إصرار إيراني على وقف إطلاق نار في لبنان يختبر موازين القوى الإقليمية
بعد تنفيذ جيشه، الأربعاء الماضي، أعنف الضربات على لبنان منذ سنوات، اعتلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المنصة مخاطبًا شعبه، مؤكدًا أن تل أبيب والولايات المتحدة تتحركان بخطى متناغمة، قائلًا: «الليلة، دخل حيز التنفيذ وقف إطلاق نار مؤقت لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران، بتنسيق كامل مع إسرائيل. كلّا، لم يفاجئونا في اللحظة الأخيرة».
جاءت هذه الثقة التي أراد رئيس الوزراء رسمها أمام جمهوره ردًا على تقارير إعلامية أمريكية أفادت بأن المسؤولين الإسرائيليين كانوا «غير راضين» عن تأخر إبلاغهم باتفاق وقف إطلاق النار.
ولتعزيز صورة وحدة الرؤية، شدد نتنياهو على أن وقف إطلاق النار مع إيران لن يشمل حزب الله.
لكن بالنسبة لطهران، يُعد وقف إطلاق النار في لبنان جزءًا من اتفاقها مع الولايات المتحدة. ومع استمرار سيطرتها على مضيق هرمز، تمتلك إيران أوراق الضغط الأقوى في هذه المفاوضات.
وفي مؤشر واضح على ذلك، لم تمضِ 24 ساعة على تصريحاته حتى اضطر نتنياهو إلى التراجع عن موقفه، داعيًا إلى إجراء محادثات مباشرة مع الحكومة اللبنانية بشأن نزع سلاح حزب الله وتنظيم علاقات سلام بين إسرائيل ولبنان.
وبحسب مصدرين مطلعين على المحادثات بين العواصم الإقليمية وواشنطن وتل أبيب، أحدهما دبلوماسي والآخر مسؤول عربي سابق، تعرض نتنياهو لضغوط لتعليق أي عمليات كبرى في لبنان خلال الأسبوعين المقبلين.
وفي موازاة ذلك، تسعى فرنسا، إلى جانب الحكومة اللبنانية، إلى فصل مسار وقف إطلاق النار في لبنان عن مفاوضات إيران والولايات المتحدة، وتحويله إلى مسار مستقل. وأكد المصدران أن المبادرة الفرنسية تُطرح بصيغة «نزع سلاح تدريجي»، غير أن المسؤول العربي السابق استبعد فرص نجاحها.
اليوم، يقول مصدران مقربان من حزب الله ودبلوماسيون إقليميون تحدثوا لـ«مدى مصر»، إن إيران، ومن ورائها حزب الله، تمسك بزمام الأمور، بينما يبقى مدى قدرتها على الصمود في موقع القوة هذا اختبارًا حاسمًا لجدوى خطة الولايات المتحدة وإسرائيل الممتدة لسنوات لتشكيل «شرق أوسط جديد».
لم تمضِ ساعات على خطاب نتنياهو، مساء الأربعاء الماضي، حتى بدأت الشقوق في صورة وحدة الرؤية التي حاول رسمها تتسع، لتتمزق الواجهة.
ففي بودابست، حيث التقى برئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، دعمًا لحملة القومي اليميني الانتخابية المقبلة، قال نائب الرئيس الأمريكي، جي دي فانس، للصحفيين إن «الإسرائيليون، بحسب ما أفهم.. عرضوا فعليًا -صراحةً- أن يخففوا من تحركاتهم قليلًا في لبنان، لأنهم يريدون التأكد من نجاح مفاوضاتنا».

كما دفع خطاب نتنياهو إلى اتصال هاتفي تلقاه من الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الذي سبق أن وصفه مسؤولون لـ«مدى مصر» بأنه «متحرّق» للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار. وخلال الاتصال، طلب ترامب من نتنياهو تقليص الضربات في لبنان لضمان إنجاح المفاوضات مع إيران، بحسب ما نقلته شبكة «إن بي سي نيوز» عن مسؤول رفيع في الإدارة الأمريكية.
وأكد ترامب ذلك بنفسه في خطاب ألقاه مساء أمس، قائلًا: «تكلمت مع بيبي، سيقوم بتهدئة الأمور. أعتقد أننا نحتاج إلى تهدئة الأمور»، مضيفًا أن «نتنياهو سيكون على ما يرام. سيقوم بتهدئة الأمور قليلًا. لديه مشكلة مع حزب الله. سيقوم بتهدئة الأمور لكن كل شيء سيكون على ما يرام».
ومنذ أن اتفقت إيران والولايات المتحدة على وقف لإطلاق النار، لتمهيد الطريق أمام مفاوضات في إسلام آباد من المقرر أن تبدأ اليوم، شدد المسؤولون الإيرانيون على أن هذا الوقف يشمل لبنان.
رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، كتب على «إكس»، مساء الأربعاء الماضي، أن الغارات الإسرائيلية الـ100 التي ضربت أنحاء لبنان، وأسفرت عن مقتل أكثر من 300 شخص وإصابة أكثر من 1100، تمثّل «عدم امتثال للبند الأول من المقترح ذي النقاط العشر بشأن وقف إطلاق النار في لبنان».
كما علّق وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، قائلًا: «إذا أرادت الولايات المتحدة تقويض اقتصادها بالسماح لنتنياهو بقتل الدبلوماسية، فسيكون ذلك خيارها في نهاية المطاف. نرى أن ذلك سيكون تصرفًا غبيًا، لكننا مستعدون له».
وفي حين تؤكد الولايات المتحدة وإسرائيل أن وقف إطلاق النار في لبنان ليس ضمن إطار الاتفاق، تصر إيران والوسيط الرئيسي في باكستان منذ البداية على أنه جزء منه.
ومع صمودها أمام 40 يومًا من الهجمات المتواصلة من الولايات المتحدة، تبدو إيران أكثر قدرة على ليّ ذراع المفاوضات لصالحها، إذ ألحقت ضررًا مكافئًا وموجعًا بالاقتصاد العالمي عبر خنق حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز عالميًا.
وبينما أصرّت إيران على إدراج وقف إطلاق النار في لبنان ضمن اتفاقها مع الولايات المتحدة، حاولت أطراف أخرى فصل الحرب الإسرائيلية على لبنان في مسار مستقل.
ويمثّل ذلك جوهر مبادرة تقودها فرنسا، بحسب دبلوماسي إقليمي يشارك في محادثات مع أطراف لبنانية والأمريكيين والإسرائيليين، الذي أشار إلى أن «الفرنسيين حريصون على وضع لبنان في مسار مستقل بعيدًا عن النفوذ الإيراني».
من جانبه، أعلن رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، هذا التوجه في تصريحات نشرها صباح اليوم على «إكس»، قائلًا: «مع إعلان الاتفاق بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، بجهود باكستانية جديرة بالثناء، نعمل على تكثيف اتصالاتنا وجهودنا السياسية والدبلوماسية من أجل التوصل إلى وقف لإطلاق النار في لبنان. كما أؤكد أن لا أحد يفاوض باسم لبنان سوى الدولة اللبنانية، فقط ولا غيرها، ومن خلال مؤسساتها الدستورية، بما يحفظ سيادتها ومصالح شعبها».

ويضيف الدبلوماسي أن جوهر المبادرة الفرنسية كان إقناع إسرائيل «بقبول مسار تدريجي لا يكون شديد العنف بالنسبة لحزب الله».
غير أن ما صدر عن نتنياهو، والتسريبات المنسوبة إلى مسؤولين إسرائيليين، مساء أمس، لم يعكس هذا منطق «التدرّج» هذا على الإطلاق.
فبعد وقت قصير من دعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى إجراء محادثات مباشرة، نشر موقع «أكسيوس» تفاصيل بدت كترتيبات سريعة لجمع الطرفين.
وبحسب ما نقله الموقع عن مسؤول إسرائيلي رفيع، قد تبدأ المحادثات الأسبوع المقبل في وزارة الخارجية الأمريكية، على أن تضم سفير الولايات المتحدة لدى لبنان، ميشال عيسى، والسفير الإسرائيلي في واشنطن، يحيئيل لايتر، والسفيرة اللبنانية في واشنطن، ندى حمادة معوض.
لكن الحديث عن قرب انطلاق هذه المحادثات، كما عرضه «أكسيوس»، سرعان ما قُوّض، إذ نقلت الصحافة الإسرائيلية عن أحد أعضاء الحكومة قوله إن «على الحكومة اللبنانية إقالة وزراء حزب الله كتدبير بناء الثقة»، وهي خطوة لا يمكن للحكومة اللبنانية اتخاذها دون إشعال أزمة داخلية.
كما أن مطلب نتنياهو بنزع سلاح حزب الله يتعارض مع التصور الفرنسي لما يمكن تحقيقه.
وبحسب الدبلوماسي الإقليمي، تهدف الخطة التي تقودها فرنسا إلى «إطلاق مسار تفاوضي قائم على الجوانب الأمنية، بحيث تستمع الحكومة اللبنانية إلى جميع المخاوف الإسرائيلية بشأن أنشطة حزب الله شمال وجنوب نهر الليطاني، وتعمل على معالجتها مع الحزب».
ورغم هذا التباين بين مقاربتي فرنسا وإسرائيل، لا يبدو أن أيًا منهما في موقف يسمح بفرض شروطه بشأن الخطوات المقبلة، ففي منتصف مارس الماضي، حاولت فرنسا استعراض قوتها «لمنع هذا البلد، القريب جدًا من فرنسا، من الانجرار مجددًا إلى الحرب».
ففي منشور مطول على «إكس»، أوائل مارس الماضي، أعلن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، عن «خطة لإنهاء العمليات العسكرية التي ينفذها حاليًا كل من حزب الله وإسرائيل على جانبي الحدود».
وبحسب بنود الخطة، قدّمت السلطات اللبنانية «تعهدًا بتولي السيطرة على المواقع التي يسيطر عليها حزب الله، وبالاضطلاع الكامل بمسؤولية الأمن على كامل الأراضي الوطنية»، وفق ما كتب ماكرون، مضيفًا: «وأنا أقدم لهم دعمي الكامل».

غير أن مصدرًا من حزب «القوات اللبنانية» قلّل حينها من فرص نجاح هذه المبادرة، قائلًا لـ«مدى مصر» إن «المبادرة الفرنسية ما هتوصل لمطرح، وكل الاتصالات اللي عم بتجرب تقوم فيها فرنسا مع إسرائيل ومع الدولة اللبنانية ما هتوصل لمطرح. لأنه بلبنان، الدولة اللبنانية مش هي صاحبة القرار. صاحب القرار هو اللي ماسك السلاح، وبالميدان هو حزب الله. وحزب الله ما عم بيرد لبري ولا للدولة اللبنانية»، وأضاف أن «أي مبادرة ما بتكون أمريكية أو أقلها تتمتع بغطاء أمريكي، ولا بتتحدث مباشرة مع حزب الله، ما بتوصل لمطرح».
ويرى المسؤول العربي السابق صاحب الاتصالات مع عواصم غربية وإقليمية، أن ذلك بات اليوم واقعًا أكثر من أي وقت مضى، غير أن الطرف الذي يتعيّن على فرنسا التنسيق معه لم يعد هو الولايات المتحدة. «يمكن للفرنسيين أن يفعلوا ما يشاؤون، لكني لا أعتقد أن أي مبادرة فرنسية ستُفضي إلى أي شيء، لأنه لم يعد ممكنًا استبعاد إيران. إذا أرادت فرنسا تحقيق تقدم، فعليها أيضًا التحدث مع الإيرانيين»، يقول، قبل أن يضيف أن الحكومة اللبنانية لم تنجح، رغم جهودها الدبلوماسية، في إيجاد حل للحرب، بينما يثبت حزب الله، من خلال ارتباطه بإيران، فعاليته في كبح إسرائيل، «ما يعني أنه لا يمكن استبعاد حزب الله من أي عملية صنع قرار مستقبلية».
وتعبيرًا عن موقف القوة هذا، دعا النائب في حزب الله، علي فياض، الحكومة اللبنانية إلى الالتزام بتأمين وقف إطلاق نار كشرط مسبق قبل المضي في أي خطوات لاحقة، مؤكدًا على موقفهم «الرافض لأي مفاوضات مباشرة بين لبنان والعدو الإسرائيلي، وضرورة التمسك بالثوابت الوطنية وفي مقدمتها الانسحاب الإسرائيلي وإيقاف الأعمال العدائية وعودة السكان إلى قراهم وبلداتهم».
وفي حديث أدلى به مصدر مقرب من رئيس مجلس النواب اللبناني، نبيه بري، لـ«مدى مصر» في الأسبوع الأخير من مارس الماضي، استبعد أي احتمال لإجراء محادثات مع إسرائيل على هذا النحو، قائلًا: «لن يكون هناك أي كلام، في الوقت الراهن وحتى للفترة المقبلة، عن تطبيع أو تفاوض مع إسرائيل. حزب الله يحقق انجازات عسكرية ليست عادية داخل إسرائيل، ومعه الإنجازات الإيرانية. والتفاوض مع إسرائيل في الوقت الراهن سيكون دليل ضعف، وسيضع لبنان في موقع الضعف».
تُعزز من ثقة حزب الله وحركة «أمل» قدرتهم على عرقلة التوغل الإسرائيلي حتى الآن، فضلًا عن قدرتهم على تسليح أنفسهم. ورغم خسارة حليف أساسي تمثّل في الرئيس السوري السابق، بشار الأسد، عقب حرب 2024 مع إسرائيل، يقول مصدر لبناني مقرب من حزب الله لـ«مدى مصر» إن الحزب نجح في تأمين تدفق كميات كبيرة من السلاح من إيران عبر الأراضي السورية.
«لدينا مصادرنا في سوريا، مهما حاول أحمد الشرع وضع يده»، في إشارة إلى قدرة حزب الله على الدفاع عن نفسه رغم انتكاسات حرب 2024 وحملة نزع السلاح التي تقودها الحكومة اللبنانية.
من جهته، يرى الدبلوماسي الإقليمي أن الولايات المتحدة لا تبالي بتحقيق سلام دائم بين إسرائيل ولبنان. «ما يقوله الأمريكيون هو أنهم طلبوا من الإسرائيليين تعليق العمليات الكبرى لمدة أسبوعين خلال فترة المفاوضات. وإذا استغرقت المفاوضات أكثر من أسبوعين، فسيستمر الطلب ببقاء إسرائيل خارج لبنان، على الأقل فيما يتعلق بالعمليات الكبرى» يقول.
ومع ذلك، لا يبدو أن إسرائيل ترغب في الامتثال التام، ومن المرجح أن تواصل محاولة تحديد نطاق المفاوضات من خلال عملياتها على الأرض. فمساء أمس، نفذت إسرائيل ضربات «استباقية» استهدفت مواقع لحزب الله في جنوب لبنان، عقب تحذيرات من احتمال توسيع حزب الله إطلاق القذائف داخل إسرائيل.
وبحسب الدبلوماسي الإقليمي، ستجد إسرائيل مبررات للاستمرار في استهداف لبنان، مضيفًا، «لا أعتقد أن الرئيس اللبناني جوزيف عون يمانع أن توجه إسرائيل ضربات قاسية لحزب الله».

وفي الميدان، تواصل إسرائيل عملياتها البرية في جنوب لبنان، إذ أطلقت دباباتها، أمس، نيرانها في بلدة الخيام، التي شهدت معارك استمرت لأسابيع في جنوب شرقي البلاد، كما واصلت التقدم في محاولة لتطويق بلدة بنت جبيل ذات الرمزية، والتي فشلت في السيطرة عليها خلال المعركة التي استمرت أسبوعين، واختتمت حرب 2006. وأعلن حزب الله، مساء أمس، خوض اشتباكات مباشرة مع القوات الإسرائيلية داخل البلدة.
وإذا استمرت إسرائيل في تنفيذ هذه الضربات والعمليات البرية، فإن المنطقة قد تنزلق مجددًا إلى الحرب، وهو احتمال تتوق إليه إسرائيل.
في المقابل، أفادت وسائل إعلام إيرانية، مساء أمس، بأن طهران أبلغت باكستان أنها لا تنوي المشاركة في محادثات السلام قبل التوصل إلى وقف لإطلاق النار في لبنان.
ويرى المسؤول العربي السابق أن سيطرة إيران الواضحة على مضيق هرمز غيّرت موازين القوى في المنطقة. «لم نعد نتحدث عن الشرق الأوسط الذي كان نتنياهو يتمنى تشكيله، بل عن شرق أوسط تعود فيه إيران لاعبًا إقليميًا رئيسيًا»، يقول.
وما لم يحدث زلزال إقليمي آخر، يبدو أن نتنياهو سيكون مضطرًا للتعامل مع هذه المعادلة، مهما كان «غير راضٍ» عنها.
تقارير ذات صلة
تأخَّر من أجل مكالمة هاتفية لم تحدث.. واشنطن تُعلن وقف إطلاق النار في لبنان
أُعلن وقف إطلاق النار، مساء أمس، دون أن يتم الاتصال بين عون ونتنياهو
كيف تهبٌّ علينا عواصف الاقتصاد العالمي؟ | حوار مع عمرو عدلي
يبدو من المناسب التوقف للتساؤل عن الدروس المستفادة من تجربتنا مع الحرب التي لم نكن طرفًا فيها
ما تحتاجه المفاوضات ويفتقر إليه ترامب: تقييم الجولة الأولى للمباحثات مع إيران
حتى وصول الوفد الإيراني إلى إسلام آباد ثارت شكوك حول إمكانية انعقاد المحادثات من الأساس،
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن