مجددًا.. حرب إيران تهدد الاقتصاد المصري الهش بعد أشهر من الاستقرار
بينما تواجه دول الخليج العربي التبعات المباشرة للحرب الجديدة التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، والرد الإيراني الذي طال تلك الدول، هرعت الحكومة المصرية إلى مواجهة التداعيات التي ألقت بظلالها على اقتصادها الهش، مع استمرار اعتماد مصر على الأموال الساخنة كمصدر أساسي للتمويل، وعلى الغاز الإسرائيلي كمصدر للطاقة.
قوة التداعيات على الاقتصاد بكل مستوياته مرهونة بالأمد الذي قد تصل إليه الحرب. بحسب المصادر التي تحدث إليها «مدى مصر»، كلما طال الأمد زادت احتمالات تفاقم الآثار الاقتصادية، وبالأخص الضغوط الدولارية.
وتتسبب ثلاثة ملفات بشكل أساسي في التخوفات الاقتصادية المصرية، وهي الأمن الطاقي والأموال الساخنة وعائدات قناة السويس، خصوصًا في ظل هشاشة الاقتصاد المحلي واعتماده على أطراف خارجية في ملفات أساسية، مثل إسرائيل فيما يخص الطاقة، واستثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومي فيما يخص التمويل.
وتوقفت إمدادات الغاز الإسرائيلية إلى مصر بعدما أغلقت وزارة الطاقة الإسرائيلية اثنين من حقول الغاز على الأقل، من بينهم الحقل الأكبر «ليفياثان»، والذي يمد مصر بالغاز.
ثلاثة مصادر حكومية، أحدهم من مجلس الوزراء واثنين من وزارة البترول أحدهما مسؤول رفيع سابق، أكدت لـ«مدى مصر» توقف إمداد الغاز الطبيعي عن مصر منذ صباح الأمس. فيما أوضح المسؤول السابق بـ«البترول» ومصدر مجلس الوزراء أن الحكومة لم تلجأ حتى الآن إلى تقليص الإمدادات للقطاع الصناعي، كما حدث إبان حرب الـ12 يومًا على إيران الصيف الماضي، بسبب انخفاض استهلاك الكهرباء هذه الأيام مع انخفاض درجات الحرارة مقارنة بما حدث في الصيف.
لكن، بحسب المسؤول السابق، ستضطر الحكومة إلى تخفيض كميات الغاز التي تزود بها القطاع الصناعي في حال استمر قطع الإمدادات عن مصر لأكثر من 48 ساعة.
ومع تصاعد المواجهات العسكرية، وبالنظر إلى اللحظات المماثلة خلال العامين الماضيين، فإنه من غير المرجح استعادة الإمدادات خلال يومين. عقب اندلاع عملية طوفان الأقصى في أكتوبر 2023، استمر إغلاق حقل تمار، الذي يمد مصر بالغاز أيضًا، حوالي ثلاثة أسابيع قبل أن تعلن شركة شيفرون استعادة الإنتاج منه.
وزارة البترول أكدت، أمس، قطع إسرائيل الغاز عن مصر، إلا أنها أعلنت عن تنفيذ «حزمة من الخطوات الاستباقية لتأمين إمدادات الطاقة»، خلال الفترة الماضية، وذلك «للتعامل مع أي مستجدات»، وتتمثل تلك الخطوات في تأمين بنية تحتية لإعادة تغويز شحنات الغاز المُسال من خلال تعاقدات متنوعة.
وتعمل في مصر الآن ثلاث وحدات إعادة تغويز بالمواني المُستقبلة لناقلات الغاز المُسال، وهي «إنرجوس باور» و«هوج جاليون» في ميناء العين السخنة، و«إنرجوس وينتر» في ميناء دمياط.
مصدر «الوزراء» أوضح أن مصر لديها ثلاث ناقلات غاز طبيعي تنتظر قُبالة مينائيّ دمياط والسخنة. في الأوقات الطبيعية، تُستهلك شحنة السفينة الواحدة خلال أسبوع. لكن في الظرف الحالي سيتم استهلاكها في وقت أقل حاليًا في ظل ضغوط نقص الإمداد، ما يستلزم معه إعادة جدولة لاستلام شحنات الغاز المُسال مبكرًا.
ووقعت الحكومة اتفاقيتين لتأمين إمدادات الغاز المُسال، الأولى لتوريد 80 شحنة من الولايات المتحدة، في اتفاق قيمته أربعة مليارات دولار، وُقع نوفمبر الماضي، تلتها صفقة مع قطر مطلع العام لتوريد 24 شحنة. لكن شحنات كلا الاتفاقتين لا يزالان أقل من الاحتياج المصري، إذ يُنتظر أن تطرح مصر في مارس الجاري مناقصة لتوفير 75 شحنة إضافية تحتاجها العام الحالي.
الغاز المسال لا يخلو بدوره من مخاطر. مع التهديدات التي تُحيط بحركة الملاحة في مضيق هرمز عند مدخل الخليج العربي، قد تتأثر شحنات الغاز المسال القادمة من قطر. في هذه الحالة، ستتجه مصر إلى السوق الفوري للغاز لتعويض ما ينقص من كميات.
وأسفرت الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران عن اضطراب حركة الملاحة بمضيق هرمز، جنوب السواحل الغربية الإيرانية، وإن لم تُعلن إيران بشكل رسمي، حتى الآن، غلق المضيق.
ورصدت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، بالأمس، بثًا عبر قناة «VHF» رقم 16 أعلن غلق المضيق، وهي أهم قناة للتواصل بين السفن لتبادل تحديثات حركة الملاحة بين السفن والوكالات البحرية الدولية والمحلية.
وأعلنت الهيئة، ظهر اليوم، عن تعرض ناقلة نفط صغيرة إلى الاستهداف قُبالة السواحل العمانية، وهو ما أكدته سلطنة عُمان كذلك.
يمر عبر المضيق خُمس التجارة العالمية للنفط والغاز الطبيعي. وحتى الآن، أعلنت عدة شركات ملاحية كبيرة، تجنب المرور بالمضيق، الذي يزدحم مدخله الجنوبي بما يصل إلى 150 ناقلة على أقل تقدير، بحسب «رويترز».
تلجأ مصر إلى المازوت كبديل للغاز في حال تأثره لضمان تلبية احتياجاتها من الوقود. ورفعت مصر حجم استهلاكها من المازوت إلى مستوى 28 ألف طن، منذ أمس، بحسب مصدر «الوزراء»، لتعويض النقص المُفاجئ في الغاز.
يُشار إلى أن هناك حد أقصى لاستخدام المازوت لتوليد الكهرباء هو 35 ألف طن يوميًا (ما يوازي توليد نحو 24% من الكهرباء المُنتجة)، بحسب ما أوضحه الرئيس السابق لمرفق تنظيم الكهرباء، حافظ السلماوي سابقًا.
إلى جانب الغاز، من المحتمل أن تتأثر واردات مصر من البترول الخليجي. تنتج مصر حوالي نصف مليون برميل من النفط يوميًا، تُغطي 70% من الطلب المحلي، بينما تحصل على النسبة الباقية من الخام ومشتقاته من خلال الاستيراد من دول الخليج، بحسب مصدر سابق بالهيئة العامة للبترول، مُوضحًا أن الصدمة في سلسلة الإمداد ستظهر إذا ما طال أمد الحرب، حينها ستلجأ مصر إلى الأسواق الفورية لتوفير احتياجاتها ما سيرفع التكلفة.
أوضح المصدر أن غلق المضيق سيؤثر على واردات مصر من النفط الخام ومشتقاته (مثل السولار والبوتاجاز) القادمة من الكويت والسعودية، إلا أن المخزون الاستراتيجي من تلك المشتقات الموجود بمستودعات على مستوى الجمهورية، يمكنه تغطية العجز لمدة 20 يومًا.
إلى جانب التأثيرات على ملف الطاقة، بدأت تداعيات الحرب في الظهور سريعًا على ما يُعرف بالأموال الساخنة، وهي استثمارات الأجانب في أوراق الدين الحكومي، والتي تعتمد عليها مصر بشكل كبير.
في أوقات الأزمات، يبدأ هروب هذه الأموال الساخنة سريعًا. في فبراير 2022، مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، خرجت 22 مليار دولار في غضون أسابيع ما بدأ أزمة اقتصادية كبيرة تسببت ضمن تبعاتها في تحريك سعر الصرف أربع مرات، إلى جانب مستويات غير مسبوقة من التضخم.
هذا هو ما بدأ بالفعل خلال الأسبوع الماضي بعد استمرار توقعات الحرب. حتى الآن، خرج من محفظة الأموال الساخنة 1.4 مليار دولار، خلال الأيام الثمانية الماضية، بالتزامن مع تصاعد احتمالات شنّ ضربة على إيران، بحسب محلّلين ماليين بشركات استشارات مالية، سعد عدلي وراندا أحمد، واليوم تجاوز حجم التخارج المليار دولار.
وبسبب اعتماد مصر عليها بشكل أساسي كمصدر للتمويل، تظهر تبعات الهروب سريعًا في سعر الصرف، والذي شهد انخفاضًا ملحوظًا في قيمة الجنيه طوال الأسبوع الماضي واستمر اليوم بعد افتتاح البنوك في مصر. ارتفع سعر صرف الدولار من 46.7 جنيه في منتصف فبراير ليصل اليوم إلى 48.8 جنيه للشراء، بحسب أسعار البنك المركزي. خلال اليوم فقط، ارتفع سعر الدولار بقيمة جنيه كامل.
ويتوقع المُحللين أن تصل أسعار الصرف، في حالة استمرار موجة التخارج من الأموال الساخنة، إلى ما بين 51-52 جنيهًا للدولار. وقدّر عدلي أن يتراوح إجمالي التخارج ما بين ثلاثة إلى خمسة مليارات دولار.
وأوضح عدلي أن أسعار صرف الدولار في سوق الصاغة المُتعامل بها حاليًا هي 51 جنيهًا للدولار، والمقصود بـ«دولار الصاغة»، هو السعر الذي يُحتسب به سعر الجرام في مصر لتتوافق مع أسعار الأونصة عالميًا والمُقيّمة بالدولار.
في المقابل، قد تتسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية، حال استمرارها، في زيادة في الفواتير الدولارية لواردات البلاد، سواء البترولية نتيجة الزيادة المحتملة في أسعار النفط والغاز الطبيعي، وغير البترولية كذلك جراء ارتفاعات في تكاليف الشحن والتأمين عليه.
لكن كليهما نفى أية إرهاصات لسوق سوداء للدولار، وذلك نتيجة استمرار البنك المركزي في سياسة مرونة سعر الصرف، حيث يرتفع السعر بالتوازي مع إتاحته بالبنوك. لكن عدلي يؤكد أن استمرار هذه المرونة أمر مرهون بأمد الحرب ونطاقها.
كما يُحتمل تأثر إيرادات قناة السويس تحت ضغوط تداعيات التغيير في المسارات الملاحية، عقب اضطرابات مضيق هرمز وعودة الاضطرابات بالبحر الأحمر نتيجة إعلان جماعة الحوثيين باليمن والداعمة لإيران، استئناف استهداف السفن بالبحر الأحمر ردًا على الهجوم الإسرائيلي الأمريكي على إيران، خاصة أن عوائد القناة تعتمد بشكل أساسي على رسوم العبور وليس على تقديم الخدمات اللوجيستية، بحسب العضو السابق بمجلس إدارة هيئة القناة، وائل قدورة، لـ«مدى مصر».
بالفعل، أعلنت شركة «ميرسك» للملاحة، اليوم، تعليق عبور سفنها بقناة السويس ومضيق باب المندب، جراء تصاعد التوترات العسكرية بالمنطقة، على أن تلجأ إلى طريق رأس الرجاء الصالح، بعد أقل من شهرين من استئناف عبورها عبر القناة.
تقارير ذات صلة
تأخَّر من أجل مكالمة هاتفية لم تحدث.. واشنطن تُعلن وقف إطلاق النار في لبنان
أُعلن وقف إطلاق النار، مساء أمس، دون أن يتم الاتصال بين عون ونتنياهو
كيف تهبٌّ علينا عواصف الاقتصاد العالمي؟ | حوار مع عمرو عدلي
يبدو من المناسب التوقف للتساؤل عن الدروس المستفادة من تجربتنا مع الحرب التي لم نكن طرفًا فيها
ما تحتاجه المفاوضات ويفتقر إليه ترامب: تقييم الجولة الأولى للمباحثات مع إيران
حتى وصول الوفد الإيراني إلى إسلام آباد ثارت شكوك حول إمكانية انعقاد المحادثات من الأساس،
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن