تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
تحقيق لـ«ذا سنتري»: أحمد جاد الله مهندس حكم اللصوص في شرق ليبيا

تحقيق لـ«ذا سنتري»: أحمد جاد الله مهندس حكم اللصوص في شرق ليبيا

كتابة: مدى مصر 6 دقيقة قراءة

حين أعطى المشير خليفة حفتر إشارة التحرك نحو العاصمة طرابلس في 4 أبريل 2019، كانت هناك آلة حاسبة تعمل بصمت خلف ضجيج المجنزرات المتقدمة، تديرها شبكة معقدة من المصرفيين ورجال الأعمال والوسطاء. في قلب هذه الآلة، صعد اسم لم يكن مألوفًا للكثيرين خارج الدوائر الضيقة: أحمد جاد الله.

تحقيق موسع، نشرته اليوم، منظمة «ذا سنتري»، بعنوان: «أهم رجل مال في شرق ليبيا»، يكشف النقاب عن الدور المحوري لجاد الله، بوصفه الواجهة المالية الرئيسية لآل حفتر، وتحديدًا نجل المشير، صدام. 

تعمل «ذا سنتري» في مجال التحقيقات والسياسات الساعية إلى تعطيل الشبكات متعددة الجنسيات التي تستفيد من الصراع والقمع والفساد.

عبر شبكة عابرة للحدود تمتد بين بنغازي ودبي وتورنتو، نجح جاد الله في تحويل مؤسسات الدولة الليبية إلى صراف آلي لتمويل الحروب، وغسل الأموال، والالتفاف على حظر الأسلحة الدولي لشن حرب على عاصمة البلاد، وتوفير السلاح لقوات الدعم السريع في الحرب السودانية الحالية.

هندسة القرض الدوار: كيف دفع الليبيون ثمن الحرب عليهم؟

يكشف التحقيق عن هندسة مالية معقدة لتوجيه مبلغًا قدره 300 مليون دولار من الأموال العامة لتمويل نفقات الصراع، وتوفير السيولة اللازمة للهجوم على طرابلس في 2019. هذه العملية بدأت بسلسلة من التغييرات الهيكلية في المؤسسات المالية السيادية منذ عام 2018.

في قلبها كان محافظ مصرف ليبيا المركزي حينها، الصديق الكبير، الذي أعاد تشكيل مجلس إدارة المصرف الليبي الخارجي، وهو مصرف تابع للمصرف المركزي، بتعيين شخصيات موالية له، ما سمح بتمرير قرارات بعيدًا عن الرقابة.

 مهدت هذه الخطوة الطريق لتحويل مبالغ من النقد الأجنبي، على شكل ودائع سيادية، إلى المصرف العربي للاستثمار والتجارة الخارجية، المعروف بـ«المصرف»، في أبوظبي، وهو بنك يمتلك فيه «الليبي الخارجي» حصة كبيرة، ويترأسه فرحات بن قدارة، المستشار الاقتصادي لآل حفتر، والحاصل على الجنسية الإماراتية، والذي قام الكبير بترقيته لرئاسة البنك في الشهور السابقة على الهجوم على طرابلس.

هذا التحالف المصلحي بين الكبير وبن قدارة خلق منطقة رمادية، إذ استُخدمت الوديعة السيادية الليبية كضمان مكّنت ثلاث شركات، يملكها جاد الله، وتعمل كواجهات في دبي من الحصول على قروض ائتمانية فورية. بحسب التحقيق، سُحبت الأموال نقدًا أو حُوّلت عبر وسطاء لتغطية التكاليف اللوجستية للحرب، بما في ذلك سداد مستحقات مقاتلي مجموعة «فاجنر» الروسية.

ووفقًا لـ«ذا سنتري»، فإن هذا المخطط لم يكن ليتم لولا استراتيجية التحوط السياسي التي اتبعها الكبير تحسبًا لنصر محتمل في طرابلس، حيث قدم هذه التسهيلات كعملة مقايضة لتأمين نفوذه ومستقبله السياسي في حال تغيرت موازين القوى العسكرية. 

يصف التحقيق هذه الواقعة بأنها مثال يثبت أن خطوط الانقسام بين الشرق والغرب تتلاشى أمام مصالح الطبقة «الكليبتوقراطية» العابرة للحدود، التي تجيد استخدام الامتثال الصوري واللوائح البنكية الرسمية كغطاء قانوني لعمليات نهب ممنهجة، محولةً المؤسسات المالية الرسمية إلى أدوات لوجستية في يد أمراء الحرب ووكلاء المال مثل جاد الله.

اتضح التجاوز المحاسبي بعد فشل الهجوم عام 2020، إذ لم تسدد شركات جاد الله القروض المستحقة، وأغلق «المصرف» دفاتره لعام 2020 مسجلًا خسارة سنوية صافية قدرها 240 مليون دولار أمريكي، والتي عزاها بن قدارة إلى «مخصصات انخفاض القيمة» الناتجة عن جائحة «كوفيد».

وفي 2021، أرسل «الليبي الخارجي»، بصفته أحد كبار المساهمين في البنك، رسالة إلى بن قدارة يطلب فيها توضيحًا بشأن الخسائر الاستثنائية، في ظل مخاطر لجوء «المصرف» إلى تفعيل حقه في الضمانات المتمثلة في الودائع التي أودعت عام 2019 كرهون.

ولكن بدلًا من تثبيت الخسارة، واصل «المصرف» تصنيف القروض على أنها «متعثرة» وليست «غير قابلة للاسترداد». وحتى يناير 2025، لا تزال غالبية القروض، المدعومة بالودائع الحكومية الليبية، مستحقة السداد، ما يعني أن كلفة الهجوم الفاشل على العاصمة لا تزال في نهاية المطاف تقع على عاتق الليبيين.

 مقاصة بنغازي: كيف أدرج جاد الله بنوك شرق ليبيا ضمن شبكته؟

بعد 2020، لم يتراجع دور جاد الله بل تمدد ليصبح فعليًا المدير التنفيذي لاقتصاد شرق ليبيا تحت حماية صدام حفتر، الذي تعاظمت سيطرته على الجيش الوطني الليبي. اليوم، يسيطر جاد الله على قطاعات حيوية تشمل النفط وصناعة الإسمنت والشحن والطيران.

لكن النشاط الأكثر خطورة يتمثل في السيطرة على القطاع المصرفي في الشرق، وتحديدًا «مصرف التجارة والتنمية»، إلى جانب «الوحدة» و«التجاري الوطني»، والتي يدير من خلالها جاد الله منظومة واسعة للاعتمادات المستندية المشبوهة وغسيل الأموال. كما لعب دورًا كبيرًا في تداول الدنانير الليبية المطبوعة في روسيا، وهي أوراق نقدية مزورة، تقدر قيمتها بعشرة مليارات دينار ليبي فُرضت على المصرف المركزي، ساهمت في تآكل قيمة الدينار الليبي وضرب الاستقرار النقدي للبلاد.

خرق «الحظر الأممي»: مُسيّرات صينية بأوراق توريد «توربينات رياح»

تمدد دور جاد الله كذلك ليصبح المنسق اللوجستي الأبرز لصفقات السلاح العابرة للحدود، حيث يكشف التحقيق عن هندسة معقدة للالتفاف على الرقابة الدولية باستخدام شركات واجهة وتوصيفات مضللة للشحنات، بعضها مرتبط بتدفقات لتغذية حرب السودان ضمن خط إمداد أمنته القيادة العامة لصالح «الدعم السريع».

في 2023، اعترضت السلطات الإسبانية والفرنسية شحنات أسلحة غير مشروعة كانت موجهة إلى صدام حفتر، وضمت 44 طائرة مُسيّرة وكاميرات حرارية ومعدات عسكرية بقيمة 14 مليون يورو. وبرز اسم جاد الله في التحقيقات بوصفه حلقة وصل مالية ومنسقًا لوجستيًا، اضطلع بدور محوري في الالتفاف على أنظمة الرقابة الأوروبية.

وفي يونيو 2024، اعترضت السلطات الإيطالية في ميناء «جويا تاورو» شحنة من مُسيّرات قتالية صينية كبيرة كانت في طريقها إلى بنغازي. وقد تكفلت إحدى شركات جاد الله المسجلة في دبي بدفع تكاليف النقل البحري لهذه الشحنة التي وُصفت في أوراقها بأنها «توربينات رياح»، وذلك بتنسيق مباشر مع صدام حفتر. وكشف تحقيق أجرته السلطات الكندية قبل أسابيع أن الشحنة، التي غادرت الصين في مارس وأبريل 2024 نحو بنغازي جاءت ضمن ترتيب أوسع باعت فيه المؤسسة الوطنية للنفط، برئاسة بن قدارة، النفط الليبي بخصومات متعمدة لمشترٍ مرتبط بالدولة الصينية مقابل تدبير هذه المشتريات.

وبحسب «ذا سنتري»، أدى ذلك عمليًا إلى نقل للثروة من ليبيا إلى جهة مرتبطة بالدولة الصينية، وساهم في محاولة للالتفاف على حظر السلاح المفروض على ليبيا بقرار من مجلس الأمن الدولي.

وفي يوليو 2025، أبحرت سفينة حاويات مملوكة لجاد الله محملة بنحو 350 حاوية من الذخائر وما يقارب 200 مركبة كبيرة للاستخدام العسكري مصدرها الإمارات، متجهة إلى بنغازي. وكانت الشحنة في طريقها النهائي إلى «الدعم السريع» في السودان عبر شرق ليبيا، قبل أن تُعترض في أحد الموانئ اليونانية. وكشف تفتيش السفينة عن وجود معدات عسكرية، رغم أن بيان الشحنة أفاد بأنها تحمل مستحضرات تجميل وإلكترونيات متجهة إلى هولندا. ومع ذلك، أفرجت السلطات البحرية اليونانية والإيطالية عن السفينة من دون مصادرة آلاف الأطنان من العتاد ذي الاستخدام العسكري

حياة البذخ على أنقاض الدولة

وفي الوقت الذي يرزح فيه الليبيون تحت وطأة أزمات السيولة الخانقة وانهيار الخدمات، تبرز حياة البذخ الفاحش لجاد الله كشاهد على حجم النهب الممنهج. يمتلك الرجل إمبراطورية عقارية تشمل ثمانية عقارات في الإمارات، وشقة فاخرة في تورنتو بكندا بقيمة 3.7 مليون دولار، فضلًا عن تنقله بطائرات خاصة حاملًا جواز سفر «سانت كيتس».

يؤكد التحقيق أن مظاهر هذا الثراء، ومنها اقتناؤه لساعة «ريتشارد ميل» بنصف مليون دولار، هي نتاج مباشر لتحويل مقدرات الدولة إلى ثروات شخصية محمية بسلطة السلاح، وترسيخًا لحكم الكليبتوقراطية الذي نشأ إثر صفقات محاصصة واقتسام السلطة والموارد والإيرادات للدولة الليبية والذي بات محتكرًا بين عائلات تحكم وتسيطر على البلاد شرقًا وغربًا.

دعت منظمة «ذا سنتري» إلى ضرورة كسر حلقة الإفلات من العقاب عبر تحرك دولي منسق يفرض عقوبات فورية من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وكندا على جاد الله وشركاته، كما تشمل التوصيات ملاحقة وتجميد أصوله وعقاراته العابرة للقارات في دبي وتورنتو ولندن ومالطا، مع ضرورة تطهير المؤسسات المالية عبر الضغط لإقالة بن قدارة من رئاسة مجلس إدارة «المصرف» في أبوظبي لإنهاء تضارب المصالح. كما أوصت السلطات المحلية المتمثلة في مكتب النائب العام الليبي بمقاضاة جاد الله في تبديد الـ300 مليون دولار من أموال الدولة التي استُخدمت لتمويل الصراع المسلح.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن