بعد رفع أسعار الوقود.. متى تتخلى الحكومة عن دعم غاز المصانع؟
رفعت الحكومة أسعار المحروقات كافة، فجر الثلاثاء الماضي، على خلفية صدمة أسواق النفط العالمية، بعدما وصلت الأسعار لقُرابة 120 دولارًا للبرميل لفترة وجيزة، قبل أن تتراجع لتصل إلى مستوى يقترب من 80 دولارًا، حتى قبل تنفيذ القرار الحكومي، فيما تدور، حاليًا، حول 90 دولارًا للبرميل.
الزيادات الحكومية الأخيرة هي الأعنف منذ بدء سياسات تحرير أسعار الطاقة قبل أكثر من عقد، بمتوسط تاريخي وصل إلى 31%. أسعار الغاز الطبيعي للمنازل تلقت الضربة الأقوى برفعها ما بين 50- 70%، كذلك بنزين 80 الذي سجل أكبر مُعدل زيادة، منذ بدء تطبيق آلية التسعير التلقائي، التي تخلت منذ عام 2023 عن قاعدة (±10%) كحدّ أقصى لتحريك الأسعار كما جاء بالمادة الثانية من القرار الوزاري المُؤسِس للآلية.
وفي غضون ساعات من رفع الأسعار، عقدت الحكومة مُؤتمرًا صحفيًا ترأسه رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، وعدد من وزراء المجموعة الاقتصادية لتبرير الزيادات والاعتذار عنها، معتبرين أن الحكومة كانت «مُضطرة» لذلك.
اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران سبَّب صدمة للطاقة في مصر. من ناحية، قطعت إسرائيل إمدادات الغاز بعد إغلاق حقولها، كما بات صعبًا وصول شحنات الغاز القطري المُسال نتيجة العمليات العسكرية وغلق مضيق «هرمز». عادت مصر إلى السوق الفورية لتلبية احتياجاتها بعدما ارتفع سعر المليون وحدة حرارية بها من 12 دولارًا إلى أكثر من 20 دولارًا، بحسب وزير البترول، كريم بدوي، خلال كلمته بمؤتمر الحكومة، إثر اضطراب الإمداد والعرض وارتفاع أسعار الشحن والنقل والتأمين.
هذه الظروف كانت كافية بالنسبة للحكومة لترفع أسعار المحروقات بنسبة 31% في المتوسط. ارتفع السولار، أكثر الوقود حساسية وتأثيرًا في أغلب السلع الأخرى، بنسبة 17%، ما يعني مُغامرة ثمنها موجة تضخمية جديدة، مدفوعة أيضًا بارتفاع أسعار صرف الدولار الذي تخطى 52 جنيهًا. في المقابل، لا تمتلك أغلب الأُسر المصرية هامشًا للمناورة أمام هذه الزيادات والتضخم الذي سيتبعها.
على الجانب الآخر، قررت الحكومة عدم المساس بغاز القطاع الصناعي، والذي يحصل على حوالي ثُلث استهلاك الغاز الطبيعي، على عكس المرات السابقة التي تعرض فيها إمداد الغاز لمصر لهزة مفاجئة. وزيرا المالية والبترول، أحمد كجوك وكريم بدوي، أكدا مرارًا على إعطاء الأولوية لتوفير ما تحتاجه جميع القطاعات من إمدادات الطاقة، لاسيما القطاع الصناعي والاستثمارات «تلبية للنمو الاقتصادي».
هذا الاختيار، بحسب ثلاثة مصادر مختلفة أحدها من البنك الدولي وآخر حكومي، إلى جانب كبيرة الباحثين بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، سلمى حسين، يمثل انحيازًا واضحًا من الدولة لمصالح المستثمرين والشركات.
منذ نهاية العام الماضي تسعى وزارة البترول، حين كان متوسط تكلفة المليون وحدة حرارية 7.5 دولار، إلى خطة تطمح لتحرير تدريجي لأسعار الغاز للصناعة، خلال ثلاث سنوات، بحسب مسؤول بإحدى شركات الأسمدة الحكومية، ومسؤول حكومي بمجلس الوزراء، ورئيس المجلس التصديري للبتروكيماويات، خالد أبو المكارم، الذين تحدثوا وقتها إلى «مدى مصر».
الخطة التي واجهت مقاومة كبيرة من أطراف حكومية، كانت مُحاولة من «البترول» للتعامل مع تداعيات انكماش الإنتاج المحلي والاعتماد بصورة أكبر على الاستيراد بتكلفة بلغت 7.2 مليار دولار خلال الأشهر العشرة الأولى من العام الماضي.
تستخدم مصر 60% من استهلاك الغاز لتوليد الكهرباء، وما بين 20-25% تذهب للصناعة، فيما يحتل قطاع الطاقة (عمليات استخراج الغاز والبترول نفسها) المرتبة الثالثة كأكبر مستهلك للغاز بحصة 11% من إجمالي الطلب المحلي، وأخيرًا يحصل الاستهلاك المنزلي والسيارات على حصص ضئيلة من إجمالي الاستهلاك الوطني للغاز.
ضمن حصة الصناعة، هناك الاثنان الكبار: قطاع الأسمدة والبتروكيماويات وقطاع الحديد والصلب، وهما الأكثر استهلاكًا للغاز مقارنة بباقي الصناعات، وذلك بعد تخلي الأسمنت عن الغاز منذ أكثر من عقد، مُتجهًا للفحم بموافقة حكومية، إلى جانب مصادر أخرى من الوقود الأحفوري مثل المازوت.
الأسمدة؛ القطاع الذي يلتهم الحُصة الأكبر من الغاز المُوجه للصناعة. وفيما استبعدتها الحكومة من تحمل عبء الصدمة بدعوى «استمرار النشاط الاقتصادي»، ارتفعت أسعار أسمدة اليوريا عالميًا بأكثر من 40% منذ اندلاع الحرب، من 487 دولارًا للطن إلى 700 دولار. هذه الأسعار تضمن ارتفاعًا كبيرًا في هامش أرباح شركات القطاع، والتي تحقق بالفعل أرباحًا تتماشى مع المعدلات العالمية الطبيعية عند سعر 300 دولار للطن فقط.
يتكلف إنتاج طن اليوريا نحو 37 مليون وحدة حرارية بريطانية، يدفع المُصنعون مقابل كل مليون وحدة، الآن، 5.75 دولارًا، بحسب مصادر مُطلعة بالقطاع، بينما السعر عالميًا يسجل أكثر من 20 دولارًا، كما قال بدوي. ويبلغ تقدير الحكومة لمتوسط تكلفة المليون وحدة حرارية، حاليًا، 9.5 دولار، بحسب مصدر حكومي مُطلع.
أربعة مصادر من قطاع الأسمدة، تحدث إليهم «مدى مصر»، رفضوا التوجه إلى تحرير أسعار الغاز الذي يحصلون عليه، معتبرين أن هذا يُضعف تنافسية الأسمدة المصدرة في السوق العالمي. «هنقدر نصدر لو أسعار اليوريا عالميًا عند مستوى 400 دولار للطن، لكن لو انخفضت إلى 300 دولار ستتقلص هوامش الربحية بشدة»، يقول أحد المصادر، مُشيرًا إلى مُصدرين منافسين إقليميًا يتمتعون بأسعار غاز أقل بكثير، في إشارة إلى السعودية والإمارات «أعلى حد فيهم بياخده بتلاتة دولار».
هذه المقارنة مُضللة، كما يعتقد مسؤول سابق بالهيئة العامة للبترول، لم يرد ذكر اسمه، لأنها تتجاهل أن دول مثل السعودية وقطر والإمارات هم من كبار مُنتجي الغاز عالميًا، ما يمنحهم فوائض ضخمة، وتكلفة إنتاج أقل للمليون وحدة حرارية، مُضيفًا، حتى بعد بيعها -المليون وحدة حرارية- بأسعار قليلة تُحقق ربحية لا يمكن بأي حال مُقارنتها مع مصر، ثالث أرخص دولة عالميًا في أسعار الغاز للقطاع الصناعي بحسب تصريحات مدبولي، والتي تتحمل حوالي ثلاثة دولارات في كل مليون وحدة حرارية توردها للصناعة، مُضيفًا «هذه هي المُقارنة التي يجب أخذها في الاعتبار، ولو فضلنا نمشي ورا المستثمرين هنديهم الغاز ببلاش».

يتفق وزير قطاع الأعمال الأسبق، هشام توفيق، مع هذا الرأي، معتبرًا أن تحرير أسعار الطاقة توجه مقبول وحتمي مع ارتفاع تكلفة الطاقة على الحكومة. وأضاف توفيق لـ«مدى مصر» أنه لا يمكن لبلد أصبحت تلجأ إلى سوق الغاز المُسال التي تصل فيه الأسعار إلى الضعف، أن تستمر في تقديم الدعم على الغاز للمُصنعين.
وشدّد توفيق على ضرورة مراجعة الدعم للصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، موضحًا أن صناعة ما سبب استمرار وجودها يتمحور حول أسعار الطاقة المُدعمة، في هذه الحالة يرى توفيق «كدة بدعم أرباح».
تحصيل ضرائب أكبر وتوفير فرص عمل كانا المنفعة المُستهدفة من بيع الحكومة مُمثلة في الشركة القابضة للغازات الطبيعية «إيجاس» الغاز بأسعار مدعمة للصناعة، بحسب توفيق، إلى جانب وزير البترول الأسبق، عبدالله غراب.
لكن البيانات تشير إلى عدم تحقق هذا. بمطالعة بيانات كبرى شركات الأسمدة، نجد أن «موبكو»، يصل عدد العاملين بها إلى نحو ألف عامل، وشركة «أبوقير» للأسمدة حوالي 2500 عامل يتناقصون كل عام، وذلك مقارنة بأعداد تصل إلى 2.5 مليون عامل بقطاع مثل الملابس والأنسجة.
ينفي الباحث مصطفى عوكي وجود علاقة بين الصناعات (وبالأخص البتروكيماويات والأسمدة وغيرها) وبين خلق فرص عمل بشكل واسع، مؤكدًا على ضرورة التخلي عن الاعتقاد بأن تقديم أسعار مدعومة للغاز لهذه القطاعات وسيلة لتعزيز النمو الاقتصادي، وفق ما ورد في ورقته البحثية الصادرة عن معهد أكسفورد للطاقة في 2018.
إلا أن قطاعي مواد البناء، والصناعات البتروكيماوية والأسمدة، هما أعلى القطاعات على التوالي في حجم الصادرات من بين الصادرات غير البترولية.
إلى جانب هذا، فإن هذه القطاعات لم تعد مملوكة لشركات القطاع العام بشكل كامل، وبالتالي فإن دعمها عبر الغاز يمثل دعمًا لأرباح شركات خاصة غير مصرية ستنتهي بالخروج من مصر.
قطاع الأسمدة الذي كان إلى وقت قريب تؤول غالبية حصص الملكية به إلى شركات القطاع العام، أصبحت السعودية والإمارات من خلال صناديقهما السيادية تمتلكان حصصًا تصل إلى قرابة 50% من هيكل ملكية كُبرى شركات الأسمدة «أبوقير» و«موبكو».
آلت هذه الحصص للسعودية والإمارات، عبر سلسلة من الاستحواذات على قطاعات تستفيد من أسعار الغاز المدعومة، خلال الأزمة الدولارية التي بدأت مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، حين عانت الحكومة من ضغوط دولارية عنيفة، كما بدأت برنامجًا مع صندوق النقد الدولي الذي يدفع الدولة إلى بيع أصولها لصالح القطاع الخاص لـ«يقود قاطرة النمو».
حصلت الإمارات في أبريل 2022، على حصص تتراوح ما بين 20 و21.25% من شركتي «موبكو» و«أبوقير» للأسمدة، وذلك مُقابل 658 مليون دولار بعد تخارج بنك الاستثمار القومي.
كما استحوذت الإمارات مُجددًا من خلال صندوق أبوظبي السيادي، خلال 2023، على حصص في ثلاث شركات، منها 27% من الشركة المصرية لإنتاج الإيثيلين ومشتقاته (إيثيدكو)، وتخارجت ثلاثة بنوك حكومية من حصص ملكيتها في الشركة مُقابل 280 مليون دولار.
كما استحوذت شركة الأصباغ الوطنية الإماراتية على كامل شركة البويات والصناعات الكيماوية «باكين»، بتخارج الشركة القابضة للصناعات الكيماوية وبنك مصر، وتم شطب الشركة من البورصة.
كل الشركات التي استحوذت عليها الإمارات هي شركات تستفيد بدرجات متفاوتة من أسعار الغاز المُدعم للقطاع الصناعي، ولديها أيضًا نشاط تصديري واسع. بحسب البيان المالي لشركة «موبكو» عن الأشهر الستة الأولى من العام الجاري، فإن 88% من إجمالي مبيعات اليوريا تم تصديرها، إذ جاءت مصر في المرتبة التاسعة عالميًا في تصدير الأسمدة، خلال العام الماضي.
على الخطى نفسها، استحوذت السعودية، خلال 2022، على حصص بلغت 25% و20% من شركتيّ «موبكو» و«أبوقير» للأسمدة، مقابل 750 مليون دولار.
يُشير مصدر حكومي ومسؤول سابق بـ«البترول»، إلى أن الاعتراض الأول على خطط التحرير، سيأتي من المستثمرين الخليجيين بكبرى شركات الأسمدة في مصر. يقول المصدر الحكومي إنهم يستهدفون تحقيق معدلات الربح العالمية في تلك الصناعة وهي 30%.
نمط الدولة في دعم الغاز
اتبعت الحكومة سياسة دعم أسعار الطاقة للصناعة منذ أواخر السبعينيات، حين كان الطلب المحلي محدودًا أمام إنتاج كبير، ليتغير الوضع تدريجيًا وينمو الطلب المحلي سواء من الكهرباء أو الصناعة مُتجاوزًا حجم الإنتاج المحلي. خلال الفترة بين 2005-2015، نما الطلب بنسبة 3% سنويًا، لتصبح مصر الأعلى استهلاكًا للغاز الطبيعي في الشرق الأوسط وإفريقيا، خلال السنوات الماضية، وسابع أكبر مُستورد للغاز الطبيعي عالميًا حاليًا.
مع موجة اكتشافات للغاز الطبيعي بدأت عام 2004 واستمرت نحو خمس سنوات، تأسست شركة «إيجاس»، كما توسعت كبرى شركات الأسمدة مثل «موبكو» و«أبوقير»، إلى جانب وضع خطط أخرى للاستفادة من عوائد ثروات الغاز الطبيعي في السوق المحلية وكذلك للتصدير. ثم انتهت هذه الدورة من وفرة الغاز، وعادت البلاد كصافي مستورد للغاز في 2015.
خلال هذه الدورة، كانت أسعار الغاز مُدعمة لجميع قطاعات الصناعة عند ثلاثة دولارات، بل خُفضت لقطاع الأسمدة والبتروكيماويات لـ 1.5 دولار، إبان حكومة أحمد نظيف. لكن مع ضغوط أزمة الطاقة لاحقًا، اتخذت الحكومة منذ عام 2014 مجموعة من القرارات أهمها رفع أسعار الغاز.
قفزت الأسعار على النحو التالي: 4.5 دولار للأسمدة والبتروكيماويات، وخمسة دولارات للصناعات الغذائية والغزل والنسيج والأدوية والهندسية ومصانع الطوب وباقي الصناعات الأخرى.
كانت القفزة أكبر لـ«الحديد والصلب» وباقي المعادن والزجاج والسيراميك حيث وصلت إلى سبعة دولارات. وكان على رأس القائمة صناعة الأسمنت التي بلغ سعر المليون وحدة حرارية بريطانية لها ثمانية دولارات، لتتخلى «الأسمنت» عن الغاز وتتجه نحو الفحم الأسوأ بيئيًا بعد موافقة الحكومة على ذلك.
لكن مع اكتشاف حقل «ظُهر» ودخوله مرحلة الإنتاج بنهاية 2017، عادت الحكومة أدراجها، وقامت بتخفيضات كبيرة في أسعار الغاز للصناعة، بين عاميّ 2019-2021، لتصل إلى 5.75 دولارًا لكل القطاعات و4.75 دولار للقطاعات الأقل استهلاكًا للغاز (الصناعات الغذائية والغزل والنسيج، الأدوية، الهندسية، قمائن الطوب، وباقي الصناعات الأخرى).
في الوقت نفسه، واصلت الحكومة رفع أسعار الغاز المنزلي لثلاث شرائح استهلاكية، بنسب وصلت إلى 4875%، على مدار الـ15 عامًا، على الرغم من ضآلة حصة الغاز المنزلي من إجمالي الطلب المحلي على الغاز.
لكن ومع دخول البلاد في أزمة دولارية وأزمة طاقة مُجددًا بنهاية الربع الأول من عام 2022، وبدء تراجع الإنتاج المحلي من الغاز بشكل واضح، عادت الحكومة أدراجها وأعادت النظر في غاز الصناعة، وظهر ذلك من خلال عدة أمور، منها رفع أسعار الغاز للصناعة، والأهم هو إعطاء الأولوية لقطاع الكهرباء عن الصناعة كلما واجهت أزمة في الغاز.
ظهر ذلك بوضوح خلال العامين الماضيين، بالتزامن مع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، إذ انقطعت واردات الغاز القادمة من إسرائيل عن مصر خمس مرات. في أغلب المناسبات، كان وقف غاز المصانع وتوجيه كل المتاح من الغاز نحو قطاع الكهرباء هو أول إجراء تلجأ له الحكومة.
خلال أزمة شُح الغاز للقطاع الصناعي جراء انقطاعات الغاز الإسرائيلي، هدّدت بعض القطاعات الصناعية أكثر من مرة باللجوء إلى استيراد الغاز بنفسها. لكن مسؤولين سابقين بـ«البترول» أكدا أنهم لن يُقدموا على تلك الخطوة عمليًا بسبب فرق الأسعار الضخم بين السوق وبين توريدات الحكومة. فبينما قد يصل سعر المليون وحدة حرارية في سوق الغاز المُسال إلى 15 دولارًا تحصل الصناعة هنا بمتوسط يتراوح ما بين 4.75 - 5.75 دولار.
مسؤول رفيع سابق بوزارة البترول أوضح لـ«مدى مصر» أنه حين وافقت الوزارة على طلبهم باستيراد الغاز، فوجئت أنهم سيقومون باستيراد شُحنات غاز، ثم بيعها إلى الحكومة بهامش ربح، على أن تُعيد توريده لمصانعهم بالأسعار المدعومة، وهو ما لم توافق عليه الوزارة.
بصدور القانون رقم (196) لسنة 2017 لتنظيم أنشطة سوق الغاز، والذي كان بداية «مُبشرة» نحو تحرير سوق الغاز في مصر، سُمح للقطاع الخاص باستيراد الغاز بعدما كان حصريًا للشركة القابضة للغازات الطبيعية «إيجاس» بموجب قانون رقم (217) لسنة 1980.
ما إن استتب الوضع وتوافرت السيولة الدولارية وأصبحت الحكومة قادرة على تأمين احتياجات الغاز، بالأخص خلال العام الحالي، بتدعيم البنية التحتية للغاز المُسال بتوفير ما لا يقل عن ثلاث وحدات إعادة تغويز مربوطة بالموانئ المصرية، بقدرات 2.25 مليار قدم مكعب يوميًا (حوالي ثلث الاحتياجات)، بجانب تعاقدات كبيرة على شحنات غاز مُسال، جعلت مصر سابع أكبر مستورد عالميًا للغاز، التفتت الحكومة وبدأت ترفع الأسعار للصناعة.
إعادة النظر في تصدير الغاز بكميات ضخمة وكذلك توريده إلى القطاع الصناعي بأسعار بخسة هما أهم الإصلاحات التي أُشير إلى ضرورتها منذ الإعلان عن حقل «ظُهر»، الذي اُعتبر أنه «سيُلبي الطلب المصري على الغاز على مدار عقود».
عوكي ذهب وقتها في ورقته البحثية إلى أن هذه الطفرة من الغاز لن تكون مُستدامة، وستعود مصر صافي مستورد بسهولة ما لم تقوم الحكومة بإعادة هيكلة بل وكبح جماح الطلب المحلي على الغاز من خلال مراجعة هيكل الدعم، لتجنب الدخول في حلقات مفرغة من الفوائض ثم العجز.
ما يُضيّق هامش التساهل مع مسألة دعم أسعار الغاز للصناعة حاليًا مجموعة من المستجدات تطورت على مدار العقد الماضي، في مقدمتها ارتفاع مُضطرد في تكلفة إنتاج الغاز المحلي وكذلك استيراده.
في المقابل، ومع استمرار الأزمة الاقتصادية التي تواجهها مصر والتي كان نقص العملة الصعبة أحد أبرز ملامحها، واجهت الحكومة أزمة في سداد مستحقات الشركات الأجنبية المنتجة للغاز وتحويل أرباحها. وكما هو معتاد، لجأت الشركات لتعطيل معدلات إنتاجها للضغط على الحكومة. ولم تجد الحكومة مفرًا من تقديم مزيد من التنازلات للشركات تحت ضغط الرغبة في عودة عجلة إنتاج الغاز لتجنب أي ضغوط سياسية واقتصادية واجتماعية.
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي اضطرت فيها مصر لذلك. حين دخلنا في هذا النفق بُعيد ثورة 2011، كانت التعديلات والتي يُسميها البعض، مثل عوكي، «إصلاحات»، التي أدخلت على آليات الإنتاج لصالح الشريك الأجنبي تتمثل في زيادة في تسعير الغاز التي تشتريه الحكومة من الشريك الأجنبي، وتغيير اتفاقيات تقاسم الإنتاج بتعظيم حصتيه «غاز الاسترداد» (نسبة الغاز المخصصة لاسترداد التكاليف الاستثمارية) و«غاز الأرباح».
كما تغيرت طريقة تقاسم احتياطيات الحقول المصرية. قُبيل الثورة، كان ثُلثها يذهب إلى السوق المحلية، وثلث للتصدير، وثُلث يُحتفظ به للأجيال القادمة. أُلغيت هذه التقسيمة لاحقًا، بحسب ما يقوله عوكي.
ما دفع بهذه التغيرات هو تراكم مستحقات على الحكومة وصلت إلى 6.3 مليار دولار بنهاية 2013، لتتباطأ الشركات في عمليات الإنتاج والتنمية، وفي ظل أزمة داخلية سواء على مستوى الكهرباء أو الصناعة نتيجة نقص الغاز، تُدفع الحكومة إلى تعويض هذا النقص بأي طريقة، تستفيد من ذلك الشركات المُنتجة وتُراكم مزايا أكبر، بينما الحكومة ظلت تحاول تسوية هذه المستحقات طوال ست سنوات.
نفس الأمر تكرر مع أزمة 2022، حيث تراكمت المستحقات ووصلت إلى 5.5 مليار دولار، ليتباطأ عمل الشركات وسحبت معدات إنتاج من المواقع، ويتراجع الإنتاج بصورة درامية. وتفاقمت الأزمة الناجمة عن نقص الغاز داخليًا سواء بانقطاعات عنيفة للكهرباء كادت أن تتسبب في اضطراب اجتماعي واسع، بجانب نقص كبير في إمدادات الصناعة. وما زاد الطين بلّة آنذاك هو تخفيضات أو توقف متكرر من إسرائيل إثر الحرب.
ومع حلحلة الأزمة الدولارية، بضخ مليارات الدولارات في الاقتصاد بعد توقيع صفقة «رأس الحكمة» بنهاية الربع الأول من 2024، عادت الحكومة والشركات الأجنبية إلى طاولة المُفاوضات بشكل جاد. كان ذلك وقت تقديم مزيد من التنازلات، مثل تعديل التعاقدات وتغييرها لصالح الشريك الأجنبي، وكذلك رفع أسعار شراء الغاز. وبحسب مصدر من «البترول»، أوضح أن «الشركات عايزة تملي تزود الأسعار ومش بنقدر نستجيب للكل في وقت واحد».
المُحصلة النهائية هي ارتفاع تكلفة الغاز المحلي، بتقليص الحصة المُستحقة للحكومة مجانًا، وتزويد أسعار الحصة المملوكة للشريك الأجنبي التي تُضطر الحكومة لشرائها، وكما تتواصل زيادة تكلفة الغاز المُستورد بالأخص الغاز المُسال.
خلال أول عشرة أشهر من العام الجاري، استوردت الحكومة غازًا طبيعيًا بـ 7.2 مليار دولار، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، وذلك دون احتساب فاتورة الغاز التي تقوم الحكومة بشرائه من الحقول.
موارد البلاد الثلاثة من الغاز الطبيعي والتي تتمثل في المُنتج محليًا، وغاز الأنابيب القادم من إسرائيل، والغاز المُسال، ارتفعت تكلفتها على الحكومة، وتراجع الإنتاج المحلي لأدنى مستوى له خلال العقد الماضي. في ظل هذه المعطيات، يُصبح استمرار دعم الغاز الطبيعي للصناعة كثيفة الاستهلاك «محض هراء» كما أشارت المصادر، أو هو ما يمكن وصفه بتحويل فوائض دولارية من خزينة الدولة إلى أرباح المستثمرين.
تقارير ذات صلة
ماذا تفعل الدولة بين مطرقة التضخم وسندان انخفاض النقد الأجنبي؟
تظل مرونة سعر الصرف هدفًا مستمرًا للحكومة في محاولة للحفاظ على الاستثمارات الأجنبية
مجددًا.. حرب إيران تهدد الاقتصاد المصري الهش بعد أشهر من الاستقرار
قوة التداعيات على الاقتصاد بكل مستوياته مرهونة بالأمد الذي قد تصل إليه الحرب
سوق الطاقة الشمسية يستعيد «صافي القياس» بشروط جديدة
هدد قرار وقف العمل بـ«صافي القياس» بقتل الطلب على بناء وتركيب وحدات طاقة شمسية
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن