تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
عن المحتوى.. ما يكشفه القبض على الـ«فوود بلوجرز» عن رقابة سلامة الغذاء في مصر

عن المحتوى.. ما يكشفه القبض على الـ«فوود بلوجرز» عن رقابة سلامة الغذاء في مصر

كتابة: مصطفى حسني 9 دقيقة قراءة
لقطة من مقطع فيديو لصانعي المحتوى «الأكيلانس» و«سلطانجي» أجريا فيه اختبارات على ماركات المياه. المصدر: قناة Samir FC على يوتيوب.

يظهر صانعا المحتوى «الأكيلانس» و«سلطانجي» واقفين خلف كاونتر مطبخ، يرتديان تيشرتين متطابقين مطبوعًا عليهما صورة نحلة كرتونية وخلية نحل وعدة مكعبات وشوال كُتب عليه كلمة «سكر» بالإنجليزية، وعلى الكاونتر تصطف برطمانات ملفوفة بالخيش، تحمل أسماءً على نفس قافية أشهر العلامات التجارية للعسل.

في الفيديو، الذي نُشر في مايو الماضي، وحصد منذ ذلك الحين مئات الآلاف من المشاهدات، وولّد موجة من المقاطع المقلّدة، يروي الثنائي قصة مشابهة لتلك المرسومة على التيشرتين. يتبادلان توصياتهما وتفضيلاتهما لأنواع العسل، ويخبران المشاهدين أنهما على وشك الكشف عن الجودة الحقيقية لماركات العسل المتداولة في الأسواق.

يقول صانعا المحتوى إنهما أرسلا عينات من أنواع مختلفة إلى معامل وزارة الصحة، وسيعرضان النتائج للمشاهد، بهدف التحقق مما إذا كان المنتج «عدّى على نحلة» في الأساس، وما إذا كانت تلك النحلات تتغذى على رحيق أم ماء محلى بالسكر، فضلًا عن الكشف عما إذا كان العسل غير نقي أو مخلوط بسكر القصب أو مُحليات صناعية.

وبحسب ما عرضاه، جاءت النتائج مخزية، فحتى العلامات التجارية الأغلى تعاني من سوء الجودة. لينهي الثنائي الفيديو بمزحة حول توقعهما ردًا انتقاميًا على ما اكتشفاه، مازحين أن هذا قد يكون آخر فيديو لهما.

لم تتخذ أي من الشركات المعنية إجراءات ضد «الأكيلانس» و«سلطانجي»، غير أن الأمور اتخذت مسارًا مختلفًا حين نشرا، الشهر الماضي، مقطع فيديو آخر أجريا فيه اختبارات مماثلة على ماركات مياه معدنية مشهورة مثل «نستله» و«إيفيان»، مستخدمين أسماءً ساخرة مثل «بسلة» و«سفيان»، ففي هذه المرة تدخلت السلطات، وألقت وزارة الداخلية القبض عليهما، واتهمتهما بـ«محاولة التشكيك في سلامة المنتجات الغذائية ومدى صلاحيتها للاستهلاك بغرض زيادة نسب المشاهدات وتحقيق مكاسب مالية».

وعقب التحقيق معهما، أخلت النيابة العامة سبيلهما بكفالة قدرها 50 ألف جنيه لكل منهما، واتهمتهما بـ«نشر أخبار كاذبة وإثارة البلبلة بما يؤثر على الاقتصاد». ومنذ ذلك الحين، أُغلقت صفحاتهما على منصات: «يوتيوب» و«فيسبوك» و«إنستجرام» و«تيك توك». وتأتي هذه الواقعة ضمن حملة موسعة شنتها «الداخلية»، خلال العام الجاري، استهدفت بالأساس صنّاع المحتوى، وأُلقي القبض خلالها على أكثر من 50 منهم، بتُهم أخلاقية واقتصادية.

على وقع هذا التصعيد ضد صانعي المحتوى، نلقي نظرة على آليات الرقابة على سلامة الغذاء والشراب في مصر، والتحديات التي تعوق فاعليتها، إلى جانب تنامي مخاوف السلطات من الادعاءات المتداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي.

مخاوف حول جودة الأطعمة والمشروبات

أثارت مقاطع فيديو «الأكيلانس» و«سلطانجي»، اللذين يتابعهما أكثر من مليون مستخدم- حالة من الذعر بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما شككا في جودة العسل والمياه المعدنية، إلى جانب سلع غذائية أخرى مثل الخبز البني وزيت الزيتون واللانشون، ما فجّر مخاوف واسعة بشأن جودة المنتجات المتداولة في السوق.

في المقابل، سارعت أجهزة الدولة إلى طمأنة المستهلكين، مؤكدة التزامها بإجراء تحاليل دورية للسلع الغذائية، مشددة على أنها تفرض رقابة كاملة على معايير الجودة في السوق، مع التشكيك في النتائج التي توصل إليها صانعا المحتوى. وأعلنت وزارة الصحة ثقتها في إجراءات الترخيص المتبعة لمنتجات الغذاء، فضلًا عن دقة معاملها.

مسؤول في وزارة الصحة قال لـ«مدى مصر» إن الوزارة تطبق رقابة صارمة على جودة الأغذية، بما في ذلك المياه المعبأة، التي تسحب منها عينات دورية لتحليلها. وأوضح، طالبًا عدم ذكر اسمه، أن زجاجات المياه المتداولة في الأسواق تُحلَّل داخل معامل الوزارة دون معرفة اسم الشركة المنتجة، لضمان حياد النتائج، كما تُلزم الوزارة الشركات بتقديم عينات للفحص في معاملها قبل منحها ترخيص البيع في مصر.

وأشار المسؤول إلى واقعة تعود إلى عام 2016، حين أعلنت مديرية الصحة بالبحيرة أن ثلاثة أنواع من المياه المعدنية -«نستله» و«بركة» و«أكوافينا»- غير صالحة للاستهلاك الآدمي وغير مطابقة للمواصفات القياسية، بعد ثبوت احتواء عبواتها على بكتيريا حية وطحالب، لتطلب المديرية سحب تشغيلات محددة من السوق وإعدامها، مع توجيه إنذارات رسمية إلى الشركات المعنية. وأوضح أن القرار كان يخص تشغيلات معينة غير مطابقة للمواصفات، ولا يعني بالضرورة أن جميع منتجات هذه الشركات غير صالحة، مشددًا على أن الوزارة تسحب عينات باستمرار، وتُعلن النتائج غير المطابقة فور ظهورها، سواء في مياه الحنفيات، أو المياه المعبأة أو غيرها من القطاعات.

وكان صانعا المحتوى أشارا في مقاطعهما إلى تقديم عينات من كل علامة تجارية إلى معامل وزارة الصحة، مع عرض مستندات رسمية بالنتائج، إلا أن الوزارة قالت، عقب نشر الفيديو، إن العينات ربما تعرضت للتلوث في أثناء نقلها إلى المعامل. وسبق أن أصدر مجلس الوزراء تصريحًا مماثلًا بشأن تحاليل العسل، مشيرًا إلى عدم توافر معلومات عن كيفية نقل العينات، وإلى احتمال تلوثها خلال هذه العملية.

وأقر المتحدث باسم «الصحة» بحق المواطنين في طلب تحليل عينات، لكنه حذّر من أن نتائج هذه التحاليل تُمثّل فقط العينة المقدمة للفحص، ولا يُصرّح بتداول النتائج.

هل إجراءات فحص الأغذية مطابقة للمعايير؟

رغم وجود أطر وإجراءات رسمية للرقابة، أعرب مفتشون بوزارة الصحة لـ«مدى مصر» عن مخاوف قائمة بشأن قدرة الأجهزة المعنية على تطبيق معايير السلامة الغذائية بفعالية وشمول.

تأسست الهيئة القومية لسلامة الغذاء بموجب قانون صدر عام 2017، لتكون الجهة المختصة بوضع القواعد الملزمة لسلامة الغذاء، وإصدار تراخيص تداول مختلف أنواع الأغذية، ومراقبة جودتها. غير أن مهام التفتيش على سلامة الغذاء ما زالت موزعة بين عدة جهات حكومية، من بينها وزارات: الصحة والزراعة والتموين والتجارة والصناعة، إلى جانب الهيئة العامة للخدمات البيطرية، ما خلق، بحسب مفتشين تحدثوا إلى «مدى مصر»، حالة من الارتباك والتداخل في الاختصاصات والمسؤوليات.

استشاري جودة وسلامة الغذاء، أحمد حسين، قال لـ«مدى مصر» إن قانون 2017 كان من المفترض أن يُنهي هذا التعدد، سواء بإلغاء الجهات الأخرى أو إخضاعها لإدارة «سلامة الغذاء»، وهو ما لم يتحقق. وأوضح أن عدد العاملين بالهيئة لا يتجاوز 300 موظف، يعملون بميزانية محدودة، في وقت تواصل فيه الجهات الرقابية الأخرى أداء أدوارها، وسط ارتباك بشأن حدود الاختصاصات.

وأعرب حسين، إلى جانب عدد من المسؤولين البيطريين، عن قلقهم إزاء مؤهلات بعض مفتشي الهيئة، موضحًا أن الهيئة تعيّن في بعض الأحيان أفرادًا يفتقرون إلى الخبرات في المجالات ذات الصلة، كما أنها لا تستعين بالقدر الكافي بمفتشي وزارة الصحة أو الأطباء البيطريين، رغم دورهم المحوري، لا سيما في الرقابة على الأغذية الحيوانية المصدر.

من جانبها، قالت رئيسة لجنة سلامة الغذاء بنقابة البيطريين، وعضوة مجلس إدارة النقابة، شيرين علي زكي، لـ«مدى مصر» إن عددًا كبيرًا من العاملين في الهيئة غير مؤهلين للقيام بمهام التفتيش على سلامة الغذاء، معربة عن دهشتها من امتناع الهيئة عن الاستعانة بالأطباء البيطريين أو مفتشي الصحة أو تعيينهم. وترى زكي أن الاستعانة بالأطباء البيطريين في التفتيش على الأغذية ذات الأصل الحيواني، كانت ستجعل دور الهيئة أكثر فاعلية، مشيرة إلى أنه في عام 2021، لم يتجاوز عدد الأطباء البيطريين العاملين في التفتيش مائة طبيب فقط، «بما يعني طبيبًا واحدًا لكل مليون مواطن».

ولفتت زكي إلى أن الهيئة، بدلًا من تعيين الأطباء البيطريين، عينت مفتشين من تخصصات أخرى مثل الصيدلة، وهو ما وصفته بـ«خطوة غير منطقية»، حيث تُسند مهام تقع ضمن اختصاص مفتشي النقابة البيطرية إلى غير المتخصصين

وأشار حسين إلى أن تضارب المصالح يقوّض نزاهة عمل عدد من مفتشي الهيئة، موضحًا أن عددًا منهم يعملون في الوقت ذاته مستشارين لمصانع أغذية، مضيفًا: «الزيارات غير المعلنة يتم إبلاغ صاحب المصنع بها مسبقًا، والمفتش يعدّل التقارير وفقًا لما يريد صاحب المصنع، بينما لا يلتزم بالمعايير من الأساس، وده علشان المفتش بيعمل في المصنع وفي الهيئة».

بدوره، أشار السكرتير العام الأسبق للنقابة العامة للبيطريين، محمد عفيفي سيف، لـ«مدى مصر» إلى مشكلات التوظيف في «سلامة الغذاء»، قائلًا إن الهيئة لم تشهد منذ إنشائها أي تعيينات جديدة، وتعتمد بشكل كامل على نظام التعاقدات.

وبحسب عفيفي وحسين، فإن أوجه القصور داخل الهيئة، حالت دون قدرتها على بسط سيطرتها الكاملة، وما زالت الجهات المختلفة تمارس أدوارها كما كانت قبل 2017.

وروى حسين واقعة تعود إلى نحو شهرين، حين كلّف وزير الصحة مفتشي الوزارة بالنزول إلى أحد مصانع الأغذية، لمتابعة إجراءات الرقابة على الغذاء، إلا أن هذا التكليف، بحسب روايته، قوبل باعتراض من مفتشي «الصحة»، الذين اعتبروا أن مفتشي «سلامة الغذاء» يسحبون منهم الصلاحيات، في وقت يُطلب منهم القيام بعملهم. ويرى المفتشون أن الجهات الرقابية الأخرى تفتقر بدورها إلى الإمكانيات اللازمة لأداء هذه المهام.

ولفت حسين إلى أن «القوانين يتم تعديلها الآن حتى يحصل [مفتشو «سلامة الغذاء»] على صلاحية الضبطية القضائية بالكامل»، إلا أنه أوضح أنه في الوقت الراهن، ورغم أن القانون يمنح الهيئة هذا الدور، فإن «الجهات الأخرى ما زالت تقوم فعليًا بأدوارها الرقابية».

ووفقًا لزكي، فإن المخصصات المالية في الموازنة العامة للوحدات البيطرية التابعة للهيئة العامة للخدمات البيطرية والمسؤولة عن الرقابة على الغذاء «ضئيلة»، وهو ما يترتب عليه تعيين أعداد محدودة جدًا من الأطباء البيطريين. وأوضحت أن بعض الوحدات تخلو تمامًا من أي طبيب بيطري، بينما لا تضم وحدات أخرى سوى طبيب واحد يتولى جميع المهام من دون موارد كافية، مضيفة: «كنا لا نجد سيارة نخرج بها لحملة أو مأمورية، وفي البلاغات المفاجئة نضطر للانتظار طويلًا ولا نجد وسيلة تتحرك بنا».

وأشارت زكي إلى أن الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، عقب مطالبات بتعيين أطباء جدد، أجرى بالفعل زيارات للمديريات، ولاحظ أن الأعداد الحالية أقل بكثير من حجم المهام المطلوبة. «نحن نعاني من نقص عددي رهيب، والطبيب المسؤول عن التفتيش يحتاج أربع سنوات ليمر على المحافظة كلها»، قالت زكي. 

مخاوف بشأن صناعة المحتوى

في ظل العجز في إمكانيات الجهات الرسمية المعنية، سلّطت فيديوهات صانعي المحتوى الضوء على جملة من الإشكاليات تتعلق بسلامة الغذاء، وبالمساءلة عن حماية المواطن من المنتجات الغذائية والمشروبات غير المطابقة، فضلًا عن حدود النشر والتناول الإعلامي لهذه القضايا.

مؤسس مؤسسة حرية الفكر والتعبير، عماد مبارك، يرى أن القبض على صانعي المحتوى، بدلًا من التعامل الرسمي الجاد مع الادعاءات المطروحة، يعكس مبالغة من جانب السلطات في الحرص على «سمعة الشركات».

ورغم أن شخصيات عامة رأت أن على صانعي المحتوى التوجه مباشرة إلى الجهات القضائية وسلطات سلامة الغذاء لعرض مخاوفهم قبل نشرها، كتب مبارك أن «الإنترنت هنا مش خصم»، معتبرًا أن القلق الذي أثاراه بشأن سلامة الغذاء والشراب كان يمكن احتواؤه بشكل أفضل عبر فتح تحقيق سريع في معايير المنتجات، بما يطمئن المواطن إلى جودتها وسلامتها.

وأضاف مبارك أن التعامل الأمني مع النشر في قضايا معايير الغذاء لا يجيب عن المخاوف الأكثر إلحاحًا، قائلًا: «لو التحذير [من تدني معايير الغذاء] صحيح، الشركة تتحاسب. ولو التحذير غلط، القانون موجود علشان يحاسب الناشر»، مضيفًا: «أما التعامل بالعكس -معاقبة التحذير قبل التحقق من الخطر- معناه واضح: حماية الصور أهم من حماية الإنسان».

من جانبها، قالت زكي إن صانعي المحتوى «أخذوا دور الجهات الرقابية، والناس وثقت فيهم»، وهو ما اعتبرته «خطيرًا للغاية»، إذ إن صناع المحتوى قد يواجهون بدورهم تضارب مصالح شبيهًا بما تعاني منه جهات التفتيش على الغذاء، مشيرة إلى عمل «الأكيلانس» في حملات تسويقية لمطاعم، معتبرة أن «مش منطقي إنه يقوم بدور تاني في الرقابة على الأغذية والكشف عن تلوثها».

كان «الأكيلانس» و«سلطانجي»، نشرا الشهر الماضي، فيديو قصير بالتعاون مع شركة «عسل الأقصر»، ظهر فيه الاثنان وهما يتذوقان منتجات الشركة، ويؤكدان أن «العسل الأصلي» نال استحسانهما في اختبار التذوق.

زكي لفتت إلى أن غياب أي ضمانات حول أساليب عملهما يجعل من الصعب التحقق من صحة نتائج التحاليل، مضيفة: «إحنا ما نعرفش هما سحبوا العينات إزاي»، مشيرة إلى أن هذا الغموض يمنح الشركات «حصانة» للطعن في النتائج، «خاصة أن صانع المحتوى ليس لديه خلفية قانونية تنظم الرقابة، ولا هو جهة حكومية رقابية ولا جهة متخصصة لسحب العينات».

وترى زكي أن الوضع برمته يعكس تآكلًا مقلقًا في منظومة المساءلة، فخلال إجراءات التفتيش وسحب العينات المعتمدة رسميًا، تطعن الشركات أمام النيابة، التي تطلب بدورها إعادة تحليل العينة، وتساءلت: «هما فين [هذه السلطات] من كل الإجراءات دي؟».

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن