الجيش يستعيد بارا.. و«الدعم السريع» تخسر عددًا من قادتها في مواجهات كردفان | السودان يشكو الإمارات مجددًا لمجلس الأمن | تغييرات باللحظات الأخيرة لوفد السودان للجمعية العامة للأمم المتحدة | لجنة تقصي الحقائق: الجيش والدعم السريع متورطان مجددًا في جرائم حرب
في خضم محاولاته الوصول إلى دارفور عبر كردفان، تمكن الجيش من السيطرة على مدينة بارا الاستراتيجية الخميس الماضي، بعد معارك ضارية مع قوات الدعم السريع، وتمكنه تلك الخطوة من المضي قدمًا نحو شمال دارفور، كما أن من شأنها تأمين مدينة الأبيض وولاية الخرطوم من أي تهديد محتمل، بالإضافة إلى اختصار طريق الإمداد إلى كردفان عبر الطريق القومي أم درمان-بارا.
وجاء الاستيلاء على بارا بعد أسبوع من الهجمات على جبهات كردفان، قتل خلالها عدد من قادة «الدعم السريع»، من بينهم قائد وحدة بارا وأحد أبرز قادة القطاع.
ومع حشد جميع القوات النظامية والمساندة تحت إشراف القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان، يستعد الجيش لشن هجوم واسع النطاق من محورين عبر الصحراء، وعبر كردفان للوصول إلى دارفور وفك حصار الفاشر، وفق ما ذكرت مصادر عسكرية لـ«مدى مصر»، بينها مصدر رفيع في هيئة أركان الجيش.
وبينما تتركز خلال المدة الأخيرة الحرب في دارفور، الإقليم الذي اتخذه «الدعم السريع» أرضًا لنفوذه وعانى من عقود من العنف، أصدرت البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان أحدث تقرير لها بعنوان «حرب الفظائع»، توثق فيه انتهاكات واسعة النطاق من الأطراف المتحاربة في السودان، مشيرة إلى أنها ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وقد ترقى إلى الإبادة الجماعية.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، تجدد الصراع بين السودان ودولة الإمارات في أروقة مجلس الأمن الدولي، حيث قدمت الخرطوم شكوى جديدة ضد أبوظبي في سبتمبر الجاري بشأن نشر مرتزقة كولومبيين يقاتلون إلى جانب «الدعم السريع» في دارفور. وقال مصدر دبلوماسي رفيع المستوى في بعثة السودان إن بلاده قدمت «أدلة مقلقة وموثقة جيدًا» بشأن التدخل المباشر للإمارات، بما في ذلك تجنيد وتمويل ونشر مرتزقة أجانب للقتال مع الدعم السريع، فيما قال مصدر رفيع المستوى بوزارة الخارجية السودانية إن الخرطوم يشكل جبهة دبلوماسية دولية وإفريقية من أجل مواجهة عدوان الإمارات عبر دعمها ومساندتها لقوات الدعم السريع، خصوصًا بعد الانتهاكات الواسعة في الفاشر.
وبينما تدرس واشنطن فرض قيود على دخول وفد السودان إلى الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك وفرض عقوبات جديدة على الحكومة وحلفائها، يشهد الوفد نفسه ارتباكًا جراء تغييرات مفاجئة في قيادته وتشكيلته، في وقت يعيد فيه مجلس السيادة الانتقالي والحكومة الجديدة ترتيب حصتيهما من الصلاحيات.
تغييرات في اللحظات الأخيرة بوفد السودان للأمم المتحدة وسط توقعات بفرض قيود على دخوله الولايات المتحدة
مع استعداد السودان للدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، شهد وفدها تغييرات في اللحظات الأخيرة، في ظل إعادة ترتيب موازين الصلاحيات بين مجلس السيادة الانتقالي والحكومة الجديدة.
وتأتي هذه التطورات وسط توقعات بفرض الولايات المتحدة قيود على دخول بعض الوفود إليها، ومنها السودان، إلى جانب فرض عقوبات جديدة على الحكومة وبعض حلفائها الإسلاميين.
وبحسب مصدر رفيع في مجلس السيادة ومسؤول في وزارة الخارجية تحدثا إلى «مدى مصر»، كان من المنتظر أن يرأس الوفد رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، يرافقه مدير جهاز المخابرات العامة، أحمد إبراهيم مفضل، ووزير المالية، جبريل إبراهيم.
وأضاف المصدر بـ«الخارجية» أن البرهان طلب شخصيًا ضم رئيس الوزراء، كامل إدريس، الذي كان من المقرر أن يشارك في جولة واسعة من اللقاءات الموازية في إطار دفعة دبلوماسية كبيرة.غير أن إدريس أعلن، الجمعة الماضي، أنه من سيقود الوفد إلى نيويورك.
واعتبر مصدران وزاريان أن هذا التحول يعكس مسعى إدريس للتعامل مع ملف الأمم المتحدة وفق رؤيته الخاصة، بعيدًا عن الهيئات السيادية، فيما أكد مصدر في أمانة شؤون مجلس الوزراء السوداني أن البرهان كان مقررًا أن يقود الوفد، لكن إدريس طلب الملف، ولم يُبدِ البرهان اعتراضًا.
وأوضح مصدر آخر في مجلس السيادة أن أجندة الوفد أُعدّت بالفعل بتوجيه من المجلس إلى الوزارات والهيئات الحكومية قبل تعيين إدريس. ورغم إقرار المصدر بأن التغييرات قد تثير الارتباك، اعتبرها خطوة في سياق نقل السلطة التنفيذية من «السيادي» إلى رئاسة الوزراء.
ومنذ تعيينه في أواخر مايو الماضي، واجه إدريس ضغوطًا من مجلس السيادة أطاحت بخطته لتشكيل حكومة تكنوقراط غير حزبية بالكامل.
وتغير تكوين الوفد أيضًا مع استقالة وزير الدولة للشؤون الخارجية، عمر صديق، الذي كان مقررًا أن ينضم، وفق ما قاله مصدر ثان في وزارة الخارجية، مضيفًا أن البرهان كلف صديق بإعداد ملفات الجمعية العامة وتسليمها لإدريس، لكن بعد أن جرى تجاهله مرارًا في التعيين وزيرًا للخارجية ـرغم أقدميته وترجيح اسمه كمرشح بارز- استقال معتبرًا أن منصبه كوزير دولة هو «شكلي».
وتلى ذلك بأيام معدودة شُغل المنصب الشاغر الوحيد في حكومة إدريس، حيث أدى السفير محيي الدين سالم أحمد إبراهيم اليمين الدستورية، وزيرًا للخارجية، الجمعة، في بورتسودان. وأوضح المصدر أن إدريس رأى ضرورة أن يظهر الوفد بصورة أكثر تنظيمًا عبر تعيين وزير خارجية بدلًا من ارسال وزير دولة، وهو ما دفع صديق للاستقالة بعدما كان يتوقع تولي المنصب، فيما تأخر توافق مجلس السيادة على مرشح. ويُعد إبراهيم رابع وزير يتولى «الخارجية» منذ اندلاع الحرب.

وبعد ساعات قليلة من أداء إبراهيم اليمين، خرج إدريس في مقابلة تليفزيونية، معلنًا أنه سيقود وفد السودان في نيويورك، فيما علق مصدر في أمانة مجلس الوزراء على عدم وجود البرهان بالوفد بالقول إن الأسباب بيد مكتب البرهان. وأفاد مكتب البرهان لـ«مدى مصر» أن الجمعية العامة ليست ضمن جدول أعماله، من دون تقديم تفاصيل إضافية.
وفي اليوم نفسه، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على وزير المالية، جبريل إبراهيم، زعيم حركة العدل والمساواة المتحالفة مع الجيش. وأوضح مصدر في مجلس الوزراء أن مشاركته في الوفد لم تتأثر بالعقوبات، ما لم يعلن مكتبه خلاف ذلك.
لكن حتى في حال نجح السودان في تجاوز ارتباكه الداخلي، قد لا يتمكن الوفد من دخول الولايات المتحدة. فقد ذكرت وكالة «أسوشيتد برس» أن مذكرة داخلية لوزارة الخارجية الأميركية، اطلعت عليها الوكالة، أشارت إلى أن قيودًا محتملة على السفر وإجراءات أخرى -لا تزال قيد الدراسة- قد تُفرض على أربع وفود مشاركة في الجمعية العامة، من بينها الوفد السوداني، ووصفت الخطوة بأنها تأتي في إطار تشديد إدارة ترامب لسياسات التأشيرات.

السودان يتهم الإمارات مجددًا في مجلس الأمن
جدد السودان مواجهته ضد دولة الإمارات في مجلس الأمن الدولي، بعدما أعلن عن تقديم شكوى ضد أبوظبي موجه لها اتهامات بدعم قوات الدعم السريع، مركزًا هذه المرة على مشاركة مرتزقة كولومبيين في القتال لصالح «الدعم السريع» في إقليم دارفور غربي البلاد.
وقال مصدر رفيع المستوى في بعثة السودان الدائمة لدى الأمم المتحدة إن الشكوى التي قدمها سفير السودان، الحارث إدريس، إلى رئيس مجلس الأمن، كيم سانجين، والأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، تشير إلى أن السودان قدم أدلة «مقلقة وموثقة جيدًا» بشأن التدخل المباشر للإمارات، بما في ذلك تجنيد وتمويل ونشر مرتزقة أجانب للقتال مع «الدعم السريع».
مقطع مصور لمشاركة مرتزقة كولومبيين إلى جانب قوات الدعم السريع في معركة في الفاشر. المصدر: مجتبي عثمان على فيسبوك
ووصفت الرسالة التدخل الإماراتي بأنه يُعد انتهاكًا جسيمًا لسيادة السودان والقانون الدولي الإنساني، كما يمثل تهديدًا مباشرًا للسلم والأمن الإقليميين، فيما قال دبلوماسي ثان رفيع المستوى بوزارة الخارجية السودانية إن الخرطوم تعمل على تشكيل جبهة دبلوماسية دولية وإفريقية من أجل مواجهة «عدوان الإمارات»، خصوصًا بعد الانتهاكات الواسعة في الفاشر.
وبحسب الرسالة، جمعت الحكومة السودانية أدلة واسعة تُظهر أن ما بين 350 و380 مرتزقًا كولومبيًا، معظمهم من الجنود والضباط المتقاعدين من الجيش الكولومبي، جرى تجنيدهم عبر شركات أمنية خاصة مقرها الإمارات، منها: مجموعة الخدمات الأمنية العالمية (GSSG) برئاسة المواطن الإماراتي، محمد حمدان الزعابي، ومقرها أبوظبي، ووكالة الخدمات الدولية (A4SI) التي شارك في تأسيسها العقيد الكولومبي المتقاعد، ألفارو كويخانو، ويعمل من مدينة العين الإماراتية.
وذكرت الرسالة أنه جرى التعاقد مع هؤلاء المرتزقة تحت ذريعة تقديم «خدمات أمن وحماية»، فيما نقلوا في الواقع إلى السودان للقتال مباشرة إلى جانب الدعم السريع، ويعملون تحت ما يُسمى بـ«تشكيل ذئاب الصحراء».
ووفقا الوثيقة، فقد نقلوا جوًا من الإمارات إلى بوصاصو في الصومال ثم إلى بنغازي في ليبيا تحت إشراف ضباط موالين لقائد الجيش الوطني الليبي، خليفة حفتر، ومن هناك جرى نقلهم عبر الصحراء مرورًا بتشاد إلى السودان.
وبينت الرسالة السودانية أنه بين نوفمبر 2024 وفبراير 2025، أقلعت 248 رحلة عبر طائرات مستأجرة من الإمارات، لتهريب المرتزقة والأسلحة والمعدات العسكرية إلى السودان، خاصة إلى نيالا والفاشر وحمرة الشيخ.
وذكرت الوثيقة أن أول دفعة وصلت كانت مكونة من 172 مرتزقًا كولومبيًا إلى الفاشر في نوفمبر 2024، تلتها دفعات أخرى. وكان انتشارهم مركزًا بشكل خاص في دارفور، حيث شاركوا في الحصار والهجمات على مدينة الفاشر.
كما شارك المرتزقة في عدة جبهات -مثل الخرطوم، وأم درمان، والجزيرة، والنيل الأبيض، وسنار، والنيل الأزرق، وكردفان، ودارفور- وتولوا تشغيل الطائرات المسيرة والمدفعية والمركبات المدرعة، والمشاركة في الهجمات المباشرة.
وأوضح المندوب الدائم أن هجمات المرتزقة أدت إلى انتهاكات فظيعة، من بينها الإعدامات خارج القانون. ووصفت الوثيقة أبوظبي بأنها «المهندس المباشر لمأساة السودان».
وطالب مندوب السودان بتعميم هذه الرسالة وملحقاتها كوثيقة رسمية من وثائق مجلس الأمن، وحث المجلس على التحقيق والإدانة ومحاسبة كل الجناة، وتصنيف «الدعم السريع» كجماعة إرهابية، وفضح الإمارات على جرائمها بحق الشعب السوداني.
وخرج الصراع بين السودان والإمارات إلى العلن منذ أن اتهمها مساعد قائد الجيش السوداني، ياسر العطا، في نوفمبر 2023 بتمويل ودعم قوات الدعم السريع بالسلاح، ووصفها بـ«دولة مافيا».

وسرعان ما ترجم السودان هذا التصعيد إلى شكاوى رسمية في أهم المحافل الدولية من محكمة العدل الدولية ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وصولًا إلى قطع العلاقات الدبلوماسية في مايو الماضي. وعقب ذلك بعدة أشهر، فرضت الإمارات حظرًا كاملًا للتجارة مع السودان.
وفي أبريل 2024، طلبت الخرطوم عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن بشأن ما وصفته بـ«العدوان والتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد». وتبادلت البعثتان السودانية والإماراتية في الأمم المتحدة المذكرات والرسائل الرسمية، حيث قدمت الإمارات ردًا مكتوبًا للمجلس تنفي فيه الاتهامات بشكل قاطع وتصفها بأنها «ادعاءات مضللة ولا أساس لها من الصحة»، إلا أن المجلس لم يصدر أي قرار رسمي يدين الإمارات.
وبعد نحو عام، تقدمت الحكومة السودانية بطلب رسمي إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي لفتح القضية، متهمة الإمارات بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. لكن في مايو الماضي، أصدرت المحكمة قرارًا برفض الطلب وشطب القضية من سجلها، مشيرة إلى أنها «تفتقر بشكل واضح للاختصاص» للنظر في الدعوى.
وطوال فترة التصعيد، حافظت الإمارات على موقف ثابت ينفي جميع الاتهامات الموجهة إليها. وقد وصفت وزارة الخارجية الإماراتية وممثلوها هذه الشكاوى بأنها «محاولة واهية من قبل القوات المسلحة السودانية لتشتيت الانتباه عن النزاع الكارثي الذي يدور في السودان ومسؤوليتها تجاهه»، مؤكدة دعمها للشعب السوداني وضرورة التوصل إلى حل سلمي للصراع.
ورغم هذا الصراع، واصلت الإمارات مشاركتها في المسار الدبلوماسي حول السودان ضمن مجموعة الرباعية التي تقودها الولايات المتحدة وتضم أيضًا السعودية ومصر، غير أن الخرطوم شددت على أنها لن تدخل في أي مفاوضات مباشرة مع أبو ظبي ما لم توقف دعمها العسكري لـ«الدعم السريع».
الجيش يستعيد بارا.. و«الدعم السريع» تخسر عددًا من قادتها في مواجهات كردفان

بعد أشهر من محاولات السيطرة عليها، استعاد الجيش السوداني، الخميس الماضي، مدينة بارا الاستراتيجية بولاية شمال كردفان بعد معارك عنيفة مع قوات الدعم السريع. ويعد المكسب نقطة محورية تمهد لفتح طريق الصادرات الواصل بين أم درمان والأبيض، ما يسهل عمليات وصول الإمداد الغذائي والحربي إلى كردفان لدعم تقدم الجيش غربًا نحو دارفور.
وقال مصدر عسكري لـ«مدى مصر»، إن المعركة استمرت لساعات شاركت فيها عدد من وحدات الجيش والقوات المساندة له، واستطاعوا تكبيد «الدعم السريع» خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد، كما استولى الجيش على أسلحة ومعدات حربية ضخمة، خلفتها «الدعم السريع» ورائها.
وأعلن الجيش والقوة المشتركة للحركات المسلحة المتحالفة معه السيطرة على بارا، فيما قالت الأخيرة إنها دمرت المجموعة 449 التابعة لـ«الدعم السريع»، والتي كانت تتولى السيطرة على المدينة.
إحتفالات الجيش في بارا بعد السيطرة عليها. المصدر: @YAS50IR على إكس
وأشار المصدر العسكري إلى أن الجيش سيواصل التقدم لتأمين مناطق جبرة الشيخ وأم قرفة وغيرها لفتح طريق الصادرات بالكامل، ثم يتوجه نحو المزروب وسودري وصولًا إلى دارفور.
استعادة بارا جاء بعد سلسلة من الخطوات خلال الأسبوع الماضي، فقد استعاد الجيش، الأحد الماضي، منطقة أم سيالة، وأعاد انتشاره بالمناطق الشرقية في منطقة أم دم حاج أحمد وبعض القرى الصغيرة التي كانت خالية من أي وجود عسكري، الإثنين، حسبما ذكر مصدر ميداني.
وفي يوم الثلاثاء، شن الجيش هجمات مكثفة بالمسيرات والمدفعية على المناطق المحيطة ببارا، ما تسبب في تدمير آليات ومخازن أسلحة إلى جانب مقتل قادة وضباط بارزين من بينهم العميد الناعم المسؤول عن العمليات في المدينة، والذي قتل عبر استهدافه بمسيرة برفقة سبعة من ضباطه أثناء اجتماع لهم في منطقة أم كريدم، بحسب المصدر العسكري.
واشتعلت جبهات القتال في كردفان بعد تحرك أعداد ضخمة من الجيش والقوات المساندة له المدعومة بآليات حربية ثقيلة وغطاء جوي بهدف استعادة الأجزاء الواقعة في يد «الدعم السريع» في الإقليم ومن ثم التحرك إلى الفاشر غربي السودان.
وفي جنوب مدينة الأبيض، التي تعد مركز العمليات المتقدم للجيش في معارك كردفان، اندلعت مواجهات ضارية الأحد الماضي، وقال مصدر ميداني من المتطوعين إن الجيش بسط سيطرته الكاملة على منطقتي الرياش وكازقيل قبل أن تحاول «الدعم السريع» مباغتته واستعادة المنطقة في اليوم الثاني لكنها فشلت وخسرت قائدها الأبرز في كردفان، ماكن الصادق.
ويعد الصادق من آخر القادة البارزين والمؤثرين في كردفان الذين انضموا لـ«الدعم السريع» بعد اندلاع الحرب، وشارك في العديد من المعارك كما كانت له مساهماته الكبيرة في تجنيد الشباب بصفوفها. وسبق أن اغتال الجيش كل من جلحة مهدي وفولنجاق وشيريا وهم من أبرز أبناء المسيرية في «الدعم السريع».
وبعد معركة كازقيل، قال مصدر محلي في مدينة أبوزبد الخاضعة لسيطرة «الدعم السريع» لـ«مدى مصر» إن المستشفى استقبل أكثر من 50 جريحًا من «الدعم السريع» تم إجلاؤهم من معركة كازقيل، بعضهم كانت إصابتهم خطيرة. ورفعت «الدعم السريع» درجة استعدادها وفرضت حظر تجوال في المدينة.
وقال مصدر رفيع المستوى بقيادة الأركان التابعة للجيش السوداني لـ«مدى مصر» إن جميع العمليات البرية في الوقت الراهن تسعى لفك حصار الفاشر تحت إشراف البرهان وغرف العمليات العسكرية المتقدمة في كردفان وشمال السودان.
وقال ضابط آخر رفيع في الجيش لـ«مدى مصر»، إن الجيش أكمل استعداداته لطرد «الدعم السريع» من كردفان، وفك الحصار عن الدلنج وكادوقلي وبابنوسة والتحرك إلى الفاشر، لافتًا إلى أن هناك متحركات وكتائب مدفعية متخصصة لم تدخل المعركة بعد.
وقال مصدر ميداني لـ مدى مصر إن جميع الترتيبات العسكرية قد اكتملت من أجل تنفيذ هجوم واسع النطاق، خصوصًا في محور كردفان والصحراء، ولم يكشف المصدر عن طبيعة هذه الاستعدادات العسكرية في ظل التصعيد الواسع الذي تشهده محاور شمال كردفان.
على الجانب المقابل، قال مصدر عسكري في قوات الدعم السريع بقطاع كردفان لـ«مدى مصر» إنهم يعملون على صد هجمات واسعة النطاق في شمال كردفان، مؤكدًا أن حديث الحركات المسلحة والجيش مناف لواقع الأحداث.
وفي الفاشر المحاصرة، قال مصدر عسكري لـ«مدى مصر» إن الجيش والقوات المشتركة تصدوا لـ«الدعم السريع» في الفاشر أمس الخميس بعد محاولتهم التقدم في المحور الشمالي الشرقي للمدينة.
وبحسب المصدر يعد هذا الهجوم الثاني من نوعه خلال الأسبوع الحالي، حيث حاولت مجموعات من «الدعم السريع» الإثنين الماضي، التقدم من نفس المحور لكن تم التصدي لها.
أما في نيالا، في جنوب دارفور والتي تتخذها الحكومة الموازية مقرًا لها، قال مصدر في «الدعم السريع» لـ«مدى مصر» إن الجيش قصف أمانة الحكومة يوم الأربعاء، ما أدى إلى تدمير المبنى وسماع أصوات انفجارات ضخمة هزت المدينة، مشيرًا إلى تعرض مواقع أخرى بمدينة زالنجي بولاية وسط دارفور إلى قصف مشابهة أدى إلى سقوط مواطنين.
«واشنطن» تفرض عقوبات على إسلاميين متحالفين مع الجيش.. و«الرباعية» تدفع نحو وقف إطلاق نار وانتقال جديد
بينما تتزايد احتمالية فرض قيود على الوفد السوداني المغادر إلى نيويورك برئاسة كامل إدريس، فرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية الجمعة الماضي عقوبات على وزير المالية السوداني، جبريل إبراهيم، قائد حركة العدل والمساواة، إحدى الحركات المكونة للقوة المشتركة، أهم الفصائل العسكرية التي تقاتل مع الجيش، كما فرض أيضًا عقوبات على كتيبة البراء بن مالك التي تقاتل إلى جانب الجيش السوداني.
وفي اليوم نفسه، دعت اللجنة الرباعية الدولية التي تقودها واشنطن بشأن السودان إلى وقف دائم لإطلاق النار وإطلاق عملية انتقالية جديدة، في مسار يتعارض مع سعي الخرطوم إلى الحسم العسكري وتشكيلها حكومة انتقالية خاصة بها. ووصفت المجموعة التحالف الحاكم بـ«الجماعات المتطرفة العنيفة المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين».
يعتبر جبريل إبراهيم من أهم الشخصيات في المشهد السوداني حيث تقود حركته تحالف عسكري مع بقية حركات سلام جوبا، حيث أعلن خروجه عن الحياد في أغسطس 2023، وساهم بقوة في تشكيل القوة المشتركة التي ساندت الجيش طوال معاركه في شرق ووسط السودان، وأسهمت القوة المشتركة في جبهة الفاشر بالاضافة الى معارك كردفان ومحور الصحراء. وتولى جبريل منصب وزير المالية في عام 2020 على إثر توقيع الجبهة الثورية -كتلة سلام جوبا- ولم يتأثر موقعه بانقلاب 25 أكتوبر 2021 أو حرب أبريل 2023، ويعتبر أحد الأوجه التي حافظت على موقعها الوزاري بعد تعيين إدريس رئيس للوزراء.
كما تعتبر كتيبة البراء بن مالك من أهم الكتائب الجهادية التي تقاتل مع الجيش بجانب كتائب أخرى تحسب على الإسلاميين، حيث يصل تعداد هذه الكتيبة إلى 20 ألف مقاتل. يقودها المصباح أبو زيد الذي اعتقل في مصر الشهر الماضي، ويعتبر من الشخصيات القيادية التي برزت خلال حرب 2023، وتقاتل كتيبة البراء بن مالك في شمال كردفان. وبموجب قرار البرهان وبحسب مصدر بهيئة الأركان التابعة للجيش السوداني فإن جميع القوات المساندة للجيش تعمل تحت قيادة القوات المسلحة على المستويات الميدانية كافة، ولا يوجد أي فصيل عسكري مستثنى أو خارج عن هذه القرارات التي صدرت من القائد العام.
وأوضحت الولايات المتحدة أن هذه العقوبات تهدف إلى الحد من النفوذ الإسلامي داخل السودان، «وكبح أنشطة إيران الإقليمية». وقال وكيل وزارة الخزانة لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية، جون ك. هيرلي: «شكّلت الجماعات الإسلامية السودانية تحالفات خطيرة مع النظام الإيراني. ولن نقف مكتوفي الأيدي ونسمح لهم بتهديد الأمن الإقليمي والعالمي»، مضيفًا: «تستخدم وزارة الخزانة أدواتها العقابية القوية لتعطيل هذا النشاط وحماية الأمن القومي الأمريكي».
وفي أكتوبر 2024، عاقبت وزارة الخزانة الأمريكية ميرغني إدريس سليمان بموجب الأمر التنفيذي رقم 14098، لقيادته جهود الجيش في الحصول على أسلحة من موقعه، حيث شغل منصب المدير العام لمنظومة الصناعات الدفاعية. كما عاقبت وزارة الخزانة في 28 سبتمبر 2023 بمعاقبة الأمين العام للحركة الإسلامية، علي أحمد كرتي. وفرضت عقوبات أخرى على قيادات من قوات الدعم السريع وكيانات اقتصادية تابعة له على رأسها شركة الجنيد للتعدين، وفي يناير الماضي، فرضت عقوبات متوالية على قائد الدعم السريع، محمد حمدان دقلو «حميدتي» والبرهان.
وبحسب مصدر عسكري بقيادة كتيبة البراء بن مالك، فإنها ترى أن هذه العقوبات تستهدف الجيش السوداني بالأساس لأنها ضمن التشكيلات المساندة له ولا تقاتل بشكل منفصل عنه، واعرب المصدر أن الكتيبة تقاتل وفق قانون القوات المسلحة ولوائحه وملتزمة بجميع الأوامر الصادرة منه على مستوى الميدان والتسليح.
وقال مصدر قيادي بـ«العدل والمساواة» إن العقوبات لن تؤثر في العمليات العسكرية أو المجهودات التي يقودها جبريل إبراهيم، فيما يرون أن هذه العقوبات لا تستند على حقائق ومواثيق، بل هي عقوبات تحرض «الدعم السريع» على ارتكاب مزيد من الجرائم في حق المواطنين، خصوصا في الفاشر ودارفور، وتوضح هذه العقوبات مدى افتقار الولايات المتحدة الأمريكية بيانات واضحة، وأنها مدفوعة بغبينة الإمارات التي تحرض على كل من يوقف مشروعها في السودان، حسب قول المصدر.
إلى جانب العقوبات، دعا وزراء خارجية اللجنة الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات إلى هدنة إنسانية لثلاثة أشهر، على أن تمهّد فورًا لوقف دائم لإطلاق النار وعملية انتقالية خلال تسعة أشهر.
وقال بيان الرباعية، الجمعة الماضي، إن «مستقبل السودان لا يمكن أن يملي من قبل الجماعات المتطرفة العنيفة المرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بجماعة الإخوان المسلمين».
وقال مصدر رفيع المستوى بـ«الخارجية» السودانية إن الحكومة السودانية ترى في استهداف وزير ماليتها أمرًا غير مسؤول ولا ينم على حسن نية. وقال المصدر إن «انتصارات الجيش واستقبالها من قبل المواطنين وما تكشفه الحكومة من جرائم يومية تقوم بها قوات الدعم السريع يجب أن يرسل أشارات واضحة للمجتمع الدولي ويكشف حجم الهوة في القرارات الدولية»، مضيفًا أن الحكومة لا تقبل بأي شكل مساواتها مع «الدعم السريع»، كما شدد على أن إيقاف الحرب مرتبط بوقف دعم الإمارات لـ«الدعم السريع».
تقرير «تقصي الحقائق» يحمل الجيش و«الدعم السريع» مجددًا مسؤولية جرائم حرب
خلص أحدث تقرير للبعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان، إلى ارتكاب كلًا من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع انتهاكات جسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، «أغلبها يرقى إلى جرائم حرب».
التقرير الذي جاء في 18 صفحة بعنوان «حرب الفظائع»، يغطي الفترة بين أكتوبر 2024 ويوليو 2025، مستندًا إلى 257 مقابلة، جرى العديد منها مع ناجين من العنف بالإضافة إلى مقاطع مصورة وتقارير من منظمات مدنية وهيئات دولية وإقليمية.
وقال التقرير إن الطرفين ارتكبا جرائم حرب شملت القتل خارج القانون والتعذيب والتهجير القسري والاعتقال التعسفي وأخذ الرهائن وهجمات متعمدة ضد المدنيين والمرافق الحيوية، كما حمل الجيش مسؤولية القصف الجوي والمدفعي في المناطق المأهولة بالسكان، والإعدامات غير القانونية وانتهاك حرمة الموتي.
وأشار التقرير أن الطرفين مارسا العقاب الجماعي واستهدفا مدنيين على افتراض الانتماء للطرف الآخر.
أما قوات الدعم السريع، فحملت مسؤولية إضافية عن جرائم ضد الإنسانية، بينها القتل والاضطهاد على أساس عرقي والاستعباد الجنسي والإبادة.
وسلط التقرير الضوء على حصار الفاشر، حيث لا يظل مئات الآلاف محاصرين وقد قُطع عنهم الغذاء والدواء، مؤكدًا أن «الدعم السريع» يرتكب جريمة حرب باستخدام التجويع كسلاح. وأضاف أن اجتماع ذلك مع استهداف القوافل والمرافق الإنسانية، قد يرقى الفعل إلى جريمة ضد الإنسانية وهي الإبادة.
وأنشأ مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بعثة دولية مستقلة لتقصي الحقائق في السودان في أكتوبر 2023، للتحقيق في جميع الانتهاكات والتجاوزات المزعومة لحقوق الإنسان وانتهاكات القانون الإنساني الدولي كاستجابة منه تجاه أزمة حقوق الإنسان والأزمة الإنسانية الناجمة عن النزاع المسلح المستمر في السودان. ويأتي التقرير الجديد بعد آخر صدر في 2024 أثبت كذلك مسؤولية الطرفين عن الهجمات العشوائية والتعذيب وتقييد حرية الإعلام والاتصالات وعرقلة المساعدات، إضافة إلى تورط «الدعم السريع» والميليشيات المتحالفة في عنف جنسي واسع النطاق، والنهب، والقتل على أساس عرقي.
ومع استمرار الفظائع، دعا فريق التحقيق ومنظمات حقوقية دولية مجلس حقوق الإنسان إلى تمديد عمل البعثة لعامين إضافيين، لضمان المساءلة، إذ أن لجنة التحقيق الوطنية السودانية التي أنشئت بمرسوم رئاسي في يوليو 2023، تقصر عملها على التحقيق في جرائم «الدعم السريع» وحلفائه، وهو ما يفقدها الاستقلالية والمصداقية في ظل تورط الجيش وحلفائه في الانتهاكات التي وثقتها التقارير.
كما كشف تقرير لجنة تقصي الحقائق السابق أن محامين وناشطين عملوا على توثيق الانتهاكات تعرضوا للمضايقات والاعتقال والتعذيب على يد الجيش والدعم السريع على حد سواء.
أخبار ذات صلة
تفشي حمى الضنك في الخرطوم، ومصادر طبية: العاصمة لا تزال غير مهيأة | تفش كبير للحصبة وسط نازحي شمال دارفور | انشقاق قائد من «الدعم السريع» وانضمامه للجيش | الجيش يفشل هجومًا على الدلنج
تجد الخرطوم نفسها مجددًا في مواجهة تفشٍ لحمى الضنك
إضرابات في القطاع الصحي في نيالا | البرهان يلغي منصب نائب القائد العام ومساعده | رئيس الاستخبارات العسكرية السودانية يزور طرابلس | الجيش يبدأ عملية استعادة الكرمك بولاية النيل الأزرق
في نشرة السودان: شهد هذا الأسبوع سلسلة من الإعلانات التي استكملت ملامح القرار الصادر في 2 أبريل الجاري عن رئيس مجلس السيادة…
تراجع الإمدادات الإماراتية لـ«الدعم السريع» عبر ليبيا في ظل الضربات الإيرانية على الخليج | الجيش يستهدف إمدادات لـ«الدعم السريع» في شمال دارفور دخلت عبر تشاد | «الدعم السريع» والحركة الشعبية تواصلان الضغط في النيل الأزرق.. واستمرار القتال يُنذر بأزمة غذائية | «الدعم السريع» تتوغل في الدلنج والجيش يصد الهجوم | البرهان يجري تعديلات في هياكل قيادة الجيش.. والعطا رئيسًا للأركان
البرهان يجري تعديلات واسعة في هياكل قيادة الجيش.. والعطا رئيسًا للأركان
«الدعم السريع» تستولي على الكرمك في النيل الأزرق | مقتل نحو 100 مدني في دارفور في هجمات نُسبت إلى الجيش | الحرب على إيران تضاعف أزمة الأدوية في السودان
بينما كان قائدا طرفي الصراع في السودان يوجّهان تهاني مسجلة بمناسبة عيد الفطر إلى المواطنين، واصلت قواتهما وطائراتهما المُسيّرة العمليات العسكرية، مخلفة…
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن