تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
سوق الطاقة الشمسية يستعيد «صافي القياس» بشروط جديدة

سوق الطاقة الشمسية يستعيد «صافي القياس» بشروط جديدة

كتابة: سارة سيف الدين 8 دقيقة قراءة
عامل ينظف ألواح الطاقة الشمسية أعلى أحد الفنادق في شرم الشيخ - المصدر: وكالة رويترز

استعاد سوق الطاقة الشمسية في مصر العمل بآلية «صافي القياس»، وهي الآلية التي انضمت العديد من الشركات إلى القطاع إثر إقرارها منذ أكثر من عقد، حيث أصدرت وزارة الكهرباء، هذا الأسبوع، كتابًا دوريًا ينظم الآلية بما يحمي شركات الطاقة المتجددة من القرارات التي تهدد سوقها. 

وكان جهاز تنظيم مرفق الكهرباء التابع للوزارة قد أصدر قرارًا، في ديسمبر الماضي، لم يبرره رسميًا، ينص على إلغاء العمل بـ«صافي القياس» بحلول نهاية العام الماضي، ما دفع شركات الطاقة المتجددة إلى تقديم العديد من الشكاوى إلى الحكومة، أفضت إلى مشاورات بين الجانبين، ليصدر الكتاب الدوري ويستمر العمل بالآلية وفق شروط مُحسنة، بحسب عدد من المصادر المطلعة على التطورات الأخيرة في القطاع تحدثت مع «مدى مصر».

آلية صافي القياس، التي بدأ العمل بها منذ 2013، هي شكل تعاقد بين الحكومة ومستخدمي الطاقة الشمسية، لربط وحداتهم بشبكة الكهرباء، شريطة ألا تزيد قدرة إنتاج محطة الطاقة الشمسية عن 20 ميجاوات، ليشتري المستهلك الكهرباء من الدولة عند الحاجة، ويبيع الفائض لها، ثم تتم تسوية نهائية سنويًا تشتري الحكومة الكيلووات بـ71 قرشًا، وتبيعه بأسعار تعريفة الكهرباء التقليدية كلٌ حسب شريحته الاستهلاكية.

دعمت الآلية دخول مستخدمين جدد استطاعوا من خلالها تجاوز الصعوبات التي تعرقل الإقبال على التعامل بالطاقة المتجددة، مثل غياب مصدر الطاقة أغلب ساعات اليوم. كما ساهمت الآلية في تشجيع الطلب على بناء وتصميم وصيانة وحدات شمسية للمنشآت الراغبة في الاعتماد على الطاقة الشمسية لتقليل مصروفاتها، وفي هذا الإطار تأسست شركات صغيرة ومتوسطة تعمل بقطاع الطاقة الشمسية.

هدد قرار وقف العمل بـ«صافي القياس» بقتل الطلب على بناء وتركيب وحدات طاقة شمسية، الذي يشكل النشاط الأساسي لشركات الطاقة المتجددة، خصوصًا أن الغالبية العظمى منها شركات صغيرة ومتوسطة، لا تُمكنها ملاءتها المالية من العمل في مشاريع الطاقة الشمسية الضخمة.

بلغ عدد الشركات 250 شركة في السنوات الماضية، لكن حاليًا يُقدَّر العدد بـ191 شركة مُرخصة لدى هيئة الطاقة الجديدة المُتجددة، بحسب الرئيس السابق للهيئة، محمد السبكي. ويأتي انخفاض عدد الشركات بسبب تضارب القرارات التنظيمية الحكومية، مثل قرار ديسمبر الماضي، إلى جانب انعكاسات الأزمات المُتكررة في الدولار على تكلفة الوحدات، بحسب كل من السبكي والرئيس الأسبق لجهاز تنظيم مرفق الكهرباء، حافظ السلماوي.

وبينما تتمتع مصر بمستويات من بين الأعلى عالميًا من الإشعاع الشمسي، بما يحمله ذلك من إمكانات، أشار السلماوي إلى تكرار صدور قرارات من مرفق تنظيم الكهرباء غير مُبررة ومتناقضة مع مستهدفات الحكومة تجاه الطاقة النظيفة، طوال السنوات العشر الماضية، قوضت فرص نمو القطاع، منها فرض رسوم الدمج على الشبكة، أو ما أطلقت عليه الشركات «ضريبة الشمس»، ووقف العمل بآلية صافي القياس مرتين خلال أقل من عام، بالإضافة إلى أن أسعار الكهرباء للقطاع الصناعي ظلت ثابتة لخمس سنوات، ما لم يحفز المصانع على البحث عن بدائل واستكشاف الطاقة النظيفة.

في ظل غياب أي توضيح رسمي للقرار الأخير بوقف العمل بآلية صافي القياس، عزا مصدر مُطلع بجمعية تنمية الطاقة المستدامة «سيدا»، القرار إلى شكاوى شركات التوزيع التابعة للشركة القابضة لكهرباء مصر، من تسجيلها خسائر كبيرة في ميزانيتها بسبب لجوء كبار المستخدمين، المشتركين بالشرائح الاستهلاكية الأعلى، إلى شركات الطاقة الشمسية للاستفادة من الآلية على حساب الكهرباء التقليدية.

غير أن تكهنات أخرى قدمتها لـ«مدى مصر» مصادر عديدة في القطاع لتفسير القرار تنوعت بين الإحباط الحكومي من عدم تحقيق طفرة في إجمالي القدرات العاملة بصافي القياس، بالإضافة إلى تخوفات لدى «الكهرباء» تتعلق بالمشكلات الفنية بشبكات التوزيع الناجمة عن الربط مع محطات «صافي القياس».

بعد إصدار القرار، تحركت «سيدا»، وتقدمت بمذكرة إلى مجلس الوزراء، نتج عنها اجتماعان بين ممثلي القطاع والوزارة خلال يناير الماضي، وتوصل الجانبين فيهما إلى تعهدات شفهيّة من جانب «الكهرباء» بتأجيل وقف تلقي طلبات الاشتراك بنظام صافي القياس إلى أجل غير مُسمى، لحين تطوير القواعد المنظمة للآلية في كتاب دوري جديد.

بعدها انعقدت جلسة مشورة، في 24 يناير الماضي، ضمت ممثلي الوزارة وجهاز تنظيم مرفق الكهرباء والقطاع، لمناقشة مُسودة الكتاب، بهدف إيجاد مرجع تنظيمي يتفق عليه الجانبان ويضمن للقطاع المُضي قدما في مأمن من القرارات المُتضاربة أو تعليق الآلية بشكل مُفاجئ مجددًا. 

أُدخلت بعض التعديلات على المُسودة، ومن ثم صدر الكتاب الدوري رقم (4) لسنة 2026.

أهم ما جاء بالكتاب الدوري الأخير هو المُحددات المنظمة لعمل الشركات على نحو أكثر دقة، بجانب التأكيد على ضرورة مُراجعتها كلما لزم الأمر أو تغيرت توجهات السوق أو واجه تحديًا، على أن تكون المُراجعة  مشروطة بـ«دراسة لتقييم الأثر التنظيمي»، بحسب السلماوي.

وألزم الكتاب جهاز تنظيم مرفق الكهرباء بالتشاور مع ممثلي شركات الطاقة الشمسية، أو الأطراف ذات الصلة، قبل إقرار أي تعديل أو مراجعة، بحسب نص المادة رقم (9)، وفقًا للسلماوي، الذي شدد على أهمية هذه المادة في ضوء التغيرات الكثيرة التي عطلت دخول بعض الشركات للسوق.

كما حدد الكتاب قواعد تنظيم وضبط الصيانة لجميع وحدات الطاقة الشمسية التي تعمل وفق «صافي القياس»، وأوضح السلماوي، أنه خلال المناقشات مع الوزارة، استنتج أن أحد تحفظات المرفق وتشكيكه من جدوى الآلية، هو تدني الإنتاج الفعلي من الوحدات المُركبة بالفعل مقارنة بقدراتها الإنتاجية القُصوي، بسبب مشكلات تتعلق بصيانة تلك الوحدات.

وتلزم الإجراءات التنظيمية الجديدة المستهلك صاحب الوحدة، وشركة الطاقة الشمسية بالتعاقد على الصيانة الدورية، وينص الكتاب على الحد الأدنى المطلوب لعمليات الصيانة للألواح الشمسية بما يضمن استمرار عملها.

 ويتوجب على الشركات صاحبة عقود الصيانة، بإبلاغ منصة مصر للطاقة الشمسية «PV-Hub» بتحديثات الصيانة وبيانات الوحدة، بحسب المادة رقم (8)، وتتضمن الحالة الفنية ومؤشرات أداء المحطة وموقعها، وهو ما يساعد، بحسب السلماوي، على توفير إحصاءات دقيقة عن هذا السوق.

واشترطت المادة رقم (7) على ضرورة ألا تقل نسبة المكون المحلي في المحطة عن 25% من إجمالي التكلفة، كشرط أساسي تعاينه هيئة تنمية واستخدام الطاقة الجديدة والمُتجددة قبل أن تُصدر موافقتها على المحطة. ومن ضمن التعديلات التي أدخلت على الكتاب الدوري استبدال كلمة «مُنتج» محلي بـ«مُكوّن» ليدخل ضمن إطاره الأعمال المدنية، مثل التصميم ودراسات الجدوى وأعمال التركيب، إلى جانب المُنتج المحلي مثل الكابلات الكهربائية وهياكل الوحدة.

وبحسب السلماوي، ووفقًا لدراسة داخلية أجريت على كل مشاريع الطاقة الشمسية، وُجد أن نسبة المُكون المحلي تكون في حدود 35% من إجمالي التكلفة، كما يقول السلماوي.

تشكل المحطات محدودة القدرة، وهي قاعدة مستخدمي نظام صافي القياس نظرًا لسقف الـ20 ميجاوات المنصوص عليه، سوقًا يسمح بنمو الصناعات المحلية في مجال الطاقة الشمسية، في الوقت الذي يصعب عليها المنافسة للتوريد للمشروعات الضخمة، نتيجة أن التعاقدات في تلك المشاريع ترفض تحديد نسبة للمكوّن المحلي خارج أسعار السوق الحرة، وذلك لأنها تُبنى باشتراطات قروض أو تمويل أجنبي، بحسب السلماوي والسبكي.

ويُضيف السلماوي أن السوق المصري مازال في مراحل مُبكرة، ويتطلب هذا الدعم فيما يتعلق بالصناعات المُغذية لقطاع الطاقة الشمسية، مثل استخلاص الزجاج قليل الامتصاص للشمس، واستخلاص السيليكون، وغيرها من المكونات الرئيسية، فيما اقتصر العمل سابقًا على ثلاثة مصانع أحدهم يتبع الهيئة العربية للتصنيع المملوكة للدولة، على التجميع فقط، «بنجيب الخلايا جاهزة ونعمل لحام وتجميع وتوصيلات كهربائية»، بحسب السلماوي.

كما شملت القواعد المنصوص عليها بالكتاب، تحديد هدف زمني للوصول بالقُدرات المربوطة بشبكة الكهرباء وفق نظام «صافي القياس» إلى الحد الأقصى الذي حددته الحكومة -1000 ميجاوات- بحلول عام 2030، قابل للزيادة، بحسب المادة رقم (3).

حددت الحكومة هدف ربط الألف جيجاوات في مؤتمر المناخ الذي عُقد بشرم الشيخ 2022، إلا أن منذ إطلاق «صافي القياس» في فبراير 2013، وصل إجمالي الطاقات المركبة 25% فقط من هذه الحصة الطموحة.

تباطؤ النمو بالشركات الصغيرة والمتوسطة بقطاع الطاقة الشمسية لا يختلف كثيرًا عن تأخر الحكومة في تحقيق مستهدفاتها من الطاقة النظيفة والتي أجلت مواعيد تحقيقها أكثر من مرة، كما يُشير السلماوي.

بعض الأسباب تعود إلى الأزمة الاقتصادية والتقلبات العنيفة في أسعار الصرف، ما رفع أسعار مدخلات الإنتاج وبالتالي تكلفة الوحدات الشمسية، ودفع ذلك عددًا من المستهلكين إلى العزوف ولو مرحليًا عن تركيب محطات للربط بنظام صافي القياس، بحسب عدد من المصادر بالقطاع من جمعية «سيدا»، والشركات، والسلماوي والسبكي.

يُضاف إلى ذلك تثبيت الحكومة لأسعار الكهرباء، بالأخص قرار الحكومة في 2020، بتخفيض سعر الكهرباء للقطاع الصناعي وتثبيته لخمس سنوات انتهت منتصف العام الماضي، ما أثر على الجاذبية الاقتصادية لنظام صافي القياس، بحسب السلماوي والسبكي وثلاثة مصادر أخرى من جمعية «سيدا»، في حديثهم لـ«مدى مصر».

وبحسب المصادر فإن الشريحة الأكبر من المشتركين بنظام صافي القياس، هي المنشآت الصناعية والإدارية والتجارية، نظرًا للجدوى الاقتصادية، بينما القطاع المنزلي هو صاحب الحصة الأصغر.

دفعت انقطاعات التيار الكهربائي في البلاد على خلفية نقص الوقود خلال الأزمة الاقتصادية الأخيرة، وما خلفته من استياء واسع بين المواطنين، الحكومة إلى تجميد زيادات أسعار الكهرباء لعامين قبل أن تستأنف الزيادة مرتين في 2024. بينما يستمر تأجيل الزيادات المُقررة للعام الماضي حتى الآن، مع توقعات بتطبيقها بداية يوليو القادم.

في ظل وصول فاتورة استيراد الغاز الطبيعي، الوقود الأساسي الذي تعتمد عليه الكهرباء في مصر، إلى مستويات قياسية خلال العام الماضي، مُرشحة للزيادة العام الجاري، هناك حاجة ماسة للتوسع في اللجوء إلى الطاقات النظيفة، خاصة الطاقة الشمسية، الأرخص والأسرع في التنفيذ مُقارنة بطاقة الرياح على سبيل المثال، بحسب السبكي والسلماوي ووزير البترول الأسبق، أسامة كمال.

هذا التوسع سيخلق وفرًا دولاريًا، كما أن وحدات الطاقة الشمسية الذاتية والصغيرة، مثل التي يُتيحها نظام صافي القياس، لها تأثير إيجابي من ناحية عدم الضغط على شبكات توزيع الكهرباء، فحتى مع وجود فائض من محطة ما يُباع إلى الشبكة يُنقل إلى أقرب مُستهلك لكهرباء الشبكة، ما يقلل الضغط من ناحية ويُقلص كميات الفاقد من الكهرباء الناجمة عن نقلها لمسافات أطول عبر الشبكة، بحسب السبكي والسلماوي.

التوقيت الحالي يعد مثاليًا لقطاع الطاقة الشمسية الصغيرة والمتوسطة، بسبب استيعاب السوق وامتصاصه للزيادات في الأسعار التي تلت تحرير أسعار الصرف في 2024، فضًلا عن عودة الحكومة إلى زيادة أسعار الكهرباء، ما يعزز الجدوى الاقتصادية من وحدات الطاقة الشمسية، إلى جانب اقتراب تطبيق ضريبة الكربون «CBAM»، ما سيخلق طلبًا أكبر من ناحية القطاعات المُصدرة إلى أوروبا على تدشين وحدات طاقة شمسية لتجنب الضريبة والحفاظ على تنافسيتها في السوق الأوروبي.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن