مع بداية العدوان الإسرائيلي على لبنان مطلع الشهر الجاري نزحت الحاجة فتحية صرصور برفقة أسرتها من داخل مخيم الرشيدية للاجئين الفلسطينيين الواقع في مدينة صور في جنوب لبنان، تنقلت في رحلتها بين بيروت ومخيم نهر البارد في شمال لبنان ظننًا منها أنهما أكثر أمانًا ولكن الظروف الصعبة التي مرت بها كنازحة جعلتها تعود قبل أسبوعين لمواجهة مصيرها في «الرشيدية» لتفاجأ اليوم بأمر إسرائيلي لكل سكان المخيم بالإخلاء الفوري.
«ما إلنا حد في لبنان، وين في مكان يحتوينا غير بيتنا إلي إسرائيل بتهددنا فيه وين ما كنا؟»، تقول فتحية لـ«مدى مصر» وسط حيرتها في اتخاذ قرار من اثنين، كلاهما أصعب من الآخر، إما البقاء في الرشيدية أو إعادة تجربة النزوح شمالًا.
استيقظ سكان مخيم الرشيدية وتسعة قرى أخرى، اليوم، على أمر إسرائيلي نشره متحدث جيش الاحتلال الناطق بالعربية، أفيخاي أدرعي، يطالب فيه سكان المناطق المحددة بالإخلاء الفوري والانتقال إلى شمال نهر الأولي، زاعمًا أن المناطق المذكورة يوجد بها نشاط لحزب الله.
عقب الأوامر الإسرائيلية بالإخلاء شهد مخيم الرشيدية، الذي يعد من أكبر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنوب لبنان، حركة نزوح كبيرة، حسبما قالت الوكالة الوطنية للإعلام، فيما قصف الطيران الإسرائيلي بعد ساعات من البيان القرى الأخرى، ما أسفر عن مقتل خمسة لبنانيين في قرية أرزي، بحسب الوكالة الوطنية.
من جانبهم، أكد لاجئون فلسطينيين مقيمين في الرشيدية لـ«مدى مصر» أن الجيش الإسرائيلي حاول أكثر من مرة تهديد سكان المخيم بشكل غير مباشر عبر القصف ووقف أعمال الصيد التي يعتاش عليها آلاف الأسر من سكان المخيم قبل أن يأمر بالإخلاء بشكل فوري اليوم.
وقبل نحو خمسة أيام استهدف جيش الاحتلال الإسرائيلي شاطئ البحر قبالة مقبرة المخيم بصاروخ، دون وقوع إصابات ولكنها أسفرت عن تضرر المنازل القريبة.
واستقبل المخيم منذ بدء العدوان وتركيزه على قرى ومدن جنوب لبنان مئات العائلات النازحة من أكثر من منطقة في الجنوب ما حوله إلى مأوى كبير للنازحين اللبنانيين وسط رفض الكثير من الأسر التوجه ناحية بيروت العاصمة ومدن الشمال، إثر عدم توفر خيارات ممكنة أمامهم في ظل حالة الاكتظاظ الكبيرة في مراكز الإيواء.
تضم لبنان 12 مخيمًا فلسطينيًا تضم نحو 174 ألف لاجئ فلسطيني، أكبرها مخيم عين الحلوة الذي يضم نحو 50 ألف لاجئ ويقع في جنوب مدينة صيدا، أما مخيم الرشيدية الواقع على ساحل مدينة صور يضم كثر من 36 ألفًا و595 لاجئًا، ويحتوى على أربعة مدارس، بما فيها مدرسة ثانوية واحدة، ومركز صحي واحد، بحسب بيانات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا».
الحاجة فتحية صرصور، التي تحدثت إلى «مدى مصر» سكنت الرشيدية قبل عشر سنوات قادمة من مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين في سوريا، الذي تركته واستقرت في لبنان إثر الحرب الداخلية في سوريا آنذاك بحثًا عن الأمان.
تعقب صرصور على أمر الإخلاء الإسرائيلي الذي تسبب في جعلها تبحث عن الأمان مرة أخرى، «الاحتلال بدو يرمينا في الضياع، طلعنا لأسبوع برا البيت وشفنا الويل، تشحططنا عند العالم [الأهالي]»، مضيفة: «لم يعد لدينا قدرة، وليس لدينا نفس للنزوح من مكان لمكان».
ويواجه معظم سكان المخيم من العائلات الفلسطينية صعوبة في ترك المخيم، بحسب صرصور، مُشيرة إلى أن معظمهم ليس لديهم معارف وأقارب خارج المخيم، وهو الأمر الذي «يصعب على العائلات اتخاذ قرار النزوح».
وتوقفت الحياة قبل قرار الإخلاء، اليوم، نتيجة العدوان الإسرائيلي المستمر منذ نحو شهر، مما جعل نحو 15 ألف من أصل 25 ألف لاجئ فلسطيني مقيمين في مخيم الرشيدية في ظروف معيشية صعبة، بحسب تصريحات سابقة لمسؤول اللجنة الشعبية في مخيم الرشيدية، إبراهيم أبو الدهب لبوابة «اللاجئين الفلسطينيين».
وأوضح أبو الدهب أن الأسرة الباقية في المخيم، رغم أوامر الإخلاء لم تجد أماكن آمنة تنزح إليها وسط انقطاع المواصلات وصعوبة التنقل وامتلاء مراكز الإيواء وشح الإمكانيات واللوازم اللوجستية، إضافة إلى تردي الأوضاع المادية، مما يصعّب عملية النزوح.
وأوقفت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» أعمالها الإغاثية في المخيم، ما نتج عنه توقف محطات ضخ المياه، وانقطاع الكهرباء لفترات طويلة، ونقص في المواد الغذائية كاللحوم والدجاج.
وتخضع المخيمات الفلسطينية في لبنان إلى تأمين من قبل الأجهزة الأمنية التابعة لحركة فتح بالتنسيق مع الجيش اللبناني. وبدوره، قال قائد قوات الأمن الوطني الفلسطيني في صور، اللواء توفيق عبد الله، لـ «مدى مصر» إن عشرات العائلات خاصة التي تضم مرضى وكبار سن وأطفالًا نزحت من المخيم خشية القصف، مضيفًا أن «القسم الأكبر من الأهالي ما زالوا صامدين في المخيم».
ومن جانبه، قال رئيس الأمن الوطني الفلسطيني في لبنان اللواء صبحي أبو عرب لـ«مدى مصر»، إن لا خيار أمام أهالي الرشيدية غير الصمود، متسائلًا: «إلى أين يتجهون؟ كل المناطق الجنوبية واللبنانية غير آمنة، هل يتجهون إلى بيروت وليس بإمكانهم استئجار سيارات، فكيف بمصاريف الطعام وإيجارات المنازل المرتفعة التي وصلت إلى أكثر من 1200 دولار مقابل شقة لا تتسع سوى لعائلة مؤلفة من خمسة أفراد».
«ليس غريبًا أن تعتدي إسرائيل على مخيم الرشيدية»، هكذا عقب أبو عرب على الأمر الإسرائيلي، ولكنه شدد على أن «أهلنا سيبقون في المخيم، التحذيرات الإسرائيلية، لن تنفع معنا».
وضع مشابه جرى في المناطق الأخرى خارج مخيم الرشيدية والتي شملها أمر الإخلاء الإسرائيلي وهي قرى: الحوش، البازورية، البرغلية، بستيات، الحميري، ارزي، مطرية الشومر، الخرايب، أنصار، حيث شهدت خروج موجات نزوح، وقصف من قبل الطيران الإسرائيلي، خاصة على قرية أرزي التي قُتل فيها خمسة مدنيين.
«العدو مجرم ويرتكب مجازر بحق الإنسانية جمعاء ولم يعد هناك مكانًا آمنًا في الجنوب» لهذه الأسباب طلب رئيس بلدية قرية «أنصار»، عبد المنعم عاصي، من الأهالي مغادرة القرية، خاصة بعد ارتكاب الجيش الإسرائيلي مجزرتين في «أنصار» خلال العدوان الجاري، بحسب عاصي.
ولفت رئيس البلدية مغادرة معظم سكان القرية ومن تبقى منهم يحاول جمع ما يمكن حمله في رحلة النزوح إلى بيروت، مُشيرًا إلى وجود استغلال من قبل سائقي السيارات بعد أن بلغت تكلفة تأجير سيارة من أنصار إلى بيروت نحو خمسة ملايين ليرة لبنانية ما يعادل نحو 60 دولارًا.
وألقى عاصي بدوره باللوم على الحكومة اللبنانية مطالبها بالتصدي لهذا الاستغلال، خاصة في ظل معاناة الأهالي من ظروف قاسية منذ بدء الحرب، إثر توقف أعمالهم وأشغالهم.
وحاول بعض سكان «أنصار» جمع الزيتون من مزارعهم في القرية في محاولة لبيعها والاستفادة من العائد المادي في ظل فقدان كل مصادر الرزق ولكن تم استهدافهم من قبل الطيران الإسرائيلي وقتل شخص وأصاب سبعة آخرين، خلال الأسابيع الماضية بحسب رئيس القرية.
وناشد العاصي مؤسسات المجتمع الدولي والأمم المتحدة لوضع حد للعدوان الإسرائيلي، و«إيقاف إسرائيل عند حدودها»، مؤكدًا: «العدو لا يفهم غير لغة القوة».
أخبار ذات صلة
تأخَّر من أجل مكالمة هاتفية لم تحدث.. واشنطن تُعلن وقف إطلاق النار في لبنان
أُعلن وقف إطلاق النار، مساء أمس، دون أن يتم الاتصال بين عون ونتنياهو
ضمن محاولاتها لإفشال محادثات إسلام آباد: إسرائيل تطوق «بنت جبيل»
تحمل «بنت جبيل» أهمية رمزية واستراتيجية وتاريخية لجيش الاحتلال الذي فشل منذ 2006 في السيطرة عليها
إصرار إيراني على وقف إطلاق نار في لبنان يختبر موازين القوى الإقليمية
بالنسبة لطهران، يُعد وقف إطلاق النار في لبنان جزءًا من اتفاقها مع الولايات المتحدة
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن