تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
بدنا نسهر عالتلة يا قاسم

بدنا نسهر عالتلة يا قاسم

كتابة: عمر موسى، كرم سعد 12 دقيقة قراءة

في الثامن من أبريل الجاري، شنّت إسرائيل عدوانًا هو الأكثر دمويّة على لبنان منذ سنوات؛ أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 350 شخصًا وإصابة أكثر من ألف آخرين، في حصيلة غير نهائية، مع استمرار عمليات انتشال الجثامين من تحت الأنقاض، وتواصل القصف على البلاد.

كنت أنا وصديقي كرم في بيروت، كلٌّ منّا في منطقة مختلفة، شاهدين على «الأربعاء الأسود»، اليوم الذي تمظهر فيه العنف الإسرائيلي الشامل أمام أعيننا. نحاول هنا أن نروي جزءًا مما شهدناه وعشناه، على أمل أن ننتزع من هذا اليوم شيئًا آخر غير ذلك الذي حُفر فينا.

مثلما أفعل منذ أكثر من 40 يومًا، أمضيت يوم الثلاثاء محاولًا التخفيف من وطأة الظروف القاسية التي يكابدها النازحون في منطقة الواجهة البحرية لبيروت. أنصب خيامًا للنازحين الجدد، وأصلح خيام آخرين، وأدعمها بالخشب وأعزز سقوفها بالنايلون، خشية أن تقتلعها الريح أو يغرقها المطر. أقول «خشية» وأسخر من نفسي، فالخيام غرقت وطارت من مكانها مرارًا وتكرارًا، لكننا نعود ونحاول، لا عنادًا للريح والمطر، بل صمودًا في وجه الاحتلال وتقصير الحكومة، ولكي يجد النازحون من يمد يد العون ليساعدهم في محنتهم القاسية.

 في طريقي هذه، تعرفت إلى أسماء الناس وصادقت الكثير منهم. مساء اليوم، وبعد أن انتهينا من العمل، دعاني محمد إلى «سهرة» في خيمة نزوحهم: «كرم، يلا تعا سهرانين عند عصام». وصلت إلى خيمة عصام، ووجدته هو وقاسم يحاولان إشعال النار. ضحكت وقلت في نفسي: «وين السهرة على أساس في سهرة؟» كانا يحاولان إشعال خشب مبلل. عدت إلى السيارة، وأحضرت بعض الحطب الجاف، وعلبة «السبيرتو»؛ أفرغتها فوق الحطب وأشعلنا النار. 

أي حظ هذا. برد، ومطر، وريح، وخوف وقلق، منذ الليلة الأولى التي نزح فيها الناس إلى هنا، لم تستقر الظروف الجوية، وعاش النازحون، ليالي وأيامًا شديدة القسوة، كنت أراهم وهم يقفون أمامي، صغارًا وكبارًا، مرضى وشبانًا، بملابس مبللة إثر المطر، أو يحاولون تثبيت خيامهم التي تكاد تطير من شدة الريح، والناس على بعد أمتار منهم ينامون في بيوتهم.

ثلاثتهم، محمد وعصام وقاسم، من بلدة صريفا الواقعة في قضاء صور جنوبي لبنان، وقد اضطروا إلى النزوح بعد اشتداد القصف. 

جلست، وجاء قاسم ليجلس على يساري. 

قاسم سعيد

توزعت عائلة قاسم على مراكز الإيواء في بيروت، أما هو، فكان يبيت في خيمة في منطقة وسط بيروت التي صارت ملاذًا لعشرات العائلات المهجرة والنازحة، وتضم ما يقرب من 600 خيمة، في كل واحدة منها أربعة أفراد على الأقل. 

طلبت سيجارة، فعرض قاسم علي سريعًا واحدة، تمنعت أولًا بعدما لمحت أن كل ما في علبته سيجارتان فقط، لكنه أصر بودٍ: «لك خود يا زلمة»، فقبلت.

على مقربة منا، كان عصام يجهز مزيدًا من الحطب للنار، يضرب بعضه بقوة، فتتناثر قطع منها. 

أدار قاسم وجهه وحذره بصوت لطيف: «ولك انتبه». 

 رد عصام: «خي ليش إنتو هيك ما بتتركوش الواحد يشتغل».

اختلط علي الأمر وظننت أنهما يتشاجران، فحاولت تهدئتهما. وبعد دقائق من المزاح الذي خالطه بعض السباب الخفيف، أدركت عمق علاقتهما وصداقتهما. فهما أيضًا زميلا مهنة، يعملان معًا في صناعة الأثاث.  

كان كل واحد منهما يبادر بحديث كله حنين إلى ماضٍ قد لا يعود، إلى البيت والبلدة والحياة التي تغيرت. يتذكران أيامًا كانا يعيشان فيها في بيتيهما ومع عائلتيهما قبل أن يفرقهما العدوان الإسرائيلي. ويبدوان في هذه الأحاديث كأنهما يحاولان قطف ثمرة من شجرة يابسة؛ تسمى المستقبل.

ضجيج المسيرات الإسرائيلية الثقيل يبثّ في نفسي شعورًا بالتيه والضياع، ويزداد حدة فيما نتابع أخبار العدوان على الجنوب وبيروت، ونترقّب بقلق ما ستحمله الساعات المقبلة، لاسيما بعد تهديدات ترامب بتدمير إيران: «حضارة بأكملها ستموت الليلة ولن تعود أبدًا ولا أريد أن يحدث ذلك لكنه على الأرجح سيحدث».  

أخرجت آلة العود التي أحملها معي من جرابها، وقلت في نفسي: «لنلحن هذا التيه، ونحول هذا الإزعاج إلى موسيقى»، بدأت أنقر الأوتار، مجرّبًا مواءمة النغمة المزعجة التي يصدرها طيران الاحتلال المسيّر، في محاولة لاسترداد حقّنا في ما نسمع ومقاومة احتلال آذاننا. 

كرم محاولا تخفيف إزعاج المسيرات الإسرائيلية بالموسيقى

قال عصام: «خليني لحنلك وتلحنلي»، ثم غير مكانه، وجلس بجانبي. صمت لدقائق، ثم ألقى بعض الأبيات الشعرية عن العودة الموعودة لبلدة صريفا. بدا عصام زجالًا بالفطرة.

فجأةً، فُتح باب سيارة قريبة، ونزل منها شخص قاصدًا «سهرتنا». كان متمددًا داخل سيارته التي يبيت فيها عادة. مشيته كانت تعطي انطباعًا بأنه كان مُصفدًا، يجر نفسه جرًا، تشبه مشية كل النازحين الذين يبيتون في سياراتهم الضيقة. وقبل أن يصل إلينا، ألقى بشارته: «خلصت خلاص.. صار وقف إطلاق نار».

هبوا جميعًا من أماكنهم، وبدأوا يهتفون وهم يدورون حول النار وحول سياراتهم وأغراضهم: «شو خلصت».

 قبل دقائق، حلموا بالعودة إلى البيت، البلدة، وها هم الآن أمام احتمال تحقق هذا الحلم. قال عصام حائرًا: ««بنستنّى للصبح ولا بنطلع هلأ؟ شو بدنا ناخد معنا؟ شو بدنا نخلي؟» 

شاركه محمد الحيرة ذاتها: «بنطلع لحالنا؟.. بدي شوف عيلتي إذا بدا تطلع كمان». 

أما قاسم، فكان قريبًا جدًا من قراره: «عم فكر اطلع إسا (الآن) أني».

رد عليه عصام بلهجة حذرة: «خلينا نستنى للصبح، الصباح رباح، نتأكد من الخبر». 

ظل قاسم صامتًا.

نظر عصام إليه، وكأنه يحاول إقناعه: «وأصلًا العجقة عالطريق، ورح تطلع على ضيعة مدمّرة وفش كهربا». 

رد قاسم بلهجته الجنوبية الحازمة: «طالع إسا أني».

شردت قليلًا وأنا أنظر إلى دورانهم ونقاشاتهم: يا إلهي، كيف تبدلت الجلسة؟ تجمعنا لتمضية بعض الوقت معًا، ثم صرنا في جلسة وداعية.

انضم إلينا بعض النازحين، ومع سماع الخبر، علقوا في الحيرة نفسها: أًنعود الآن إلى الضيعة؟

كان منهم من يقول: «أنا طالع إسا عالضيعة»، لكنه لم يذهب، وآخرون يقولون: «مش طالعين»، وفجأة وجدناهم يلملمون أغراضهم.  

رغم الشك الذي اعتصر قلبي، تسللت إليّ ومضة فرح، فها أنا أبصر لحظة عودة هؤلاء الناس إلى بيوتهم التي هُجّروا منها. كانوا مثلي، يملؤهم الشك، ولا يعرفون ما القرار الصحيح، لكن الشك والتيه في هذه اللحظة هما أبلغ ما يمكن أن يشعر به الإنسان صدقًا. فالحيرة التي يعيشونها مردّها واقع كله غباش، واقع مترنّح بين ألم وأمل ووهم. 

مضى قاسم في قراره، حرك سيارته، وأشعل لنا مصابيح السيارة لنبصر الحطب، تحقق من إطارات السيارة ونفخ أحدها، ثم جاء إلى النار ووضع آخر حطبة فيها وجلس: «يلا بنشوفكن في الضيعة، بنشوفكن فوق، رح نرجع نشتغل بالموبيليا ونعمر ونسوي. يلا سلام وباي».

لم يكن هناك مجال لأي رأي يخالف أو يشكك في فكرة أن الحرب توقفت أخيرًا، وأن ما يفصلهم عن بيوتهم وضيعتهم، هو الطريق فقط. العودة، ولا شيء آخر يشغل بالهم، أما أنا، فكنت أتخيل معنى العودة بحد ذاته، بعد أن دمر القصف الإسرائيلي البلدة.

أفكر في إصرار قاسم على العودة أولًا، ثم في تعليقه على ما يمكن في نظري، أن يجعل العودة فكرة مستحيلة: البيت. لم يكن أحد منهم متأكدًا إن كان بيته سالمًا أم قٌصف، لكن ذلك ليس عائقًا، سينصب قاسم خيمة إن وجد بيته مدمرًا،  أي إنه لن يمنعه شيء من العودة. ولن يحرم نفسه وأصدقاءه متعة السهر على تلة صريفا. التلة لم تغب لحظة عن حديثهم، وهي الجائزة التي وعدني قاسم بها: أن نسهر معًا على تلة صريفا.

والخيام التي كانت تذكيرًا بالقسوة، صار لها معانٍ جميلة، كأنها الذكرى اللطيفة التي تترك خلفنا، مثلما قال أحدهم: «يلا وهدول الخيم اتركوهن، يلي بده يقعد فيهن. خلصت، رح نرجع على بيتنا. بس يلا كانت حلوة، تعرفنا على بعض». 

قبل أن يصعد إلى السيارة، قال قاسم: «شو بدنا نشتغل بالموبيليا؟ والله لنقعد على تلة صريفا ونكيف والله، جد لو بتعملوا متل ما عملتوا هون، خيم وهيك».

أخيرًا، ودعنا بعضنا البعض في ساعات الفجر الأخيرة: «منشوفكن بصريفا». 

رددت عليه: «منشوفك بفرون»، ضيعتي.

سمعت صوت قاسم الأخير يقول: «بدنا نرجع نعمر؟». 

شقّ قاسم طريقه نحو البلدة في سيارته، والعتمة لا تزال شديدة، إذ لم يكن ضوء الصباح قد أطل بعد. بقيت مع عصام حتى شروق الشمس، عانقنا بعضنا البعض والتقطنا بعض الصور التذكارية. استقلّ عصام «الموتوسيكل» ولحق بقاسم. وعدت أنا إلى بيتي، مسكونًا بالسؤال نفسه: «معقول خلصت؟»

كرم بالكوفية في خيمة عصام، نازح من بلدة صريفا، صباح يوم الثامن من أبريل.

 بعد ساعات، استيقظت على صوت القصف الذي هز بيروت.

رن هاتفي، نظرت إليه: اتصال من محمد، نازح آخر في منطقة البيال، أجبت: 

  • مرحبا كرم
  • أهلا محمد.. كيفك؟
  • كرم، بتعرف قاسم إلي كنا سهرانين معه كل الليل؟
  • إيه
  • استشهد
  • له يا زلمة.. مستحيل شو عم تقول
  • إي والله.. قصفوه لما وصل

كيف يمكن أن يحدث هذا؟ كنا معا قبل بضع ساعات، ودعنا بعضنا البعض، لنلتقي قريبًا، فكيف صار وداعًا أخيرًا؟  

ما زلت مشدوهًا. أمسكت هاتفي، لأتفقد الأخبار، وبينما أٌقلب في الصفحات، قرأت الخبر، ثم رأيت صورته، ثم كفنه. يا إلهي. قاسم حقًا استشهد. كان أول العائدين إلى بلدة صريفا، التي لم تغب عن باله لحظة، فقتلوه.

caption

كانت تلك الليلة، أول ليلة نجلس فيها معًا، فلم أكن أعرف قاسم قبلها. «السهرة» التي جمعتنا بدعوة من شقيقه محمد، كانت أول طريق صداقتنا. كان جنوبيًا مثلي، يعمل في الخشب، كنت أترقّب حقًا اللحظة التي أعود فيها إلى ضيعتي بعد توقّف العدوان، لألتقي قاسم وعصام ومحمد على تلة بلدة صريفا، والآخرين الذين عرفتهم في الأماكن المحبّبة إليهم في قراهم.

أفكر في الفجر الذي سلكه قاسم، أو الفجر الذي مضى إليه، والظلام الذي قطع طريقه. سمى جيش الاحتلال عدوانه على لبنان بـ «الظلام الأبدي». كان قاسم وأحلامه وصداقتنا، هدفًا من أهدافه. 

أسفر العدوان عن مقتل 357 لبنانيًا وإصابة 1223 آخرين، حسبما قالت وزارة الصحة اللبنانية، موضحة: «أنها حصيلة غير نهائية نظرا لاستمرار أعمال رفع الأنقاض ووجود كمية كبيرة جدًا من الأشلاء، مما يتطلب وقتًا لإنجاز فحوص الحمض النووي وتأكيد هويات الضحايا، قبل تحديد الحصيلة الختامية». 

أؤنّب نفسي: هل كان عليّ أن أمنعه من الذهاب؟ وكيف يمكن أن أمنع إنسانًا من العودة إلى بيته؟ أفكّر في مشروعية صداقتنا التي حُرمنا منها يا قاسم.

بعد مرور يومين، قابلت محمد -شقيق قاسم- وعصام في خيمة نزوحهما وسط بيروت، وقد نجيا من العدوان وعادا إلى خيام النزوح. قال محمد لي والدمع يسكن عينيه المتورّمتين: «قضيتم آخر ليلة مع بعض».

أفكر الآن في كل الطرق التي كانت ستجمعنا فيها الحياة، قبل أن يقرر الاحتلال ظلمًا أن يفرقنا إلى الأبد. 

كان من المقرر أن ألتقي أصدقاء لأول مرة بمقهى في شارع الحمرا في بيروت، ظهر الأربعاء، كنا قد اتفقنا على الموعد، غير أنهم اضطروا لتأجيله نتيجة العدوان. بعد نحو نصف ساعة، تمشيت في «الحمرا»، أحدق في مسحة الحزن والقلق التي غشيت وجوه الناس.

وقفت على جانب الطريق، مجرّبًا أن أصغي للأصوات المضطربة التي تعبر من أمامي ومن خلفي. في لحظة الذهول هذه، مرّ من أمامي صديقان، كان أحدهما يقول للآخر: «خي، قصفوا كل الأماكن اللي بقطع (بمشي) منها: عين المريسة، البسطة». ثم تلاشى صوته قبل أن أسمع بقيّة أسماء الأماكن.

أردت أن أقول للشاب: أنا أيضًا أمر بهذه المناطق كثيرًا، ولي ذكريات فيها. لكني تراجعت، لذا، سأحمل عنه مسؤولية تأويل عبارته. بدا الشاب هنا، كأنه يحتفي بأعجوبة نجاته من العدوان، وهو بذلك، يقول لكل من مروا بهذه الأماكن وسمعوا عبارته الآن: نجونا فقد صادف أننا لسنا في الأماكن المقصوفة لحظة الغارة.  

غير أن صوته كان حزينًا،  كأنه فجأة وجد نفسه مجبرًا على خلق ذكرى قسرية وعدوانية مع أماكن مألوفة ومحببة له وجزءًا من حياته اليومية.

مستعينًا بصوته المرتجف، سأعيد صياغة عبارة الشاب الأولى «خي، قصفوا كل الأماكن اللي بقطع (بمشي) منها»، إلى «الذكرى التي نصنعها، والذكرى التي نجبر على حملها»، لأتتبع في ظلالها، العلاقة بين عدوانية الاحتلال وذاكرتنا، وأرسم مشهدًا من مشاهد العيش تحت تهديد الإبادة. 

أود أن أقول أولًا للشاب: إنني مثلك تمامًا. ها أنا مُجبر على حمل ذكريات العدوان في بيروت، المدينة التي ما زلت في بداية ألفتها، المدينة التي اضطررت للبقاء فيها بعدما بدأ الاحتلال حرب الإبادة على غزة، وها هي الآن تعيش العدوانية الإبادية ذاتها.

عصر اليوم، هاتفني صديقي كرم، ليطمئن عليّ، ثم حدثني عن قاسم. عزيته، ثم قلت له: ذكرتني بحمزة أبو قينص. كان حمزة منشدًا وفنانًا، وآخر شخص قابلته في غزة قبل أن أسافر. 

أجريت معه حوارًا حول الإنشاد وعمله، وكان ودودًا إلى حد حرّك في داخلي الرغبة في مقابلته مرة أخرى. 

حاز حمزة مكانته في ذاكرة الناس لأنه كان قادرًا على مخاطبتهم في أصعب ظروفهم؛ كان نشيده مواساة لهم. في الأسابيع الأولى من حرب الإبادة، كان صوته لا يكاد يفارقني، كان مؤنسًا لي في غربتي القلقة فيما يعيش أهلي في غزة حربًا متوحشة. 

كلما زارني كرم، كان يجد صوت نشيد حمزة حاضرًا، هكذا عرفه، وأعجب به، حد جلعنا أننا صرنا نخصص جلسات لسماع نشيده.

مثلما هو الحال منذ بدء حرب الإبادة، كانت اللحظة التي أمسك فيها الهاتف، لحظة خوف وقلق، أي خبر ينتظرني؟ لم أكن أعرف أخبار فقد الكثير من الأصدقاء والمعارف، إلا صدفة، وهكذا أيضًا علمت بخبر استشهاد حمزة: قتله الاحتلال يوم 14 أكتوبر 2024، بعد أن قتل والده وشقيقيه. 

حين أبلغت كرم الخبر، حزن كمن فقد صديقًا مقربًا. 

مجددًا، أعود لـ«الذكرى التي نصنعها، والذكرى التي نجبر على حملها». لي ذكريتان مع حمزة: الأولى صنعناها معًا حين التقينا بمقهى في شارع الوحدة في مدينة غزة، والأخرى شقها الاحتلال بالجريمة في ذاكرتي.

في سلم معارفي، كان حمزة آخر شخص عرفته في غزة، وكنت أحب أن ألتقيه مرة أخرى: أن أرد له عزومته، وأن نشرب معًا فنجان قهوة. 

بعد الجريمة التي ارتكبها الاحتلال بحقّ عائلتي وأقاربي وأصدقائي وجيراني؛ صار لحمزة موقعان في ذاكرتي: الأول أنا صنعته، حمزة الفنان، والآخر شقه الاحتلال في ذاكرتي، حمزة شهيد حرب الإبادة الذي أشير إليه، لأرسم أبعاد خسارتي في حرب الإبادة. 

هكذا، صار كل حديث عن عائلتي، يذكرني بحمزة، وصار حديثي عن حمزة مشوبًا دائمًا برغبة أن أشير إليه أنّه آخر شخص قابلته وتعرّفت إليه في غزة، كأني أحاول أن أقول: إن وحشيّة حرب الإبادة الإسرائيليّة، لم تكتفِ بقتل أقرب الناس إليّ، بل امتدّت حتى إلى الوجه الذي رأيته خطفةً ولمرّة واحدة. 

لم يسبق أن التقى حمزة بعائلتي أو أقاربي أو أصدقائي، لكنهم، وبطريقة ما، صاروا مترابطين في ذاكرتي، وحديثي، كأن لي ذكريات مشتركة معهم. 

أفكر في العبارة التي قالها كرم: «كنت أترقّب حقًا اللحظة التي أعود فيها إلى ضيعتي بعد توقّف العدوان، لألتقي قاسم وعصام ومحمد على تلة بلدة صريفا». لم يقتل الاحتلال قاسم فقط، بل أباد مستقبل علاقتهما المحتمل، اللقاءات الموعودة، الذكريات التي كانت تنتظر صنعها، فلهذا السبب ودع أحدهما الآخر، بهدف اللقاء القريب.

وكذلك، صار لقاسم في ذاكرة كرم، موقعان: الأول ذكرى صنعها الصديقان معًا في سهرة حول النار، والآخر ذكرى شقها الاحتلال في ذاكرته بالجريمة.

أتأمل أيضًا في ما قاله كرم لاحقًا: «أفكر في شرعية صداقتنا التي حُرمنا منها يا قاسم»، ثم ما قاله لي، إنه سيزور بلدة صريفا لحظة أن يتوقف العدوان، للقاء عصام ومحمد شقيق قاسم.

كيف ننظر إلى تمسك كرم بهذه الرغبة؟ دفاع عن شرعية الصداقة، أم إصرار على رفض التسليم بالذكريتين اليتيمتين لقاسم؟ حين يزور كرم تلة بلدة صريفا، سيجلس مع عصام ومحمد، مرسخًا مشروعية الصداقة التي استهدفها «الظلام الأبدي»، ومدافعًا عن وجود قاسم في وجه الإبادة. 

إذن، ماذا نفعل بـ«الذكرى التي نجبر على حملها»، تلك الذكرى التي شقها الاحتلال بالجريمة في ذاكرتنا؟ وكيف نتمسك بالذكرى التي صنعناها نحن، باعتبارها ميدان مواجهة الإبادة الإسرائيلية؟

كان كرم يستخدم لفظ «صاحبنا» للإشارة إلى حمزة حين يود سماع أناشيده، رغم أنه لم يلتق به، إنني أحس بالشعور ذاته تجاه صاحبي قاسم أيضًا، رغم أننا لم نلتق، إنه إذن، الإحساس بالمسؤولية تجاه «الذكرى التي أجبرنا على حملها»، لعلنا بذلك نسترد حقنا في مستقبلنا المحتمل، لا مستقبلًا ترسمه آلة الإبادة الإسرائيلية التي تستهدف ذاكرتنا وحيواتنا، وأصدقاءنا، وعائلاتنا، وأماكننا.

عن الكتّاب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).