تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
لا يُنسى.. مع صُنع الله وأدبه ورفضه 

لا يُنسى.. مع صُنع الله وأدبه ورفضه 

هذا النص ضمن رحنا وشفنا 15# «مُنتهى الأدب» 

كتابة: أحمد وائل 4 دقيقة قراءة
تصوير: كريم جلال أبو العيون

من أجمل ما حدث مؤخرًا، أننا رُحنا وشُفنا تأبين صنع الله إبراهيم (1937-2025)، أو «صُنصُن» كما وُصف على لسان أفراد عائلته ومنهم نادية الجندي وعادل عوض. 

في التأبين الذي عُقد في نقابة الصحفيين، السبت الماضي، رأينا صنع الله، حيث حضر عبر فيديوهات من أرشيف العائلة، خفيفة على القلب، يظهر فيها على سجيته أكثر مما اعتدناه في اللقاءات الإعلامية. جالس على كنبة في بيته، والتصوير يُظهره من زاوية جانبية كأننا نجلس معه في نفس الجلسة العائلية بعد تناول الطعام ونحن نشرب الشاي معًا. 

يحكي لنا بعضًا مما جرى أيام معتقل الواحات، حيث سُجن من 1959 حتى 1964، وهي أمور لم تُنشر في «يوميات الواحات»، وأسرّ إلينا كذلك ببعض تفاصيل مغامرة سفره مع كمال القلش ورؤوف مسعد إلى أسوان صيفًا، لإعداد رواية تسجيلية عن مشروع بناء السد، والتي تبلورت في كتابهم المشترك: إنسان السد العالي، وعرفنا أيضًا كيف خرج من مصر إلى بيروت ومنها إلى ألمانيا الشرقية حيث عمل في وكالة أنباء، ثم الاتحاد السوفيتي، حيث درس السينما وألّف سيناريو: الكل في مكانه وكل شيء على ما يرام سيدي الضابط، الذي أخرجه السوري محمد ملص. 

نادية الجندي تتحدث في التأبين. تصوير كريم جلال أبو العيون

المحطات التي حكى عنها في الفيديو، ستدور فيها روايات ستُنشر فيما بعد: بيروت بيروت، برلين 69، الجليد، بل تجربة الفيلم نفسها، كتب ملص عنها كتابًا بعنوان الفيلم، وأعاد ذكرها في يومياته: مذاق البلح. في الفيديوهات روى صنع الله ما أضحكنا، بل سمعناه يضحك، كأنه سعيد بحضورنا، رنّت ضحكته في آذاننا، وهو ما علّق عليه زين العابدين فؤاد، حين قال إن صنع الله معانا، معتبرًا أن ما يحدث ليس تأبينًا. بل ما أكد هذا الشعور أننا شاهدنا تسجيلًا نادرًا لخطاب رفضه جائزة 2003، لنرى اللحظة التي قرأنا عنها وتخيلناها بينما عيوننا تجري على أسطر تغطية أخبار الأدب لهذا الحفل وقتها. 

نراه بعد كلمة الطيب صالح، يصعد إلى خشبة المسرح، يسير بخفة ونشاط، ممشوق القامة مفرود الظهر كما اعتدناه، يرتدي قميصًا دون ربطة عنق بخلاف البروتوكول الذي يحترمه مَن يكرمون في هذه المناسبات الرسمية. يسلّم على محمود أمين العالم، أستاذه الذي كتب عنه «ثلاثية الرفض»، يبتسم للوزير وقتها، فاروق حسني. المناسبة، التي ربما نسيها القراء، لكن يتذكرون ما فعله صنع الله فيها، هي الدورة الثانية من ملتقى القاهرة للإبداع الروائي العربي الذي كان ينظمه المجلس الأعلى للثقافة، وفاز في دورته الأولى عبد الرحمن منيف. وهذه الدورة حملت اسم إدوارد سعيد، ولا نذكر منها إلا أثر رفض صنع الله.

على المنصة نراه يعتذر لعدم قدرته على الارتجال، ويقرأ كلمة دوّنها قبل مجيئه، لكن ما يقوله يبهرنا أكثر من الارتجال، نسمعه ينطق الكلمات التي حفظناها، وأعدّناها كثيرًا، أن الدولة تخلت عن مسؤوليتها، ولم يعد هناك تعليم ولا غيره. يشير إلى صندوق أكاذيب ما يعني به التليفزيون والبروباجندا، يسخر من عدم جدية الدولة في تقديم المعرفة والثقافة وتركيزها على مهرجانات ثقافية ليست ذات جدوى ولا تتمتع بالجدية، «في ظل هذا الواقع لا يستطيع الكاتب أن يُغمض عينيه أو يصمت، لا يستطيع أن يتخلى عن مسؤوليته».  

تصوير- كريم جلال أبو العيون
caption

يشير إلى العربدة الأمريكية الإسرائيلية، يتزامن ذلك مع سقوط بغداد قبل أشهر من خطابه الذي نستعيده في التأبين، لكن كلام صنع الله ينطبق على ما يحدث الآن، نستعيد الحال الذي لا يزال العراق غارق فيه، وما جرى في غزة ومعها لبنان وسوريا خلال العامين الماضيين. يتابع صنع الله: «على بُعد خطوات من هنا يقيم السفير الإسرائيلي في طمأنينة.. وعلى بُعد خطوات أخرى يحتل السفير الأمريكي حيًا بأكمله، بينما ينتشر جنوده في كل ركن من أركان الوطن الذي كان عربيًا»، ثم يعود إلى موضوع الخطاب، يشكر اللجنة وتحديدًا أستاذه العالم، يزداد حماس حضور التأبين، نسمعه يذكر آخرين يستحقون الجائزة غيره، منهم الراحل غالب هلسا. نفكر في «الخماسين» و«الضحك» وما تركه لنا هلسا. 

يتعالى تصفيق الحضور كأن صنع الله يرفض الجائزة الآن وهذه اللحظة ممتدة، وتحدث الآن، ولا هذا توثيق ولا استعادة ولا نحن في تأبين، بل يمكننا القول إننا كنا مع صنع الله حين رفض.

لقراء مقال ياسر عبد الله عنه ككاتب لماح كصقر، اضغط هنا

يمكن قراءة تدوينة أحمد رفعت عن عرض فيلم صنع الله/ملص : مع صنع الله كل شيء على ما يرام

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن