علاء خالد: الثورة مجاز للفكرة
ربما أكثر ما نفتقده في الثورة، منذ خفوت زخم أيامها أو شهورها الأولى، ليس جانبها الأكثر بروزًا كالمسيرات والاعتصامات واحتلال الميادين، وإنما ما خلقته من حوار متواصل بين أفراد الشعب وبعضهم البعض.
كل من تواجد في ميدان التحرير مثلًا، أو غيره من الميادين المصرية، بعد 25 يناير وحتى أواخر عام 2011، قضى معظم الوقت في حوارات ونقاشات، وأحيانًا جدالات حادة، مع من كان موجودًا حوله. كان الحوار المتواصل سبيل الثورة إلى «اكتشاف ذاتها» والعقبات التي تنتظرها.
نحاول في الحوارات والشهادات المضمنة في هذا الملف العودة للحدث الثوري ومساءلة إمكانية استخدامه في تحقيب الحركة الأدبية. نفعل ذلك من خلال نفس هذا الجو التحاوري الذي خُلق مع الثورة وتجاوزها.
بعد مرور 11 عامًا على 2011، طرحنا عددًا من الأسئلة على بعض الكتاب المصريين، انطلاقًا من سؤال رئيسي شكل نقطة البدء «ماذا فعلت الثورة بالكتابة؟»
وكذلك، استنادًا إلى تجربة بعض الأسماء المشاركة، التي كتبت عن الثورة بالفعل، أردنا معرفة التغيرات التي قد تحدث في رؤية العلاقة بين الكتابة والثورة إذا أرادت تلك الأسماء الآن أن تقدم أعمالًا أخرى عنها. ما المساحة الجديدة التي سترغب في اكتشافها والأفكار أو الموضوعات التي تود مناقشتها؟ كيف ننظر إلى الإتاحة أو حالة السيولة الحالية كما يسميها البعض؟ هل تعمل على إثراء الثقافة أم إضعافها؟ ما الجماليات أو الأنواع/الأنماط الأدبية التي ساهمت الثورة في خلقها؟ ما هي العلاقة بين ثورتي الاتصالات و25 يناير من حيث تأثيرهما على الأدب والحياة والثقافية، وإلى أي منهما يمكننا أن ننسب أو نرجع أي تغييرات أو ظواهر أدبية جديدة، إن وجدت؟ وكيف تصيغ الثورة العلاقة بين المتن والهامش وكذلك بين المركز والأطراف في الحياة الثقافية المصرية؟ أو: هل قامت الثورة بتقويض سلطة «المركز» ومعه سلطة المعيار الأدبي؟ أم أن هذا الخرق كان سمة للثقافة العالمية المعاصرة بشكل عام؟
جاءت الاستجابة للأسئلة متنوعة. هناك من أراد أن يجيب على الأسئلة كتابًة، وهناك من فضّل أن تأخذ مداخلته شكل الحوار الحي. وأيضًا كانت الأسئلة محرضة على كتابة «نص سردي» يتناص معها.
لقراءة الإجابات السابقة:
شادي لويس: ثورة كبيرة وثورات صغيرة
أحمد زغلول الشيطي: لم أكن نائمًا حين قامت الثورة

فضّل الشاعر والروائي، علاء خالد، أن تتخذ إجاباته على الأسئلة شكل الحوار الحي بيننا. زرته في «فراديس»، الجاليري الخاص به في منطقة رشدي بالإسكندرية. وبالفعل، اكتسب الحوار أبعادًا أخرى نتيجة طبيعة «الكلمة المنطوقة» الصادرة عن جسد حى والقريبة إلى الفكر «الخالق». وأيضًا تطرق الحوار إلى أثر الثورة «خارج النص المكتوب»، تأثيرها على الذات والوعي والمجتمع.
شكلت «الثورة» خلفية الأحداث في رواية خالد الأخيرة «بيت الحرير» والتي يمكن اعتبارها جزءًا ثان لـ«أشباح بيت هاينرش بُل»، الرواية السابقة عليها. في كلتا الروايتين، محاولات لرصد الآثار والأسئلة التي فجرتها الثورة أمام الشخصيات الرئيسية. لكن قبل الروايتين، أصدر خالد الكتاب الحادي عشر من مجلة «أمكنة» بعنوان «مسارات الثورة 1» عام 2014. يتناول «مسارات الثورة 1» الفترة بين 2011 ويونيو 2013، ويضم العديد من الحوارات والشهادات والترجمات، إضافة إلى التوثيق الفوتوغرافي. تملكني الفضول لمعرفة الكيفية التي يرى بها خالد الثورة بين ما كان «ذاكرة أحلامها المستقبلية»، كما وصفها في افتتاحية العدد عام 2014، وذاكرة واقعها «الحقيقي» أو الفعلي.
بدأت حوارنا بسؤال افتراضي: إذا أراد علاء خالد كتابة جزء ثالث يُضاف إلى روايتي «بيت هاينرش بل» و«بيت الحرير»، فما هي المساحة الجديدة التي سيرغب في اكتشافها داخل الثورة، والأفكار أو الموضوعات التي يود مناقشتها؟ وأيضًا في ما يخص مجلة «أمكنة»، ما الأفكار المرشحة لتكون جزءًا متممًا لـ«مسارات الثورة»؟
سواء في «بيت هاينرش بل» أو «بيت الحرير» يوجد نوع من القراءة غير المحسومة للثورة. أقصد أنها قراءة تحمل تناقض اللحظة. أي يوجد نوع من المراجعة داخل العمل نفسه. لذلك لا توجد الصدمة التي تحدث نتيجة تعرية الواقع لتصور مثالي ما. أعتقد أن الكتابة وقتها انطوت على المستقبل الذي يحدث الآن.
لما قرأت الأسئلة التي أرسلتها لي، فكرت أنه من الممكن أن أتتبع خطوات البطلين. في الرواية الأولى -بيت هاينرش بل- يوجد بطل يكتب، وفي الثانية يوجد بطل مشابه، كاتب، وهناك أيضًا بطلة؛ دولت. لو كتبت جزء تالت هتكون دولت، إيه المسار الخاص بيها، بداية من بعثها في «بيت الحرير». المسار قد يكون مماثلًا للجيل الذي نشأت فيه. جيل ابتدا يحقق وجود. وصار لديه هشاشة داخلية. عنده إحساس أن في مكسب حاصل، لكنه مش قادر يملاه. أو ستسير في المسار النموذجي بالأدوات المطروحة حاليًا في المجتمع بأنها معبرة عن الثورة بأشكالها الكتير، الحقوقية أو غيرها، وده نمط موجود. من غير الممكن أن تشعر شخصيات مثل دولت بالفوران، الناتج عن الشعور بلحظة التناقض العنيف، إلا إذا وجِد سلفًا نموذج داخل المجتمع الذي تعيشه يمنح الأمل تجاه تحقيق النجاة أو التغيير.
لو فكرت الآن في مسار شخصية دولت: إما أن يكون نموذجيًا ويتماهى مع الفكرة الرائجة تجاه المجتمع المدني، أو تأمل ما سوف يحدث للفرد حين يشعر أنه في لحظة ما صنع تغييرًا في محيطه. يمكن التغيير ده مش هيقدر ياخد مداه، لأن مفيش وسيلة لتكملة عملية التغيير. لكن في فرد أمام لحظة حقيقية هزت كيانه الداخلي. ولو افترضنا مسارًا ثالثًا، هو إزاي دولت تقدر تستكمل التغيير بدون غطاء ثقافي أو إيديولوجي حد يفرضه عليها. دي المسارات المتخلية لشخصية دولت، كفتاة ثورية، اللي ممكن تمشي فيها.
أو على النقيض، هناك مسار اليأس. الصدمة. مش عايز أقول إن الحلم كان أكبر من الثورة، لكن الأنانية كانت أكتر من الثورة. وده الجانب اليائس دلوقتي. الأنانية كانت متداخلة مع الثورة بشكل مركب جدًا، وأحيانا بتخفيها. فكرة أنك تكون جزء من تكوين وغير قادر على فصل نفسك منه وتكوين قراءة ذاتية. فالثورة لم تصنع لك أداة رقابة داخلية. كانت زي موجة ركبتها، الموجة مش بتاعتك، دي حاجة أكبر من وجودك. لكن في لحظة معينة ابتدت تتحول إلى حالة شخصية. كأنك أنت صاحب التغيير. دخلت هذه الفكرة على «الأنا» أو الذات وصنعت نوع من التضخم اللي ممكن يوصل إلى حالة الاكتئاب واليأس الحالي دلوقتي.
العدد قبل الأخير من مجلة «أمكنة» بعنوان «مسارات الثورة» كان معنيًا، في الأساس بتوثيق الثورة من خلال الشهادات والحوارات، وبصريًا عبر الفوتوغرافيا. كأن «مسارات الثورة» يؤكد في اللحظة الحرجة التي صدر فيها عام 2014، أن هناك ثورة قد حدثت بالفعل.
وعارف إيه، كانت الفكرة كمان يا محمد، أنه يكشف إزاي نقرأ الماضي من خلال اللي حصل. كان الماضي سائل، كنا بنحاول دايمًا نعمل له عملية تذكر لأن مفيش حد له، مفيش مكان تقف منه.. مفيش حدث. لما حصلت صدمة اتخلق ماضي».
في كاتب لسه قاريه امبارح اسمه «راينهارت كوسيليك» في ألمانيا بيعمل ماضي للمستقبل. أعتقد من تلامذة حنة أرندت. يعني في لحظة تجعلك تعمل مراجعة وتفكر كنت شايف إزاي، لأن من خلال ده هتقدر تقرأ المجتمع. إيه تصورنا عن الثورة قبل حدوثها؟ ده المستقبل موجود داخل الماضي. مش كده؟ مقاربة الحدث نفسه، مقاربة اللي حصل مع تصورنا، إزاي بنكون خيالاتنا، إزاي بنكون أفكارنا. في قراءة نقدية ممكن تحصل من خلال رؤيتنا للعلاقة بين تصوراتنا المسبقة واللي حصل فعلًا. المستقبل مش بس مرتبط بالاستمرار، المستقبل كان موجود، مزروع في الخيال، ولحظة الثورة غيرت شكله وممكن نعمل قراءة جديدة له.
أي لحظة سابقة بقى جواها معايير تانية، جواها مش بس تأريخ إنما نقد للوعي.. نقد.. يعني مثلًا الماركسية تنقد وعيك البرجوازي، الثورة جت تنقد مساحة أوسع للوعي. مش فكرة البرجوازية بس، نقد المتخيل الجمعي. كان إيه شكل وجوده وتصوراته.
وإيه أداة الثورة لفعل النقد؟
المقارنة. إن في حدث حصل، ومع تفكيكه، ومقارنته بتصوراتك عن الذات الفاعلة مثلًا تتحصل على أدواتك لقراءة وعيك السابق عليه. بشكل تاني، كلنا عايشين بتصورات عن التغيير. لما بيحصل التغيير بيكون جزء من المخيلة الجمعية، وجزء من أدوات العمل الجماعي، مؤسسات وأفراد وكتاب. كأنه جهاز مفهومي عمّال يشتغل، ويؤثر في أحلام وتصورات الناس.
أنت حبيت واحدة، تصورك عن الحب غير في لحظة الحب نفسها. اللحظة نفسها بتفتح الوعي على إرادة وغرائز، فتبدأ تقرأ وجودك الرومانسي السابق. الأحداث العميقة بتكشف تصورات المجتمع، والتصورات الذاتية. عارف، كان أنسي الحاج له عنوان «ماضي الأيام الآتية». كإن الماضي موجود في المستقبل، وكذلك العكس، المستقبل موجود في الماضي.
وأظن أن فكرة المستقبل مسكون في الماضي أعيد إحياؤها في أعمال جماهيرية كتير، سينمائية وغيرها…
الثورات أكبر دلالة على الفكرة دي. لأنها حلم دائم وأشكال تجليه جزء من معالجة الوعي الجمعي، وإخفاقه أو إعادة ترتيب للمخيلة.
أنا مثلًا عندي ستين سنة، لحد دلوقتي في اكتشافات ذاتية من خلال التعاملات اليومية بأشوفها بحس أن الواحد محتاج يقرأ نفسه من أول وجديد. إيه اللي كان مغمي عليا الفترة دي كلها؟ يعني الواحد مجتهد تجاه حياته ووعيه، يبقى في مناطق كانت محجوبة. الاكتشاف الذاتي معناه أن في مفاجآت وتراكمات تخليك تعيد النظر والترتيب، ده على مستوى الفرد.
ده يوصلنا لنقطة مهمة، عن بعض المفاهيم الثقافية الناتجة عن تأويلنا للثورة، زي فكرة الجغرافيا الجديدة بين الذات الفردية والجماعة اللي حضرتك اتكلمت عنها قبل كده في افتتاحية عدد «أمكنة»، وكمان مفهوم الطبيعة الكرنفالية للثورة، الكرنفال بمفهوم باختين كأصوات متعددة، والكرنفال حيث كل شيء مباح. إيه مدى صلاحية مفاهيم زي دي؟ هل اتخلقت مثلًا جغرافيا جديدة؟
لما الحشود دي كلها تجتمع، بتتخلق ذاكرة جديدة، يحصل تجديد الوعي الجمعي، ويتبنى عليها جزء من وجودك الفردي. في جزء من وجودك مُعلق بإحساسك بالوعي ده. الثورة أوجدت صورة جديدة. كمان فكرة البطولة نفسها من ضمن الأفكار المتكونة. الفكرة الخارقة دي: الواحد يقف قدام دبابة، أو يعري صدره للرصاص. دي نماذج هتفضل تغذي الوجود وتصعّد الوجود الفردي لمكان بيبحث عنه. في خريطة عمّالة تتكون.علاقات الحب، وفكرة الفوارق الطبقية اللي كانت ممكن تتكسر أحيانا داخل اللحظة. في قياسات كتير، بس تجديد الوعي الجمعي أهمها، في حاجة اسمها مجتمع، في حاجة اسمها شعب.
الشعب خرج من حيز المجاز؟
طبعًا، قبل كده كان مجاز، كنا بنعوّل عليه، إما بالحديث من ثورة عرابي إلى ثورة 1919، دي العلاقات اللي كنا بنبني عليها. دلوقتي في ثورة يناير 2011.
وفكرة الطبيعة الكرنفالية، هل تبقى منها شيء؟ أرى الصدام دلوقتي بين رغبة في استمرار الطبيعة الكرنفالية ورغبة الدولة في التنظيم..
كان في حشد موجود، بس هل داخله أصوات متعددة أو طبيعة كرنفالية فعلًا؟
في احتمالية للكرنفال، يعني دلوقتي تخلقت فكرة «اللي بيعرف يعمل حاجة.. يعملها» في مواجهة أفكار مسبقة كانت في بحث دائم عن فتوى أو في خوف من التجربة أو فكرة الإباحة عامة.
طبعًا طبعًا. الثورة أباحت بشكل أوسع مما كان قبل حدوثها.
الرغبة اللي اتخلقت دي في صدام مع رغبة في التنظيم وفق مفاهيم ومحددات لفعل أي شيء، سواء قيم الأسرة أو الدين..
بس ده اتكسر. الفكرة الأبوية ممكن تكون دلوقتي في أضعف حالاتها، بكل أشكالها من أول الأسرة لحد الحاكم. مش معني وجود «السلطة» أن في فكرة أبوية. دي سلطة، حاجة أكبر من الفكرة الأبوية. مفيش نموذج معين فارض أداته. كسر النموذج -المهيمن- عمل نوع من الإتاحة لفكرة السعي الشخصي، مع وجود الميديا والحداثة، وأن الناس مش بس تخترع أشكالها للحياة، الأشكال موجودة ويعاد العمل داخلها.
على ذكر الإتاحة، أو حالة السيولة في إصدار الأعمال الأدبية، وتجاور أدب النوع مع البيست سيلر وما يعرف بـ«الأدب الرفيع أو الجاد». إزاي بتشوف السيولة الحالية؟
الحالة دي من قبل الثورة، ظهرت مع الميديا. ابتدى يطلع مثلًا علاء الأسواني. من أول دخول الميديا بدأنا نشوف مثلًا جروبات الروايات الحديثة. وجروبات للروايات الرومانسية وغيره. إحنا كنا قاعدين مزنوقين في فكرة الحداثة في التسعينيات، الحداثة أو ما بعد الحداثة. ده كان المحدد، والحالة متقننة جدًا. لسه لآخر لحظة بتوضع معايير. وبعدها، اتكسرت المعايير دي كلها. اتكسرت أولًا لطبيعة الوضع -الاجتماعي- أن الأدب ماشي في سكة والمجتمع ماشي في حتة تانية. المجتمع كان متنوع أكتر من اللي الكاتب عامله. مش المعنى أنه أحسن منك. لكنه متنوع وجواه ناس بتشتغل بعيدًا عن الفكرة اللي كانت متمسكة بيها الجماعة الأدبية. بقى في فكرة أوسع منها بكتير. فظهرت أشكال -أدبية- كانت مخنوقة، أو نشطت الأشكال دي. وابتدى الأدب يدخل كمان في مجال الاستثمار، والرواج. وده خلق كثرة ومفيش مقياس محدد.
والتنوع ده يعتبر شكلًا من أشكال الثراء..
أنا معرفش ثراء ولا لأ. لكنه «تمثيل» أوسع بالطبع. الفكرة النقدية كانت سيئة. لو كانت الفكرة النقدية دي عندها نوع من التمثيل الاجتماعي الأوسع، لو كان فيها رحابة أو وعي كانت استمرت. لكنها اتكسرت، وظهرت الأشكال التانية. مع الميديا الجديدة طبعًا. الفكرة النقدية كانت مش موجودة أو ضيقة، وظهرت الميديا. وخلاص، أي حد هيكتب. وكان لازم يحصل التمثيل الأوسع ده.
هل معيار «الأدب الجيد» مفهوم قمعي، بمعنى أنه ممكن يتوظف بنفس طريقة مفاهيم زي «قيم الأسرة» أو «خدش الحياء» مثلًا؟
الفكرة وراء مفهوم الأدب الجيد في الأصل كانت فكرة تحررية. الأدب الجيد مرتبط بعمق ما أو بيضع الإنسان في مكان جديد. ممكن تكون الفكرة اتجمدت أو وصلت لرؤية أبوية. بس المشروع كان قراءة للوضع الإنساني الحرج والإشكالي. ماكنش الغرض منه فكرة المصادرة وإنما غرضه التحرر وتغيير الوضع الاجتماعي وفتح الذهن أمام كل الأسئلة. أنا أعتقد أن دي الأهداف الأساسية اللي الواحد كقارئ اتعرف عليها من التيارات الأدبية جوه مصر أو خارجها. حتى في أعمال أجاثا كريستي، و«أرسين لوبين» و«الشياطين الـ13» كانت الأفكار دي موجودة.
هل ده معناه أن فكرة «النقد» نفسها اختفت من الأدب؟
ابتدى نوع تاني من القراءة. في كاتب اتكلم عن «موت الناقد» -رونان ماكدونالد- والسلطة خرجت من يد الخبير. في استهلاك أكبر على مساحة أوسع من الناس. تعدد وسائل النشر غيرت نوع القارئ. القارئ أصبح هو المرتبط أكثر بالكاتب، والأكثر تأثيرًا على الذائقة. بس يظل طبعًا في «وسيط». أعتقد أداة الوسيط اتغيرت، من أن فرد يقولك أنت كويس، زي المهمين قبل كده لو عايز تتكلم عن مصر مثلًا لويس عوض، لو طلع البيان بكده -الجودة- يبقى خلاص. الفكرة أخدت تعدد أوسع. فكرة «القراءة» أصبحت أشمل لأنها وسعت المساحة اللي ممكن تقرأ فيها الرواية أو القصيدة. أقصد أن الجودة -كمعيار- هتفضل موجودة بس لازم يتغير شكلها.
ومن خلال قراءاتك، هل في أنماط أدبية مختلفة موجودة بعد الثورة؟
أكيد طبعًا. بشكل عام فكرة «الهامش» هي الأساسية دلوقتي. كل الهوامش بتتصدر دلوقتي الموقف. مش بشكل حواري. لكن كرد على فكرة مركزية أيًا كانت. الفكرة الهامشية ابتدت تحوز سلطة المركز/المتن وتشغل «الآلة» الأدبية. ده جزء.
الجزء التاني هو كتابة المرأة، في تغيير أو «نقلة» ظهرت في الكتابة الشعرية وغيرها. مش متماشية مع تقنيات قبل كده، قصدي تقنيات الحداثة. في الارتجال، في ارتباك بالمعنى الإيجابي، إن حد بيعيد التساؤل والقراءة، مش جزء من فعل ثقافي لازم تسير وفقه، الرجوع إلى منطق أساسي. مرة كتبت بناءً على طلب سارة عابدين في ملف عن شاعرات عاملاه في «ضفة تالتة». قراءة المشهد الشعري دلوقتي ومقارنته بالتسعينيات المرتبطة بفكرة جذرية، وفكرة التحرر، وضد الفكرة السياسية، وعلى أقصى نقيض لها. دلوقتي في مرجعية جديدة للمرأة، حتى لو ظهرت رومانسية أو ضد الصورة التقليدية للتحرر أو للصورة الشعرية.
وجود المرأة في الحياة والثورة من أهم زوايا قراءة المجتمع. المرأة قبل الثورة وبعدها، ده التمثيل الأقوى. يعني الروح اكتسبت ثقة لأن الذات كانت أمينة تجاه نفسها. الحجب اللي كانت فيها خلاها تنتظر لحظة التغيير، وهو حدث في الذات دي لأن مفيهاش إدعاء.
تقصد أي ذات؟
الذات الأنثوية للجيل. مكنش في إتاحة للتعبير عن رأيها قبل كده بشكل قوي، خصوصًا برضه غير المثقفات. من النماذج اللي شوفتها خلال الورش في رغبة في التغيير بجد. من خلال حلقة «أمكنة» اللي بعملها في «الجزويت» آخر خمس سنين، شايف فعلًا البنات عاملين تغيير كبير. إذا كان التغيير باين جزء منه في النص هيبان أكتر بعد كده في المكان غير المكتوب. الثورة عملت تغيير في الوعي النسوي ده.
ده بالضرورة هيخلق جماليات جديدة؟
أكيد طبعًا. هيخلق ناس بتفكر في حياة مستقلة. في العدد الأخير من «أمكنة» -حيوات بديلة- نماذج لناس بتسافر، تطلع جبال، حد يرجع يذاكر عشان عايز يعرف أكتر عن تاريخ مصر، بنت تروح تعمل مشروع في الصحراء. ما هي الجماليات هتيجي منين؟
من توسيع التجربة الإنسانية نفسها..
بالضبط. ما هي الثورة توسيع وأمل للتجربة الإنسانية. بنحس أننا مخنوقين. والثورة تخلي روحك تنط. دي الإتاحة مش كده.
كنت بتكلم مع صديق لي عن غنى الأدب الأمريكي وأنه لا يستبعد أي تجربة من نطاق كتابته، يكتبوا عن الملاكمة، الرحلة، وهكذا. يعني الأدب عندنا مش هيرجع يتحصر في صراع المثقف مع مجتمعه.
ده كان من الستينيات لحد التسعينيات. بعد كده الناس خرجت، بتعمل مشاريع حياتية وبتكتب. حتى الخريطة الجغرافية للكتابة اتغيرت. مركزية المكان اتهزت. في ناس بتكتب دلوقتي من الوادي الجديد.
في نفس الوقت رأس المال متمركز. بيعيد مشهدة الهامش بشكل رأسمالي. الهامش دلوقتي أصبح له السلطة. الثورة حصلت وكأنها منتَج لازم حد يعيد تدويره. ممكن يبقوا بشر، أفراد عاديين في أي مكان يقدروا يعبروا عن نفسهم فيه. أو مؤسسات وهيئات تعيد تدويره كجزء من آلية وجوده. يعني مؤسسات السينما والمجتمع المدني، ومراكز الصورة والثقافة كلها تدوير لفكرة الثورة للجيل الجديد. ده حافظ على مركزية القاهرة بعض الشيء لأن تراكم رأس المال أكتر في القاهرة وله ثوابت. هنا التناقض.
يعني التناقض في أن القرب من المركز مش ضرورة دلوقتي للتحقق لكن تمركز رأس المال بيركز المشاريع الثقافية في أماكن معينة.
أيوة. عمل تغيير ضد الفكرة -إتاحة الثورة- وممكن يأثر بعد كده على وجود الكاتب نفسه. لأن رأس المال له قوته. الكاتب دلوقتي مبقاش الكاتب الحر. ممكن يدخل في الدواير دي. وأي كاتب دلوقتي مش ممكن دار النشر تطبع لك مهما كنت موهوب إلا لو عارفة إنك هتوزع. ليه حصل كده يا محمد؟ لأن الاتنين قربوا من بعض جدًا: فكرة الموهبة وتسليعها. هنا غير فكرة الثورة عندنا فكرة السلعة.
بمعنى تاني الثورة أتاحت لكنها مش بتتيح للحظة نهائية لأن في أنظمة للسوق قوية جدًا. ثورة يناير مش «ثورة» بمعنى عدم قدرتها على تغيير النظام في مواجهة شكله العالمي. الأنظمة العالمية كانت كامنة لحد ما تطلع وقت تاني. وشكل تمثيلها من مكان لآخر. الأنظمة هتتمثل مرة باسم اليسارية، هتطلع أو تحاول إعادة تقديم نفسها مرة باسم الثورة، مرة باسم الفيمينزم. يعني الأنظمة بتحاول تاخد -تستعير- أشكال تانية عشان تستمر.
تأثير الثورة هيكون على الناس، الأفراد، التأثيرات الصغيرة الجزئية دي: الرغبة في السفر، الدراسة. لكن الثورة في صورتها الاستهلاكية اللي بنشتغل جواها كموظفين.. اتحولت لمؤسسة وظيفية.
الثورة اتحولت لمؤسسة وظيفية؟
طبعا. دلوقتي اتحولت لمؤسسة. لكن اللي تأثر بها استفاد بشكل تاني.
تقصد أن في فرق بين الاستفادة الفردية بالثورة كإعادة اكتشاف للذات وتدويرها الحالي بشكل تاني.
اتحولت لمؤسسة وداخلها خناقات. مؤسسة غير مرئية بما تحمله من روتين وصعود وظيفي وخناقات موظفين. في صراع أحادي على المكانة، وأحيانًا على الهزيمة. اللي كان هيلغي الحالة المؤسسية دي أن أنت كنت تكوّن آلياتك بنفسك. ودي حاجة في غاية الصعوبة. كان في آليات تانية أكثر جاهزية تولت العمل. أنظمة جاهزة تستوعب الميكانزم الجديد. لكن داخل كل ده في فراغات، الفرد قادر بطريقة تفكيره وروحه إنه يعمل تغيير ونقلات في حياته. في «حيوات بديلة»، العدد الأخير، كان التركيز على ده. دي أخلاق جديدة الثورة أتاحتها. وخلقت الإقبال على برامج وورش المؤسسات الثقافية. خلقت الرغبة في أن الفرد يغير مساره وينمي نفسه وأنه يخرج من القوقعة اللي قاعد فيها.
وهل الصفحة الجديدة/البيضاء ممكنة في الأدب زي الحياة؟
صعب جدًا فكرة الصفحة البيضاء. لكن هي حد ممكن يعملها كمجاز، أحيانا داخل حياتنا الشخصية بنعمل ولادات جديدة، التغيير نفسه فيه فكرة الولادة. فكرة النقطة البدئية. في لحظة الضغط النفسي اللي أنت فيه عملت لك ميلاد جديد. في لحظة بتقول لازم أواجه. في اللحظة دي بتنسى خوفك بتنسى أهلك. بتنسى أن أنت ضعيف. الثورة بتخلق مجاز للفكرة. في لحظة كلنا نزلنا. كلنا حسينا أن في لحظة جديدة. ليه الخوف اختفى؟ لكن هل في صفحة جديدة بيضاء بلا سابقة تتكتب في الأدب؟ صعب، إلا لو كان آدم كتب.
تقارير ذات صلة
لا يُنسى.. مع صُنع الله وأدبه ورفضه
هذا النص ضمن رحنا وشفنا 15# «مُنتهى الأدب»
كنتُ صغيرًا حين قامت ثورة
ذاكرتي لا تحتفظ بصورة أو حدث، لكن ما يترسب في قاعها أثر الكلمة: «ثورة»
أحمد زغلول الشيطي: لم أكن نائمًا حين قامت الثورة
ثورة غير قابلة للتأسيس
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن