إدريس في القاهرة بعد أيام من زيارة السيسي إلى السعودية.. ومصدر: الزيارة جزء من تنسيق مصري-تركي-سعودي لدعم الجيش السوداني | «الدعم السريع» تستولى على معقل زعيم «المحاميد»| الجيش يصد هجومًا على الطينة.. وتشاد تغلق حدودها مع السودان
سيطرت قوات الدعم السريع، يوم الإثنين الماضي، على بادية مستريحة بولاية شمال دارفور، معقل زعيم قبيلة المحاميد ورئيس مجلس الصحوة الثوري، موسى هلال، الداعم للجيش السوداني، بعد يوم من شنها هجومًا بالمسيرات، وتتويجًا لتوترات استمرت لأسابيع بين هلال ونائب رئيس «الدعم السريع»، عبدالرحيم دقلو.
وجاء الهجوم على مستريحة تكرارًا للتاريخ عندما هاجمت قوات الدعم السريع هلال في المنطقة نفسها 2017، واقتادته مكبلًا منها إلى الخرطوم، في إطار خصومة قديمة وصراع على النفوذ بين هلال الذي يعد من أعيان الرزيقات وحميدتي وشقيقه عبدالرحيم الصاعدان إلى دائرة النفوذ من عدم اجتماعي، بعدما أوكلت إليهما الحكومة المركزية مقاتلة المتمردين بالإنابة عنها خلال حرب دارفور الأولى عام 2003. وتواصل صعود الشقيقين عبر الحروب الداخلية حول النفوذ والذهب والخارجية كما في اليمن حتى وصلا إلى قمة النفوذ السياسي والاقتصادي في عام 2019.
وتسبب الهجوم بحسب مصادر أهلية وسياسية تحدث إليها «مدى مصر» في مقتل العشرات وفرار معظم السكان، كما أدى إلى مقتل نجل موسى هلال، فيما أكدت المصادر أن هلال في مكان آمن حاليًا.
وبينما تستمر جرائم «الدعم السريع» الدامية، اعتبرت البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان في تقرير جديد أصدرته الخميس الماضي أن ما جرى في الفاشر يحمل «علامات إبادة جماعية». وخلص التقرير الأممي الذي قدم إلى مجلس حقوق الإنسان الأممي، إلى أن نية الإبادة الجماعية هي الاستنتاج المعقول الوحيد؛ الذي يمكن استخلاصه من النمط المنهجي الذي تتبعه قوات الدعم السريع في أعمال القتل القائمة على أساس عرقي والعنف الجنسي والتدمير، وكذلك بالتصريحات العلنية التي تدعو بشكل صريح لإبادة مجتمعات غير عربية وخاصة «الزغاوة» و«الفور».
في محلية الطينة بولاية شمال دارفور، آخر معاقل الجيش الكبرى في الإقليم وعلى الحدود مع تشاد، تمكن الجيش السبت الماضي من صد هجوم «الدعم السريع» العنيف على المنطقة، قبل أن تتمدد المواجهات إلى داخل تشاد، لتعلن انجمينا إغلاق الحدود إلى أجل غير مسمى، واحتفاظها بحق الرد.
دبلوماسيًا، وفي أول ظهور علني له في دولة خارجية منذ إعلانه تشكيل حكومة موازية في غرب السودان العام الماضي، عقد قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو «حميدتي» لقاءً مع الرئيس الأوغندي، يوري موسفيني، في عنتيبي يوم الجمعة الماضي. وفي مساء اليوم نفسه، وفي لقاء عقده في كمبالا مع مواطنين سودانيين مؤيدين له، شن حميدتي هجومًا غير مسبوق على المملكة العربية السعودية، قبل أن يدعو إلى وساطة إفريقية.
في المقابل، دفعت استضافت كمبالا لحميدتي إلى استنكار الخرطوم الخطوة بشدة وحث الحكومة الأوغندية إلى النأي مع التعامل مع قائد «الدعم السريع».
«الدعم السريع» تشن هجومًا دمويًا على معقل زعيم قبيلة المحاميد الموالي للجيش
جانب من الدمار الذي لحق بادية مستريحة بولاية شمال دارفور بعد هجوم قوات الدعم السريع عليها، في 16 فبراير. المصدر: قناة سما السودان على تيليجرام
في عملية دامية، تهدد بدفع دارفور نحو مواجهات قبلية، سيطرت قوات الدعم السريع، يوم الإثنين الماضي، على بادية مستريحة بولاية شمال دارفور، معقل زعيم قبيلة المحاميد ورئيس مجلس الصحوة الثوري، موسى هلال، الداعم للجيش السوداني، بعد يوم من شنها هجومًا بالمسيرات، وتتويجًا لتوترات استمرت لأسابيع بين هلال ونائب رئيس قوات الدعم السريع، عبدالرحيم دقلو.
وأدت العملية إلى مقتل وإصابة العشرات -بينهم أبناء هلال- ونزوح المئات، وفق مصدر محلي وآخر عسكري، بالإضافة إلى بيان صادر عن مجلس الصحوة الثوري.
ظهر هلال، الذي فر من مستريحة، في نهار الأربعاء وسط حشود من أعيان ومقاتلي قبيلة المحاميد في منطقة نائية في شمال غرب دارفور، بحسب مصدر أهلي من القبيلة، قال لـ«مدى مصر» إن هلال حاليًا يعد العدة من أجل استرداد مستريحة.
وأضاف المصدر أن أعيان وممثلي بطون القبيلة في حالة انعقاد منذ هجوم «الدعم السريع»، مؤكدًا أن هذا الاعتداء لا يمس هلال فقط، بل يمس جميع تكوينات «المحاميد» في مختلف دول وسط وغرب إفريقيا. «ارتكب حميدتي وعبد الرحيم خطأ تاريخيًا»، قال المصدر.
وقال رئيس تنسيقية قبيلة المحاميد، أنور أحمد خاطر، لـ«مدى مصر»، إن أربع مسيرات قصفت مستريحة مساء يوم الأحد، وتسببت في إصابة أربعة أشخاص قبل أن تبدأ قبيلة الماهرية التي ينتمي إليها آل دقلو مدعومة بقوات الدعم السريع هجومها يوم الإثنين، على المنطقة من عدة محاور.
ولفت إلى أن شباب المنطقة استطاعوا في بداية المعركة صد الهجوم وتدمير عدد من سيارات «الدعم السريع» قبل أن تحشد الأخيرة مزيدًا من القوات وتسيطر على المنطقة. ورأى خاطر أن الصراع أصبح بين الماهرية أولاد منصور وعلى رأسهم آل دقلو والمحاميد -وهما فرعان من قبيلة الرزيقات.
وقال مجلس الصحوة الثوري إن قوات الدعم السريع ارتكبت مجزرة في مستريحة، حيث أسفر الهجوم على 28 قتيلًا بينهم أطفال إلى جانب وجود 167 مفقودين مع النزوح المستمر للسكان.
وأشار المجلس في بيان إلى أن قوات الدعم السريع لا تزال منتشرة بكثافة في مستريحة مع صدور أوامر من قائدها عبد الرحيم دقلو بمنع أي شخص من دخول المنطقة، معتبرًا ما حدث جريمة إبادة جماعية كاملة وتكرار أقسى لجرائم ارتكبت من نفس الجهة في ذات المنطقة عام 2017، الذي شنت فيه قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي هجومًا على المنطقة، واعتقلت هلال -قائد قوات حرس الحدود حينها، والتي أمر بتشكيلها ودعمها الرئيس السابق عمر البشير- وساقته مكبلًا إلى الخرطوم، واستبدل البشير هلال بحميدتي، ليتنامى نفوذه من بعدها.
وأوضح البيان أن قوات الدعم السريع حاصرت المنطقة قبل اقتحامها بـ265 آلية قتالية وناقلات مدرعة بقيادة حمدان محمد كاجك، وعززت تلك القوة بحشد إضافي قادم من مدينتي نيالا والجنينة، يتكون من حوالي 500 آلية قتالية مجهزة بالمدفعية الثقيلة، فضلا عن مساندة الطائرات مسيرة.
واتهم مجلس الصحوة «الدعم السريع» بقتل الشيوخ والأطفال وحرق المنازل عمدًا، والاعتداء على النساء بالضرب والإهانة إلى جانب تنفيذ عمليات نهب واسعة النطاق شملت حتى الأسرة والمراتب وأمتعة نسائية وأبواب المنازل وتجريد السكان من كل ما يملكونه.
وقال مصدر أهلي آخر من أعيان المحاميد لـ«مدى مصر»، إن القصف الذي شنته «الدعم السريع» قبل الهجوم على مستريحة استهدف بشكل مباشر المستشفى الرئيسي في المنطقة وتجمعًا للمواطنين، ما أدى إلى إصابة عدد منهم من ضمنهم فتحى موسى هلال، في حين قتل أخيه الأصغر حيدر في الهجوم على المنطقة بسبع رصاصات بعد أسره.
وتداولت منصات التواصل الاجتماعي السوداني مقطعًا مصورًا يظهر مقتل حيدر وهو ملقٍ على الأرض مكبل اليدين وقد أصيب بعدد من الطلقات النارية في رأسه وجسده.
وأعلن المصدر كذلك عن مقتل عمدة مستريحة، عبد الله عمر عبدالنبى، والجنرال التجاني الشريف وشقيقه محمد شريف، وهم من أعيان المنطقة بالإضافة إلى آخرين، مشيرًا إلى أن «الدعم السريع» طردت السكان ونهبت الماشية.
وقال المستشار الإعلامي لموسى هلال، محمد الماحي لـ«مدى مصر»، إن هلال بخير دون أن يفصح عن مكان وجوده، مؤكدًا أن ما حدث في مستريحة ستكون له تداعيات أخرى، خاصة أن عناصر «الدعم السريع» عملوا على الترويع والتنكيل بالمواطنين في المنطقة والمناطق المجاورة، ما سيقود إلى توحيد أبناء المنطقة والتحالف مع مجموعات أخرى، والذي بدوره سيؤثر على الوضع العسكري في دارفور، وفقا للماحي.
وأوضح الماحي أن هلال ظل يمثل عقدة دائمة لحميدتي وأخيه عبدالرحيم اللذان عجزا عن إزاحته أو استمالته على الرغم من حبسه أكثر ثلاث سنوات وشرائهم لقادة الإدارات الأهلية.
وذكر أن لقاء جمع هلال وحميدتي قبيل الحرب بأيام، إذ طلب قائد الدعم السريع من زعيم المحاميد التنسيق معه لأنه قرر أن يكون رئيسًا للسودان إلا أن الأخير رفض العرض، ونصحه بعدم التفكير في هذا الأمر. وعند اندلاع الحرب أعلن هلال وقوفه مع الجيش والمؤسسات الوطنية.
وأشار الماحي إلى أن موقف هلال الداعم للجيش والذي أعلنه بعد أشهر قليلة من اندلاع الصراع زاد من حنق حميدتي عليه، فقام بتعيين ناظر جديد للمحاميد ودعمه بالمال، لكن أهل مستريحة رفضوا الخطوة. كما حاولت «الدعم السريع» اتهام هلال، وفقًا للمصدر، بإرسال مسيرة إلى منطقة الفردوس في شرق دارفور مطلع يناير وقتل أحد قادة الدعم السريع البارزين من أبناء المحاميد، لكن هلال استطاع دحض تلك الادعاءات وتجاوز الفتنة، ما دفع حميدتي بالنهاية إلى شن هجوم بري مباشر عليه والمنطقة.
وقال ضابط سابق في الجيش لـ«مدى مصر»، إن منطقة مستريحة بعيدة عن مواقع سيطرة الجيش، ما يفسر عدم تقديم دعم عسكري بري مباشر لحظة الاجتياح في مواجهة «الدعم السريع». ورجح أن تشهد المدة المقبلة تنسيقًا كبيرًا بين قوات هلال والجيش والقوة المشتركة للحركات المسلحة.
ونوه إلى أن هجوم «الدعم السريع» على مستريحة يفهم في سياق تخوف حميدتي ومن خلفه، من تهديد مناطق نفوذه وتحشيده المعتمد على القبائل العربية في دارفور بشكل أساسي، لافتًا إلى أن إعلان هلال وقوفه مع الجيش قد يؤدي إلى سحب آلاف المقاتلين من صفوف «الدعم السريع».
وأضاف أن حميدتي يحاول تقديم نفسه كممثل وحيد للقبائل العربية في دارفور، كما يسعى إلى بسط نفوذه على كامل الإقليم تمهيدًا للانفصال أو التحدث باسمه في أي مفاوضات مستقبلية، لكنه أكد بالوقت نفسه أن الهجوم على مستريحة سيقود إلى نتائج عكسية تحول الصراع من حرب ضد الجيش إلى صراع ذو طابع قبلي.
الجيش يصد هجوم «الدعم السريع» على الطينة.. وتشاد تغلق حدودها مع السودان
عناصر من قوات الجيش السوداني يعلنون عن صد هجوم «الدعم السريع» على مدينة الطينة في شمال دارفور، 21 فبراير. المصدر: أنا سوداني على فيسبوك
في إطار سعيها للسيطرة على آخر معاقل الجيش وحلفائه في دارفور، شنت قوات الدعم السريع السبت الماضي، هجومًا على مدينة الطينة الواقعة على الحدود مع تشاد، لكن الجيش والقوات المتحالفة معه تمكنا من صد الهجوم.
وشهدت «الطينة» الواقعة على الحدود بين شمال دارفور وتشاد ضمن أراضي قبيلة الزغاوة، معاركًا شرسة بعدما حاولت قوات الدعم السريع السيطرة عليها، قبل أن تتمدد المواجهات إلى الداخل التشادي.
وقال مصدر عسكري لـ«مدى مصر»، إن «الدعم السريع» اقتحمت بصورة مباغتة المدينة يوم السبت الماضي، بعدما استطاعت تجاوز الدفاعات المتقدمة للجيش والقوة المشتركة، لكن بعد ساعات أعادت القوة التي تدافع عن «الطينة» ترتيب صفوفها واستعادت المدينة.
وخلال الاشتباكات، توغلت بعض قوات الدعم السريع داخل تشاد واشتبكت مع قوات الجيش التشادي، ما أسفر عن سقوط خمسة جنود وجرح آخرين وتدمير عربات قتالية، بحسب مصدر ميداني يتبع للقوة المشتركة.
وأصدرت القوة المشتركة بيانًا يوم السبت، أكدت فيه هزيمة «الدعم السريع» على المحور الجنوبي الشرقي لمحلية الطينة بعد معارك عنيفة، والاستيلاء على 20 مركبة قتالية مجهزة بالكامل وتدمير 17 أخرى، وبينما تم القضاء على أربع وحدات ميدانية تتبع «الدعم السريع»، فر بقية المقاتلين.
وقال مصدر «المشتركة» إن معارك الكر والفر لا تزال جارية في أطراف «الطينة» حيث تحشد «الدعم السريع» مزيد من قواتها.
قبيلة الزغاوة -التي كانت في عداء طويل مع الجنجويد،الدعم السريع سابقًا- تشكل العمود الفقري للقوة المشتركة للحركات المسلحة في دارفور، وتمتد أراضيها عبر الحدود إلى منطقة وادي فيرا التشادية، ويشكل أعضاؤها أيضًا قاعدة مهمة ضمن الجيش التشادي.
ومن جانبها، أعلنت الحكومة التشادية يوم الاثنين، إغلاق حدودها مع السودان حتى إشعار آخر، بعد «عمليات توغل متكررة من مجموعات مسلحة».
وقال وزير الاتصال التشادي، قاسم شريف محمد، في بيان نشر على حساب الوزارة على فيسبوك، إن هذا القرار أتى عقب التوغلات المتكررة والانتهاكات التي ارتكبتها القوات المتحاربة في السودان داخل الأراضي التشادية، مؤكدًا أن الهدف هو منع أي خطر لتمدد النزاع إلى داخل البلاد. وبين أنه سيجري غلق نقاط العبور، وتنقل الأشخاص والبضائع بين البلدين حتى إشعار آخر.
كما قررت منظمة أطباء بلا حدود إغلاق مستشفى تابع لها يقع في بلدة طينة التشادية بسبب قربه من الحدود السودانية التشادية. وقالت المنظمة في بيان يوم الثلاثاء الماضي، إنها نقلت أنشطة المستشفى إلى آخر جديد، مضيفة أن الأمن على الحدود ما زال متوترًا، ما أجبر المنظمة والسلطات الطبية على تكييف استجابتها في شرق تشاد.
وقال ضابط عسكري سابق في وقت سابق لـ«مدى مصر» إن وجود الجيش في المدن الحدودية ضمن أراضي الزغاوة يشكل مصدر قلق كبير لقوات الدعم السريع، موضحًا أن هذه المدن تقع على طرق إمداد حيوية تمتد من جنوب ليبيا مرورًا بشرق تشاد وصولًا إلى دارفور، وأن الوجود العسكري يجبر وحدات «الدعم السريع» على البقاء في حالة تأهب دائم ويجعلها عرضة لضربات مستهدفة.
وقال أحد شيوخ الزغاوة في «الطينة» السودانية بدوره، إن الاعتداءات المتكررة على المدينة لا تستهدف مجرد مواقع عسكرية، بل تمس بشكل مباشر المجتمعات المحلية والعائلات الممتدة عبر الحدود، «ولذلك نحمد تنسيق أبناءنا في الجانب السوداني والتشادي لصد هذه الهجمات التي تريد القضاء على مجتمعاتنا».
وأضاف المصدر أن الشبكات الاجتماعية والقبلية لعبت دورًا مهمًا في تنظيم مسارات الاتصال بين مجتمعات الزغاوة على جانبي الحدود لتخفيف آثار الهجمات العسكرية، ومراقبة تدفق النزوح وتيسير المساعدات الإنسانية، متوقعًا استمرار الدعم الذي يأتي من تشاد للزغاوة في «الطينة» السودانية سواء ماء أو غذاء.
من الجانب التشادي، قال قيادي زغاوي في العاصمة التشادية نجامينا، إن أبناء الزغاوة في تشاد يشهدون تداعيات النزاع بشكل مباشر خاصة منذ سقوط الفاشر، ومع تصاعد الهجمات في «الطينة»، أصبح هناك خوف على التجمعات السكانية على الجانب التشادي أيضًا. كما أشار إلى وجود دعوات قوية من القيادات المحلية للتعاون مع الأجهزة الأمنية التشادية لحماية الحدود ومنع أي توغل يهدد الاستقرار.
وأكد القيادي أن العلاقات العائلية والقبلية عبر الحدود لعبت دورًا محوريًا في الدفع باتجاه هذا التنسيق الأمني والاجتماعي، لأن «الزغاوة في تشاد يعرفون جيدًا ما تعنيه تداعيات الصراع لأسرهم الممتدة في المناطق الحدودية في السودان».
وأوضح قيادي بحركة جيش تحرير السودان، بقيادة مني أركو مناوي، إن قبيلة الزغاوة تتمتع بثقل عابر للحدود، ففي تشاد، برزت قيادات من الزغاوة في مواقع السلطة منذ تسعينيات القرن الماضي، فيما شكّلت الزغاوة في دارفور أحد أبرز الحواضن الاجتماعية للحركات المسلحة التي نشأت مطلع الألفية، وعلى رأسها حركات تحرير السودان والعدل والمساواة.
إدريس في القاهرة بعد أيام من زيارة السيسي إلى السعودية.. ومسؤول مصري: الزيارة جزء من تنسيق مصري-تركي-سعودي لدعم الجيش السوداني

وصل رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس إلى القاهرة، الخميس الماضي، على رأس وفد رفيع لإجراء مباحثات رفيعة المستوى، حيث التقى في اليوم ذاته مع الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره مصطفى مدبولي.
وجاءت الزيارة بعد أيام قليلة من توجه السيسي إلى جدة، الإثنين الماضي، حيث عقد مباحثات مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان خلال ما وُصف رسميًا بـ«زيارة أخوية».
وفي بيان مشترك صدر عن مجلس الوزراء المصري عقب مباحثات مدبولي وإدريس، أكدت «القاهرة» دعمها لـ«مؤسسات الدولة السودانية الشرعية، بما في ذلك مجلس السيادة الانتقالي برئاسة الفريق أول ركن، عبد الفتاح البرهان، وحكومة البروفيسور كامل إدريس، والقوات المسلحة السودانية».
وقال مسؤول مصري مشارك في صياغة سياسة القاهرة تجاه السودان لـ«مدى مصر» إن الزيارة تأتي في إطار التحضير لـ«إجتماع ضخم» مرتقب حول السودان بدعم سعودي. ووصف المسؤول التحرك بأنه تنسيق بين السعودية ومصر تركيا لمواجهة تصاعد النفوذ الإماراتي والإسرائيلي في المنطقة، وهو التعاون الذي أكده أيضُا مسؤول سعودي.
وأضاف المسؤول المصري: «نعمل على هذا مع السعوديين منذ فترة، ونحرز تقدمًا فيه»، مشيرًا إلى أن جهود تعزيز الجيش السوداني قد تبدأ في إظهار نتائج بحلول أبريل أو مايو المقبل.
وبحسب المصدر، لجأت القاهرة إلى كل من الرياض وأنقرة رغم الاختلافات القائمة معهما، سعيًا لدعم البرهان، ومن المتوقع أن يتسع نطاق التعاون بين الدول الثلاث في السودان ومنطقة البحر الأحمر ككل.
وأشار المسؤول السعودي إلى أن هذا التنسيق، في السودان وعلى امتداد البحر الأحمر، كان محورًا لنقاش خلال لقاء السيسي وبن سلمان في جدة، موضحًا أن القائدين بحثا سبل مواجهة ما وصفه بـ«مخطط السيطرة الإسرائيلية على حساب دول عربية»، في وقت تقول فيه شخصيات إماراتية عبر وسائل التواصل الاجتماعي إن نفوذ تلك الدول «انتهت صلاحيته»، بحسب المصدر.
وأضاف المسؤول السعودي أن «تركيا والسعودية ومصر وقطر -القوى الأكبر في منطقة الشرق الأوسط- لن يقفوا كمتفرجين والخطر الصهيوني الإماراتي الإفريقي يزحف إلينا».

وكانت مصر وتركيا، إلى جانب أطراف أخرى، تحركتا بالفعل لدعم الجيش السوداني وعرقلة خطوط إمداد الإمارات لـ«الدعم السريع» عقب سقوط الفاشر في أواخر أكتوبر. وانخرطت «القاهرة» و«أنقرة» في تنسيق عملياتي، فيما استهدفت مسيرات تركية طرق إمداد السلاح، بدعم من قواعد جوية مصرية وسودانية، وفق ما ذكره مسؤول مصري سابقًا لـ«مدى مصر».
وبينما وصف المسؤول السعودي التعاون المصري-السعودي بأنه «ممتاز»، لم يشاركه المسؤول المصري نفس القدر من الثقة، قائلًا إن «القاهرة» ليست مرتاحة بالضرورة للوجود التركي على حدودها مع السودان وليبيا، كما أنها لا تتفق تمامًا مع «الرياض» بشأن إدارة الملف السوداني، فضلًا عن أن «السعوديين لا يتقدمون بالمساعدات الاقتصادية التي نحتاجها هذا العام».
رغم هذه الإشكالات، بحسب المصدر، «فلابد من التعاون مع السعوديين نظرًا لاستخدامهم نفوذهم المالي مع الدول الإفريقية. كما أن الوجود التركي ضروري لمنح البرهان يدًا أقوى».
ومع ذلك، أوضح المصدر أن مصر لا تعتزم التوغل أكثر داخل السودان، تجنبًا للدخول في مواجهات مباشرة مع أبوظبي، التي ظلت الداعم المالي الرئيسي للقاهرة خلال العقد الماضي، مشيرًا إلى خطط تعتزمها مصر لهذا العام لجذب استثمارات إماراتية كبيرة.
وبرز استمرار التقارب الدبلوماسي مع «أبوظبي»، رغم خطاب التباعد بين المحورين السعودي والإماراتي، خلال زيارة السيسي إلى العاصمة الإماراتية في 9 فبراير. ووفقًا للمسؤول المصري، بحث السيسي وولي عهد أبوظبي محمد بن زايد مقترحات للتوصل إلى صيغة تقاسم السلطة بين أطراف متحالفة مع قوات الدعم السريع والجيش السوداني.
البرهان يطرح تشكيل برلمان انتقالي من كيانات ثورة ديسمبر

أعاد رئيس مجلس السيادة الانتقالي، عبد الفتاح البرهان، طرح مسألة إعادة تشكيل مؤسسات السلطة الانتقالية التشريعية، معلنًا خلال لقاءات اجتماعية في مدينة أم درمان في 20 فبراير الجاري عن إمكانية تكوين مجلس تشريعي جديد يستند إلى ما أسماه بـ«كتلة ديسمبر».
وبحسب مصدرين سياسيين تحدثا لـ«مدى مصر»، فإن استخدام البرهان لهذا المصطلح الفضفاض يشير بصورة أكثر تحديدًا، إلى لجان المقاومة والشباب الثوري الذين قادوا انتفاضة 2018 ضد الرئيس المخلوع عمر البشير؛ وعلى نحو أكثر دقة، إلى أولئك الذين اصطفوا إلى جانب الجيش في مواجهة قوات الدعم السريع خلال الحرب.
وتقول المصادر إن هذه الإشارة تحمل رسائل مزدوجة. فعلى الصعيد الدولي، تهدف إلى تبديد المخاوف من عودة رموز النظام السابق إلى الواجهة، لا سيما بعد تعيين محامي البشير السابق وزيرًا للعدل، وتصاعد نفوذ مجموعات موالية للجيش تضم شخصيات مرتبطة بالعهد القديم. أما داخليًا، فهي بمثابة تحذير لقيادات المعارضة والفصائل المتحالفة مع الجيش على حد سواء بأن موقع أي فاعل سياسي ليس مضمونًا.
غير أن عدة مصادر حذّرت من أن المضي في هذه الخطوة، في ظل واقع الحرب الراهن، قد يعمّق الانقسامات في النسيج الاجتماعي السوداني. فدارفور وأجزاء من كردفان الواقعة تحت سيطرة «الدعم السريع» سوف تُستبعد عمليًا من العملية، وفق مستشار سابق لحكومة الفترة الانتقالية (2019-2021). كما أن قوات المقاومة الشعبية وغيرها من التشكيلات المتحالفة مع الجيش، التي برزت في شرقي السودان ووسطه عقب دعوة البرهان إلى التعبئة العامة، سترفض مجلسًا تشريعيًا يُشكَّل من دون مشاركتها، بحسب المصدر.
وحذّر ثلاثة قياديين في قوات المقاومة الشعبية من أن إعادة بناء مؤسسات الفترة الانتقالية من دون مشاركة واسعة قد تؤدي إلى تعميق المظالم وترسيخ الشعور بالتهميش لدى القوى المستبعدة، بما قد يغذي دعوات داخل بعض المجموعات المتحالفة مع الجيش إلى تنظيم سياسي مستقل، وربما إلى الانفصال عن المركز.
وأكدوا أن ثورة ديسمبر لا يمكن اختزالها في كتلة سياسية واحدة، ولا توظيفها لإضفاء شرعية على ترتيبات انتقالية لا تلبّي مطلبها الجوهري بالحكم المدني الكامل.
ومع ذلك، يرى المصدران السياسيان أن الطرح لا يستهدف بالأساس ضمان تمثيل واسع للشباب الثوري.
فبحسب مصدر سياسي في «الكتلة الديمقراطية»، يسعى البرهان، من خلال استمالة لجان المقاومة وإدماجها في العمل السياسي الرسمي، إلى سحب البساط من تحت أقدام تحالف «صمود» المعارض بقيادة رئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك، الذي يقدّم نفسه بوصفه حامل مطالب ثورة ديسمبر. وبهذا، يحاول البرهان تقويض ادعاء القوى المدنية احتكار الشرعية الثورية، مع منح شباب المقاومة اعترافًا سياسيًا حُرموا منه خلال الفترة الانتقالية (2019-2021) التي انتهت بالانقلاب الذي قاده البرهان و«حميدتي» على المكوّن المدني فيها.
غير أن الرسالة، بحسب مصدر سياسي في مكتب رئيس الوزراء، كامل إدريس، موجّهة أيضًا إلى «الكتلة الديمقراطية» نفسها، وهي الائتلاف الرئيسي المتحالف مع الجيش الذي كان مكلفًا أصلًا بترشيح أعضاء المجلس التشريعي المؤجل منذ فترة طويلة. وكان البرهان أبدى في الآونة الأخيرة امتعاضًا من أداء الكتلة، متهمًا إياها بعدم «تعزيز شرعية الدولة»، وفق مصدر مقرّب منه.
ويرى المصدر في مكتب إدريس أن البرهان يلوّح بإمكانية تهميش فاعلين سياسيين تقليديين من المجلس التشريعي، بما يهدف أيضًا إلى مواجهة السرديات التي تتهم أطرافًا بعينها باحتكار مسار الانتقال.
وبحسب عضو برلماني سابق خلال الفترة الانتقالية (2005–2010)، فإن الحديث عن مجلس تشريعي انتقالي في هذا التوقيت يرتبط بحاجة السلطة إلى حاضنة سياسية توفر قدرًا من الشرعية الداخلية، وتخلق توازنًا في مواجهة خصومها، سواء في الساحة العسكرية أو المدنية.
ويرى المصدر أن استدعاء «كتلة ديسمبر» يمثل محاولة لاحتكار رمزية الثورة، عبر تصدير قوى بعينها باعتبارها «القوى المنحازة لثورة ديسمبر» أو «التي أنجزت الثورة»، مقابل إضعاف أو استبعاد أطراف مدنية ترفض استمرار هيمنة المؤسسة العسكرية على القرار السياسي.
حميدتي في أوغندا على رأس وفد من «تأسيس»
قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو حميدتي والرئيس الأوغندي يوري موسفيني يجريان لقاء في قصر الرئاسة بمدينة عنتيبي، 20 فبراير. المصدر: موسفيني على إكس
في وقت لا يزال فيه السودان معلق العضوية في الاتحاد الإفريقي بعد إخفاق الدول الأعضاء في التوافق على إعادته خلال القمة الـ39 للاتحاد منتصف فبراير الجاري، توجّه قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو «حميدتي»، الجمعة الماضي، إلى أوغندا على رأس وفد رفيع من تحالف «تأسيس» الذي تقوده قواته.
وتعد الزيارة أول ظهور علني له في دولة خارجية منذ أدائه اليمين في أغسطس الماضي رئيسًا لمجلس الرئاسة في الحكومة التي يقودها تحالف «تأسيس» في غربي السودان.
وبحسب باحث ومصدر سياسي تحدثا لـ«مدى مصر»، سعى حميدتي إلى استثمار اللحظة لتقديم نفسه في أوغندا -وهي دولة مؤثرة داخل الاتحاد الإفريقي- بوصفه ندًا لرؤساء الدول.
وفي عنتيبي، عقد حميدتي لقاء مع الرئيس الأوغندي، يوري موسيفيني، في قصر الرئاسة في حول ما وصفه بـ«رؤية أوغندية» لإنهاء الحرب. وقال الرئيس الأوغندي في منشور على إكس إنه استقبل حميدتي، مؤكدًا أن الحوار والحل السياسي السلمي هما السبيلان الوحيدان لتحقيق الاستقرار المستدام للسودان والمنطقة.
وخلال لقاء حميدتي مع أفراد من الجالية السودانية موالين له في عنتيبي الأحد، أوضح حميدتي أن الزيارة جاءت بدعوة من موسيفيني، مضيفًا أن جهات سودانية طلبت من الرئيس الأوغندي المساعدة في التوسط لتسوية.
وقال: «من أول يوم في الحرب قلنا التفاوض إفريقي، السلام يتم في إفريقيا، إيقاد زائد الاتحاد الإفريقي»، مضيفًا أن قواته تسعى إلى «السلام الحقيقي، ما زي سلام جوبا.. ما زي سلام نيفاشا الذي قسّم البلد».
وتأتي الزيارة بعد أيام من تعثر مساعي إعادة السودان إلى الاتحاد الإفريقي، وهو ما رأى فيه الباحث في شؤون القرن الإفريقي، فؤاد عثمان، محاولة من حميدتي -برفقة وفد «تأسيس»- لتعزيز موقعه في مواجهة البرهان.
من جانبه، قال وزير الخارجية في حكومة «تأسيس»، عمار أمون، لـ«مدى مصر»، إن زيارة أوغندا كانت «ناجحة»، رغم «رفض الاتحاد الإفريقي الاعتراف بحكومة موازية». وأشار إلى ثقل كمبالا داخل الاتحاد، معتبرًا أن حكومته تمثل السودان، فيما وصف حكومة بورتسودان بغير الشرعية، مستندًا إلى استمرار تعليق عضوية السودان في الاتحاد.
بدوره، اعتبر رئيس لجنة السياسات وشؤون السلام في حزب الأمة القومي، إمام الحلو، أن الزيارة تهدف إلى إضفاء شرعية على «تأسيس»، لكنه قال إنها لم تقدم طرحًا سياسيًا جديدًا. ووصف الحلو خطاب حميدتي الجماهيري بالضعيف، معتبرًا أنه ركّز على القوة العسكرية ومحاربة الإسلاميين دون تقديم رؤية واضحة لشكل الدولة أو ترتيبات المرحلة الانتقالية، مضيفًا أن الزيارة لم تحقق اختراقًا سياسيًا ملموسًا، وأن استقبال موسفيني لم يتجاوز إطار السعي الأوغندي المستمر للوساطة بين الجيش و«الدعم السريع».
وخلال وجوده في عنتيبي، كرر حميدتي اتهام البرهان بتلقي توجيهات من إسلاميين مرتبطين بالنظام السابق، معلنًا تأييده لمبادرة السلام التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وقال إن موقف ترامب المناهض للإسلاميين وجماعة الإخوان المسلمين من شأنه أن «يحل مشاكلنا».
وأضاف أن بعض الدول المنخرطة في الوساطة واصلت «المناورة»، لكنها باتت محصورة في «الرباعية» التي تقودها الولايات المتحدة وتضم الإمارات ومصر والسعودية، بعد فشلها في إيجاد مسارات أخرى للتأثير. وهاجم السعودية ومسار جدة لعام 2023، قائلًا إن قواته لم ترفض بنود اتفاق جدة -الذي يتضمن إخلاء المرافق العامة والخاصة التي جرى احتلالها- لكنها أدركت بعد عام من الحرب أن السعوديين تدخلوا فقط لتمكين البرهان.
وقال عثمان إن تصريحات حميدتي وإن تضمنت رسائل مباشرة إلى السعودية، حملت أيضًا انتقادات غير مباشرة لدولة مجاورة يُفهم أنها مصر، متهمًا إياها بالتدخل دعمًا للبرهان والجيش.
وقال حميدتي إن معسكر البرهان «يفتكروا إنهم الآن، ومع الدعم العسكري، بينتصروا ويرجعوا للسلطة، لكنهم غلطانين».
كما اتهم دولًا لم يسمّها بدعم الجيش بمرتزقة، في حين نفى الاتهامات الموجهة إلى قواته بالاستعانة بمقاتلين أجانب. وقال: «قالوا [جلبنا] كولومبيين. ديل جبنا 10 فنيين للمسيرات. مش مرتزقة».
من جانبها، أدانت الحكومة السودانية استقبال أوغندا لقائد قوات الدعم السريع. وفي بيان الأحد، وصفت وزارة الخارجية اللقاء بين حميدتي وموسيفيني بأنه خطوة غير مسبوقة. وأكدت أن السودان يحترم حق أوغندا السيادي في تحديد من تستقبله على أراضيها وإدارة علاقاتها الثنائية وفق مصالحها، لكنها أعربت عن قلق عميق إذا ما كانت الزيارة تشير إلى تحول في سياسة كمبالا تجاه السودان.
عقوبات أمريكية جديدة على قادة بـ«الدعم السريع».. وبعثة أممية تستنتج وقوع إبادة جماعية في الفاشر

فرضت وزارة الخزانة الأمريكية، في 19 فبراير الجاري، حزمة جديدة من العقوبات على ثلاثة من القادة الميدانيين في قوات الدعم السريع، على خلفية ما اعتبرته «واشنطن» دورًا مباشرًا لهم في حصار مدينة الفاشر والاستيلاء عليها ضمن سياق النزاع المسلح الدائر في السودان منذ أبريل 2023.
وشملت الإجراءات تجميد أي أصول أو ممتلكات تقع ضمن الولاية القضائية الأمريكية أو تمر عبر النظام المالي المرتبط بها، إلى جانب حظر التعاملات المالية مع الأفراد والكيانات المدرجة، ومنع دخول بعضهم وأفراد من عائلاتهم إلى الولايات المتحدة.
وقدمت الإدارة الأمريكية هذه الخطوة بوصفها جزءًا من سياسة أوسع لمحاسبة المسؤولين عن «الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وتقويض الاستقرار»، في إطار الصراع المستمر بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، مؤكدة أن العقوبات تستهدف الأفراد المتهمين بارتكاب جرائم، لا الشعب السوداني أو مؤسساته المدنية.
وشملت العقوبات الأمريكية جدو حمدان أحمد محمد، المعروف بـ«أبو شوك»، وهو لواء في قوات الدعم السريع ويتولى قيادة قطاع شمال دارفور منذ عام 2021، والتيجاني إبراهيم موسى محمد، الملقب بـ«الزير سالم»، وهو أحد القادة الميدانيين البارزين في التشكيل ذاته. كما شملت العقوبات أيضًا القائد الميداني المعروف بـ«أبو لولو»، وهو أحد الوجوه العسكرية المرتبطة بالعمليات التي نفذتها قوات الدعم السريع في محيط مدينة الفاشر خلال فترة الحصار والسيطرة عليها.
ومنذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، تبنّت الولايات المتحدة مسارًا تصاعديًا في فرض العقوبات على قيادات «الدعم السريع»، واستهدفت شخصيات في القيادة العليا، على رأسهم قائد قوات الدعم السريع، حميدتي، إلى جانب شقيقه ونائبه عبد الرحيم حمدان دقلو، كما فرضت عقوبات على قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، وبررت الولايات المتحدة فرض عقوبات على حميدتي في أواخر عهد الرئيس السابق جو بايدن بأن قوات الدعم السريع ارتكبت إبادة جماعية في السودان.

وتوسعت العقوبات الأمريكية لاحقًا، إذ شملت شركات وواجهات اقتصادية مرتبطة بشبكات تمويل قوات الدعم السريع، خاصة في قطاعات التعدين والذهب والخدمات اللوجستية، باعتبار أن البنية الاقتصادية للقوة شبه العسكرية تُعد ركيزة لاستمرار عملياتها الميدانية.
وأدرجت وزارة الخزانة الأمريكية عددًا من الكيانات والأفراد المرتبطين بسلاسل الإمداد والتمويل، في محاولة لتقييد قدرة هذه الشبكات على استخدام النظام المالي الدولي أو إجراء تحويلات عبر مؤسسات وسيطة. كما شملت العقوبات شخصيات ميدانية في دارفور بعد توثيق مجازر ذات طابع إثني في مدن مثل الجنينة، حيث اتهمت تقارير أممية القوات بارتكاب أعمال قتل جماعي وتهجير قسري.
وشكل سيطرة الدعم السريع الدموية على الفاشر في 26 أكتوبر الماضي أحد أبرز المشاهد المأساوية في الحرب الراهنة. فقد خضعت المدينة لحصار طويل امتد قرابة 18 شهرًا، تخللته مواجهات عسكرية متكررة وقصف وأعمال عنف داخل الأحياء السكنية، ما أدى إلى انهيار تدريجي في الأوضاع الأمنية والإنسانية.
وتقاطعت شهادات الناجين مع تقارير منظمات دولية لتشير إلى نمط من العنف المنهجي شمل عمليات قتل على أسس إثنية استهدفت مجموعات غير عربية، لا سيما من «الزغاوة» و«الفور»، إلى جانب انتشار واسع لحالات العنف الجنسي ضد النساء والفتيات، بما في ذلك الاغتصاب الجماعي والاعتداءات المصحوبة بإيذاء بدني جسيم. كما تعرضت مرافق مدنية حيوية، من مستشفيات وأسواق ومراكز إغاثة، للتدمير أو التعطيل، الأمر الذي فاقم من معاناة السكان المحاصرين وأضعف قدرة المنظمات الإنسانية على الوصول إليهم.
من جهتها، اعتبرت البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان أن ما جرى في الفاشر يحمل «علامات إبادة جماعية»، وهو من أقوى التوصيفات القانونية التي صدرت منذ اندلاع الحرب.
وقالت البعثة في تقرير نشرته الخميس الماضي إن قوات الدعم السريع نفذت حملة تدمير منسقة ضد مجتمعات غير عربية في الفاشر وما حولها، تشير سماتها المميزة إلى ارتكاب إبادة جماعية.
وووثّق التقرير وقوع جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، إذ تشير الأدلة إلى ارتكاب ثلاثة أفعال على الأقل للإبادة الجماعية، وتشمل تلك الأعمال، قتل أفراد من جماعة عرقية محمية، وإحداث ضرر جسدي ونفسي جسيم، وفرض ظروف معيشية تهدف إلى تدمير المجموعة كليا أو جزئيا، وكلها عناصر لجريمة الإبادة الجماعية بموجب القانون الدولي.
وخلص التقرير الذي قدم إلى مجلس حقوق الإنسان تحت عنوان «سمات الإبادة الجماعية في الفاشر» إلى أن نية الإبادة الجماعية هي الاستنتاج المعقول الوحيد الذي يمكن استخلاصه من النمط المنهجي؛ الذي تتبعه قوات الدعم السريع في أعمال القتل المستهدفة عرقيا والعنف الجنسي والتدمير والتصريحات العلنية، التي تدعو بشكل صريح إلى إبادة مجتمعات غير عربية وخاصة «الزغاوة» و«الفور».
فيما اعتبر مصدر إعلامي بمكتب حاكم إقليم دارفور لـ«مدى مصر» أن هذه العقوبات في نظر حكومة إقليم دارفور التي يقودها رئيس حركة جيش تحرير السودان، مني أركو مناوي، ليست كافية، داعيًا إلى تحميل المسؤولية قائد قوات الدعم السريع ونائبه بوصفهما القادة المسؤولين عن إصدار الأوامر، كما حدث سابقا في المحكمة الجنائية الدولية في أحداث 2003 مع البشير وبقية قياداته.
ورأى المصدر أن هذا الأمر ينعكس بشكل مباشر على الأرض حيث تستمر «الدعم السريع» في استباحة مناطق وأراضي «الزغاوة» بشكل كبير جدًا، موضحًا أن مدينة الفاشر ومحيطها ما زالا يواجهان تحديات إنسانية جسيمة، مع استمرار معاناة النازحين في مخيمات مؤقتة تعاني نقصًا في الغذاء والدواء والخدمات الأساسية، إضافة إلى مخاوف من تجدد الانتهاكات بحقهم داخل هذه المعسكرات.
لتصلك نشراتنا على البريد الإلكتروني، سجل هنا.
أخبار ذات صلة
تفشي حمى الضنك في الخرطوم، ومصادر طبية: العاصمة لا تزال غير مهيأة | تفش كبير للحصبة وسط نازحي شمال دارفور | انشقاق قائد من «الدعم السريع» وانضمامه للجيش | الجيش يفشل هجومًا على الدلنج
تجد الخرطوم نفسها مجددًا في مواجهة تفشٍ لحمى الضنك
إضرابات في القطاع الصحي في نيالا | البرهان يلغي منصب نائب القائد العام ومساعده | رئيس الاستخبارات العسكرية السودانية يزور طرابلس | الجيش يبدأ عملية استعادة الكرمك بولاية النيل الأزرق
في نشرة السودان: شهد هذا الأسبوع سلسلة من الإعلانات التي استكملت ملامح القرار الصادر في 2 أبريل الجاري عن رئيس مجلس السيادة…
تراجع الإمدادات الإماراتية لـ«الدعم السريع» عبر ليبيا في ظل الضربات الإيرانية على الخليج | الجيش يستهدف إمدادات لـ«الدعم السريع» في شمال دارفور دخلت عبر تشاد | «الدعم السريع» والحركة الشعبية تواصلان الضغط في النيل الأزرق.. واستمرار القتال يُنذر بأزمة غذائية | «الدعم السريع» تتوغل في الدلنج والجيش يصد الهجوم | البرهان يجري تعديلات في هياكل قيادة الجيش.. والعطا رئيسًا للأركان
البرهان يجري تعديلات واسعة في هياكل قيادة الجيش.. والعطا رئيسًا للأركان
«الدعم السريع» تستولي على الكرمك في النيل الأزرق | مقتل نحو 100 مدني في دارفور في هجمات نُسبت إلى الجيش | الحرب على إيران تضاعف أزمة الأدوية في السودان
بينما كان قائدا طرفي الصراع في السودان يوجّهان تهاني مسجلة بمناسبة عيد الفطر إلى المواطنين، واصلت قواتهما وطائراتهما المُسيّرة العمليات العسكرية، مخلفة…
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
