لا تزال تداعيات سقوط مدينة ود مدني، عاصمة ولاية الجزيرة، وإحدى أكبر وأهم المدن السودانية، والتي تعد نقطة وصل بين ولايات البلاد في يد قوات الدعم السريع أمس، يثير التساؤلات في أوساط الرأي العام السوداني المدني والعسكري.
ومساء اليوم، كسر الجيش السوداني صمتًا امتد لأكثر من 24 ساعة بعدما اعترف بانسحاب قواته التي ظلت تقاتل على مدى أربعة أيام متواصلة في تخوم ود مدني الشرقية. وقال في بيان: «يجري التحقيق في الأسباب والملابسات التي أدت لانسحاب القوات من مواقعها شأن بقية المناطق العسكرية، وسيتم رفع نتائج التحقيق فور الانتهاء منها لجهات الاختصاص ومن ثم تمليك الحقائق للرأي العام».
بيان الجيش كان لابد منه حسبما قال لـ«مدى مصر» جنود بالجيش قاتلوا في معركة شرق ود مدني وعلى مشارف جسر حنتوب المؤدي للمدينة.
لم تمض ساعات على تصريحات الناطق الرسمي باسم الجيش، نبيل عبد الله، مساء الأحد، والتي أكد فيها خلو ولاية الجزيرة من التمرد، حتى فوجيء المواطنون الذين احتفلوا يومها مع الجيش في طرقات عاصمتها ود مدني، بقوات الدعم السريع تعبر جسر حنتوب النيلي، الذي يربط شرقي ولاية الجزيرة وعاصمتها ود مدني في الساعة الرابعة عصرًا من يوم الاثنين.
دخلت القوات الخاصة التابعة للدعم السريع المدينة على متن عشرات العربات القتالية، وبدأت بالوصول إلى مقر قيادة الجيش وأمانة حكومة الولاية ونصبت ارتكازات عسكرية داخل المدينة، بحسب شهود عيان تحدثوا لـ«مدى مصر».
جاء دخول «الدعم السريع» إلى ود مدني رغم المعارك الشرسة التي دارت منذ صباح الاثنين شرقي المدينة مع قوات اللواء الأول التابع للفرقة الأولى مشاة بالجيش، متزامنًا مع اقتحام «الدعم السريع» مدينة رفاعة التي تبعد حوالي 55 كيلو مترًا من ود مدني، حيث قتلت طبيبًا داخل مستشفى رفاعة واعتقلت طبيبين آخرين، واقتادتهما إلى مكان مجهول، حسبما قال المدير الطبي للمستشفى لـ«مدى مصر»
وقال شهود عيان لـ«مدى مصر»، إن الجيش بدأ بمطاردة «الدعم السريع» داخل مدينة رفاعة، لكن القوات انسحبت إلى جنوبها.
وتربط مدينة رفاعة شرقي ولاية الجزيرة بغربها عبر جسر الصداقة الذي يصلها بمدينة الحصاحيصا، التي تبعد عدة كيلومترات غرب ود مدني.
وكانت قوات الجيش والشرطة انسحبت من الحصاحيصا عصر الأمس، بالرغم من عدم وصول قوات الدعم السريع لها.
وقال مصدر عسكري لـ«مدى مصر»، إن انتكاسة حدثت في الفرقة الأولى نتيجة لسياسة إدارة المعركة من قبل قيادة الفرقة، مضيفًا أن هناك تقصيرًا واضحًا في مسألة إعداد هذه الفرقة التي تعتبر فرقة مستحدثة ولا تمتلك خبرة عسكرية أو تماسك واضح بين عناصرها.
وأوضح المصدر العسكري، أن أخطاء تكتيكية وقعت بسماح الفرقة الأولى مشاة لقوات الدعم السريع بالتوغل داخل الولاية، بدلًا من مواجهتها في المناطق التي جاءت فيها.
وكانت قوات الدعم السريع تحركت من منطقة جبل الأولياء أقصى جنوبي العاصمة السودانية الخرطوم المجاورة لولايتي الجزيرة والنيل الأبيض في يوم 15 ديسمبر الجاري بقوة قوامها 150 عربة معظمها ليست قتالية، حسب شهود عيان بمنطقتي أبو قوتة و ودراوة الواقعتين بولاية الجزيرة.
وأضاف شهود العيان، أن عربات «الدعم السريع» تمركزت في نقاط مختلفة على الطريق الرابط بين جنوب غرب الخرطوم وشمال شرق الجزيرة.
المصدر العسكري قال إنهم توقعوا توجيهات بإرسال تعزيزات عسكرية إلى تلك المناطق بدلًا من مواجهة القوات المتمردة في المناطق ذات الكثافة السكانية والمدن الكبيرة، مضيفًا أن جاهزية القوات داخل الولاية لم تكن كافية، حيث يوجد نقص في الذخائر والوقود لا يكفي لحركة قوات عسكرية رغم عدد الجنود الكبير في الولاية، والذي يبلغ حوالي 40 ألف مقاتل، بما في ذلك جنود هيئة العمليات والمستنفرين.
وقال أحد الجنود الذين شاركوا في معركة شرق ود مدني لـ«مدى مصر»، حول دخول «الدعم السريع» إلى المدينة، إنه منذ الصباح الباكر ليوم الاثنين حتى الساعة 12 ظهرًا، كان الهجوم على قيادة اللواء الأول مشاة في الجهة الشرقية أسفل جسر حنتوب، مضيفًا أن الجيش كان موجودًا في مقره وعلى تخوم الجسر الشرقية، لكن حدث انسحاب من مقر اللواء الأول مشاة للجهة الغربية للجسر ومن ثم ظهرت قوات الدعم السريع داخل مقر الجيش حيث التقطوا بعض مقاطع الفيديو لحظة دخولهم، ومن ثم جاءت طائرة ميج وقصفتهم أربع مرات، لكنها أصيبت بالمضادات الأرضية، ولم تنجح محاولات قائدها في التحكم بها قبل أن تسقط، ويلقى مصرعه.
وأضاف الجندي، الذي فضل عدم ذكر اسمه: «بين الساعتين الواحدة والرابعة عصرًا كان هناك هدوء عجيب جدًا، ولم نكن نسمع أي أصوات اشتباك حقيقية». مستطردًا: «عند الرابعة عصرًا سمعنا بدخول الدعم السريع بالرغم من علمنا المسبق بوجود قوات كبيرة للجيش على مدخل الجسر، بالإضافة إلى الآليات الثقيلة مع ثلاث دبابات».
وأوضح أنه «مع وصول معلومة دخول قوات الدعم السريع ونهبها للمنازل بدأنا في الاستعداد والانتشار، ولكن فوجئ الجميع بعدم وجود قائد الفرقة ونائبه أيضًا، ولم يكن في الفرقة ضابط ليقود القوات».
وأكد المصدر أنه «لم نرَ دخانًا ولم نسمع صوت معركة حقيقية، ولا وجود لأي اشتباك قد حدث.. نحن سمعنا الخبر مثلنا مثل المواطنين في وسائل التواصل، وعندما سألنا الضابط المسؤول المباشر لم يكن لديه أي معلومة».
مصدر عسكري سابق بالاستخبارات العسكرية وصف من جانبه لـ«مدى مصر»، سقوط ود مدني في يد «الدعم السريع»، بأنه مشابه لسقوط أحجار الدومينو. وقال إن الولاية لم يكن بها تعزيزات متقدمة في الاتجاه الشمالي لها والمحازي لجنوب الخرطوم، خصوصًا بعد سقوط منطقة جبل الأولياء التي تعتبر أولى الخطوط الدفاعية لولاية الجزيرة، حيث تعمل على تغطية جميع القوات المحصنة في معسكر طيبة، وكذلك على إيقاف تقدم «الدعم السريع» في منطقة الباقير المجاورة للخرطوم.
وأضاف أن التحصينات الداخلية للولاية لم تعزز ولم تكن على الاستعداد التام والكافي، لافتًا إلى أن عدم الانتشار لتأمين الولاية في المناطق الجنوبية جعل «الدعم السريع» تستبيح بعض القرى على مدار ستة أشهر، وأن حكومة الولاية قد استسلمت أمام هذه الاستباحات، مما يجعل قوات الدعم السريع تتقدم كل فترة وتجد طريقة في التوغل. وتابع: «من الواضح أن الجيش لا يمتلك التسليح الكافي فهو يعتمد على إنتاجه من الذخائر التي توقفت مع سقوط مصنع اليرموك، بالإضافة إلى ضعف الإمداد الخارجي».
ورأى المصدر، أن سقوط ود مدني يعني سقوط الولاية بكاملها ومن ثم هذا سيؤدي إلى تهديد ولايات النيل الأبيض، سنار والقضارف أيضًا. مضيفًا بأن لديه معلومات تشير إلى أن «الدعم السريع» ستتحرك نحو هذه الولايات ليس من أجل السيطرة وإنما من أجل إثبات قادتها من تلك المناطق أحقيتهم في أن يكون لهم موقع في قيادة «الدعم السريع» بهذه الولايات.
وأشار المصدر أيضًا إلى أن قائد قوات درع الشمال، أبوعاقلة كيكل، والتي تكونت إبان الفترة الانتقالية، لم يكن جزءًا من «الدعم السريع»، وإنما انضم إليها مؤخرًا بعد اتفاقه مع قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو، (حميدتي) من أجل السيطرة على مناطق تخوم الخرطوم من أجل تسهيل الإمداد العسكري فقط وليس الدخول بالعمليات العسكرية في الخرطوم التي تقودها نخبة قوات الدعم السريع.
وأوضح أن «الأخطاء العسكرية للفرقة، سمحت لكيكل أن يقوم بعمل عسكري مباشر داخل ولاية الجزيرة»، لافتًا إلى أن القوات التي هاجمت الاتجاه الشمالي الغربي لم تكن قوات كبيرة أو حتى قوات قتالية. وعند وجود مساحة حركة، جاءت قوات النخبة في الدعم السريع أو ما يعرف بـ«القوات الخاصة»، ملاحظًا أن العربات التي تقودها لا تزال جديدة ولم تدخل معارك حربية وتحتفظ بلوحات «الدعم السريع».
على الجانب الآخر، قال مصدر عسكري بـ«الدعم السريع» لـ«مدى مصر» إن مهاجمة الفرقة الأولى في ود مدني جاء بناء على توجيهات عسكرية واضحة كانت تستهدف التجمعات العسكرية التي تتبع الفرقة الأولى والتي وصفها بـ«الكتائب الجهادية»، مضيفًا أنهم نظموا خطة عسكرية واضحة تقلل الخسائر، كما ابدى استغرابه مما أسماها الحملات التي تقول بأنهم قد تعاونوا مع بعض القيادات العسكرية هناك.
أخبار ذات صلة
تفشي حمى الضنك في الخرطوم، ومصادر طبية: العاصمة لا تزال غير مهيأة | تفش كبير للحصبة وسط نازحي شمال دارفور | انشقاق قائد من «الدعم السريع» وانضمامه للجيش | الجيش يفشل هجومًا على الدلنج
تجد الخرطوم نفسها مجددًا في مواجهة تفشٍ لحمى الضنك
تحقيق لـ«ذا سنتري»: أحمد جاد الله مهندس حكم اللصوص في شرق ليبيا
تمدد دور جاد الله ليصبح فعليًا المدير التنفيذي لاقتصاد شرق ليبيا تحت حماية صدام حفتر
«الدعم السريع» تسيطر على بارا مجددًا | اشتعال القتال في بلدات شمال دارفور الحدودية، وأعداد القتلى المدنيين تتصاعد | مصادر: البرهان يلتقي قوى ثورية متحالفة مع الجيش سعيًا لغطاء سياسي | إدريس يقيل مسؤولين في الحكومة ويحل مجالس مؤسسات الدولة
تصاعد الاشتباكات في المناطق الحدودية بدار زغاوة شمال دارفور وسقوط ضحايا مدنيين
الجيش يستعيد بارا في شمال كردفان و«الدعم السريع» تهاجم القرى المجاورة وتقصف كوستي في النيل الأبيض والدلنج في جنوب كردفان | الجيش يعلن الشروع في دمج المقاتلين في المؤسسة العسكرية، ومصادر في الحركات المسلحة تشير إلى مخاوف قادتها من الخطوة
واشنطن تصنف جماعة الإخوان المسلمين في السودان ولواء البراء منظمة إرهابية
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن