«الجنائية» تدين مجرم حرب من نزاع دارفور 2003 | أزمة الغذاء تتفاقم عقب الفيضانات وسط تجاهل الحكومة | «الدعم السريع» والجيش يواجهان تهم استخدام أسلحة كيميائية | رئيس الوزراء في إريتريا لإظهار «حسن النية»
بينما يتزايد خطر تفاقم الحرب في دارفور، التي مزقتها عقود من العنف، وطال انتظار تحقيق العدالة لمن عانوا بها من الفظائع التي ارتُكبت قبل أكثر من 20 سنة، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية إدانةً تاريخيةً بحق زعيم ميليشيا الجنجويد، علي كوشيب، بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور عام 2003.
ويمثل الحكم الإدانة الأول التي تصدرها المحكمة في ما يتعلق بنزاع دارفور، وهي أيضًا أول إدانة بتهمة الاضطهاد القائم على الجندر. وقال أحد الناجين من هجمات كوشيب لـ«مدى مصر» إنه يأمل في أن تتحقق العدالة لجميع ضحايا العنف في دارفور، سواءً من سنوات أو في الحرب الجارية.
وتزامن هذا التحرك المتأخر في مسار المساءلة مع تصويت مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة على تمديد ولاية بعثة تقصي الحقائق للسودان لعام إضافي -وهو أقل مما كانت تطالب به البعثة ومنظمات المجتمع المدني، التي دعت إلى تمديدها لعامين. وكانت البعثة نشرت تقريرين حملت فيهما قوات الدعم السريع والجيش على حد سواء مسؤولية ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وبينما يتورط طرفا الحرب بالفعل في انتهاكات جسيمة، ظهرت أدلة جديدة على استخدام كليهما أسلحة كيميائية في الحرب الدائرة منذ 2023. وأفادت مصادر مدنية وطبية وعسكرية لـ«مدى مصر» بأن مسيرات تابعة لـ«الدعم السريع» أسقطت في الفاشر أسطوانات أطلقت غازات مجهولة تسببت في صعوبة في التنفس وتشنجات. وبعد أيام، نشر موقع «فرانس 24» تقريرًا كشف عن أدلة على استخدام الجيش غاز الكلور كسلاح في هجومين وقعًا في 2024.
وبينما يواجه المدنيون في دارفور تفاقم الجوع والقصف شبه اليومي، يتحرك طرفا الحرب تحت وطأة الضغوط. فمن ناحية، تسعى «الدعم السريع» إلى تخفيف الضغط على قواتها في شمال دارفور عبر تحويل ثقل المعركة إلى جبهة كردفان، فيما يكثف الجيش من عمليات الإسقاط الجوي في الفاشر المحاصرة في محاولة لصد الضغوط الدولية الرامية إلى دفعه نحو تسوية سياسية يعتبرها متعارضة مع أهدافه.
كما يواجه السودان أزمة غذائية متفاقمة، زادت من حدتها الفيضانات التي اجتاحت مناطق زراعية رئيسية أواخر الشهر الماضي. ووصف مزارعون لـ«مدى مصر» كيف غمرت السيول أراضيهم وأتلفت محاصيلهم في قطاع بالكاد يستمر في البقاء وسط الحرب وإهمال الدولة، في حين تنشغل الحكومة الجديدة بالسعي وراء الدعم السياسي والمالي الخارجي، متجاهلة أحد أكثر القطاعات استراتيجية، ما يوسع من فجوة الأمن الغذائي.
تمديد عمل بعثة تقصي الحقائق.. و«الجنائية الدولية» تدين كوشيب في مذابح دارفور عام 2003

أدانت المحكمة الجنائية الدولية القائد السابق في ميليشيا الجنجويد يوم الاثنين الماضي، علي كوشيب، بـ27 تهمة مرتبطة بجرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور بين عامي 2003 و2004، فيما اعتمد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة تمديد ولاية بعثة تقصي الحقائق في السودان لسنة إضافية، فيما اعترضت الحكومة السودانية وعشر دول أخرى.
ومدد أجل البعثة التي شكلت في أكتوبر 2023 لسنة إضافية في ظل دعوات طالبت بتمديد ولاية البعثة لعامين، حيث وقعت أكثر من 96 منظمة عمل مدني للمطالبة بالتمديد قبيل انعقاد الجلسة الـ60 لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وسط تصاعد انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ضد المدنيين منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023.
وأوصت البعثة بإنشاء آلية دولية مستقلة لمراقبة وقف إطلاق النار في السودان وإحالة مرتكبي الانتهاكات إلى المحكمة الجنائية الدولية وتمديد ولاية البعثة لتشمل كل أنحاء البلاد، بدلًا عن ولايتها الحالية في إقليم دارفور فقط، مع التأكيد على ضرورة المحاسبة، ووضع حد للإفلات من العقاب لضمان تحقيق السلام.
وحظي القرار بتأييد 24 دولة مقابل رفض 11 دولة، من بينها السودان، وامتناع 12 بلدًا عن التصويت.
وتشمل ولاية بعثة تقصي الحقائق تسعة بنود أساسية منها إجراء تحقيق شامل ومفصل في جميع الانتهاكات والتجاوزات المزعومة لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي في سياق النزاع المسلح المستمر بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وكذلك الأطراف المتحاربة الأخرى.
ويتمثل الهدف المحوري للبعثة في تحديد هوية الأفراد والكيانات المسؤولين عن هذه الجرائم، لضمان المساءلة ووضع حد للإفلات من العقاب، وتقديم توصيات محددة بشأن تدابير المساءلة، بما في ذلك المسؤولية الجنائية الفردية، لضمان وصول الضحايا إلى العدالة.
وكانت اللجنة أصدرت تقريرين سابقين، كان الأول في أكتوبر 2024، وأثبت مسؤولية الطرفين عن الهجمات العشوائية والتعذيب وتقييد حرية الإعلام والاتصالات وعرقلة المساعدات، إضافة إلى تورط «الدعم السريع» والميليشيات المتحالفة في عنف جنسي واسع النطاق، والنهب، والقتل على أساس عرقي. وصدر الثاني في سبتمبر 2025، وجاء بعنوان «حرب الفظائع» حيث اتهمت فيه الجيش و«الدعم السريع» بارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، «أغلبها يرقى إلى جرائم حرب».

وبينما تتصاعد الندءات لإنهاء الإفلات من العقاب في الحرب الجارية، جاء حكم الاثنين الماضي بعدما طال انتظاره لتحقيق العدالة لضحايا حرب دارفور التي اندلعت في عام 2003، والتي تشير تقديرات الأمم المتحدة أنها أدت إلى مقتل نحو 300 ألف شخص، وشردت أكثر من مليوني آخرين. وأدانت المحكمة الجنائية الدولية، كوشيب بارتكاب 27 جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية في دارفور في أول إدانة تصدر عن المحكمة الجنائية الدولية بشأن حرب في دارفور بعد إحالة مجلس الأمن الدولي القضية إلى المحكمة في عام 2005.
ومن المنتظر أن تعلن المحكمة قرارها في 17 نوفمبر المقبل والذي يتضمن العقوبة على كوشيب.
وشملت الإدانات اتهامات تتعلق بقيادته لهجمات في غرب دارفور بين عامي 2003 و2004، بما في ذلك القتل والاغتصاب والتعذيب والاضطهاد والنهب، وذلك في بلدات مثل كتم وبندسي ومكجر ودليج.
وكوشيب هو أحد خمسة قيادات سياسية وعسكرية سودانية أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحقهم بين عامي 2007 و2012، على رأسهم الرئيس المخلوع، عمر البشير، ووزير الدفاع الأسبق، عبدالرحيم محمد حسين، ورئيس حزب المؤتمر الوطني المحلول، أحمد هارون، بالإضافة إلى القائد العام الأسبق لحركة العدل والمساواة، عبدالله بندة، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور غربي البلاد.
وفي يونيو 2020، سّلم كوشيب نفسه إلى سلطات المحكمة الجنائية الدولية في جمهورية إفريقيا الوسطى المجاورة للبلاد، والقريبة من بلدته رهيد البردي بولاية جنوب دارفور.
وأكدت المحكمة في حكمها، المؤلف من 355 صفحة، أن علي محمد علي عبدالرحمن المعروف بـ«علي كوشيب» أمر ودعم وشارك في هجمات إرهابية واسعة النطاق ومنهجية أدت إلى عمليات قتل جماعي ونزوح قسري. لكن عبد الرحمن نفى أمام المحكمة التهم الموجة إليه كما نفى أن يكون هو كوشيب.
وأكد أحد الناجين من بلدة كتم لـ«مدى مصر»، ممن شهدوا هجمات قادها كوشيب أن هذا الحكم يمثل بالنسبة لهم لحظة مهمة في سبيل نيلهم للعدالة التي تأخرت، مؤكدًا أنهم أيضا يتطلعون إلى محاكمة جميع المذنبين بحقهم والذين يرتكبون حاليًا الجرائم «في حق إنسان دارفور» على حد تعبيره.
وقال قريب أحد الضحايا الذي شهد المحكمة لـ«مدى مصر» إن هذه الإدانة التاريخية لا تقتصر أهميتها على قضية كوشيب فحسب، بل تمثل إنجازات متعددة لعدالة قضية ضحايا دارفور. فهي تشكل أول حكم يصدر عن المحكمة الجنائية الدولية في ملف دارفور بأكمله.
من جانبه، قال المحامي في مجموعة «محامو الطوارئ»، محمد صلاح، إن قضية كوشيب هي أول قضية تحال إلى المحكمة بقرار من مجلس الأمن الدولي تسفر عن حكم بالإدانة، مما يؤكد على فعالية آليات الإحالة الأممية، مضيفًا: «الأبرز من ذلك، أنها أول إدانة على الإطلاق تصدر عن المحكمة الجنائية الدولية بتهمة الاضطهاد القائم على النوع الاجتماعي، مما يسلط الضوء على ضرورة محاسبة مرتكبي العنف الجنسي والتمييز الجندري في النزاعات».
وفي أعقاب صدور الإدانة، ستُفتح المرحلة التالية من الإجراءات لتحديد عقوبة كوشيب، مع إمكانية أن يكون هذا الحكم قابلًا للاستئناف. كما سيجري فتح مرحلة لاحقة لتسوية ملف التعويضات للضحايا الذين عانوا من جرائمه.

كان مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، أكد في بيان عقب إدانة كوشيب، استمراره في ملاحقة أوامر القبض المعلقة بحق متهمين آخرين بجرائم مماثلة في دارفور، وفي مقدمتهم الرئيس السوداني السابق، عمر البشير، ووزير الداخلية الأسبق، أحمد هارون، ووزير الدفاع الأسبق، عبد الرحيم محمد حسين.
وفي أعقاب الإطاحة بنظام البشير في أبريل 2019، قام المدعيان العام للمحكمة الجنائية الدولية، السابق فاتو بنسودا، والحالي كريم خان، بزيارة البلاد بما في ذلك إقليم دارفور، لكن مفاوضاتهما مع الحكومة الانتقالية -آنذاك- لم تسفر عن تسليم المطلوبين.
حسين هو الآن تحت الحراسة في منزله بعد أن نقل من السجن في يوليو الماضي لتدهور حالته الصحية، فيما خرج هارون من سجن كوبر شمالي الخرطوم في أعقاب اندلاع الحرب. أما عبدالله بندة، فهو يقاتل إلى جانب الحركات المسلحة ضد قوات الدعم السريع في شمال دارفور، حيث تتمركز قواته على جانبي الحدود السودانية-الليبية. ويبقى البشير الوحيد من رموز نظامه السياسية والعسكرية الذي ما زال قيد الحبس.
ولم تعلق الحكومة السودانية على إدانة كوشيب بشكل رسمي إلا أن مصدرًا في وزارة العدل السودانية قال إن الحكومة لم تتابع بعد حيثيات الحكم، فيما رفض التعليق على تسليم المتهمين الآخرين للمحكمة وقال إن كانت هناك قضايا تجاه أي شخص فسيكون القضاء السوداني صاحب الأولوية في المحاكمة. في المقابل، حثت قوى سياسية مدنية على رأسها تحالف صمود -الذي تولى قائدها عبد الله حمدوك الفترة الانتقالية باسم الحرية والتغيير، ولم يسلم المطلوبين حينها إلى المحكمة- بالإسراع في تسليم المتهمين للمحكمة، وفقًا لما ذكره مصدر في المكتب التنفيذي للتحالف المعارض للحكومة العسكرية في البلاد.
مصادر طبية وعسكرية وشهود عيان يروون دلائل حول استخدام «الدعم السريع» غاز كيميائي في هجمات على الفاشر
لقطات لأسطوانة متفجرة أطلقتها قوات الدعم السريع في فاشر. 5 أكتوبر. المصدر غير معروف.
قالت مصادر مدنية وطبية في مدينة الفاشر لـ«مدى مصر» إن عددًا من الأشخاص عانوا من مشكلات تنفسية وتشنجات عقب ضربات جوية شنّتها مسيرات «الدعم السريع» الأحد الماضي.
وقال شهود عيان من الفاشر إن الهجمات التي شنتها قوات الدعم السريع على المدينة مساء الأحد عبر المسيرات مزودة بأسطوانات انطلقت منها غازات غريبة، سببت هلعًا وسط السكان.
وقال المواطن صالح النور إن «الدعم السريع» هاجمت الأحياء الجنوبية والغربية عبر المدفعية الثقيلة خلال ساعات المساء في شكل متقطع ثم شنت هجومًا بالمسيرات أسقطت من خلالها مواد لم تستعملها خلال هجماتها السابقة.
«الدعم السريع» من جانبها، لم تؤكد أو تنفي بشكل رسمي هذه الهجمات، فيما قال مصدر عسكري في الفرقة السادسة مشاة التابعة للجيش إن المضادات الأرضية أسقطت ثلاث مسيرات استخدمتها «الدعم السريع» في مهاجمة الفرقة والأحياء المدنية المحيطة بها. وأضاف المصدر أن الفرقة فتحت تحقيقًا لمعرفة ماهية هذه المواد، وذلك عبر إرسال عينات لوزارة الصحة بالولاية، مؤكدًا أن استخدام هذه المواد «تطور في جرائم قوات الدعم السريع تجاه المدنيين».

تأثيرات الغازات أكدها الطبيب المتطوع بغرفة الفاشر الطبية، علي الدالي، لـ«مدى مصر». وقال الدالي إن هناك حالات تشنج وقيء وسط الحالات التي فحصوها من الأحياء المحيطة بالفرقة مساء يوم الأحد، بالإضافة إلى صباح الاثنين، وظهرت حالات صعوبة في التنفس. وأوضح الدالي أنهم سمعوا من بعض المرافقين أن هذه الإصابات نتجت بعد فرارهم من عمليات القصف التي وقعت الأحد.
وقال صلاح الدين محمدين أحد سكان حي النصر الواقع شرقي الفاشر لـ«مدى مصر» إن المسيرات التي شاهدوها في أجواء المدينة لم يسمع معها دوي انفجار كما هو معتاد، مضيفًا أنهم بالتزامن مع قصف المسيرات بدأوا بالشعور بأعراض مرضية غير معتادة، خاصة كبار السن. كما أشار إلى وجود روائح غريبة لم يعرف مصدرها، متهمًا «الدعم السريع» بإطلاق صواريخ بها غازات.
وأكدت سمية عوض، ربة منزل في حي دقاقاي الواقع شمال شرقي الفاشر لـ«مدى مصر» أنها شاهدت أسطوانات تشبه طفايات الحريق في مناطق مختلفة بجوار الحي، مضيفة: «ذهبت أجمع حطبًا من وادي حلوف أنا وبناتي. رأينا شيئًا يشبه أنبوبة الغاز بلون أسود وتخرج منها خيوط بيضاء مثل شبكة صيد السمك. قلت لهم هذه أشياء الدعم السريع التي يسقطها فوق رؤسنا. خفنا أن تنفجر أو تخرج منها غازات».

على الجانب الآخر، نشرت وحدة التحقيقات التابعة لموقع «فرانس 24» تقريرًا كشف عن أدلة على استخدام الجيش غاز الكلور كسلاح في هجومين وقعا في شمال الخرطوم في سبتمبر 2024. وكانت الولايات المتحدة أعلنت في مايو الماضي أنها خلصت إلى أن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية في 2024، دون أن تنشر أدلة تثبت ذلك.
واستعرضت وحدة التحقيقات لـ«فرانس 24» صورًا للهجومين اللذين استهدفا مناطق داخل وحول مصفاة الجيلي للنفط، التي كانت تسيطر عليها «الدعم السريع» حينها، وأكد خمسة خبراء أن الصور «تتوافق مع عمليات إسقاط لبراميل كلور»، وبحسب الوكالة، فإن «الجيش السوداني وحده يمتلك الطائرات القادرة على تنفيذ مثل هذه الضربات»، مشيرة إلى أن أحد البراميل جرى تتبع منبعه إلى شركة سودانية تزود الجيش بالامدادات.
على الصعيد الميداني، شنت قوات الدعم السريع يومي الأحد والإثنين الماضيين، هجمات عنيفة على الجيش من المحور الجنوبي والشمالي والشمالي الغربي. واستخدمت «الدعم السريع» المسيرات الانتحارية بكثافة في استهداف مناطق واسعة من المدينة بالإضافة إلى المدفعية الثقيلة.
وقال الناطق الرسمي باسم القوة المشتركة، أحمد حسين، لـ«مدى مصر» إن الجيش والقوة المشتركة كبدا «الدعم السريع» خسائر كبيرة في العتاد والأرواح في هجوم يوم الاثنين على المدينة، مضيفًا أن المناوشات العسكرية استمرت رغم تراجع قوات الدعم السريع إلى خارج المدينة.
استمرار عمليات الإسقاط الجوي في الفاشر بعد كسر الحصار الجوي
بعد أن كسر الجيش الأسبوع الماضي الحصار الجوي المفروض على مدينة الفاشر منذ خمسة أشهر، نفّذ عمليتَي إسقاط جوي لإيصال المساعدات إلى المدينة.
وأفاد خمسة شهود عيان لـ«مدى مصر» أن الجيش نجح في تنفيذ عملية إسقاط مظلي واسعة صباح الاثنين الماضي ثم أعقبتها عملية إسقاط عند الساعة الثالثة ظهرًا.
كان الجيش أعاد فتح المجال الجوي للمدينة، الذي أغلقته «الدعم السريع» منذ أبريل الماضي باستخدام أنظمة تشويش ورصد جوي متقدمة. وأسفرت حملة جوية مكثفة استهدفت مواقع هذه الأنظمة عن تمهيد الطريق لاستئناف وصول الإمدادات إلى المدينة، بدءًا بتزويد الفرقة العسكرية بإمدادات الأسبوع الماضي.
أصبح السماح بدخول المساعدات إلى فاشر مسألة حاسمة بالنسبة للخرطوم في ظل الضغوط الدولية المتزايدة عقب إعلان مقترح الرباعية بقيادة الولايات المتحدة بتسوية سياسية، وهو ما تعتبره الخرطوم محاولة لتجريدها من شرعيتها الحصرية.
وقال مصدر في وزارة الخارجية لـ«مدى مصر» إن البرهان يسعى لتسهيل عمليات الإمداد الجوي لتخفيف الأزمة الإنسانية -والضغط على حكومته وجيشه- دون التنازل عن السيطرة على الفاشر، التي تمثل له أهم ورقة عسكرية وسياسية.
وتأتي عمليات الإمداد الجوي أيضًا في الوقت الذي تعاني فيه الفرقة السادسة مشاة من نقص في الإمدادات، ما مكن قوات الدعم السريع، وفقًا لمصادر عسكرية، من التوغل في أحياء الفاشر، وتشديد قبضتها على محيط المدينة بأكمله تقريبًا.
الأبيض تتعرض لهجوم مسيرات «الدعم السريع»
تعرضت مدينة الأبيض، عاصمة شمال كردفان، الأحد الماضي، لهجمات «الدعم السريع» التي استهدفت بنى تحتية مدنية بينها مستشفى الضمان والأحياء المحيطة به عبر الطائرات المسيرة الاستراتيجية والانتحارية.
وفي منتصف سبتمبر الماضي، قال ضابط رفيع في الجيش لـ«مدى مصر» إن أنظمة دفاع جوي جرى تركيبها لحماية المدينة ومراكز القيادة بها التي تنسق العمليات العسكرية في غربي السودان. غير أن الجيش ما زال يتعرض لضربات جوية متكررة من «الدعم السريع».
وتسعى «الدعم السريع»، بحسب مصدر عسكري تحدث لـ«مدى مصر» إلى تخفيف الضغط عليها في الفاشر بشمال دارفور من خلال نقل ثقل عملياتها العسكرية إلى كردفان. ويهدف هذا التوسع إلى فتح مسارات إمداد جديدة وتوزيع بؤر القتال مع الجيش، فيما يستغل الجيش هذا التحول لزيادة قواته في كردفان لقطع خطوط الإمداد والمواقع الأخيرة التي تربط قوات «الدعم السريع» في وسط السودان بدارفور، في إطار مسعى الجيش لتفكيك المشروع العسكري والإداري لـ«الدعم السريع» خارج نطاق نفوذه في الغرب.
تداعيات الفيضانات تعمّق الأزمة في القطاع الزراعي المدمّر
في وقت يصر فيه رئيس الوزراء، كامل إدريس، أنه «لا توجد مجاعة في السودان»، وتعمل حكومته على التعامل بتكتم مع حجم الدمار الذي لحق بما تبقى من أراضي السودان الزراعية، يرسم المزارعون والخبراء والمسؤولون صورة مغايرة لبلد به أزمة غذاء غير مسبوقة.
وتفاقمت الأزمة في أواخر سبتمبر الماضي، حين اجتاحت الفيضانات الموسمية -والتي زادتها حدة كميات المياه المتدفقة فجأة من سد النهضة الإثيوبي- ست ولايات في الشريط النيلي، ودمرت مئات المنازل والمزارع، وتسببت في إعاقة وصول المساعدات الإنسانية للمتضررين في جنوب الخرطوم وسنار والنيل الأزرق ونهر النيل. لكن الحكومة، ولتجنب الدخول في مواجهة دبلوماسية مع إثيوبيا، آثرت التعامل على احتوائها بهدوء.
وكان الأثر الأشد على الزراعة المروية، إذ غمرت مياه الفيضانات مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، وأتلفت ما تبقى من بنية تحتية هشة، ما حال دون عودة المزارعين النازحين إلى أراضيهم أو استئناف نشاطهم الزراعي.
وقال مزارعون من ولاية سنار لـ«مدى مصر» إن الفيضانات أتلفت محصول الموز والليمون والمانجو، خصوصًا في المناطق المطلة على النيل الأزرق. وفي ولاية الجزيرة المجاورة. وصرّح مبارك عبد الرحمن يعقوب، مدير وحدة ود الحداد الإدارية، بأن أكثر من ألفي فدان موزع على 176 مزرعة تنتج الخضروات والمنتجات البستانية مثل الورقيات والمانجو والموالح والموز تضررت في مناطق جنوب الجزيرة.
وضربت الفيضانات قطاعًا منهارًا بالأصل، لم يشهد بوادر التعافي في المناطق ذات الطبيعة الزراعية التي استعادها الجيش خلال العام الماضي.
وقال مصدر وزاري بأمانة حكومة ولاية الجزيرة إن عدم وجود خطط مدروسة أو رؤية واضحة لحكومة إدريس أدى إلى خلل في استعادة منظومة العمل بالزراعة المروية والمطرية، وبالتحديد في مناطق الجزيرة وسنار والنيل الأزرق، حيث غابت الحكومة الاتحادية عن أي ملف في ما يخص التحضير للموسم الحالي ولم تقدم حلولًا للمشكلات القائمة أو خطة للموسم المقبل.
وأضاف المصدر أن تركيز الحكومة على حشد الدعم الخارجي، سواء المالي أو السياسي، أثر على وضع المشاريع الزراعية المهمة، محذرًا أن هذا التجاهل من شأنه أن يؤدي إلى فقدان هذه المشاريع قريبًا بشكل كامل.
وكان إدريس، قال في تصريحات أدلى بها عقب عودته من اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك مطلع الشهر الجاري، إن السودان «تجاوز مرحلة الحديث عن المجاعة بشكل نهائي»، واصفًا التقارير التي تذكر غير ذلك بأنها «لا تعكس الواقع على الأرض».
«هناك مناطق محاصرة، مثل مدينة الفاشر، وهو ما يُحتم على المجتمع الدولي والدول الكبرى تحمّل مسؤولياتها الإنسانية والعمل على رفع هذا الحصار فورًا»، أضاف إدريس، راسمًا الأزمة وكأنها محصورة في مناطق محددة وواضعًا المسؤولية على عاتق المجتمع الدولي بدلًا من حكومته.
لكن الواقع على الأرض يكشف عن قطاع ينهار شبه كليًا، مع نزوح المزارعين، وتدمير البنية التحتية، وتقلّص المساحات المزروعة في ظل الارتفاع الحاد في تكاليف الإنتاج -ما انعكس على أسعار المواد الغذائية.
وقال الخبير الزراعي، حامد عبد اللطيف، لـ«مدى مصر» إن القطاع الزراعي في السودان تأثر بالحرب بشكل كبير، خاصة في المناطق الزراعية الرئيسية مثل ولايات: الجزيرة والنيل الأبيض وكردفان ودارفور حيث توقفت عجلة الإنتاج الزراعي، مما أدى إلى انهيار الأمن الغذائي ونزوح الملايين من المزارعين.
وأكد عبد اللطيف أن المعارك في ولاية الجزيرة أجبرت المزارعين على ترك أراضيهم، ما أدى إلى تقلّص الرقعة المزروعة وفقدان الخبرات الزراعية، كما دمرت مخازن المحاصيل والمعدات الزراعية ومراكز الأبحاث، ونهبت معظم المعدات الزراعية.
كما أفاد بخروج مشروعات حيوية، مثل مشروع الجزيرة -الذي يُعد أكبر مشروع ري في العالم وأكبر المشاريع الزراعية في إفريقيا- عن الدورة الزراعية.
وأكد مدير مشروع الجزيرة، إبراهيم مصطفى، لـ«مدى مصر» تضرر المشروع بنسبة تتجاوز 95% جراء التدمير المباشر ونهب الآلات والمعدات الزراعية، وتعطيل قنوات الري، ما أدى إلى جفاف المحاصيل وهجر الأراضي الزراعية، مضيفًا أن هذا التأثير لا يقتصر على مشروع الجزيرة وحده وإنما يظهر في مشاريع أخرى أيضًا مثل الرهد والسوكي في ولاية سنار.
وقال مكتب وزير الزراعة والري السوداني، عصمت قرشي، لـ«مدى مصر»، إن العمليات العسكرية أدت إلى تدمير أو تعطيل منظومة التصنيع الزراعي وسلاسل الإمداد بشكل شبه كامل، ما شكل صعوبة بالغة في توفير المواد الخام، وارتفاع جنوني في تكاليف الإنتاج والشحن نتيجة ارتفاع أسعار الوقود بنسب تجاوزت 150%، ما أدى في النهاية إلى ارتفاع أسعار الغذاء بأكثر من 400% في بعض المناطق، وساهم في انكماش اقتصادي قد يؤدي إلى خسارة 40% من دخل الأسر.
وقدّر عبد اللطيف خسائر القطاع الزراعي بمئات الملايين من الدولارات، ما أثر بشكل كبير على الاقتصاد السوداني ككل حيث توقفت الصادرات الزراعية بشكل شبه كامل، كما أدى انهيار الإنتاج الزراعي إلى فجوة غذائية واسعة.
وتتضح معالم الأزمة بشكل خاص في المناطق التي أصبحت فعليًا بؤرًا للمجاعة والكارثة، مثل أجزاء من شمال دارفور. وقال مصدر إداري بوزارة الحكم الاتحادي والمحلي لـ«مدى مصر» إن هناك مستويات كارثية من الجوع الحاد في مخيم زمزم للنازحين، الذي كانت الأمم المتحدة أعلنت فيه المجاعة، إلى جانب ولايات غرب وجنوب كردفان، والجزيرة والخرطوم.
وأدت الاشتباكات إلى خروج ما يقارب 60% من المساحة الزراعية المستغلة في البلاد عن دائرة الإنتاج، وشمل ذلك مساحات شاسعة من القطاع الزراعي المطري في شمال كردفان التي يعتمد عليها السودان في محاصيل الأمن الغذائي الأساسية كالذرة الرفيعة والدخن.
في المقابل، أقر مكتب رئيس الوزراء، كامل إدريس، في حديثه لـ«مدى مصر» بوجود آثار كارثية على قطاع الزراعة خلفتها الحرب خصوصا في المناطق الإنتاجية، إلا أنه أكد استمرار محاولات الحكومة عبر الوزارات المعنية بوضع خطة إنقاذ شامل تشمل القطاع المروي والمطري، كما أشار إلى محاولة الدخول في شراكات مع شركات زراعية إقليمية ودولية من أجل تطوير القطاع.
رئيس الوزراء السوداني في أسمرا في «رسالة حسن نية»
فيديو من جولة رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس والرئيس الإريتري أسياس أفورقي في أسمرا، 9 أكتوبر، المصدر: @ghandour على موقع X
وصل رئيس الوزراء، كامل إدريس إلى العاصمة الإريترية أسمرا، الخميس الماضي، على رأس وفد حكومي، في أول زيارة له إلى إريتريا منذ توليه منصبه في مايو الماضي.
وأعرب إدريس خلال الزيارة عن تقديره لـ«المواقف الإريترية الداعمة للسودان»، مشيدًا بجهود الرئيس أفورقي في دعم السودان. فيما جدد أفورقي دعم بلاده الكامل للسودان، وموقفها الثابت في مساندة استقراره ووحدته.
وقال مصدر إعلامي في أسمرا لـ«مدى مصر» إن الزيارة أقرب إلى رسالة حسن نية، موضحًا أن الملفات الاستراتيجية والعسكرية مرتبطة بمجلس السيادة والعلاقات العسكرية. وأضاف المصدر أن زيارة إدريس -الذي هتف بحياة أفورقي أثناء تجواله في أسمرا بمعيته- تريد أن تعكس تقدير مؤسسات الحكم في السودان تجاه مواقف إريتريا، خصوصًا بعد زيارات كامل الى الممكلة العربية السعودية ومصر الشهر الماضي.
وكان إدريس، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الشهر الماضي، ناقش مع الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيله، التوترات الإقليمية في القرن الإفريقي، على رأسها الخلافات بين إثيوبيا وإريتريا، وفقًا لمصدر مرافق للوفد السوداني تحدث لـ«مدى مصر» حينها. ومع تعمّق علاقات السودان مع إريتريا -بما في ذلك نشر بوارج حربية لبورتسودان واستضافة إريتريا سلاح الجو السوداني في قواعدها العسكرية بعد هجوم «الدعم السريع» بالطائرات المسيّرة على المدينة- تعهّد إدريس برفع ملف التوسط بين إريتريا وإثيوبيا إلى البرهان لمناقشته.
أخبار ذات صلة
تفشي حمى الضنك في الخرطوم، ومصادر طبية: العاصمة لا تزال غير مهيأة | تفش كبير للحصبة وسط نازحي شمال دارفور | انشقاق قائد من «الدعم السريع» وانضمامه للجيش | الجيش يفشل هجومًا على الدلنج
تجد الخرطوم نفسها مجددًا في مواجهة تفشٍ لحمى الضنك
إضرابات في القطاع الصحي في نيالا | البرهان يلغي منصب نائب القائد العام ومساعده | رئيس الاستخبارات العسكرية السودانية يزور طرابلس | الجيش يبدأ عملية استعادة الكرمك بولاية النيل الأزرق
في نشرة السودان: شهد هذا الأسبوع سلسلة من الإعلانات التي استكملت ملامح القرار الصادر في 2 أبريل الجاري عن رئيس مجلس السيادة…
تراجع الإمدادات الإماراتية لـ«الدعم السريع» عبر ليبيا في ظل الضربات الإيرانية على الخليج | الجيش يستهدف إمدادات لـ«الدعم السريع» في شمال دارفور دخلت عبر تشاد | «الدعم السريع» والحركة الشعبية تواصلان الضغط في النيل الأزرق.. واستمرار القتال يُنذر بأزمة غذائية | «الدعم السريع» تتوغل في الدلنج والجيش يصد الهجوم | البرهان يجري تعديلات في هياكل قيادة الجيش.. والعطا رئيسًا للأركان
البرهان يجري تعديلات واسعة في هياكل قيادة الجيش.. والعطا رئيسًا للأركان
«الدعم السريع» تستولي على الكرمك في النيل الأزرق | مقتل نحو 100 مدني في دارفور في هجمات نُسبت إلى الجيش | الحرب على إيران تضاعف أزمة الأدوية في السودان
بينما كان قائدا طرفي الصراع في السودان يوجّهان تهاني مسجلة بمناسبة عيد الفطر إلى المواطنين، واصلت قواتهما وطائراتهما المُسيّرة العمليات العسكرية، مخلفة…
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن