«النواب» يوافق مجددًا على «الإجراءات الجنائية» متجاهلًا الاعتراضات وشبهات مخالفة الدستور
وافق مجلس النواب، اليوم، نهائيًا، على قانون الإجراءات الجنائية، في جلسة عامة لم تُنه الاعتراضات التي يواجهها مشروع القانون منذ بدء إعداده وحتى إقراره برلمانيًا في أبريل الماضي، قبل أن يعيده رئيس الجمهورية إلى المجلس، منذ نحو أسبوعين، طالبًا إعادة النظر في ثماني مواد بشكل رئيسي «لتحقيق التوازن بين مقتضيات العدالة وضمان الحقوق الدستورية».
وشهدت جلسة اليوم، مناقشة تقرير اللجنة الخاصة التي سبق وشكلها المجلس لإعادة دراسة المواد محل اعتراضات الرئيس، والتي انصب أغلبها على ضرورة إضفاء مزيد من الضمانات المقررة لحماية الحقوق والحريات العامة، بحسب وكيل مجلس النواب، المستشار أحمد سعد الدين.
ووافق المجلس على الثماني مواد التي أعاد الرئيس المشروع لـ«النواب» بسببها، بعد إدخال تعديلات على كل منها، دون أن ينهي هذا الاعتراضات النيابية التي انصبت على المادتين 48 و105، ودون أن تنهي موافقته على القانون مجددًا، الانتقادات الحقوقية لمواده، والإصرار على الإسراع في تمريره، دون داعي حقيقي، رغم ما به من مشكلات، بحسب مصادر تحدثت لـ«مدى مصر».
المادة 48 التي وافق عليها «النواب» تنص على أن «لرجال السلطة العامة دخول المنازل وغيرها من المحال المسكونة في حالات الاستغاثة والخطر، الناجم عن الحريق أو الغرق وما شابه ذلك»، فيما رفض رئيس المجلس، حنفي جبالي، مطالبة نائبة الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، سناء السعيد، بحذف عبارة «ما شابه ذلك»، بعدما رأى أن اقتراحها يلغي ضمانة دستورية، موضحًا عدم دستورية الحصر.
بينما تنص المادة 58 من الدستور على أن «للمنازل حرمة، وفي ما عدا حالات الخطر أو الاستغاثة، لا يجوز دخولها، ولا تفتيشها، ولا مراقبتها أو التنصت عليها إلا بأمر قضائى مسبب، يحدد المكان، والتوقيت، والغرض منه، وذلك كله فى الأحوال المبينة فى القانون، وبالكيفية التي ينص عليها، ويجب تنبيه من في المنازل عند دخولها أو تفتيشها، وإطلاعهم على الأمر الصادر في هذا الشأن».
الخلاف الأكبر خلال الجلسة دار حول المادة 105 من مشروع القانون، التي تتيح لعضو النيابة التحقيق مع المتهم دون محامٍ في الحالات التي يُخشى فيها فوات الوقت، وهي المادة التي اعترض نواب المعارضة ونقيب المحامين على نصها، مشيرين إلى مخالفتها للدستور، وطالب النائب ضياء الدين داود، رئيس المجلس، الرئيس السابق للمحكمة الدستورية، بالنزول عن المنصة وعرض رأيه الدستوري في شأن تعديل المادة، بينما شملت الاعتراضات على المادة انسحاب نواب الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي من الجلسة.
وتنص المادة 54 من الدستور على أن «لا يبدأ التحقيق معه (كل من تقيد حريته) إلا فى حضور محاميه، فإن لم يكن له محام، نُدب له محام»، وهي المادة التي اعتبر المعترضون أن المادة 105 تخالفها. في المقابل، استكمل وزير الشؤون النيابية، محمود فوزي، دفاعه عن القانون، معتبرًا أن «هذه المادة ليست جوهر القانون، القانون تجاوز 540 مادة، كل سطر فيه فكر وضمانات وحقوق وحريات، هل يمكن اختزال القانون في هذه المادة مهما كانت مهمة؟».
ووافقت الحكومة على مقترح من النائب في حزب الأغلبية، عاطف ناصر، بتعديل في المادة يجيز «لعضو النيابة العامة في الأحوال التي يخشى فيها فوات الوقت متى كان لازمًا في كشف الحقيقة، الانتقال لاستجواب المتهم الذي يخشى على حياته، وذلك بعدما يطلب من نقابة المحامين الفرعية ندب أحد المحامين لحضور التحقيق على وجه السرعة بالطريقة التي يتفق عليها بين النيابة العامة والنقابة العامة للمحامين، فإذا لم يحضر المحامي في الموعد المحدد يتم استجواب المتهم، ويحق للمحامي الموكل أو المنتدب حضور جلسة التحقيق إذا حضر قبل انتهائها والاطلاع على ما تم من إجراءات التحقيق في غيبته».
«البرلمان ما عملش حاجة في رأيي»، واكتفى بالالتفاف حول الاعتراضات دون الاستجابة لها، حسبما قال المحامي أحمد راغب لـ«مدى مصر»، معتبرًا أن مجلس النواب صمم على الانتهاء من مشروع القانون، وتجاهل جميع الاعتراضات والاختلافات حتى داخل اللجنة الخاصة التي ناقشت اعتراضات الرئيس، مضيفًا «لنا الله بقى».
بالنسبة لمدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، حسام بهجت، فإن مجلس النواب أضاع فرصة تاريخية لتحقيق نجاح غير مسبوق في إصدار قانون للإجراءات الجنائية يتماشى مع وعود التوجهات الإصلاحية، عوضًا عن إصدار قانون تعرض لانتقادات عديدة على المستويين الوطني والدولي.
بهجت أضاف أن المجلس كان يمكن أن يحقق نصرًا تشريعيًا، كان سيسهم في كل الأحوال في تحقيق مكسب سياسي مهم للنظام، ولكن للأسف فإن الصراعات الداخلية والخلاف على الأدوار نالا من هذه الفرصة، بل وهدماها.
وفيما أضاف بهجت أن الجهات الأمنية تسمح لنفسها بمساحة حركة واسعة في تطبيقها لقانون الإجراءات الجنائية الحالي، المستقر العمل به من 75 عامًا، قال إن «المبادرة» توثق بصورة دائمة أشكالًا مختلفة من تجاوزات لنصوص هذا القانون، ما يعني ببساطة أنه لا يعيق عمل الأجهزة الأمنية، وبالتالي لا حاجة للتسرع في إصدار قانون يخلو من المضمون الإصلاحي، بل ويسير في اتجاه معاكس لفكرة الإصلاحات الحقوقية ذاتها.
من جانبه، وخلال جلسة اليوم، اعتبر نقيب المحامين، عبد الحليم علّام، أن المادة 105 ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالمادة 54 من الدستور، مشددًا على أنها تخالف ما جاء في مذكرة الرئيس بشأن زيادة الضمانات وضبط النصوص، ومؤكدًا على رفضه إدخال أي استثناء يسمح باستجواب متهم دون وجود محاميه، فيما لفت إلى أن الخوف من ضياع الوقت عالجه القانون في المادة 64، التي تتيح لمأمور الضبط القضائي استجواب المتهم قبل حضور محاميه.
كان اعتراض الرئيس على القانون استند إلى عدم توافق المادة 105 مع 64، وعدم منحها النيابة العامة الحق في بعض الحالات المقررة لمأموري الضبط القضائي، ما كان يستدعي، بحسب معارضي المادة، تعديل المادة 64 بحذف الاستثناء، وليس توسيعه بالسماح للنيابة بالتحقيق قبل وصول محامٍ، بالمخالفة للدستور.
مصدر مستقل ومقرب من النقاشات حول القانون منذ بدء العمل عليه، قال لـ«مدى مصر» إن المشروع كان مدفوعًا باتجاهات مختلفة داخل الدولة، موضحًا أن القانون بالصورة التي خرج بها من البرلمان في أبريل الماضي، مثّل اتجاهًا يعود إلى 2017، الفترة التي شهدت مستويات لافتة من التضييقات الأمنية، والذي جاء في مقابل اتجاه آخر رأى في القانون فرصة لتمرير بعض الإصلاحات، ما ظهر في إطار الحوار الوطني، ومحاولات الدفع لتعديل مواد الحبس الاحتياطي، والعفو عن عدد من النشطاء والسياسيين المعارضين، وإطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان.
عضو في المجلس القومي لحقوق الإنسان أوضح لـ«مدى مصر» أن الجهات الأمنية، خاصة وزارة الداخلية، كانت حريصة على أن يخرج القانون في ضوء التوجه الأول رغم التحفظات عليه، وذلك لرصدهم حالات احتقان بسبب الظروف الاقتصادية، رُفعت بشأنها تقارير للجهات الأعلى، ما جعل القانون بصيغته التي أقرها «النواب»، وما بها من صلاحيات موسعة لجهات إنفاذ القانون، مناسبًا لتلك الجهات، على عكس أجهزة سيادية رأت في الصياغة المتشددة إضرارًا بصالح النظام الذي كان يروّج لمنظومة إصلاح حقوقية.
عندما أعلن رئيس «النواب» تكليف لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية، باستمرار العمل على صياغة مسودة القانون خلال العطلة الصيفية للبرلمان في 2024، عاد التوتر بين جهتين في السلطة التنفيذية، تريد إحداهما قانونًا بلا قيود على جهات إنفاذ القانون، وترغب الأخرى في قانون يوازن بين الصلاحيات وصورة النظام الساعي للإصلاح، وذلك قبل أن تثير المسودة عند الانتهاء منها اعتراضات واسعة، بعضها من نقابة المحامين والصحفيين ونادي القضاة، دار معظمها حول عدم دستورية بعض مواد القانون، وعدم حله لبعض الإشكاليات الأساسية مثل أزمة الحبس الاحتياطي.
وخالفت المواد التي انتهت لها مسودة «النواب»، توصيات «الحوار الوطني»، خصوصًا حول الحبس الاحتياطي، والتي تم رفعها للرئيس آنذاك، حسبمّا ذكّرنا المصدر نفسه، وهي التوصيات التي نشرتها لجنة حقوق الإنسان والحريات العامة في الحوار الوطني، لتوضيح موقفهم، وإن انتهى الأمر بإصدار «النواب» القانون خاليًا من تلك التوصيات، بعد تباطؤ تزامن مع الاستعراض الدوري لملف مصر في مجلس حقوق الإنسان، والذي كان القانون جزءًا أساسيًا منه.
بعد أشهر من تمرير القانون، أصدر رئيس الجمهورية بيانًا، في 21 سبتمبر الماضي، يعلن فيه إعادة القانون للبرلمان، مشيرًا الى عدم تماهي نصوصه مع الدستور.
بحسب المصدر السابق، بدا تأثير وزير العدل السابق، ورئيس مكتب رئيس الجمهورية، عمر مروان، واضحًا في صياغة البيان الرئاسي، في حين لفت إلى ما وصفه بمحاولة أخيرة لتحجيم التعديلات على القانون، تمثلت في الترويج لفكرة أن تقتصر التعديلات على المواد الثماني التي أشار إليها الرئيس في بيانه، والتي قال إن تحديدها كان على سبيل الأمثلة لا الحصر.
كان خطاب رئيس الجمهورية تضمن رفضه المادة 112، لإجازتها احتجاز متهمين في جرائم معينة دون تحديد مدة قصوى ودون اشتراط أمر قضائي مسبب، والمادة 114 لاقتصارها على ثلاثة بدائل فقط للحبس الاحتياطي، بينما اقترحت الرئاسة استحداث بدائل إضافية تتيح مرونة أكبر لجهات التحقيق، وكذلك المادة 123، لاعتراض الرئاسة على قصر عرض أوراق المتهم على النائب العام لمرة واحدة فقط في أثناء الحبس الاحتياطي، بدلًا من العرض الدوري كل ثلاثة أشهر.
ومع ذلك، سبق مناقشة النواب لاعتراضات الرئيس، توقع عضو «القومي لحقوق الإنسان»، محدودية التعديلات التي سيتم إدخالها على المشروع، والحفاظ على المخرجات السابقة من مجلس النواب، الذي ذكّر المصدر أن رئيسه هو رئيس سابق للمحكمة الدستورية العليا، وبالتأكيد لا يفضل أن تكون الصورة هي إعادة القانون له مجددًا بعد تمريره.
راغب، أحد المحامين الذين فندوا المخالفات في مشروع القانون، منذ إعداده، قال إنه في رأيه مخالف للدستور والأعراف القانونية، وأبرز مشكلاته في فلسفته التي يمكن وصفها بـ«المشوهة»، كونها ضد ضمانات المحاكمة العادلة.
وبجانب إشارته إلى الاعتراضات التي واجهها المشروع حتى داخل مجلس النواب، لفت راغب إلى تجاهل مشروع القانون توصيات الحوار الوطني التي تم التوافق عليها، بشأن الحبس الاحتياطي أو المنع من السفر، وهما الإجراءان اللذان رأى حقوقيون أن القانون كان يجب أن يشمل بدائل لهما.
كما رأى راغب أن سبب الاستعجال لإصدار القانون لم يعد موجودًا، بعدما تم تعديله ليصدر بعد سنة، ما قال إنه كان يسمح بأن يناقشه مجلس النواب المقبل، الذي تبدأ انتخاباته بعد شهر، بدلًا من أن يصدر المجلس الحالي في نهاية دورته الأخيرة، «قانون هيبقى لغم في الحياة القانونية والسياسية».
ولفت راغب إلى أن الاعتراضات التي شهدها القانون منذ بدء إعداده، من جهات مختلفة ولأسباب متباينة، وصولًا إلى اعتراض رئيس الجمهورية على بعض مواده، كانت تستدعي أن يكتفي المجلس الحالي باجتهاده في القانون، ويتركه للبرلمان القادم لمناقشته، لافتًا إلى أن من حق مجلس النواب المقبل مراجعة القانون أو تعديله أو إعادة مناقشته.
بدوره، لم ير بهجت ضرورة في أن يتسرع المجلس المقتربة ولايته من الانتهاء في إصدار قانون معدل بصورة متعجلة، تخلو من القيمة الجوهرية، معتبرًا أنه كان من الأصوب أن يترك الأمر للبرلمان المقبل، ليتم التعامل مع القانون بصورة شاملة تضمن خروجه بصورة تتماشى مع الوعود الإصلاحية التي تقدمت بها الدولة وتعهدت بها في سياقات وطنية ودولية.
كانت مواد الإصدار التي وافق عليها المجلس تضمنت بدء العمل بالقانون في الأول من أكتوبر التالي لتاريخ نشره، تلبية للحكومة، بعدما طالب وزير العدل، عدنان فنجري، بتأجيل تطبيق القانون لحين التأكد من جاهزية المحاكم التى تحتاج إلى رفع كفاءة، ولتجهيز البنية التحتية المعلوماتية، وتمكين القائمين على تطبيق القانون من تلقي التدريب اللازم، وهو التأخير الذي مثل استجابة لأحد أسباب مطالبة الرئيس بإعادة النظر في القانون، بعدما كان ينص على بدء العمل به بمجرد صدوره.
تمرير النواب للقانون، اليوم، يسبق زيارة متوقعة من السيسي إلى بروكسل، لترؤس أول قمة مشتركة بين مصر والاتحاد الأوروبي، بمناسبة مرور عشرين عامًا على تطبيق اتفاقية الشراكة بينهما، والتي ستشهد مراسم توقيع رسمي على قرض الأربعة مليارات يورو، الذي يمثل تطورًا بارزًا في العلاقات بين مصر والاتحاد الأوروبي، ودعم سياسي واضح من الأخير.
أخبار ذات صلة
«حماية المنافسة» في «النواب».. احتفاء بـ«الاستقلالية» بعد إضعاف معايير «السيطرة» و«الردع»
في مقابل زيادة الحدود الدنيا للدخول تحت الرقابة، خفض مجلسا الشيوخ والنواب تباعًا من الجزاءات
محامٍ: إدراج الممتنعين عن النفقة على «قوائم المنع» لا يعالج الأزمة الأكبر.. ورئيسة «المرأة الجديدة»: القرار يثير أسئلة حول تأخر «الأحوال الشخصية»
اعتبرت رئيسة مجلس أمناء مؤسسة المرأة الجديدة، نيفين عبيد، أن توقيت صدور قرار إدراج الممتنعين عن سداد النفقة على قوائم المنع من…
«أحوال شخصية» بتوجيهات رئاسية
مصرع 7 فتيات في حريق بمصنع أحذية في الزواية الحمراء
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن