«زمزم» يسقط في يد «الدعم السريع» بعد أيام من الهجمات المتواصلة على مخيمات شمال دارفور.. وعشرات الآلاف يفرون إلى الفاشر
«فصلوا الرجال عن النساء والأطفال. كان عددنا تقريبًا حوالي 26 شخصًا، الرجال كانوا 12. وُضع الرجال على ظهر عربة دفع رباعي واحدة. تم تقييدهم وضربهم بالسياط، وشُتمنا بالألفاظ النابية»، هكذا روت النازحة عائشة، وهي أم لطفلين، تفاصيل اللحظات التي سبقت اجتياح قوات الدعم السريع مخيم زمزم للاجئين، جنوبي الفاشر، أمس.
واستولت قوات الدعم السريع، بقيادة نائبها عبد الرحيم دقلو، صباح أمس، على مخيم زمزم، الذي يبلغ تعداد سكانه 750 ألفًا، بعد يومين من الهجمات المتواصلة. وأدى اقتحام المخيم إلى مقتل المئات، فيما دفع عشرات الآلاف من سكان المخيم إلى الفرار نحو الفاشر، بحسب شهادات لشهود عيان وناشطين محليين تحدثوا لـ«مدى مصر».
وبحسب عامل في مجال الإغاثة مطلع على الوضع في «زمزم»، فإن المخيم قد أُفرغ من ساكنيه تقريبًا، وفي تقدير وصفه بأنه «متحفظ»، قال إن ما يقرب من 80 ألف شخص نزحوا منه، مشيرًا إلى أن عدد سكان المخيم قد تراجع في الشهور الأخيرة بسبب قصف «الدعم السريع» المستمر.
ومع عدم قدرة بيوت الفاشر، والتي تبعد عن «زمزم» حوالي 15 كيلومتر، استيعاب موجة النزوح إليها، اضطر النازحون من المخيم إلى افتراش الأرض تحت ظلال الأشجار أو في هجير الشمس، في ظل انعدام مياه الشرب والطعام والدواء.
وقالت «الدعم السريع»، في بيان، أمس، إنها تمكنت من السيطرة على مخيم زمزم بشكل كامل من الجيش والقوة المشتركة، وأشارت إلى أنها نشرت وحدات عسكرية لتأمين المدنيين والعاملين في الحقل الطبي الإنساني.
تطورات الأمس؛ تمثل تغييرًا صادمًا وجذريًا في حصار دام ما يقرب من العام على المركز الوحيد المتبقي للجيش في دارفور «الفاشر» والقصف المستمر لمخيم زمزم الذي يسكنه النازحين من أماكن متفرقة في غرب السودان.
ومع توالي هزائم «الدعم السريع» على مدار عامي الحرب، وخسارتها الكثير من مناطق سيطرتها في وسط السودان وعاصمتها، عمل عبد الرحيم دقلو على إعادة تنظيم صفوفه في الشهور الأخيرة استعدادًا للهجوم على الفاشر، ما من شأنه أن يقدم لـ«الدعم السريع» موطئ قدم أكثر صلابة لاستكمال الحرب.
بعد استيلاء قواته على المخيم، ظهر دقلو في مقطعين مصورين داخل المخيم. في الأول كان في مركبة عسكرية، وفي الثاني، يخاطب النازحين مدعيًا تأمينهم وحمايتهم، ومنكرًا مسؤولية قواته عما حدث في المخيم من انتهاكات وتشريد عشرات الآلاف.
على مدار ثلاثة أيام منذ بدء عملية مخيم زمزم، والتي انتهت بالاستيلاء عليه، قُتل نحو 300 شخص، حسب تقدير المدير العام لوزارة الصحة بولاية شمال دارفور، إبراهيم خاطر، لـ«مدى مصر»، بينما أفاد مواطنون فارون من المخيم أن عدد الضحايا قد يكون بلغ نحو 500 شخص نتيجة القصف المدفعي لـ«الدعم السريع».
«لم يكن هناك وقت لدفن الجثث.. كفَّنا بعضها وتركناها أمام المنازل»، تقول عائشة التي فقدت زوجها ضمن الذين اقتادتهم «الدعم السريع» إلى جهة غير معلومة. كل النازحين الآخرين ممن فروا وصفوا لـ«مدى مصر» نفس المشهد: جثث ملقاة في الشوارع.
خرجت عائشة من «زمزم» في الساعة الرابعة من صباح أمس عبر واد محيط بالمخيم، «لكن حظنا السئ وضعنا في مواجهة الدعم السريع»، وتضيف أنهم أوقفوهم وحققوا معهم عمن يوجد بداخل المخيم ومن يحمل السلاح.
قيادة دقلو لعملية اجتياح «زمزم» كانت معلومة لدى النازحين. قالت متطوعة في المطابخ الخيرية في زمزم لـ«مدى مصر»: «كان الوقت مبكرًا عندما علمنا أن دقلو جاء بقوة خاصة إلى محيط المعسكر، وأن اللواء الفوتي، أحد قادة «الدعم السريع» في قطاع شمال دارفور، سيقود القوات. حتى ذلك الوقت لم نكن قد حسمنا أمرنا بالخروج. لكن مع أولى الطلقات التي انطلقت من سيارات «الدعم السريع»، اصطحبت أسرتي وجدي وخرجت بسرعة من المخيم. لا ماء، لا دواء.. الجثث كانت في الطرقات عندما غادرت».
بعد اجتياح قوات الدعم السريع للمخيم، أمس، قتلوا أفرادًا ممن لم يغادروا، واضرموا النيران في المنازل والمحلات، بحسب مصدر في حكومة دارفور. وأفاد مصدر طبي بمدينة الفاشر بوقوع حالات اعتقال تعسفي لاعتبارات إثنية، فضلًا عن تعرض نساء لانتهاكات جنسية لم تخلص بعد التقارير بخصوص طبيعتها ونوعها، بحسب المصدر.
«قال لنا الجنود وهم فرحون: «لقيتونا كيف؟» [أي ألا تروا أننا قد انتصرنا عليكم]»، يحكي عبد الرحمن موسى، مضيفًا أن رجال المخيم تعرضوا لإهانات عنصرية.
تعاني مرافق «زمزم» الصحية والتموينية منذ أيام على يد «الدعم السريع» بعد قيامهم بعمليات نهب ممنهجة لمخازن الغذاء والأدوية، بحسب نازح من المخيم إلى مدينة الفاشر.
وكانت «الدعم السريع» في اليوم الثاني لهجومها على المخيم، السبت، قتلت تسعة من الكوادر الطبية والمتطوعين في مستشفى منظمة ريليف انترناشونال.
وقال خاطر إن الوضع الصحي يشهد صعوبات كبيرة في ظل استمرار القصف المكثف وسط انعدام أبسط الأدوات الطبية من القطن والشاش، إلى جانب ندرة الوقود وارتفاع سعر القليل المتوافر منه، ونقص شديد في الأدوية المنقذة للحياة، بالإضافة إلى خروج معظم مستشفيات ولاية شمال دارفور عن الخدمة.
ويأتي اجتياح «زمزم» على الرغم من اتفاق مشترك بين حكومة إقليم دارفور ومكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية (أوتشا) من جهة، و«الدعم السريع» من جهة أخرى، على تسيير قافلة إنسانية، أمس، حسبما قال حاكم الإقليم مني أركو مناوي، اليوم، مضيفًا أن «الدعم السريع» استهدف المخيم في التوقيت الذي ينبغي أن تصل فيه تلك المساعدات.
بدون غذاء أو خدمات صحية، لجأ نازحو «زمزم» إلى تدبير أمورهم بأي طريقة.
«كنا بلا طعام أو شراب. اضطررنا إلى أكل أعلاف الحيوانات. نزحنا من الفاشر ومن ثم إلى أبو شوك، ومنه إلى زمزم، وها هو زمزم سقط. القوة المشتركة لم تنقذنا. ليس لنا إلا الله»، قال موسى.
لعب مقاتلو المقاومة في المخيم دورًا محوريًا في حمايته من اقتحامات «الدعم السريع» على مدار الأيام السابقة. ولكن، مع الساعات الأولى من فجر أمس، انسحب المقاتلون من مواقع تمركزهم التي أقاموها داخل المخيم مع بدء الهجوم، الجمعة الماضي، حسبما قال مصدر ميداني في المخيم، وهو ما عزاه لنقص الذخيرة ووقوع إصابات كبيرة وسط المواطنين مما شكل ضغطًا للمقاتلين لتقديم الرعاية لهم.
وفي إشارة واضحة على انهيار الأمن، حاول مناوي دعوة شباب إقليم دارفور، أمس، للتحرك فورًا لرفع الحصار عن الفاشر وأم كدادة.
واستمر كذلك قصف «الدعم السريع» لمعسكر أبو شوك، شمال الفاشر، أمس، ما أسفر عن مقتل 75 شخصًا وإصابة 200 آخرين، على مدار اليومين الماضيين، بحسب عضو اللجنة العليا لإدارة المخيم، سيف الدين ساجو.
قتل قصف «الدعم السريع» للمخيم، أمس، خمسة أشخاص وأصاب سبعة بجروح خطيرة، بحسب المتحدث باسم المنسقية العامة للنازحين و اللاجئين في دارفور، آدم رجال، في حديثه لـ«مدى مصر». في وقت لاحق من نفس اليوم، أثناء صلاة المغرب، استهدف المخيم مجددًا، وتحول «إلى ساحة مأساة»، ما أسفر عن مقتل عدد من أهالي المخيم وسط عجز تام عن إسعافهم في ظل انهيار النظام الصحي وغياب الخدمات الطبية.
قال ساجو إن الأوضاع الأمنية والإنسانية بأبو شوك في غاية السوء جّراء القصف المستمر، مطالبًا بتدخل عاجل لإنقاذ من المواطنين، لافتًا إلى أن «الدعم السريع» دمر المرافق الصحية وأكبر مصدرين للمياه داخل المخيم.
ودعا المنظمات الإنسانية الدولية والإقليمية ومجلس الأمن الدولي للتدخل العاجل، وإدخال المساعدات الإنسانية وفتح ممرات آمنة للمواطنين والنازحين الذين قال إنهم يموتون بسبب الجوع والعطش والقصف.
وقال النور إن «الدعم السريع» قتلت حوالي 450 شخصًا في قصفها لمخيمي زمزم وأبو شوك، بالإضافة إلى إصابة الآلاف، واتهم قوات الدعم السريع بمواصلة عمليات التطهير العرقي كما حدث في الجنينة بغرب دارفور في 2023.
ويرى النور أن «سقوط الفاشر يعني سقوط بقية كل مدن السودان الأخرى بالتتابع»، ورغم اعترافه بدور القوة المشتركة في تحرير عددًا من الولايات، طالب النور بالتحرك نحو دارفور بالتنسيق مع القوات النظامية.
وفي خضم ذلك، توقف إنزال الإغاثة عبر الإسقاط الجوي في الفاشر، وقال النور إن أهالي المدينة سمعوا أن الإسقاط الجوي لن يعود، رغم غيابه منذ عدة أيام، مؤكدًا أن الفاشر كانت تعتمد عليه. كما انتقد توقف هجمات الطيران الحربي على قوات الدعم السريع، متسائلًا عن مصير القوة التي حشدها الجيش في مدينة الدبة في الولاية الشمالية، والتي أعلن عنها منذ أكثر من شهرين على أنها ستنضم لمعركة الفاشر.
ودعا النور قيادة الجيش إلى التحرك بسرعة لإنقاذ حياة حوالي مليون ونصف المليون شخص في الفاشر، محذرًا من تكرار سيناريو ما حدث في الجنينة.
كان «الدعم السريع» قد قتل أكثر من 1500 شخص في الجنينة في موجة عنف على أساس عرقي في نوفمبر 2023.
وحمّل آدم «الدعم السريع» كامل المسؤولية عن الاستهداف المتكرر للمدنيين العزل، كما حمّل الجيش السوداني والقوة المشتركة المسؤولية الكاملة عن استغلال مخيمات النازحين وجعلهم المدنيين دروعًا بشرية، ودعاهم إلى العزوف عن التحرك أو التمركز قرب مخيمات النازحين.
أخبار ذات صلة
تفشي حمى الضنك في الخرطوم، ومصادر طبية: العاصمة لا تزال غير مهيأة | تفش كبير للحصبة وسط نازحي شمال دارفور | انشقاق قائد من «الدعم السريع» وانضمامه للجيش | الجيش يفشل هجومًا على الدلنج
تجد الخرطوم نفسها مجددًا في مواجهة تفشٍ لحمى الضنك
إضرابات في القطاع الصحي في نيالا | البرهان يلغي منصب نائب القائد العام ومساعده | رئيس الاستخبارات العسكرية السودانية يزور طرابلس | الجيش يبدأ عملية استعادة الكرمك بولاية النيل الأزرق
في نشرة السودان: شهد هذا الأسبوع سلسلة من الإعلانات التي استكملت ملامح القرار الصادر في 2 أبريل الجاري عن رئيس مجلس السيادة…
تراجع الإمدادات الإماراتية لـ«الدعم السريع» عبر ليبيا في ظل الضربات الإيرانية على الخليج | الجيش يستهدف إمدادات لـ«الدعم السريع» في شمال دارفور دخلت عبر تشاد | «الدعم السريع» والحركة الشعبية تواصلان الضغط في النيل الأزرق.. واستمرار القتال يُنذر بأزمة غذائية | «الدعم السريع» تتوغل في الدلنج والجيش يصد الهجوم | البرهان يجري تعديلات في هياكل قيادة الجيش.. والعطا رئيسًا للأركان
البرهان يجري تعديلات واسعة في هياكل قيادة الجيش.. والعطا رئيسًا للأركان
«الدعم السريع» تستولي على الكرمك في النيل الأزرق | مقتل نحو 100 مدني في دارفور في هجمات نُسبت إلى الجيش | الحرب على إيران تضاعف أزمة الأدوية في السودان
بينما كان قائدا طرفي الصراع في السودان يوجّهان تهاني مسجلة بمناسبة عيد الفطر إلى المواطنين، واصلت قواتهما وطائراتهما المُسيّرة العمليات العسكرية، مخلفة…
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن