تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
كنتُ صغيرًا حين قامت ثورة

كنتُ صغيرًا حين قامت ثورة

كتابة: حسين فوزي 12 دقيقة قراءة
تصميم: مهرة شرارة

كنتُ في العاشرة حينما قامت الثورة، ولا أتذكر عنها شيئًا، وكل ما يحدث حولنا الآن، يُصعّب التذكر أكثر. 

**

ذاكرتي لا تحتفظ بصورة أو حدث، لكن ما يترسب في قاعها أثر الكلمة: «ثورة».

ماما أدركت تاريخية أحداث 25 يناير، فأخبرتني أن آخذ الكثير من الصور لنفسي في الشوارع، ومع الدبابات التي انتشرت في الميادين، وأمام الجرافيتي الذي غطى الجدران والملصقات والمنشورات الداعية للتغيير. فعلتُ ذلك بموبايلي السامسونج القابل للطي، كي أوثق ذكرياتي.

بحثتُ عن الموبايل محاولًا بيأس استعادة أي ذكرى. أخرجتُ صندوق مقتنيات مُترّب لم يعد يربطني به شيءٌ. وجدتُ لعبة بزنبرك، سيارة تتحكم بها عن بُعد، قطار بقضيب مُصغَّر تشكل مساره بنفسك، وردة ذابلة، كارت معايدة يُهدى في عيد الأم، مكعبات ليجو، وقطع بازل ناقصة. وجدتُ أيضًا كراسة لتحسين الخط، تشربتُ ملمسها محاولًا إمساك خيط يُعيدني للماضي المفقود، ككعكة المادلين التي أرجعت لمارسيل بروست الزمن الضائع، فلم يعلق بأصابعي سوى التراب. عثرتُ على الموبايل في قاع الصندوق. ضغطتُ على زر الباور فلم يستجب. الشاشة مشروخة، لكن الأزرار سليمة. فتحت الظَّهر فوجدت البطارية منفوخة. قديم جدًا، وما من سبيل لإصلاحه.

لذلك عدتُ لكل الأماكن التي خُزِّنَتْ فيها ذكريات ومواقف الطفولة، بشوارع الزقازيق، المدينة المكتظة رغم ضيقها. وجدتها غير مألوفة إطلاقًا.. هنا كوبري لم يكن موجودًا وقتها، وهناك مبنى حديث الإنشاء مكان بيت قديم من طابقين أُخلي وأُزيل بمعدات الهدم إذ كان آيلًا للسقوط، وثمة حديقة طفولة هُجِرت وأصبحت مرتعًا للأشباح، وخرابة تكوّمت فيها الزبالة تمرح فوقها الجرذان والبعوض.
تلك الأماكن، ليست ذاتها التي كنت أتوق إليها في أحلامي. أجهل مستقبلي، أعجز عن التأقلم مع واقعي، وماضيَّ ممسوح.

**

مع كل الأماكن التي أُغلقت أو هُدمَت، والشوارع التي نسيتُ كيف كانت قبل التغيُّرات والتطويرات الإنشائية، وموبايل الطفولة الذي تحول لقطعة من الحديد، شعرتُ أنه لم يتبق لي زمن لأحن إليه، ولا مكان لأعود إليه. كالحكاية الوعظية عن الرجل الذي لم يستطع تخطي الماضي، فقرر أن يعود هناك ولم يجد أحدًا. الكل تقدم في حياته سواه.
مع كل كتلة خرسانة جديدة، تُشيَّد مزيحة مكانًا عهدته، أشعر بأشياء تُقتَل في واقعي، وتُقتل أشياء أخرى بداخلي معها. 

**

 الآن، ولم يعد هناك مكان ولا زمان، فماذا يتبقى إذن؟

**

قررتُ تنفيذ تمرين التذكر، كل صباح.

أغلق عيني، وأترك لمخي عنان الحزق بينما البال لا يزال صافيًا. أتخيل نبضات كهربية تنتقل عبر الألياف العصبية نحو مركز الذكريات في دماغي، قبل معالجتها وتحويلها لصورة ذات معنى، أو لون وحركة ورائحة.

أخرج للصالة لأجد أفرادًا كثيرين من العائلة يشغلونها. الموكيت الأخضر ناعم، والجدران حديثة الدهان، الكنبتان شكَّلتا زاوية قائمة والتليفزيون مفتوح. المدفأة الكهربية شغالة والشباك مقفول، ودخان السجائر شكَّل شبورة كثيفة. امرأة عجوز تتمرجح على كرسي هزاز وتشغل يديها بالكروشيه. صوت ذكوري يقول: «هي العيال دي إزاي سايبة مذاكرتها وأشغالها ومستحملة تقعد برا في البرد دا؟». يرد صوت ذكوري آخر: «بيدفوا بعض الخو..»، يقاطعه صوت أنثوي، وينهره: «فيه أطفال معانا».

حاولتُ ربط الأصوات بالأوجه بلا جدوى. جرَّبتُ تحديد الذكرى بتاريخ، فشعرتُ بمخي يشيط، كأني ألقيتُ عليه حمولة زائدة. 

**

في منتصف اليوم طفت ذكرى أخرى على سطح وعيي.

مراهقون وشباب وشيوخ وكهول في مقهى. أسمعهم يتبادلون الأفكار حول خطط التأمين لحماية الشارع. السرقات زادت، والأمن انسحب. لجان شعبية تحت البيوت يتسلحون برماح عبارة عن عصيان مقشات مثبّت أعلاها سكاكين طويلة. أحد سكان المنطقة يحمل سيف ساموراي صغير اشتراه كتذكار لطيف من سَفريَّة. دائرة من النار في منتصف الشارع للتدفئة. 

**

بالليل، وبمجهود ذهني محض، أمسكتُ خيوطًا أخرى من الذكرى:

مصطلحات: عدالة انتقالية، نشطاء، الفوضى الخلاقة، طرف ثالث، حروب جيل رابع، طابور خامس، حزب الكنبة، فلول، قلة مندسة، عجلة الإنتاج، الثورة المضادة، شم الكولَّة، رصاص مطاطي، قنابل غاز، المجال السياسي..

هتافات: حرية، مش هنخاف، الشعب يريد، يسقط يسقط، يا اللي ساكت ساكت ليه، الجيش والشعب، مش هنمشي..

 مداخلات هستيرية عبر التليفزيون: أنا مش حاسس بالأمان، مش دي مصر اللي إحنا نعرفها، اعتبره أبوك، واشمعنى تونس؟

وأصوات: غناء هاني عادل وعايدة الأيوبي وكايروكي ينتشر في البيت. تحيا مصر، في كل شارع في بلادي، نزلت وقلت أنا مش راجع، الله عليكِ يا بهية.

**

فرحتُ بما استعدتُ من ذكريات كبداية. دونتها على موبايلي كي لا أنساها.

**

في الصباح كرّرتُ التمرين، لم أصل لنتيجة. ظللتُ على حافة السرير أحاول مرة إثر الأخرى بلا نفع. قلتُ لنفسي: دا أنت مافيش حاجة في حيلتك غير خيالك، إيه اللي جرالك؟ 

لم أكن أكثر من ظل بجوار ظلال أخرى تراقب وتأمل. لكني أشك إن كنت أعي وقتها معنى «أمل».

**

لكني أعرف جيدًا أن الكلمة ظلَّت معي لسنوات عدة. ثم دُفنَت، تحت ركام الاضطرابات الهرمونية ولذة التجارب الأولى وفقء البثور، حتى أن الصورة المبهرة للحشود التي يجمعها شيء ما تفشل الآن في أن تحفز بداخلي أبسط شعور ناحية حدث كبير يتجاوز كل محتكرينه وسردياتهم، أو ناحية طفولة توهمتُ أنها سعيدة. 

**

حاولتُ إيجاد أضعف استثارة تحرك التروس. وفكرتُ في طريقي للجامعة: هل يصلح الأدب، كوسيلة لترميم الذاكرة؟

**

نعيش في عصر يشتكي جيل الآباء منه لاتسامه بالمكافآت الفورية والسرعة والتعقيد وتبدل الأمزجة وفرط الحركة ونقص الانتباه وضيق الاستيعاب والنسيان: تحس العيال كلها بقى عندها ADHD. لا وقت لاستطعام البطء واستنشاق عطر الورود. ولأن المخ لا يستطيع استيعاب كم التغيّرات، تُخلق الحكايات، حيث الخير بيِّن والشر بيِّن وبينهما برزخ لا يبغيان. الحلول واضحة ومباشرة، والعالم يتحرك في اتجاهين، وبالتالي الموقف الأنسب والأكثر أخلاقية معروف.

لذلك السبب لا أستطيع استطعام ما يُسمى بـ«أدب الثورة»، ولا يستهويني الضغط الدائم على أكتاف مَن شاركوا فيها لتوثيقها، حتى لا تُنسى الحكاية والحدث الأكبر، ويتجاوزها الزمن كما تجاوز أي تريند، أو تتبدل بحكاية مضادة يقفوا فيها على الجانب الشرير، فغدا الأدب وثيقة وشهادة، من دون اعتناء فني، حيث الالتزام بالوقائع واجب، والملاطم الفيرشوال فعل ثوري.
تجردت الثورة من المعنى والشعار، إلى اسم مطعم وافل حلو جدًا بشارع رئيسي هنا في الزقازيق. وتحولت 25 يناير، بصراحة، لركاكة فنية.

**

في الخامسة عشر، كنت في أوج نشاطي على مجموعات القراءات والمناقشات الأدبية التي انتشرت وقتها على فيسبوك، حيث وُسِمتُ بـ«الطفل المعجزة». الولد الذي فتَّحتْ الثورة والتطورات التكنولوجية عينيه، ومنحته الوعي الذي لن يُستلب منه أبدًا. في المدرسة، لم يفهم زملائي في الفصل تفضيلي الجلوس في المكتبة وقت الفسحة أو حصة الألعاب بدلًا من لعب الكرة في ملعب المدرسة المُعتنى بنجيلته جيدًا. مدرسيني أحبوني جدًا وتمنوا لي الخير رغم أنهم لم يعرفوا ما أقرأ، لكن نصحوني بتحصين نفسي، وألا أتوسع دون التسلح بمرجعية تقوي صلتي بديني وتراث أجدادي: ولك في دكتور مصطفى محمود، الذي ألحد ثم ارتد عن إلحاده، عِبرة.

**

كنتُ في ذات السن عندما نُشرَتْ رواية باولو ليوسف رخا. أعجبني شكل السمانة على الغلاف فاشتريتُها، أخذتُها معي إلى المدرسة حتى تسرِّي عني ملل اليوم الدراسي الطويل. أنهيتها يومها، وعندما عدت إلى المنزل قيَّمتها بخمس نجوم على Goodreads. ربما كتبتُ عنها مراجعة قصيرة، لكن لا يتسنى لي فرصة الرجوع إليها الآن، إذ بعد قراءتي لها بشهور مسحتُ حسابي وانزلق أرشيف قراءاتي الافتراضي نحو الضياع.

وفي رحلتي القصيرة لمحاولة خلق رابط يصلني بسردية الثورة، عدتُ لقرائتها من جديد.

**

إعادة قراءة «باولو» كانت سهلة لعدة أسباب: أولها لعامل التجريب فيها على مستوى الشكل الأدبي واللغة، حيث تتخذ الرواية شكل المدونة، وتدور أحداثها عبر 59 تدوينة على لسان بطلها عامر محمد جلال أبو الليل بغاغو «باولو»، وتُروى عبر لغة متجانسة تمزج أواصر الفصحى والعامية لما يُطابق الشكل الأدبي للمدونة، وينقل روح الفترة دون انزلاق نحو النوستالجيا.

والثاني أن بطل الرواية أمنجي ومخبر –ما لا يمنع من كونه مُسيَّسًا– ويقتل موديلاته بعد أخذ صور جميلة لهن. بالتالي هو غير منخرط كُليًّا في الحدث، باستثناء أنه يرسل أخبار نشطاء الثورة للأمن، ويُجنِّد آخرين لحسابه، فعلى الأقل الصورة أشمل وغير متأثرة بالشعارات التي تصيب البروستاتا بالتضخم أو صيغة أفعل التفضيل – أشرف/ أنقى/ أزكى/ أطهر/ أفشخ ثورة.

وثالث الأسباب تنويع الرواية بين أربعة تصنيفات على مدار التدوينات التي تشكلها.. أفلام ولقاءات وأحداث وأحلام، ما سمح بمساحة لشطح الخيال والفانتازيا، تُروى على لسان الأمنجي الغاطس في البانجو والهذيان، وإيقاع الرواية اللاهث الذي صهر الأزمنة الثلاثة من دون نقطة بداية حقيقية، مما قلل من الحدة التوثيقية والسياسية للعمل، وجعلهما أسهل في الهضم.

بعد قراءة «باولو»، اكتشفتُ أني نسيت أحداثها بالكامل ولم يتبق في مخي سوى السياق العام والقالب الفني، أو ربما لم أقرأها كاملةً من قبل أصلًا. وآلمني ما استعدتُ من ادعاء وcringe اتسمتُ بها في تلك الفترة من حياتي، في  2016/ 2017، أو ربما تلك سمة فترتها عمومًا، عندما كان مجايليني يعرِّفون أنفسهم بالمرض النفسي في الـbio.  قدمت نفسي وقتذاك للجميع على السوشيال ميديا بالبايبولار – شخصت نفسي به لافتتاني بسارا كين - بالإضافة لنمط شخصيتي الـINTP الذي تعيبه سرعة النسيان.

تيقَّنتُ أنه في أوقات الاستقطابات الحادة، التي تصب فيها الائتلافات والجبهات، مهما تعددت، لصالح طرف أو آخر في النهاية، يستحيل على الواحد أن يتخذ موقفًا ثالثًا.

اتفقت مع الراوي أنه لم يتبق من الحراك الثوري سوى حكاية تعيسة لحدث تاريخي كبير لم يفهمه أبطاله، وفشلوا في استيعاب معطيات الواقع الذي ثاروا ضده بالأساس، لأن واضح من طبيعة التحالفات أن سقف الطموحات كان منخفضًا جدًا، وأن حتى الشعارات كانت أكبر من قدراتهم.

بجانب استمتاعي الفني بالرواية وألعابها السردية، أطلقتْ أحداثها –بعد فلترة الوقائع واستخلاصها من التخييلي– عدة أسئلة في بالي: هل الاحتجاج قيمة في حد ذاته؟ هل سلامة النية وصدق القضية ونقاء العاطفة تبرر السذاجة؟ وهل القضية كانت تستحق ما دُفِع من ثمن؟ ولو نعم، فما هي القضية أصلًا؟ لماذا برغم تمرد الثوار على أفكار العواجيز القومية، أصرَّوا على لَحْم الأفراد بتنوعاتهم واختلاف مرجعياتهم في فردة واحدة تُسمَّى «الشعب» وقدموا نفسهم من خلالها؟ ولماذا أصلًا تجميل صورة إن الناس كلها كانت واحدة، كأن ذلك ينجح في إسباغ صورة الحنين على الحدث؟ ما هو شكل التغيير الذي دعوا إليه وهم أنفسهم مَنْ طردوا علياء المهدي من الميدان وتبرءوا من أفعالها حفاظًا على القيم والخلق الحميد؟ لماذا يستنكر الجميع فجأة أنهم كانوا جزءًا من أية جموع مُدَّعين الحكمة والانسحاب بمجرد هجوم الذقون وظهورهم في الصورة، وكأن الكل كان فردًا على الهامش وذهب للميدان فقط للفرجة عليها وهي تخرب؟ ولمَّا أحب أكلم شباب الثورة أكلم مين غير الشباب الأربعيني التروماتيزد الذي يصب جام غضبه على أي طفل يجرؤ على السؤال: وهي إيه 25 يناير دي أصلًا؟ وما هو شكل الجيل القادم الذي ناضل لأجله الثوار، يا ترى الذين تخطوا العشرين الآن ويحفزون أنفسهم بمقاطع التنمية البشرية لتعلم أكبر قدر من الـskills ليصبحوا أفرادًا منتجين في مجتمعات الذكر الغربي الأبيض صانع الحضارة؟

وأخيرًا، «بص أم المرشدين» على رأي حمو الطيخا. 

**

لكن في النهاية ماذا أعرف؟ أنا مَن كنتُ وقت الحدث الكبير بشخة وصغير جدًا لأستوعب ما يجري ناهيك عن المشاركة فيه، أو أن أكون جزءًا منه، وحرفيًا آخري اتراضى بمصاصة؟ تذكر الشهداء، شغل النشيد وأنا بحبك يا بلادي، قل خيرًا أو لتصمت.

**

ثم في ليلة، حلمتُ أني في طرقة طويلة تجاورت على جانبيها الأبواب، وخلف كل باب ذكرى. في المنام، لم أعرف أني أحلم لأني فكرت: أنا كتبت عن المكان دا قبل كدا، إزاي جيت فيه؟

فتحت الباب الأول فرأيت أخي الأكبر يلف في دوائر بغرفة على المحارة، بها كمبيوتر على مكتب متهدم، وعلى وجهه أمارات الملل والضيق. صوت الهتافات مسموع من بعيد. لما سألته عمَّ حدث استغربتُ صوتي، إذ فقد خشونته. قال لي إنه مُتكدر من انقطاع الإنترنت، وشبكة الاتصالات واقعة.

فتحتُ بابًا آخر لأجدني عدتُ طفلًا في المدرسة. في طابور الصباح وزعوا علينا سلاسل عنق، تتدلى منها كروت تزينها صور الشهداء ومكتوب عليها: مش هننسى. ولما بدأت الحصص، درسنا مقطعًا عن الثورة في منهج الدراسات الاجتماعية، تأملتُ صورة شاب في الكتاب على وجهه ابتسامة نصر ويحمل علم مصر، وسمعتُ صوت ماهيتاب – زميلتي في الفصل وحبي العذري والأول – وهي تقول لي: «عيب تقول على حد كبير إنه مخلوع.. دا قد جدك». 

وقبل فتح الباب الثالث، قلتُ لنفسي: ما يمكن هنا الذكرى اللي مش عايز تفتكرها؟ وفكرتُ: فعلًا، يمكن أنا اللي قطعت كل اللي بيربطني بالذكريات دي، مكنتش عايز أرجع هنا تاني.

**

استيقظتُ بمخ جاف إثر نوم سيء على الكنبة. في الظلام، تلمست السجاد تحتي حتى وصلت للموبايل. نور شاشته كان قويًا جدًا على عينيّ الملتهبتين ففعّلت الوضع الليلي. سجلت أحلامي على الموبايل قبل إفلات خيطها مني. 

**

وفي صباح آخر عدتُ طفلًا في العاشرة.

أسمع زغاريد من الخارج، ماما تقبلني وتخبرني بالتنحي، لم أفهم شيئًا، الكل مبسوط، تسربت العدوى إليَّ، ونمت ليلتها مبسوطًا دون أن أدري السبب. نكت منتشرة عن الراجل اللي واقف ورا عمر سليمان.

قالت لي ماما: مافيش مدرسة النهاردا... إضراب معلمين. لم أعرف معنى إضراب، ولم أسأل على عكس العادة بصوت ناعم: يعني إيه الكلمة دي؟ بل كنتُ سعيدًا لأن بوسعي العودة للنوم براحتي. وما من طفل يسير بدون موبايل تلك الأيام كي يطمئن أهله كل عدة دقائق، لأن حوادث الخطف استفحلتْ. نُهيتُ عن الكلام مع الغرباء، ولا طفل يلعب في الشارع أو يسير وحده. قريبٌ لي ثلاثيني وأقول له يا عمو، طلع عليه ثلاثة بموتوسيكل وثبتوه بمطواة في شارع مزحوم وعامر بالناس، لم يتحرك أحد لنجدته، أخذوا محفظته وجاكته الجلد. فشخوه ضربًا، ثم طاروا بالموتوسيكل في عكس الاتجاه.

تسرب إلى أذنيَّ كلام عن حظر تجول. لما عرفت معنى الكلمة لم أشعر بشيء، لا يزال بإمكاني نفخ الصابون في البلكونة. في الآخر أنا طفل بيتوتي وتقريبًا بلا أصدقاء وأخاف من الشارع. لا أستطيع الصبر أكثر من هذا لأكبر وأستكشف العالم ويصبح بوسعي أن أفتح الكمبيوتر كل يوم وألعب metin2 لأيام متواصلة، بلا رقابة من أخ أكبر أو أب أو أم، وبلا واجبات منزلية.

الكل جالس على الأرصفة يحسب نصيبه بعد توزيع ثروات النظام المُنحَل، وأقف على الباب أسمع بابا يتحدث عن انتشار المخالفات الإنشائية وسط الفوضى، وآخر يرد عليه: «يا باشا إحنا شعب مايمشيش غير بالكرباج». ثم يقاطعهما التليفزيون المفتوح على مجزرة في ستاد.

**

تُستمَد قيمة الحدث الكبير من توحُّد الأفراد في حشد يتحرك بعاطفة مُستعارة من هوية مشتركة. في تلك الأثناء، يصبح المنطق أو السؤال عن الجدوى خيانة. وتُستخدَم الخطابة والمباشرة كأساليب للمقاومة، الفن والنقد ليس لهما مكان هنا.

يُلفظ أصحاب المنطق إلى الهامش. يمتنون بعدها بأثر رجعي لأنهم لن يُلاموا على أية قرارات أدت إلى أوضاع أسوأ. وبعد الهزيمة والفشل، يُفضُّ الحشد ويعودون فرادى، وينظرون بألم للخلف، لانفعالات اللحظة والتدوينات المغموسة في العواطف.  

وعلى قدر نشوة التفاؤل يأتي هبوط الخيبة. تتجاوز الظلال، التي تشرَّبت الأمل عبر شاشة التليفزيون، وعود الحدث الكبير غير المتحققة، ويلقى حملها على مَن شاركوا وتورطوا في الحراك، وظلوا مؤمنون بمعانيه السامية، حتى وهي مُعلقة الآن في الفراغ.

وبعد الأحداث الكبيرة، تكون المأساة جماعية. ربما يظهر نموذج فردي، ليتم تأطيره باعتباره رمز يعبر عن جماعة، لكن هذا الرمز يفقد أهميته ومعناه، الآن مع انتقام مَن ضحك أخيرًا مِن بقايا الحدث ومحا آثاره، ويتحول الرمز لمرثية متجسدة، مُدعاة للشفقة.

يظل الحدث كبيرًا في ذاته، لكنه ينكمش و يتضاءل في ذهنك بينما تتحرك للأمام، إلى أن يتلاشى بدلالاته. ثم تأتي محاولات تذكر الجو العام المحيط به، في تفتيش يائس عن الأمل والخلاص الفردي، في ظل أفق مسدود وحاضر لا يستجلب إلا التشاؤم.

تبقى صورة مأخوذة من فوق، يتحول فيها بشر اسمهم المواطنين، لخطوط ودوائر، ملتحفين بالهوية التي تجمعهم: العَلَم.

تتوصل لذكريات تصلك بالحدث الكبير، كي تسترجع فترة كان فيها الأمل يحرّك وعي الحشد، لتكتشف أن ذكرياتك لا تجدي في صناعة أبسط سردية. ثم تبتلعُ مأساةٌ أكثر هولًا ذكريات الحدث الكبير، وتفكر: ما قيمة استحلاب ذكرى ثورة تحجرت في الماضي، وما نفع الأمل وأنت تشهد الآن إبادة جماعية؟

**

تجردت الخطوط والدوائر لكلمة ترسبت في قاع ذاكرتي: «ثورة». لا يزال الموبايل خردة، والشوارع غريبة.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن