أحمد عوني: رؤى مغايرة وسيولة
ربما أكثر ما نفتقده في الثورة، منذ خفوت زخم أيامها أو شهورها الأولى، ليس جانبها الأكثر بروزًا كالمسيرات والاعتصامات واحتلال الميادين، وإنما ما خلقته من حوار متواصل بين أفراد الشعب وبعضهم البعض.
كل من تواجد في ميدان التحرير مثلًا، أو غيره من الميادين المصرية، بعد 25 يناير وحتى أواخر عام 2011، قضى معظم الوقت في حوارات ونقاشات، وأحيانًا جدالات حادة، مع من كان موجودًا حوله. كان الحوار المتواصل سبيل الثورة إلى «اكتشاف ذاتها» والعقبات التي تنتظرها.
نحاول في الحوارات والشهادات المضمنة في هذا الملف العودة للحدث الثوري ومساءلة إمكانية استخدامه في تحقيب الحركة الأدبية. نفعل ذلك من خلال نفس هذا الجو التحاوري الذي خُلق مع الثورة وتجاوزها.
بعد مرور 11 عامًا على 2011، طرحنا عددًا من الأسئلة على بعض الكتاب المصريين، انطلاقًا من سؤال رئيسي شكل نقطة البدء «ماذا فعلت الثورة بالكتابة؟»
وكذلك، استنادًا إلى تجربة بعض الأسماء المشاركة، التي كتبت عن الثورة بالفعل، أردنا معرفة التغيرات التي قد تحدث في رؤية العلاقة بين الكتابة والثورة إذا أرادت تلك الأسماء الآن أن تقدم أعمالًا أخرى عنها. ما المساحة الجديدة التي سترغب في اكتشافها والأفكار أو الموضوعات التي تود مناقشتها؟ كيف ننظر إلى الإتاحة أو حالة السيولة الحالية كما يسميها البعض؟ هل تعمل على إثراء الثقافة أم إضعافها؟ ما الجماليات أو الأنواع/الأنماط الأدبية التي ساهمت الثورة في خلقها؟ ما هي العلاقة بين ثورتي الاتصالات و25 يناير من حيث تأثيرهما على الأدب والحياة والثقافية، وإلى أي منهما يمكننا أن ننسب أو نرجع أي تغييرات أو ظواهر أدبية جديدة، إن وجدت؟ وكيف تصيغ الثورة العلاقة بين المتن والهامش وكذلك بين المركز والأطراف في الحياة الثقافية المصرية؟ أو: هل قامت الثورة بتقويض سلطة «المركز» ومعه سلطة المعيار الأدبي؟ أم أن هذا الخرق كان سمة للثقافة العالمية المعاصرة بشكل عام؟
جاءت الاستجابة للأسئلة متنوعة. هناك من أراد أن يجيب على الأسئلة كتابًة، وهناك من فضّل أن تأخذ مداخلته شكل الحوار الحي. وأيضًا كانت الأسئلة محرضة على كتابة «نص سردي» يتناص معها.
1
«لا تهمني النتائج انتصرنا أم فشلنا، المهم أن أنتهي، ألا يبقى في شيء ليُطلَب، ستكون هذه أسعد الأيام، سواء بحصيلة المنتصر أو بذلك الاكتئاب الرقيق بعد اليقين من الفشل، لا يهم كم يؤلمني ظهري الآن، إن كنت أعرف أنه حين ينتهي الوجع، سيصبح جديرًا بالاحتفاء».
الكلمات السابقة لرامي مصطفى، بطل رواية أحمد عوني الأولى «جوائز للأبطال».
«يمكن القول إن هناك أعمالًا لم يكن مقدرًا لها الوجود لولا ثورة يناير». يؤكد عوني أنه ليس بالضرورة أن تكون تلك الأعمال «عن» الثورة قدر كونها نابعة من «روح» الثورة، من «لحظة التحرر».
من خلال قراءاته، لا يستطيع عوني الحديث الآن عن «أنماط» أو «جماليات» جديدة، لكنه يرصد سمات مغايرة ترتبط بأفكار محددة: «هناك رؤى مغايرة لفكرة الوطن أو الدولة القومية. تلاشت وانتهت صورة الأم كصورة رمزية للوطن، ونشأت صورة أكثر واقعية من منظور الجيل الجديد». يرصد عوني سمة أخرى لا تقل أهمية متعلقة برؤية وتمثيل «المجتمع». يقول: «المجتمع أصبح فاعلًا مش شوية ناس مقهورة». ويرى أن صورة المجتمع لدى العديد من الكتاب تلخصت لفترة طويلة في رؤيته «ككتلة واحدة تحت القهر». «الآن، تبلورت مواجهة للمجتمع. بدأ المجتمع بالتعرف على بعضه، وبدأ الكاتب في استيعاب فكرة أن السلطة لها ظهير مجتمعي تعبر عنه، وليست من خارج الشعب».
لكن عوني يؤكد على ضرورة الوعي بالفرق بين الرؤية الأكثر جدلية لمفهوم المجتمع، والأفكار «السلطوية» التي تلجأ دائمًا إلى إلصاق كل العيوب والنقائص بالشعب، وتعبره أساسًا للبلاء، متجاهلة السلطة بآلياتها وسياستها التي تشكل رؤى المجتمع.
ويقول أيضًا إننا يجب أن ننظر بتواضع إلى حالة «السيولة» القائمة منذ سنوات، لأننا أولًا لا نملك أن نفعل شيئًا أمامها، والأهم أنها هي المعبرة عن جوهر الثراء الحقيقي. يوضح عوني أن «الحمائية» التي يتعامل وفقها الكتاب والمثقفون تجاه السيولة الحالية مبعثها فكرة أساسية أو تخيل محدد: «أن الأدب الجيد سيختفي أو يتوه» وسط الإصدارات المتزايدة لأدب النوع، مثل أدب الرعب وغيره، والكم الهائل من أعمال «البيست سيلر» وكتب التنمية البشرية. لا يشارك عوني أصحاب هذه الفكرة في تخيلهم، بل يقدم تخيلًا بديلًا: «لو أن نجيب محفوظ قد ظهر وسط جيلنا الحالي، لقُرئ جيدًا رغم ركام الأعمال المحيطة به. أي أن السيولة الحالية لن تُعيق ظهوره للقراء».
لذلك يصل عوني إلى العلاقة بين الثورة و«سلطوية المعايير» الممثلة في المثقف كسلطة أو حارس للخطاب.
«من الذي يحدد الأدب الجيد؟ الفكرة الراغبة في انتقال حكم الخبراء التكنوقراط إلى المجال الثقافي هي خارج التاريخ». والسبب في ذلك كما يرى عوني أن أحكام الخبير، المثقف أو الناقد في حالة الأدب، ستتحول إلى أنساق قمعية. وذلك يناقض تمامًا ثراء الأدب والثقافة. فالثراء بمعناه الأوسع «لا يتحقق بصدور بضعة أعمال جيدة ومتميزة، وإنما يأتي من الإتاحة والتحاور والتداول الأكثر ديمقراطية للآراء والأفكار. ذلك هو الأهم». وهنا يتساءل عوني عن معنى «ثراء» الحياة الثقافية نفسه وكيفية قياسه، وهل صدور أعمال أدبية جيدة يعتبر مقياسًا للثراء الأدبي والثقافي. يقول: «لو أن المنتخب القومي لكرة القدم، مثلًا، حصل على كأس العالم، فهل يعني إنجاز كهذا أن الشعب المصري صار شعبًا رياضيًا؟»
«من زاوية أخرى، فالتنوع قد يكون المنقذ للأدب على مستوى صناعة النشر. في وقت ما كان السبكي مثلًا هو من ساهم في استمرار صناعة السينما المصرية، لأن إنتاجه أتاح فرصًا لكثير من الفنيين والحرفيين، فنيين كهرباء ونجارين.. أي أنه حال دون هجرتهم من السينما إلى مجالات صناعة أخرى».
يحكي عوني أنه وجد مرة فرعًا لمكتبة «ألف» في إحدى محطات البنزين. «لك أن تتخيل نوعية الكتب اللي ممكن تلاقيها في محطة بنزين، بس لقيت على الاستاند وسط كتب بيست سيلر وروايات الرعب رواية 'في غرفة العنكبوت' لمحمد عبد النبي، وكانت حاجة أسعدتني جدًا، كان من الصعب تخيل أن 'في غرفة العنكبوت' تبقى متاحة في المكان ده لولا الأعمال المحيطة بيها، وتطور سوق الكتب نفسه».
ساهمت الثورة في حالة «السيولة»، كما يرى عوني، لكن «تلك الحالة كانت حتمية نتيجة التكنولوجيا والميديا. فالدول التي لم تحدث بها ثورات لديها حالة مماثلة لما لدينا».
يشير عوني إلى أن «السيولة ممتدة بره الكتب». يتساءل: «الثورة أنتجت إيه؟»، ويضيف: «لا يمكن فصل الحركة النسوية الحالية عن الثورة، لأنها نتاج وامتداد لها. كذلك تُعتبر رغبة العديد من الفئات المجتمعية في التعبير عن نفسها بحرية أكثر من الآثار الثقافية للثورة. تلك الرغبة تجد نفسها في مواجهة قمع متزايد من الدولة والمجتمع. وهو ما يظهر مثلًا في حالة فتيات التيك توك».
سألته عن عمله القادم. هل هي رواية أخرى «عن» الثورة؟ وما الذي يود تحقيقه من خلالها؟
يجيب: «عملي القادم يتناول مفهوم 'الذكورة'. كنت أتصور أنه لا علاقة له بالثورة، لكني اكتشفت أنني منطلق من لحظة كشف مرتبطة بالثورة وما خلقته من طاقة تحرر». يحيلنا عوني، إلى الخطاب السياسي المحتدم عام 2013، وما يسميه خطاب «الذكورة السياسية». يقول: «وصفت المعارضة المدنية لحظتها بصفات مثل الميوعة والخنوثة. كذلك وجدنا شخصًا يوصف بأنه 'دكر' وآخر بالرخاوة وهكذا». بالنسبة له، خلقت الثورة لحظة كشفٍ ما مكنته من أن يفحص فكرة الذكورة.
«لم يكن ذلك الكشف قابلًا للتحقق لولا الثورة».
تقارير ذات صلة
لا يُنسى.. مع صُنع الله وأدبه ورفضه
هذا النص ضمن رحنا وشفنا 15# «مُنتهى الأدب»
كنتُ صغيرًا حين قامت ثورة
ذاكرتي لا تحتفظ بصورة أو حدث، لكن ما يترسب في قاعها أثر الكلمة: «ثورة»
علاء خالد: الثورة مجاز للفكرة
الثورة أباحت بشكل أوسع مما كان قبل حدوثها
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن