صيانة «ليفياثان» المحددة منذ أشهر تقطع الغاز عن الصناعة بعد «تقاعس الحكومة»
قلّصت الحكومة إمدادات الغاز إلى مصانع البتروكيمياويات، بالأخص مصانع الأسمدة الآزوتية، بنسبة حوالي 50% لمدة مؤقتة بداية من السبت الماضي، بحسب مصادر عدة، بينهم اثنان من الصناعات البتروكيمياوية وأربعة من شركات أسمدة وآخر مسؤول حكومي سابق بوزارة البترول.
الخطوة جاءت بعدما خفضت إسرائيل إمدادات غازها الواصل إلى مصر بنحو 480 مليون قدم مكعب يوميًا، نتيجة لأعمال صيانة بحقل ليفياثان، أكبر حقول الغاز الإسرائيلية، لعشرة أيام خلال شهر مايو الجاري، بحسب مصدر حكومي طلب عدم ذكر اسمه لـ«مدى مصر». وقال نفس المصدر إن إسرائيل سبق أن أبلغت مصر بأعمال الصيانة منذ ديسمبر الماضي، وهو ما أكده مصدر آخر يعمل مستشارًا اقتصاديًا مطلع على الأمر.
تقليص إمداد الصناعة بالغاز الطبيعي مؤقتًا يأتي في ظل انحسار الإنتاج المحلي لمصر من الغاز الطبيعي بشكل درامي على مدار ثلاث سنوات. وتزايد من ذلك الحين اعتماد مصر على استيراد الغاز الإسرائيلي بجانب شحنات الغاز المُسال والمازوت لتوليد الكهرباء.
المصدر الحكومي أوضح أن مسألة الصيانة أُشير إليها في أحد تقارير وزارة البترول غير المنشورة خلال شهر مارس الماضي عن خطة شهر مايو، وتضمنت الاستعداد بتوفير الكميات البديلة من المازوت.
وأضاف المصدر الحكومي أن وزارتي البترول والكهرباء عقدتا ثلاثة اجتماعات منذ أن أبُلغت بالصيانة الوشيكة، لمناقشة الأمر، واتفقت على توفير 35 ألف طن مازوت خلال أيام الانقطاع كبديل، وهو ما لم يحدث، لتلجأ الحكومة إلى تقليّل الإمدادات لقطاع الصناعة.
وبحلول شهر مايو واقتراب أعمال صيانة الحقل الاسرائيلي، تفاجئ الجميع بعدم توفير وزارة البترول سوى ما بين 20 إلى 25 ألف طن مازوت يوميًا فقط، بحسب المصدر، ما تسبب في تقليص إمدادات الغاز إلى القطاع الصناعي كي لا تُقطع الكهرباء على القطاع المنزلي. وطرحت الهيئة العامة للبترول مناقصة منتصف الشهر الجاري، لشراء مليونيّ طن مازوت للتسليم خلال مايو ويونيو، بحسب ما أعلنت وكالة «بلومبرج».
ومنحت الحكومة الأولوية لقطاع توليد الكهرباء المنزلية على إمدادات الغاز للصناعة بوجه عام، تجنبًا لحالة الاحتقان الشعبي الواسع الذي شهدته مصر الصيف الماضي بسبب الانقطاعات المتكررة يوميًا في إمدادات الكهرباء على مستوى الجمهورية، بحسب مصدر برلماني من لجنة الخطة والموازنة لـ«مدى مصر».
مصدر آخر في إحدى شركات الأسمدة الحكومية الأزوتية أكد هذا، مُضيفًا أن وقف إمدادات الغاز للمصانع هو قرار سياسي، إذ أن الحكومة فضلت المجازفة، ولو مؤقتًا، بصناعة البتروكيماويات والأسمدة في مقابل الحفاظ على إمدادات خطوط إنتاج الكهرباء بهدف تجنب أي لوم لها مثلما حدث في صيف العام الماضي.
ويستحوذ توليد الكهرباء على حوالي 60% من استهلاك الغاز محليًا، إلى جانب 20% تذهب إلى صناعات البتروكيماويات وتحديدًا الأسمدة، بحسب رئيس مرفق تنظيم الكهرباء السابق، حافظ سلماوي لـ«مدى مصر».
ونفى المصدر الحكومي الأول التقارير الإعلامية التي أرجعت تقليص الإمدادات إلى ضغوط إسرائيلية على مصر، لرفع سعر شراء الغاز الطبيعي، مُعتبرًا أن انقطاع الغاز عن الصناعة هو نتيجة «تقاعس حكومي»، على حد وصفه، في ضوء إبلاغ إسرائيلي من ستة أشهر.
يحدث ذلك بالتزامن مع مفاوضات جارية بين الجانبين، ضمن المراجعة الدورية لاتفاق استيراد مصر الغاز الإسرائيلي، تسعى خلالها إسرائيل لزيادة السعر بنسبة 25%، ليصبح 9.5 دولار للمليون وحدة حرارية، في المقابل تريد مصر زيادة توريد الغاز الطبيعي ليصل لمستوى 1.5 مليار قدم مكعب يوميًا مقارنة بواردات أقصاها حوالي 900 مليون قدم مكعب يوميًا حاليًا، بحسب المصدر، وآخر حكومي سابق بوزارة البترول.
ويتوقع المصدران السابقان قبول مصر الزيادة في نهاية المطاف، لعدة اعتبارات منها استمرار تنافسية أسعار الغاز الإسرائيلي مقارنة بنظيره المُسال، ورغبة الحكومة في تجنب تكرار أزمة انقطاع كهرباء واسعة النطاق كما حدث خلال العامين الماضيين.
وشكلت كميات الغاز الإسرائيلي 72% من إجمالي كميات الغاز المستوردة، العام الماضي، بينما شكلت مدفوعات الغاز الإسرائيلي 58% فقط من إجمالي فاتورة استيراد الغاز. وفي حالة توقف الغاز الإسرائيلي، ستضطر مصر لتعويضه بالغاز المُسال، والذي سجل متوسط السعر الذي دفعته مصر لكل ألف طن منه 685 دولارًا، مقابل 338 دولارًا لكل ألف طن من الغاز الإسرائيلي. وبلغت فاتورة استيراد الغاز العام الماضي 4.7 مليار دولار، بحسب بيانات التجارة الخارجية الصادرة عن «التعبئة والإحصاء».
يبلغ نصيب مصر من إنتاج المازوت المحلي 17 ألف طن يوميًا، وهي كمية يمكنها تغطية حوالي 12% من إنتاج الكهرباء، فيما يبلغ الحد الأقصى من المازوت التي تستوعبه محطات إنتاج الكهرباء 35 ألف طن يوميًا، (يغطي حوالي 24% من إنتاج الكهرباء). في هذه الحالة، ستُضطر مصر لاستيراد مازوت، بحسب سلماوي.
ومن المتوقع أن تصل فترة تخفيض الإمدادات للصناعة إلى أسبوعين، بحسب مصدرّين، أحدهما المسؤول السابق والثاني من الصناعات البتروكيماوية، في حين قال مصدر بالمجلس التصديري للصناعات البتروكيماوية، إنه لا يوجد تحديد لفترة تقليص الإمدادات، وإنها مرهونة بوصول شحنات الغاز المُسال إلى مصر، حسبما علم المجلس من الحكومة.
وتستهلك مصر بين 6-7 مليارات قدم مكعب من الغاز يوميًا. وتصل الفجوة بين الطلب على الغاز الطبيعي وحجم الإنتاج المحلي إلى نحو ثلث إجمالي الطلب.
وواصل الإنتاج المحلي تراجعه إلى مستوى أربعة مليارات قدم مكعب، بحسب المصدر من القطاع الخاص، والمسؤول السابق بالبترول والبرلماني، وهو ما تؤكده أيضًا بيانات مبادرة «JODI»، بوصول الإنتاج إلى 4.1 مليار قدم مكعب يوميًا، بنهاية مارس الماضي.
وبدأت مصر المطالبة بزيادة كميات الغاز منذ صيف عام 2023، وهو ما دفع شركات الإنتاج في كبرى حقول الغاز الإسرائيلية إلى زيادة الاستثمارات ورفع كميات الإنتاج في ظل وجود مصر كمشتري مضمون.
وتعد تلك المرة الثالثة، منذ اندلاع حرب السابع من أكتوبر على قطاع غزة، التي تتقلص فيها كميات الغاز الإسرائيلي إلى مصر بصورة حادة، أبرزها خلال أكتوبر 2023، حين انخفضت الواردات لأدنى مستوى لها على الإطلاق، مسجلة 357 مليون قدم مكعب يوميًا، بانخفاض بلغ 51% على أساس شهري، حين علقت إسرائيل الإنتاج من حقل «تمار» بذريعة تهديدات أمنية في أعقاب عملية «طوفان الأقصى»، ثم مرة أخرى في يونيو من العام الماضي حين تراجعت إلى 728 مليون قدم يوميًا.
أخبار ذات صلة
مشاورات حكومية لحسم زيادة سعر شراء الأسمدة وحصة التصدير مقابل زيادة أسعار الغاز للمصانع
القرار المرتقب سيرفع الحصة المسموح للمصانع بتصديرها من 53% من الإنتاج حاليًا، إلى ما بين 60-65%
بعد رفع أسعار الوقود.. متى تتخلى الحكومة عن دعم غاز المصانع؟
الاعتراض الأول على خطط التحرير سيأتي من المستثمرين الخليجيين بكبرى شركات الأسمدة في مصر
مجددًا.. حرب إيران تهدد الاقتصاد المصري الهش بعد أشهر من الاستقرار
قوة التداعيات على الاقتصاد بكل مستوياته مرهونة بالأمد الذي قد تصل إليه الحرب
سوق الطاقة الشمسية يستعيد «صافي القياس» بشروط جديدة
هدد قرار وقف العمل بـ«صافي القياس» بقتل الطلب على بناء وتركيب وحدات طاقة شمسية
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن