أزمة الأسمدة تتجدد: شكاوى من نقص حاد رغم تطمينات رسمية بوجود مخزون كافٍ
تجددت أزمة نقص الأسمدة المدعمة بالتزامن مع بدء موسم الزراعة الصيفي، في عدد من محافظات الوجه البحري والصعيد، وسط شكاوى من فلاحين بعدم توفير الجمعيات الزراعية حصصهم على مدار شهري مايو ويونيو، وارتفاع أسعار الأسمدة الحرة في السوق، في حين تتصاعد المخاوف من تفاقم الأزمة بسبب عدم استقرار إمدادات الغاز الإسرائيلي وتوقف مصانع الأسمدة.
عدد من الفلاحين في محافظات مختلفة قالوا لـ«مدى مصر» إن الجمعيات الزراعية رفضت صرف حصة الأسمدة المقررة، والتي تتراوح بين ثلاث وخمس شكائر للفدان، واكتفت بصرف شيكارة واحدة للبعض، ونصف الحصة للبعض الآخر، فيما لم تصرف بعض الجمعيات أي أسمدة بدعوى نفاد المخزون.
وتوزع وزارة الزراعة الأسمدة المدعمة عادةً على موسمين؛ الصيفي الذي يبدأ بين أبريل ومايو، والشتوي الذي ينطلق في أكتوبر. ورغم تكرار الشكاوى الموسمية من نقص الأسمدة المدعمة، تشير مصادر بالقطاع إلى أن الأزمة الحالية، التي بدأت تتفاقم خلال العامين الماضيين، تتجاوز في حدتها ما اعتاده الفلاحون في المواسم السابقة.
تلزم الحكومة معظم مصانع الأسمدة بتوريد 55% من إنتاجها إلى وزارة الزراعة، مقابل الحصول على غاز مدعم، لكن الشركات تخالف هذا القرار بشكل مستمر منذ سنوات، ما سبق ودفع لجنتي زراعة «النواب» و«الشيوخ» لمطالبة المصانع بالالتزام بالحصص المقررة.
وفسر عضوان في لجنة زراعة مجلس النواب لـ«مدى مصر» في وقت سابق، عدم التزام المصانع بتوريد حصص الأسمدة المدعمة للجمعيات الزراعية البالغ عددها 7200 جمعية في أنحاء الجمهورية وتفضيلهم تصديرها أو بيعها للتجار، لأن غرامة الامتناع عن التوريد لا تتجاوز 50 جنيهًا على الطن.
مصدر في وزارة الزراعة قال لـ«مدى مصر» إن المصانع لم تورد للوزارة سوى 100 ألف طن في مايو الماضي، و80 ألفًا في يونيو الجاري، وهو ما لا يتجاوز 40% من الكميات المطلوبة، وبحسب المصدر، أرجعت المصانع ذلك لـ«نقص إمدادات الغاز الطبيعي»، الذي يشكل جزءًا كبيرًا من تكلفة إنتاج الأسمدة الأزوتية.
لكن مصدرًا آخر بالوزارة أكد أن الأزمة لا تتعلق بانقطاعات الغاز الإسرائيلي، مشيرًا إلى أن مصانع الأسمدة، وعلى رأسها الشركات التي تمتلك الحكومة حصة فيها مثل «أبو قير للأسمدة»، تواصل التصدير بكميات كبيرة، وتحقق أرباحًا متصاعدة، رغم تراجع التوريد للسوق المحلي.
بحسب محضر اجتماع جمعيتها العمومية في أبريل 2024، خالفت شركة أبو قير (على مدار نحو عام كامل) قراري مجلس الوزراء رقمي 170 لسنة 2021 و178 لسنة 2022، اللذين يُلزمان الشركات بتوريد 55% من إنتاجها الفعلي لوزارة الزراعة. حيث إنها بين يوليو 2023 ومايو 2024، لم تُورد الشركة سوى 822 ألف طن (نحو 43% من الإنتاج)، بينما صدّرت نحو 1.034 مليون طن، أي ما يعادل 55% من إنتاجها الكلي، في مخالفة مباشرة لبنود الاتفاق.
«المصانع بتستخدم أزمة الغاز كحجة، لكن الحقيقة إن التصدير مربح أكتر، والأسعار العالمية زادت، ودي فرصة للتصدير»، يقول مصدر في إحدى شركات الأسمدة الخاصة لـ«مدى مصر».
وتشير بيانات للمجلس التصديري للصناعات الكيماوية، اطلع عليها «مدى مصر»، إلى ارتفاع في صادرات الأسمدة، إذ سجلت خلال الربع الأول من العام الجاري، نحو 961 مليون دولار، مقابل 619 مليونًا في الفترة نفسها من العام الماضي، بزيادة 55%.
المرحلة الثانية من «تسرب السماد»، كما يصفها المصدر في وزارة الزراعة، تبدأ من الجمعيات نفسها، التي يبيع بعض مسؤوليها كميات من السماد قبل وصولها إلى الفلاحين، عبر السوق السوداء، مستغلين ثغرات في منظومة «كارت الفلاح» أو الحيازة الزراعية.
«عملنا استغاثة عبر بوابة الشكاوى الموحدة، وبعد فترات طويلة الرد يكون أنه تم توجيها للمحافظة التي توجهها للإدارة الزراعية، والتي بدورها تقول إنه جاري تزويد المخازن بالأسمدة، ومفيش حاجة بتحصل»، يقول محمد غازي، مزارع بكفر الشيخ لـ«مدى مصر».
من جانبها، أكدت وزارة الزراعة، في بيان، الأسبوع الماضي، توافر الأسمدة داخل الجمعيات التعاونية، وانتظام حركة الصرف، مشيرة إلى أنها صرفت 300 ألف طن على مدار الشهرين الماضيين، فيما تمتلك مخزونًا استراتيجيًا يصل إلى 250 ألف طن. وأوضح البيان أن الكميات لا تُصرف دفعة واحدة، بل على مراحل لتغطية احتياجات جميع المزارعين.
أمام نقص الأسمدة الذي تنفيه الوزارة، وتؤكده المصادر، يلجأ الفلاحون للشراء من السوق الحرة بأسعار مضاعفة، تصل إلى 1700 جنيه للشيكارة 50 كيلوجرامًا، مقارنة بـ 270 جنيهًا للمدعمة، وسط انتشار واسع للأسمدة المغشوشة، وفقًا لعدد من الفلاحين تحدثوا إلى «مدى مصر».
ارتفاع أسعار الأسمدة الحرة، وفقًا لمالك محل مبيدات في محافظة الشرقية، تحدث لـ«مدى مصر»، يرجع لسيطرة عدد محدود من التجار عليه، يتعمدون «تعطيش» السوق خلال مواسم الزراعة الصيفية والشتوية، لرفع الأسعار، دون أي رقابة من الدولة.
كانت دراسة صادرة عن مجلس الشيوخ في 2023، أشارت إلى وجود خلل مزمن في التزام المصانع بتوريد الحصص المتفق عليها للحكومة، ما يتسبب في تفشي السوق السوداء موسميًا، رغم استفادة هذه المصانع من الغاز المدعوم وتسهيلات حكومية أخرى. توصيات الدراسة، التي أحالها المجلس للحكومة لتنفيذها قبل سنتين، شملت ضرورة التزام الشركات الحكومية المتعاقدة بسد احتياجات السوق المحلي من الأسمدة قبل التوجه نحو التصدير بأسعار مقبولة، وكذلك بوضع حد أقصي لحصة كل تاجر شهريًا، لكسر الاحتكار وضرورة إحكام الرقابة والتفتيش المستمر على كبار موزعي الأسمدة للتأكد من عدم وجود حالات احتكار للأسمدة.
أخبار ذات صلة
«الكشري».. الثمن الخفي للسيادة الغذائية المسلوبة
وجبة تعكس علاقة مصر بأرضها وسكانها وواقع الاستعمار الاقتصادي الذي أعاد تشكيل مائدتنا
ليالي قطاف الياسمين
ذهبنا إلى حقول شبرا بلولة ليلًا وسجّلنا تجربة قطاف الياسمين الشاقة كما هي في الواقع
+%170 زيادة في إيجارات أراضي «الأوقاف» و«الإصلاح الزراعي».. «تعظيم إيرادات الدولة» يهدد صغار المزارعين
هدف الزيادات كان تعظيم العائد من الأصول التي تديرها الدولة
فيضان النيل يُغرق أراضي طرح النهر.. الأهالي يستغيثون بالدولة والدولة تهاجم إثيوبيا
لم يعد هناك طريق آخر للخروج أو العودة، فالقارب الصغير أصبح الوسيلة الوحيدة التي تربط البيت بالعالم
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن