاري.
بالتزامن مع انخفاض المتاح عالميًا، انخفضت واردات مصر من تقاوي البطاطس بنحو 20%، لتصل إلى 116 ألف طن، مقارنة بـ140 ألف طن العام الذي سبقه، وفقًا لتقديرات الوزارة، وهو الانخفاض الذي أرجعته مصادر بالقطاع إلى أزمة العملة الصعبة، في ظل توقف البنوك عن تدبيرها لشركات استيراد التقاوي، التي توجهت لتوفير العملة الصعبة عبر السوق السوداء بأسعار تصل إلى 50 جنيهًا للدولار.
اللجوء للسوق السوداء رفع سعر طن التقاوي المستورد ليصل إلى 900 دولار في المتوسط، بما يعادل 45 ألف جنيه، حسبما قال مصدر بشركة «دالتكس» لـ«مدى مصر»، ما يجعل السعر المعقول لبيع التقاوي يتراوح بين 50 إلى 55 ألف جنيه، وفقًا للمصادر.
كالمعتاد كل عام، بدأت شركات الاستيراد الكبرى في توزيع التقاوي على التجار المتعاقدين معها، في ديسمبر الماضي، وبعد 20 يومًا فقط، أعلنت شركة دالتكس وقف التوزيع لتوفير لضمان توفير احتياجات مزارعها، بحسب اثنين من كبار مزارعي البطاطس قالا لـ«مدى مصر» إن هذه الخطوة أعقبها انتشار شائعات حول نقص واردات تقاوي البطاطس وعدم كفايتها للزراعة.
بعد يوم واحد من قرار وقف التوزيع، زاد سعر طن التقاوي 30 ألف جنيه، ليصل إلى 83 ألف جنيه قبل أن تختفي التقاوي من الأسواق، وتظهر بعد أسابيع في منافذ التوزيع بسعر 120 ألف جنيه، ثم إلى 140 ألف جنيه بعد إعلان وزارة الزراعة عن حملاتها.
من جانبها، نفت وزارة الزراعة صحة تلك الشائعات، مؤكدة أن كميات التقاوي التي تم استيرادها وزراعتها محليًا، وتبلغ 135 ألف طن، كافية في ظل عدم تجاوز الاحتياجات الفعلية للزراعة 120 ألف طن، وهو ما أكده مزارعون وتجار لـ«مدى مصر».
وفقًا للمصدرين من مزارعي البطاطس، كان إعلان «دالتكس» مؤشرًا على نقص في واردات التقاوي على غير الحقيقة، استغلت فيه غياب المعلومات، وغياب دور الدولة في توضيح الاحتياجات الفعلية للسوق وتنظيم عملية الزراعة بشكل عام، ما يسمح لها بالتحكم في أسعارها محليًا، ومسارات توزيعها عبر عدد محدود من التجار.
احتكار الجهات اﻷربع لكميات ضخمة من واردات البطاطس يسمح لها بالتحكم في أسعارها محليًا، وكذلك في توزيعها عبر حلقة وسيطة تتمثل في عدد محدود من التجار، بحسب مصادر في قطاع التوزيع.
وفقًا للمصادر، باع التجار المتعاقدين مع شركات الاستيراد، التقاوي إلى مراكز التوزيع مثل «بورصة التوفيقية»، في محافظة البحيرة، أكبر مركز لبيع تقاوى البطاطس في مصر، بأسعار بلغت 100 ألف جنيه للطن، لتصل في النهاية إلى المزارعين بسعر 140 ألف جنيه.
مختار هاشم، تاجر بمركز التوفيقية، قال لـ«مدى مصر»، إنه اشترى تقاوي البطاطس، في نوفمبر الماضي، من شركة دمياتك مباشرة، بسعر 53 ألف جنيه للطن وباعها مؤخرًا بـ90 ألف جنيه. في حين استغل مئات المستوردين ارتفاع الأسعار وشائعة نقص التقاوي في السوق وحجبوا البطاطس ومنعوا توزيعها، ثم رفعوا سعرها أضعافًا بعدما بدأوا في ضخ كميات محدودة في السوق، وفقًا لهاشم.
النقيب العام للفلاحين، فريد واصل، قال لـ«مدى مصر»، إن سعر أشهر الأصناف في العروة الشتوية مثل «سبونتا» بلغ مطلع الموسم، نوفمبر الماضي، نحو 56 ألف جنيه للطن، لكنه قفز خلال أسابيع إلى 80 ألف ثم 100 ألف جنيه، ثم 120 ألف جنيه.
هذا الارتفاع غير المسبوق في الأسعار قصر الزراعة هذا الموسم على كبار المزارعين والشركات التي يتوجه معظم إنتاجها إلى التصدير، في حين عجز صغار المزارعين المسؤولين بشكل أساسي عن التوريد للسوق المحلي عن الزراعة، بسبب تجاوز تكلفة زراعة الفدان الواحد 125 ألف جنيه، خاصة في ظل الخسائر المتكررة بفعل تغيرات المناخ، والمبيدات المغشوشة التي انتشرت خلال العامين الماضيين إثر أزمة الاستيراد، حسبما قال فتحي عبد المطلب، مزارع بطاطس بالدقهلية، وهو ما أكده تاجر التقاوي، هاشم.
مصدر بشركة تنمية وإنتاج زراعي قال لـ«مدى مصر»، بعدما طلب عدم ذكر اسمه، إن 900 مزارع من أصل 1400 تعمل معهم الشركة أحجموا عن زراعة البطاطس هذا الموسم بسبب أسعار التقاوي، متوقعًا هبوطًا في الإنتاجية يصل إلى 40%.
النقيب العام للفلاحين له رأي آخر، إذ توقع أن يكون تأثير ارتفاع أسعار التقاوي على الزراعة والمساحات محدود، خاصة وأن معظم الفلاحين يشترون التقاوي من التجار والشركات بنظام «الآجل» على أن يسددوا ثمنها عقب بيع المحصول، الذي سيرتفع سعره بدرجة كبيرة بطبيعة الحال نتيجة لكل ذلك.
لكن واصل حذّر في الوقت نفسه من أن نظام الشراء بالآجل يعرض الفلاحين لخطر كبير خاصة في ظل تغيرات المناخ وتأثيرها على الزراعات، الذي يزداد حدة كل عام.
وفقًا للمصادر التي تحدث إليها «مدى مصر»، سينعكس صدى الأزمة على السوق المحلي بعد بدء موسم الحصاد، مايو المقبل، خاصة مع توجه الدولة للتصدير لتوفير العملة الصعبة، وقدّر مزارعون أن يصل سعر البطاطس إلى 25 جنيهًا للكيلو، بعدما كان لا يتجاوز ثمانية جنيهات، العام الماضي.
أخبار ذات صلة
«الكشري».. الثمن الخفي للسيادة الغذائية المسلوبة
وجبة تعكس علاقة مصر بأرضها وسكانها وواقع الاستعمار الاقتصادي الذي أعاد تشكيل مائدتنا
ألا زلتِ مجنونة يا قوطة؟
تعد الطماطم خامس أكبر محصول يُنتج محليًا، بعد البنجر وقصب السكر والقمح والبطاطس
سوق الدواجن «للكبار فقط»
حل الأزمة لا يكمن في الاستيراد
عن المحتوى.. ما يكشفه القبض على الـ«فوود بلوجرز» عن رقابة سلامة الغذاء في مصر
نلقي نظرة على آليات الرقابة على سلامة الغذاء والشراب في مصر
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن