بنيامين
(2 من 3): الأزمنة المظلمة
هذا هو الجزء الثاني من الترجمة العربية لدراسة سيرية موضوعها حياة وأعمال فالتر بنيامين، منشورة بالألمانية، في 1968، وبالإنجليزية، في العام نفسه (طالع الجزء الأول هنا). نُشر المقال المطول أولًا (في يناير/ كانون الثاني) كمقدمة لكتاب يجمع مقالات متنوعة لبنيامين، اختارتها وحررتها الكاتبة نفسها (Illuminationen, Suhrkamp Verlag)، ثم مسلسلًا في ثلاثة أعداد من مجلة «ميركور» (Merkur)، بين يناير/ كانون الثاني وأبريل/ نيسان. تتوفر الأجزاء المسلسلة على موقع المجلة (هنا وهنا وهنا) وفقًا لتقسيم المؤلفة مقالها إلى ثلاثة أجزاء، وقد اخترنا نشره بالعربية مسلسلًا بالطريقة نفسها. أما النسخة الإنجليزية فقد نُشرت لاحقًا دفعة واحدة في «النيويوركر» (عدد 19 أكتوبر/ تشرين الأول) أيضًا بالتزامن مع صدور الطبعة الإنجليزية من الكتاب في نيويورك (Illuminations, Schocken). والمترجم هو هاري زورن Harry Zorn.
تفترق النسخة الإنجليزية في بعض المواضع عن الأصل الألماني، ولا يعود هذا إلى اختيارات المترجم المحتملة وحدها وإنما إلى ما يبدو أنه تدخلات تحريرية من المؤلفة نفسها، والتي كانت تكتب باللغتين. وأبرز هذه الاختلافات فقرات إضافية افتتاحية تحت عنوان الجزء الأول ليس لها مقابل في الأصل. وهذه النسخة العربية نتاج اشتغال محمد هوجلا-كلفت على نسخة زورن، ومراجعة إسماعيل فايد لها بناء على مضاهاتها بالأصل الألماني.
ونود أن نشكر وكالة ورثة هانا آرنت Hannah Arendt التي أذنت لنا بالنشر.
«كل من يعجز عن التكيف مع الحياة حيًّا يحتاج يدًا يُبعد بها قليلًا يأسه من مصيره… ولكنه يستطيع أن يخط بيده الأخرى ما يراه وسط الخرائب، فهو يرى أشياء مختلفة عما، وأكثر مما، يراه الآخرون؛ هو في نهاية المطاف ميت في حياته وهو الناجي الحقيقي».
فرانتس كافكا، «يوميات»، مدخل 9 أكتوبر/ تشرين أول، 1921.
«كمن يبقى طافيًا فوق حطام سفينة متسلقًا إلى أعلى الصاري الآخذ في التداعي. لكنه من هناك تسنح له فرصة إرسال إشارة من شأنها إنقاذه».
فالتر بنيامين في خطاب إلى جرهارد شولم بتاريخ 17 أبريل/ نيسان، 1931.
كثيرا ما تختم الحقبة بوسمها أولئك الأقل تأثرًا بها، البعيدين عنها أشد البعد، ومن عانوا لذلك أكثر من الجميع. هكذا كان الحال مع بروست، ومع كافكا، ومع كارل كراوس، ومع بنيامين. إيماءاته وطريقته في رفع رأسه عند الاستماع وعند الكلام؛ مشيته وحركاته؛ طباعه، ولكن على الأخص أسلوبه في الحديث، وصولًا إلى اختياره للكلمات وشكل تراكيبه النحوية؛ وأخيرًا، أذواقه الغريبة العجيبة بلا مراء. كل هذا بدا عتيق الطراز، كما لو أن القرن التاسع عشر كان قد جرفه إلى العشرين على النحو الذي يندفع به الواحد إلى ساحل جزيرة مجهولة. هل شعر في أي وقت من الأوقات وهو في ألمانيا القرن العشرين بأنه في بيته؟ هناك ما يدعو المرء إلى الشك في ذلك. ففي 1913، عندما زار فرنسا للمرة الأولى في شبابه الأول، كانت شوارع باريس بعد أيام قلائل فيها «تكاد تكون ذات ألفة بيتية أشد» (Briefe I, 56) عنده من ألفة شوارع برلين. ولعله قد شعر حتى في ذلك الوقت المبكر، ومن المؤكد أنه شعر بعدها بعشرين عامًا، كم كانت الرحلة من برلين إلى باريس بمثابة رحلة عبر الزمن، لا من بلد إلى بلد، وإنما من القرن العشرين عودةً إلى التاسع عشر. هناك كانت الأمة بحق التعريف، الأمة صاحبة الثقافة التي كانت قد حددت ماهية أوروبا القرن التاسع عشر، والتي من أجلها هي كان هاوسمان قد بنى باريس، «عاصمة القرن التاسع عشر»، كما سيسميها بنيامين. باريس هذه لم تكن بعد كوزموبوليتية [أهلها مخلَّطون]، والحق يقال، لكنها كانت أوروبية حتى النخاع، وهكذا، وببساطة طبيعية لا تضاهى، قدمت نفسها لكل شريدي الأوطان كموطن ثانٍ على الدوام، بدءًا من منتصف القرن الماضي. ولم يستطع هذا أبدًا تغيير رهابُ الأجانب الملحوظ لدى سكانها ولا المضايقاتُ المحبوكة من قبل من قِبَل الشرطة المحلية. وقبلَ تغريبته بزمن طويل، عرف بنيامين كيف كان «أمرًا بالغ الاستثنائية أن يجري مع فرنسي اتصالًا من النوع الذي من شأنه تمكين المرء من إطالة الحديث معه ليتجاوز الربع ساعة الأولى» (Briefe I, 445). ولاحقًا، عند توطينه في باريس لاجئًا، منعته عزة نفسه الفطرية من تطوير علاقاته الضعيفة بمعارفه -وعلى رأسهم أندريه جِيد- إلى علاقات مفيدة ومن إقامة صلات جديدة. (اصطحبه فيرنر كرافت -كما علمنا مؤخرًا- لمقابلة شارل دو بو، والذي، بفضل «حماسه للأدب الألماني»، كان بمثابة شخصية بارزة عند المهاجرين الألمان. فيرنر كرافت هو من تمتع بعلاقات أفضل يا لسخرية الأقدار!) وفي مراجعته لأعمال بنيامين ورسائله وكذلك آثاره الأدبية غير الرئيسية، تلك المراجعة الحصيفة على نحو أخاذ، أوضح بيير ميساك مدى المعاناة العظيمة التي لا بد أن بنيامين قد عاناها بسبب عدم حصوله على «الاستقبال» الذي كان يستحقه في فرنسا. هذا صحيح، بالطبع، لكنه بالتأكيد لم يكن فيه ما يفاجئ.
ومهما كان من إزعاجٍ وإهانةٍ يُحتمل أن كل هذا قد سببهما، كانت المدينة نفسها تعويضًا عن كل شيء. فبوليفارداتها [مماشيها العريضة الممدودة فوق الأسوار الدارسة]، كما اكتشف بنيامين مبكرًا ،في 1913، تصنعها بيوت «لا يبدو أنها أقيمت للعيش فيها، وإنما تشبه رصات حجرية لسير الناس فيما بينها» (Briefe I, 56). هذه المدينة، والتي ما زال يمكن للمرء الدوران حولها مرورًا بالبوابات القديمة، بقيت على الحال الذي كانت عليه مدن العصور الوسطى، مرتفعة الأسوار في وجه الخارج ومحتمية منه: داخلٌ، ولكن دون ضيق الشوارع القروسطية، باطنٌ مفتوح سخي البناء والتخطيط يعلوه قوس السماء كسقف مهيب. «أرقى ما في كل هذا الفن وكل هذا النشاط هنا هو حقيقة أنهما يتركان للقليل المتبقي من الأصلي والطبيعي بهاءه» (Briefe I, 421). والحق أنهما يمدانه بلمعة جديدة. إن الواجهات الموحدة، التي تكتنف الشوارع كجدران تبطنها، هي التي تُشعر المرء بأنه مستور بالمعنى المادي في هذه المدينة أكثر مما في أي مدينة سواها. والبواكي، التي تربط البوليفاردات العظيمة وتوفر الحماية من الجو القارس، أعملت في بنيامين عملها من الإبهار الذي بلغ حد إشارته ببساطة إلى مشروعه الكبير حول القرن التاسع عشر وعاصمته باسم «البواكي» (Passagenarbeit)؛ وهذه الممرات بمثابة رمز لباريس، فهي وبوضوح داخلٌ وخارجٌ في ذات الوقت، وهكذا تمثّل طبيعتَها الحقة في شكلها النقي الأصيل. وفي باريس يشعر الغريب بأنه في بيته لأن بإمكانه أن يسكن المدينة كما يعيش في جدران بيته الأربعة. وتمامًا كما يسكن المرء شقة، ويمدها بأسباب الراحة، بأن يعيش فيها عوضًا عن مجرد استخدامها للنوم والأكل والعمل، فإنه يسكن مدينة بأن يتسكع فيها دون هدف أو غرض، تؤمِّن مقامه بها المقاهي التي لا حصر لها تكتنف الشوارع وتمر من أمامها حياة المدينة وتيار المشاة. وباريس إلى يومنا هذا هي الوحيدة بين المدن الكبرى التي يمكن وبيسرٍ الانتهاء منها سيرًا على الأقدام، ومن أجل الاحتفاظ بحيويتها تعتمد أكثر من أي مدينة أخرى على من يمرون عابرين في الشوارع، بحيث إن حركة السيارات الحديثة تعرِّض وجودها ذاته للخطر وليس فقط لأسباب تقنية. إن اليباب المتمثل في ضاحية أمريكية، أو المناطق السكنية في بلدات كثيرة، حيث تجري حياة الشارع كلها على نهر الطريق وحيث يمكن للمرء المشي على الأرصفة، التي صارت الآن مجرد مسالك، لأميال لا يصادف المرء فيها إنسانًا واحدًا، هو النقيض التام لباريس. وما يبدو أن المدن الأخرى كلها تسمح به لحثالة المجتمع على مضض ليس إلا -التسكع والتبطل والتصعلك- تدعو شوارع باريس إليه كل إنسان. وهكذا، فمنذ الإمبراطورية الثانية صارت المدينة فردوس كل من ليسوا بحاجة إلى الجري وراء لقمة عيش، أو متابعة عمل، أو بلوغ غاية، ومن ثم فردوس البوهيميين، وليس فقط الفنانين والكتاب، وإنما كل من تَحلَّقوا حولهم إذْ تعذر إدماجهم سياسيًّا -مشردين بلا بيوت أو بدون جنسيات- أم اجتماعيًّا.
دون مراعاة هذه الخلفية للمدينة التي صارت تمثل خبرة مفصلية لبنيامين الشاب، يكاد يتعذر على المرء أن يفهم لماذا أصبح المتصعلك هو الشخصية المحورية في كتاباته. كان لمشية بنيامين طابع خاص، ربما يفصح بأشد وضوح عن المدى الذي بلغه هذا التسكع في تحديد إيقاع تفكيره، تلك المشية التي وصفها ماكس ريشنر بأنها «تتقدم وتتلكأ في ذات الوقت، مزيجًا غريبًا من كليهما» كانت مشية المتصعلك، وكان ذلك لافتًا للغاية، لأن المتصعلك، على غرار الغندور والمتبختر، كان القرن التاسع عشر وطنًا له، وهو زمن أمان مادي ضمن فيه أولاد عائلات الطبقة المتوسطة العليا دخلًا دون الاضطرار إلى العمل، فلم يكن ثمة وجه للعجلة. وتمامًا كما علَّمت المدينة بنيامين التصعلك، أسلوب المشي والتفكير هذا الذي هو سر من أسرار القرن التاسع عشر، أيقظت فيه على نحو طبيعي إحساسًا حميمًا نحو الأدب الفرنسي كذلك، وتكفَّل ذلك بإحداث جفوة تكاد لا تلتئم بينه وبين الحياة الثقافية الألمانية الطبيعية. «في ألمانيا أشعر بأنني معزول حقًّا بين المنتمين إلى جيلي من حيث الجهود والاهتمامات، بينما في فرنسا هناك قوى بعينها - الكاتبان جيرودو وأراجون، وثانيهما بالأخص؛ الحركة السوريالية - أرى أن ما يشغلها يشغلني أيضا»، هكذا كتب يقول لهوفمانشتال في 1927 (Briefe I, 446)، عندما كان يشرع في تعزيز «موقعه الباريسي» (Briefe I, 444-45)، وكان قد أقفل عائدًا من رحلة إلى موسكو مقتنعًا بأن المشروعات الأدبية التي تبحر رافعة راية الشيوعية لا جدوى منها. (قبل ذلك بثماني سنوات كان قد ذكر «شعور القرابة الذي لا يصدَّق» الذي كان قد بثه فيه بيجي: «لم يلمسني عمل مكتوب قط بتلك الحميمية ويعطني ذلك الشعور بالاتصال [الفكري والروحي]» [Briefe I, 217]) كلا لم ينجح في تعزيز شيء، وكان النجاح بالكاد ممكنًا. فقط في باريس ما بعد الحرب أمكن للأجانب -ومن المفترض أن ذلك هو ما يطلق في باريس إلى يومنا هذا على كل من لم يولد في فرنسا- أن يحتلوا «المواقع». من الناحية الأخرى، أُجبر بنيامين على أخذ موقع لم يكن له وجود فعلي في أي مكان، موقع تعذر في الحقيقة تعيينه وتشخيص حالته بصفته هذه إلى وقت لاحق. كان ذلك هو الموقع الكائن «في أعلى الصاري» والذي منه يمكن مسح الأزمنة العاصفة بأفضل مما تُمسح من مرفأ آمن، حتى لو كانت إشارات الاستغاثة الصادرة عن «حطام السفينة»، عن ذلك الرجل الواحد الذي لم يكن قد تعلم السباحة لا مع التيار ولا ضده، تكاد لا تُلحظ لا من قِبل الذين لم ينكشفوا قط على هذه البحار ولا أولئك القادرين على التحرك ولو حتى في طقس كهذا.
إذا نظرنا إليه من خارجه، كان ذلك هو موقع الكاتب بالقطعة العائش بقلمه؛ غير أن بنيامين، وكما لاحظ ماكس ريشنر وحده فيما يبدو، فعل ذلك على «نحو خاص»، لأن «أعماله المنشورة كانت أبعد من أن تكون متواترة» و«لم يكن من الواضح تمامًا أبدًا… إلى أي مدى أمكنه العيش على موارد أخرى.» كانت شكوك ريشنر مبررة من كل النواحي. فلم تكن تحت تصرف بنيامين قبيل هجرته «موارد أخرى» فحسب، وإنما كان فيما وراء واجهة الكتابة بالقطعة يحيا حياة أكثر حرية بدرجة معتبرة، وإن تكن حياة أديب هشة معرضة للخطر الدائم، أديب بيته مكتبة كانت قد جُمِعت بعناية بالغة لكن دون أن يُراد منها بأي حال من الأحوال أن تكون أداة عمل؛ كانت تتألف من كنوز أثبتت قيمتَها، كما كان بنيامين يردد كثيرًا، حقيقةُ أنه لم يكن قد قرأها ومن ثم مكتبة تَضْمن انعدام فائدتها أو فرصتها في خدمة أي مهنة. إن حياة كهذه كانت شيئًا لم يُعرف به من قبل في ألمانيا، والوظيفة التي استمدها بنيامين من هذه الحياة، فقط لأنه تَعَيَّن عليه كسب رزقه، لم يُعرف بها بالمثل تقريبا: ليست وظيفة مؤرخ أدبي وعالم له في رصيده العدد المطلوب من المؤلفات السميكة، وإنما وظيفة ناقد وكاتب مقالات كان ينظر حتى إلى الشكل المقالي بوصفه إطالة مبتذلة فوق الحد وكان سيفضل الوَجْزة لو أنه لم يكن يتقاضى الثمن بعدد الأسطر. بالتأكيد لم يكن غافلًا عن حقيقة أن طموحاته المهنية تتوجه إلى شيء هو ببساطة غير موجود في ألمانيا، حيث، وبالرغم من وجود ليشتنبرج وليسينج وشليجل وهاينه ونيتشه، لم تَلقَ الوَجْزات التقديرَ أبدًا، وكان الناس عادة يفكرون في النقد باعتباره شيئًا هدامًا سيء السمعة يمكن الاستمتاع به -إن لزم- فقط في القسم الثقافي من جريدة. ولم يكن من باب المصادفة أن يختار بنيامين اللغة الفرنسية للتعبير عن هذا الطموح:
Le but que je m'avais proposé… c'est d'être considéré comme le premier critique de la littérature allemande. La difficulté c'est que, depuis plus de cinquante ans, la critique littéraire en Allemagne n'est plus considérée comme un genre sérieux. Se faire une situation dans la critique, cela… veut dire: la recréer comme genre[.]
الهدف الذي وضعتُ لنفسي… هو أن يُنظر إلي باعتباري الناقد الأول في صدارة نقاد الأدب الألماني. والمشكلة هي أن النقد الأدبي في ألمانيا، ومنذ أكثر من خمسين عامًا، لم يُعتبر نوعًا [أدبيًّا] جادًّا. وأن يخلق المرء لنفسه مكانة في النقد يعني… أن يعيد خلقه من حيث هو نوع (Briefe II, 505).
لا شك في أن بنيامين كان مدينًا بهذا الاختيار المهني لتأثيرات فرنسية مبكرة، للتواجد بالقرب من الجارة الكبرى على الضفة الأخرى من الراين والذي بث فيه إحساسًا بالتقارب بالغ الحميمية. لكن الأكثر بكثير وشايةً بالأحوال هو أن هذا الاختيار المهني نفسه حفَزت عليه في الواقع الأزمنة العصيبة والمكابدات المالية. لو أراد المرء التعبير عن «المهنة» التي كان قد أعد نفسه لها بعفوية، وإنْ ربما من دون أن يدري، تعبيرًا يأخذ بالتصنيفات الاجتماعية، يتعين على المرء الرجوع إلى ألمانيا في عهد فيلهلم [الثاني] التي فيها نشأ وفيها تشكلت خططه الأولى للمستقبل. عندئذ يمكن للمرء القول بأن بنيامين لم يُعِدَّ لشيء إلا لـ«مهنة» جامع المقتنيات الخاصة والدارس المستقل كليًا، ما كان يسمى آنذاك عالِمًا مستقلًّا Privatgelehrter. ونظرًا لظروف تلك الفترة فإن دراساته، وكان قد بدأها قبل الحرب العالمية الأولى، تعذر أن تفضي إلى غير السلك الجامعي، لكن اليهود غير المعمَّدين كانوا لا يزالون ممنوعين من مثل هذه المسار، كما كانوا ممنوعين من أي مسار في سلك الخدمة العامة. كان مثل هؤلاء اليهود مسموحًا لهم بشهادة تأهل [للأستاذية] وأمكنهم على الأكثر أن ينالوا درجة أستاذ خارج الكادر Extraordinarius؛ كان مسارًا مهنيًّا يشترط مسبقًا وجود دخل مضمون لا مسارًا يوفر هذا الدخل. أما الدكتوراه التي قرر بنيامين نيلها فقط «مراعاة لأهلي» (Briefe I, 216) ومحاولته اللاحقة لنيل شهادة التأهل فكان المراد منهما أن يكون أهله على أساسهما مستعدين لوضع مثل هذا الدخل تحت تصرفه.
تغير هذا الوضع بعد الحرب دون مقدمات: كان التضخم قد أفقر أعدادًا كبيرة من البورجوازيين، وفي جمهورية فايمار فُتح المسار الجامعي حتى أمام اليهود غير المعمدين. إن قصة شهادة التأهيل، تلك القصة الحزينة، تظهر بوضوح كيف استصغر بنيامين هذا التبدل في الظروف وكيف أمعن في الوقوع تحت سيطرة الأفكار السابقة على الحرب حيال كل الشؤون المالية. فمن البداية كان المراد الوحيد من شهادة التأهل دعوة أبيه «إلى القيام بالواجب» من خلال توفير «دليل على التقدير العام» (Briefe I, 293) ودفْعه إلى منح ابنه، وكان آنذاك في ثلاثيناته، دخلًا كافيًا، ومتناسبًا كذلك، كما يجب أن نضيف، مع مكانته الاجتماعية. لم يشكّ بنيامين للحظة واحدة، ولا حتى عندما كان قد اقترب بالفعل من الشيوعيين، في استحقاقه مثل هذه الإعانة، بالرغم من صراعاته المزمنة مع والديه، وفي أن مطالبتهما إياه بأن «يعمل لكسب الرزق» كانت شيئًا «أبغض من أن يوصف» (Briefe I, 292). وعندما قال أبوه فيما بعد إنه لا يستطيع أو لا ينوي زيادة المصروف الشهري الذي كان يدفعه على أية حال، حتى لو أنجز ابنه التأهل، كان هذا بطبيعة الحال يمحو الأساس الذي قام عليه مشروع بنيامين هذا برمته. وإلى أن توفي والداه [أبوه في 1926 وأمه في في 1930] كان بنيامين قادرًا على حل مشكلته المعيشية بالعودة للإقامة في منزل الوالدين، فعاش هناك أول الأمر مع أسرته (كانت له زوجة وابن [منذ 1917 و1918 تباعًا])، وبعد انفصاله -الذي لم يتأخر [في 1928]- عاش وحده. (لم يطلق إلا في عام 1930). من الجلي أن هذه الترتيبات سببت له قدرًا هائلًا من المعاناة، ولكن من الجلي بالقدر نفسه أن الاحتمالات كلها ترجح أنه لم يضع في اعتباره بجدية قط أي حلول أخرى. من المثير للدهشة أيضًا أنه بالرغم من معاناته المالية الدائمة نجح دائمًا على مدار هذه السنوات في توسيع مكتبته. محاولته الوحيدة لحرمان نفسه من هذا الشغف المكلِف -كان يتردد على بيوتات المزادات كما يتردد الآخرون على صالات القمار- بل وصوله إلى قرار بيع شيء منها «في حالة طوارئ» انتهى إلى شعور لا فكاك منه بضرورة «تسكين الألم الناجم عن هذا الاستعداد» (Briefe I, 340) عن طريق اقتناء المزيد؛ ومحاولته اليتيمة المستدل عليها لتحرير نفسه من الاعتماد ماليًّا على أهله انتهت باقتراحه أن يعطيه أبوه فورًا «أموالًا تمكنه من شراء حصة في متجر كتب مستعملة» (Briefe I, 292). هذا هو الاستثمار المربح الوحيد الأوحد الذي درسه بنيامين. ولم يسفر عن شيء، بالطبع.
إذا عاينّا أحوال واقع ألمانيا العشرينيات ووعي بنيامين بأنه لن يتمكن أبدًا من كسب عيشه بقلمه -«هناك أماكن أستطيع فيها كسب الحد الأدنى وأماكن أستطيع فيها العيش على الحد الأدنى، لكن لا يوجد مكان أستطيع فيه فعل الشيئين» (Briefe II, 563)- فإن مسلكه كله قد يداهم المرء باعتباره منعدم المسؤولية على نحو لا يغتفر. إلا أنه كان أبعد ما يكون عن انعدام المسؤولية. من المعقول افتراض أن من الصعب على الأغنياء الذين افتقروا تصديق فقرهم بقدر ما من الصعب على الفقراء المغتنين تصديق ثرائهم؛ يبدو الأولون وقد ذهب بهم الاستهتار مذهبًا هم به غير واعين بالمرة، ويبدو الأخيرون وقد تملَّكهم بخلٌ ليس في حقيقته سوى الخوف القديم المتأصل مما قد يأتي به اليوم التالي.
علاوة على ذلك، لم يكن بنيامين في مسلكه مع المشاكل المالية حالة فردية بأي حال من الأحوال. بل لو لزمت المقارنة، كانت نظرته نموذجًا نمطيًّا لجيل بأكمله من المثقفين اليهود الألمان، ولو أن من المحتمل أن أحدًا لم يصرِّف أموره بمثل هذا السوء. كان أساس تلك النظرة هو ذهنية الآباء، رجال الأعمال الناجحين الذين لم يقدِّروا أنفسهم وإنجازاتهم تقديرًا عاليًا وكان حلمهم أن يكون مقدَّرًا لأبنائهم أشياء أعلى شأنًا. كانت تلك هي الطبعة المعلمَنة من الإيمان اليهودي القديم بأن من «يتلقون العلم» -أي التوراة أو التلمود، أي شريعة الرب- هم صفوة البشر الحقيقية ولا يجب أن يشغلهم شاغل سوقي كجني المال أو العمل في سبيله. لا يعني هذا القول بأن هذا الجيل خلا من صراعات بين الآباء والأبناء؛ على العكس، فأدبيات ذلك الزمن ملأى بها، ولو كان فرويد قد عاش وواصل أبحاثه في بلد وبلغة بعيدتين عن الوسط اليهودي الألماني الذي أمده بحالاته، ربما ما كنا لنسمع أبدًا بعقدة أوديب.لكن هذه الصراعات، كقاعدة عامة، كانت تُحَل بادعاء الأبناء العبقرية، أو، في حالة كثير من الشيوعيين الآتين من بيوت موسرة، بادعاء نذر النفس لرفاه البشرية -أو، في العموم، التطلع إلى أشياء أسمى من جني المال- وكان الآباء أكثر من مهيئين للتسليم بأن هذا حجة مقبولة للامتناع عن طلب الرزق. وفي الحالات التي لم تُدَّعَ فيها هذه الادعاءات أو تُقبَل، كانت الكارثة كامنة في الانتظار على بعد خطوات. وكان بنيامين خير مثال على ذلك: لم يقبل أبوه أبدًا بادعاءاته، وساءت العلاقات بينهما بصورة استثنائية. وكان كافكا مثالًا جيدًا آخر، وهو الذي -ربما لأنه كان حقًّا في عداد العباقرة- خلا فعلًا من هوس العبقرية المنتشر في بيئته، ولم يدَّعِ أبدًا عبقريته، وأمَّن استقلاله المالي بالحصول على وظيفة عادية في مكتب تعويضات شغِّيلة براج. (كانت علاقته بأبيه طبعًا سيئة بالمثل، ولكن لأسباب مختلفة) ومع ذلك فإن كافكا بدوره وبمجرد أن اتخذ هذا الموقف حتى رأى فيه «زخم الانطلاق نحو الانتحار» كما لو كان يطيع أمرًا يقول «عليك أن تستحق قبرك»
أما بالنسبة لبنيامين، ومهما يكن من أمر، فقد ظل المصروف الشهري هو الشكل المحتمل الوحيد من أشكال الدخل، ولكي يحصل على دخل آخر بعد وفاة والديه كان مستعدًّا، أو ظن نفسه مستعدًّا، لفعل أشياء عدة: أن يَدرس العبرية مقابل ثلاثمائة مارك شهريًّا طالما أن الصهاينة يظنون في هذا منفعة لهم، أو أن يفكر بشكل جدلي، مع كل زينات التوسط، مقابل ألف فرنك فرنسي إذا انعدمت طريقة أخرى للشغل مع الماركسيين. وحقيقة أنه لم يفعل أيًّا من الشيئين لاحقًا بالرغم من غرقه في الفلس هي أمر مثير للإعجاب، ومثير للإعجاب كذلك الصبر اللامحدود لدى شولم، والذي كان قد اجتهد بشدة ليتحصَّل على مصروف لبنيامين لقاء دراسة العبرية من الجامعة في أورشليم [الجامعة العبرية في القدس]، ذلك الصبر الذي به سمح بأن يماطَل لسنوات. ولا أحد، بالطبع، كان مهيئًا لدعمه في مهام «المنصب» الوحيد الذي ولد من أجله، أي منصب الأديب، وهو منصب لم يكن واعيًا بوعوده الفريدة لديه لا الصهاينة ولا الماركسيون.
يلوح لنا الأديب اليوم كشخصية هامشية لا خطر منها، كما لو كنا في الواقع نساويه بشخصية العالِم المستقل التي شابتها دائمًا لمسة كوميدية. وبنيامين، الذي شعر بقرب لصيق من الفرنسية حتى أن هذه اللغة صارت له «حجة غياب من نوع ما» (Briefe II, 505)، مَهربًا من وجوده، ربما كان يعرف بأصول نشأة الأديب في فرنسا السابقة على الثورة وكذلك بمسيرته الاستثنائية في الثورة الفرنسية. على النقيض من الكتاب والمتأدبين اللاحقين، أي «الكتاب والأدباء» "écrivains et littérateurs"، وحتى قاموس لاروس يعرِّف رجال الأدب hommes de lettres بهاتين الكلمتين، فإن هؤلاء الرجالات، مع أنهم عاشوا فعلًا في عالم الكلمة المدونة والمطبوعة وكانوا، قبل كل شيء، محاطين بالكتب، لا كانوا مجبرين على الكتابة والقراءة بشكل احترافي ولا راغبين فيهما طلبًا للرزق. وعلى خلاف طبقة المثقفين، الذين يقدمون خدماتهم إما للدولة كخبراء ومختصين ومسؤولين، أو للمجتمع على سبيل الترفيه والتوجيه، فإن رجال الأدب دائمًا ما جاهدوا للتقوقع بعيدًا عن الدولة والمجتمع. قام وجودهم المادي على دخل بلا عمل، واستند موقفهم الفكري إلى رفضهم القاطع إدماجهم سياسيًّا أو اجتماعيًّا. وعلى أساس من هذا الاستقلال المزدوج تسنى لهم امتلاك رفاهية ذلك الأداء المتمثل في الازدراء المتعالي ومنه نشأت تبصرات لاروشفوكو المشمئزة في السلوك البشري، وحكمة مونتان الدنيوية، وحدة ذكاء القول الوجيز التي لفكر باسكال، وجرأة تأملات مونتسكيو السياسية وتفتحها. لا يسعني المجال هنا للاضطلاع بمناقشة الظروف التي حولت رجال الأدب أخيرًا إلى ثوار في القرن الثامن عشر ولا الطريقة التي انقسم بها خلفاؤهم، في القرنين التاسع عشر والعشرين، إلى طبقة «المتعلمين المثقفين» في ناحية وطبقة الثوريين المحترفين في ناحية أخرى. لا آتي على ذكر هذه الخلفية التاريخية إلّا لأن بنيامين تآلف فيه مكون الثقافة على هذا النحو الفريد مع مكون الثورية والتمرد. كان الأمر كما لو أن شخصية رجل الأدب قبيل اختفائها كان مقدرًا لها أن تتجلى مرة أخرى بكامل إمكاناتها، بالرغم من أنها -أو ربما لأنها- كانت قد فقدت أساسها المادي على نحو بالغ الكارثية بحيث إن الشغف الفكري الخالص الذي يجعل هذه الشخصية محبَّبة للغاية يتسنى له أن يتكشف بكل إمكاناته الناطقة والمبهرة أشد النطق والإبهار.
وبنيامين لم تكن تعوزه بالتأكيد دواعي التمرد على أصوله، أي على الوسط الخاص بالمجتمع اليهودي الألماني في ألمانيا الإمبراطورية، حيث نشأ، ولا كان بحاجة إلى تبرير أخذ موقف ضد جمهورية فايمار، والتي رفض في ظلها اتخاذ مهنة. في «طفولة برلينية حوالي 1900» يصف بنيامين البيت الذي جاء منه كـ«ضريح لطالما كنت أنا المراد له» (Schriften I, 643). وعلى نحو دالٍّ بما يكفي، كان أبوه متاجرًا في الفنون وجامع تحف وأنتيكات؛ كانت العائلة ثرية وقوامها أناس عاديون مُدمَجون في المجتمع؛ كان أحد جديه متدينًا قويمًا، وكان الآخر ينتمي إلى شعب كنيس إصلاحي. «كنت في طفولتي سجين [منطقتي] غرب [برلين] القديمة والجديدة. في تلك الأيام كانت عشيرتي تسكن هاتين المنطقتين، بنزعة هي خليط من العناد والثقة بالنفس، حولتهما إلى جيتو رأت فيه إقطاعية لها» (Schriften I, 643). كان ما يعاندونه هو انتماؤهم اليهودي؛ لم يكن إلا عنادًا جعلهم يتشبثون به. أما الثقة بالنفس فبثها فيهم وضعهم في البيئة غير اليهودية التي كانوا، بالرغم من كل شيء، قد أنجزوا فيها شيئًا يعتد به. ما أكثر الذي كان يخرج ويظهر في الأيام التي يُنتظر فيها قدوم ضيوف. في مثل هذه المناسبات كانت تُفتح بواطن الأخاوين، والتي بدا أنها مركز البيت ومن ثم «شابهت لأسباب وجيهة هياكل التعبُّد الجبلية» وكان من الممكن الآن «التباهي بكنوز من الشاكلة التي تحب الأصنام أن تحاط بها» ثم كان «مُختزن البيت من الفضيات» يظهر، وما كان يُعرض منها «لم يكن هناك منه عشرة أضعاف وإنما عشرون أو ثلاثون ضعفًا. وحين كنت أعاين هذه الصفوف الطويلة الطويلة من ملاعق البن أو حوامل السكاكين أو مُديّ الفاكهة أو شوكات المحار، كانت فرحة هذا الخير العميم تتصارع مع الخوف من احتمال أن يبدو المنتظَرون كلهم أشباهًا، تمامًا كأدوات طعامنا» (Schriften I, 632). حتى بنيامين الطفل كان يعرف بوجود خطأ جذري ما، وليس فقط لأن هناك فقراء («الفقراء انحصر وجودهم عند الأطفال الأغنياء في سني في كونهم شحاذين. وكان تقدمًا كبيرًا طرأ على فهمي عندما داهمني الفقر للمرة الأولى في صورته المشينة كعمل بخس الأجر» [Schriften I, 632]) وإنما لأن «العناد» في الداخل و«الثقة بالنفس» في الخارج كانا يفرزان جوًّا من انعدام الأمن ومراقبة الذات أبعد حقًّا من أن يكون مناسبًا لتربية الأطفال. كان هذا يصدق ليس على بنيامين وحده أو برلين غرب أو ألمانيا. فبأي حماس حاول كافكا إقناع شقيقته بإيداع ابنها ذي السنوات العشر في مدرسة داخلية، إنقاذًا له من «الذهنية الخاصة المتفشية بالذات في أوساط يهود براج الأثرياء والتي لا يمكن حفظها بعيدًا عن الأطفال… هذه الذهنية الدنيئة، القذرة، الخبيثة»
ما انطوت عليه المسألة إذن هو ما كان يسمى، منذ عقد 1870 أو 1880، بالمسألة اليهودية ولم توجد بشكلها ذاك إلا في وسط أوروبا الناطق بالألمانية في تلك العقود. واليوم فإن هذه المسألة قد كنستها، على نحو من الأنحاء، كارثة مجتمعات اليهود الأوروبيين، وصارت منسية نسيانًا عادلًا، بالرغم من أن المرء ما زال يصادفها، بين الفينة والفينة، في كلام جيل الكبار من الصهاينة الألمان والذين تشكلت عادات التفكير لديهم، في العقود الأولى من هذا القرن. إلى ذلك، فهي لم تَعْدُ قط أن تكون شاغل النخبة اليهودية المثقفة ليس إلّا ولم يكن لها وزن عند أكثرية مجتمعات يهود وسط أوروبا. أما عند المثقفين، فكانت لها أهمية كبرى، لأن هويتهم اليهودية الخاصة بهم، والتي كاد دورها ينعدم في حياتهم الروحية، كانت تحكم حياتهم الاجتماعية إلى درجة استثنائية ومن ثم طرحت نفسها عليهم باعتبارها مسألة أخلاقية من الدرجة الأولى. وفي شكلها الأخلاقي هذا فإن المسألة اليهودية وسمت، بعبارة كافكا، «الحالة النفسية المريعة لهذه الأجيال» مهما ضؤل شأن هذه المشكلة في أعيننا مقارنة بما حدث بالفعل فيما بعد، فلا يمكننا تنحيتها جانبًا هنا، إذ لا بنيامين ولا كافكا ولا كارل كراوس يمكن فهمهم بدونها. وللتبسيط فسوف أكتفي بوصف المشكلة بالضبط كما وُصفت ونوقشت إلى ما لا نهاية آنذاك تحديدًا في مقالة بعنوان «جبل بارناسوس اليهودي-الألماني» ("Deutsch jüdischer Parnass") والتي أثارت لغطًا كبيرًا عندما نشرها مورتس جولدشتاين، في 1912، في الدورية المرموقة «در كونستفارت» [«حارس الفنون»] Der Kunstwart.
وفقًا لجولدشتاين، فإن المشكلة كما كانت قد بدت للنخبة الثقافية اليهودية لها وجهان، بيئة الأغيار والمجتمع اليهودي المُدمَج، وهي في نظره مشكلة لا حل لها. فأما عن البيئة غير اليهودية، «نقوم نحن اليهود على الملكية الفكرية لشعب ينكر علينا حقنا في ذلك ولا يجيز لنا ذلك» ويضيف: «من السهل علينا تبيان مدى عبثية حجج خصومنا وإثبات قيام عداوتهم على غير أساس. ماذا سنجني من هذا؟ إن عداوتهم أصيلة. عند الانتهاء من دحض جميع الافتراءات، وتقويم جميع التشويهات، ورفض جميع الأحكام الباطلة بشأننا، سيبقى الإعراض عنا شيئًا غير قابل للدحض. وكل من لا يدرك هذا لا شيء سيسعفه» كان إخفاق المجتمع اليهودي في إدراك هذا الأمر سَبَبَ الشعور بأن هذا المجتمع لا يطاق، هذا المجتمع الذي رغب أعضاؤه في البقاء يهودًا ولم يريدوا، من الناحية الأخرى، الاعتراف بانتمائهم اليهودي: «لسوف نقض مضاجعهم علنًا بهذه المشكلة التي منها يتهربون. لسوف نمنعهم من التنصل من انتمائهم اليهودي وإلا فليذهبوا ويتعمدوا» ولكن حتى لو نجح هذا، حتى لو تسنى كشف تدليس هذا الوسط والنجاة منه فماذا سيُجنى من ذلك؟ «قفزة نحو الأدب العبري الحديث؟» كان هذا مستحيلًا على الجيل الراهن. ومن هنا فإن: «علاقتنا بألمانيا هي علاقة حب من طرف واحد. فدعونا أخيرًا نسترجل بما يكفي لننزع الحبيبة من قلوبنا… لقد قلت ما لا بد أن نرغب في فعله؛ كما قلت لماذا لا يمكننا أن نرغب فيه. وكان غرضي من هذا هو تبيان المشكلة. وليس ذنبي أنني لا أعرف لها حلًّا» (حل السيد جولدشتاين المشكلة من ناحيته الشخصية بعدها بست سنوات حين أصبح المحرر الثقافي لجريدة «فوسيش تسيتونج» [«الجريدة الفوسية»] Vossische Zeitung. وماذا كان بوسعه أن يفعل غير ذلك؟)
يمكن للمرء نفض يديه من مورتس جولدشتاين بالقول إنه ببساطة أعاد إنتاج ما أسماه بنيامين في سياق آخر «مكونًا كبيرًا في الأيديولوجيا المعادية بفجاجة للسامية كما في الأيديولوجيا الصهيونية» (Briefe I, 152-53)، لو لم يكن المرء قد وجد عند كافكا، على مستوى أشد جدية بمراحل، صياغة مشابهة للمشكلة والاعتراف ذاته بعدم قابليتها للحل. ففي رسالة إلى ماكْس بْرود حول الكتاب اليهود الألمان قال إن المسألة اليهودية أو «اليأس بشأنها كان مصدر إلهامهم وهو مصدر إلهام جدير بالاحترام كأي مصدر آخر لكنه، عند التمعن في الفحص، معبأ بسمات خاصة تبعث على الكرب. وسبب من الأسباب أن ما تَوجَّه إليه يأسُهم لا يمكن أن يكون الأدب الألماني وإن بدا على السطح أنه هو»، لأن المشكلة لم تكن حقًّا مشكلة ألمانية. وهكذا فقد عاشوا «بين ثلاث استحالات… استحالة عدم الكتابة» إذ تعذر عليهم التنفيس عن إلهامهم بغير الكتابة؛ و«استحالة الكتابة بالألمانية». اعتبر كافكا أن استعمالهم اللغة الألمانية هو «اغتصاب لملكية الغير اغتصابًا صريحًا أو مستترًا أو ربما معذِّبًا للذات، وهي ملكية لم تُكتسب وإنما سُرقت، فالتُقطت اللغة بسرعة (نسبية)، وهي تبقى ملكًا لآخر حتى لو تعذر استخراج خطأ لغوي واحد»؛ وأخيرًا، «استحالة الكتابة على نحو آخر» إذْ لم تتيسر لغة أخرى. «ويكاد المرء يضيف استحالة رابعة»، كما يقول كافكا في الختام، «استحالة الكتابة، لأن هذا اليأس لم يكن شيئًا يمكن تخفيفه بالكتابة» كما هو الحال عادة مع الشعراء، والذين وهبهم إلهٌ قدرة الكلام عما يعانيه البشر ويتحملونه. والأحرى أن اليأس قد أصبح هنا «عدوًّا للحياة والكتابة؛ كانت الكتابة هنا مجرد مهلة، كما هو الحال مع شخص يكتب وصيته الأخيرة والإشهادَ بالضبط قبل أن يشنق نفسه».
لن يكون هناك ما هو أسهل من تبيان أن كافكا مخطئ وأن أعماله نفسها، الناطقة بأنقى نثر ألماني عرفه القرن، هي الدحض الأمثل لرؤاه. لكن مثل هذا الإيضاح، بعيدًا عن رداءة ذوقه، يصبح زائدًا عن الحاجة أكثر فأكثر أمام وعي كافكا نفسه به وعيًا شديدًا للغاية -«أُدوِّن جملة بشكل عشوائي،» كما لاحظ مرة في «اليوميات»، «فتكون سليمة- تمامًا كما كان الوحيد الذي عرف أن «المَوْشَشة» Mauscheln (الحديث بألمانية متأثرة باليديشية)، وإن كانت موضع احتقار جميع الناطقين بالألمانية، يهودًا أم غير يهود، كان لها مكان مشروع في اللغة الألمانية، لكونها ليست إلا واحدة من اللهجات الألمانية العديدة. وبما أنه اعتقد، محقًّا، أنه «في نطاق اللغة الألمانية، اللهجات وحدها، وإلى جانبها الألمانية العليا الشخصية للغاية، هي الحية حقًّا،» فمن الطبيعي أن التحول من الموششة، أو من اليديشية، إلى الألمانية العليا، لم يكن أقل شرعية من التحول إليها من الألمانية الدنيا أو اللهجة الأليمانية. وإذا قرأ المرء إشارات كافكا عن فرقة الممثلين اليهودية التي فتنته بشدة، يتضح أن ما جذبه لم يكن العناصر اليهودية بالتحديد بقدر ما كان حيوية اللغة والإيماء.
صحيح بالتأكيد أننا نواجه اليوم شيئًا من الصعوبة في فهم هذه المشاكل أو أخذها بجدية، على الأخص مع خضوعنا لغواية شديدة تدفعنا إلى إساءة تفسيرها ولفظها كمجرد رد فعل على وسط معادٍ للسامية ومن ثم كتعبير عن كراهية الذات. لكن لا شيء يمكنه أن يفوق هذا تضليلًا عند التعامل مع أناس بالمكانة الإنسانية والمرتبة الفكرية اللتين لكافكا وكراوس وبنيامين. فما أضفى على انتقاداتهم حدتها المريرة لم يكن أبدًا معاداة السامية بوصفها هذا، وإنما رد الفعل عليها من الطبقة الوسطى اليهودية، والتي لم يجد المثقفون أنفسهم فيها بأي شكل من الأشكال. وهنالك أيضًا، لم تكن المسألة تخص موقف مجتمعات اليهود الرسمية الاعتذاري والذي انعدمت فيه الكرامة مرارًا، وهي التي كان اتصال المثقفين بها شبه منعدم، وإنما مسألة الإنكار الكاذب لذات وجود معاداة السامية واسعة الانتشار، مسألة الانعزال عن الواقع انعزالًا افتعلته البورجوازية اليهودية بكل حيل خداع الذات، وهو انعزال شمل عند كافكا، وليس عنده وحده، الانفصال العدواني في كثير من الأحيان والمتعالي دائمًا عن الشعب اليهودي، يهود الشرق، الأوستيودن Ostjuden كما يسمون (اليهود القادمين من شرق أوروبا)، الذين أُخذوا بجريرة غيرهم كأنهم المسؤولون عن معاداة السامية. كان العامل الحاسم في كل هذا هو فقدان الاتصال بالواقع، وهو ما ساعد وحض عليه ثراءُ هذه الطبقات. «بين الفقراء،» كما كتب كافكا، «تَدْخُلُ الدنيا، يدخل صخب العمل إن جاز التعبير، يدخل الأكواخَ بلا مقاومة… ولا يسمح بصنع الهواء الراكد، المسموم، المستنزف للأطفال، الموجود في غرفة أسرية لطيفة التأثيث»، لقد حاربوا المجتمع اليهودي الراقي لأنه ما كان ليسمح لهم بالعيش في العالم كما هو قائم بالفعل، من دون أوهام ومن ثم، على سبيل المثال، بأن يُعِدُّوا أنفسهم لمقتل فالتر راتناو (في 1922): بالنسبة لكافكا كان «من غير المفهوم كيف تركوه يعيش كل هذا الوقت»، ما فاقم حدة المشكلة أخيرًا هو حقيقة أنها لم تكتفِ بالتمظهر كقطيعة بين الأجيال يمكن للمرء الهروب منها بمغادرة البيت والعائلة، ولا كان هذا حتى مظهرها الأساسي. لم تطرح المشكلة نفسها على هذا النحو إلا لقلة قليلة من الكتاب اليهود-الألمان، وكانت هذه القلة محاطة بكل من هم اليوم منسيون بالفعل وهي اليوم فقط قابلة للفرز الواضح عنهم بعد أن حسمت الأجيال التالية مسألة من هذا ومن ذاك. («إن وظيفتهم السياسية» كما كتب بنيامين، «ليست تأسيس أحزاب وإنما شلل، ووظيفتهم الأدبية ليست إنتاج مدارس وإنما موضات، ووظيفتهم الاقتصادية ليست أن يُخرجوا إلى العالم منتجين وإنما وكلاء. وكلاء أو شطارمتذاكين يعرفون كيف ينفقون فقرهم كما لو كان ثروة ويصنعون زيطة من خوائهم المتثائب. لا يمكن للمرء أن يصنع لنفسه مستقرًّا أشد راحة من هذا في وضع غير مريح كهذا») كافكا، الذي صور هذا الوضع خير تصوير في الرسالة المذكورة آنفًا بعبارة «الاستحالات اللغوية»، مردفًا أن بالإمكان «أيضًا تسميتها شيئًا مختلفًا حقًّا»، يشير إلى «طبقة وسطى لغوية» كائنة، كما يمكننا القول، بين اللهجة البروليتارية ونثر الطبقات الرفيعة؛ إنها «ليست سوى رماد يمكن إضفاء لمحة من الحياة عليه، فقط بواسطة أيدٍ يهودية تنبش فيه بلهفة طاغية». ويكاد المرء أن يكون في غنى عن إضافة أن الأكثرية الغالبة من المثقفين اليهود كانت تنتمي إلى هذه «الطبقة الوسطى»؛ فوفقًا لكافكا، كان يتألف منهم «جحيم الآداب اليهودية-الألمانية»، والذي ملك فيه كارل كراوس الزمام بوصفه «كبير مراقبي الإنتاج وضابطي النظام» دون أن يلاحظ كم «ينتمي هو نفسه إلى هذا الجحيم بين مستحقي التبكيت». كَوْنُ هذه الأمور قد تُرى على نحو مختلف حقًّا من وجهة نظر غير يهودية يصبح شيئًا جليًّا عندما يقرأ المرء في أحد مقالات بنيامين ما قاله بريخت عن كارل كراوس: «عندما أمات العصرُ نفسَه بيده، كان هو تلك اليد» (Schriften II, 174).
عند يهود ذلك الجيل (كافكا ومورتس جولدشتاين يكبران بنيامين بعشرة أعوام فقط) كان الشكلان المتوفران من أشكال التمرد هما الصهيونية والشيوعية، ومن الجدير بالملاحظة أن آباءهم كثيرًا ما أدانوا التمرد الصهيوني بمرارة أكثر مما أدانوا الشيوعي. كان كلاهما مسارًا للهروب من الوهم إلى الحقيقة، من الرياء وخداع الذات إلى شكل من أشكال الحياة بأمانة. لكن هذا هو فقط الحال الذي يبدو عليه الأمر بأثر رجعي. ففي الوقت الذي جرب فيه بنيامين صهيونية فاترة أولًا ثم شيوعية ليست في العموم أقل فتورًا، تعادى المعسكران أشد العداء: كان الشيوعيون يشنعون على الصهاينة كفاشيين يهود، وكان الصهاينة يطلقون على الشيوعيين اليهود الشبان «استيعابيين حمرًا.» وعلى نحو لافت، وربما فريد من نوعه، حافظ بنيامين على المسارين مفتوحين أمامه لسنوات؛ لَبِث يضع في اعتباره الطريق إلى فلسطين بعد أن كان قد تمركس بوقت طويل، دون أن يسمح لنفسه بأن تتسلط عليه ولو بأدنى قدر آراء أصدقائه ذوي التوجه الماركسي، وعلى الأخص اليهود منهم. ويُظهر هذا بوضوح كم كان ضئيلًا اهتمامه بالجانب «الإيجابي» من أيديولوجيتهم، وأن ما كان يُعنيه في الحالتين هو العنصر «السلبي» المتمثل في انتقاد الأحوال القائمة، مخرجٌ من الأوهام البورجوازية وانعدام الصدق البورجوازي، موضعٌ خارج المؤسسة الأدبية وكذلك الأكاديمية. كان صغيرًا حقًّا عندما تبنى هذا الموقف النقدي الجذري، ربما دون أن يَحذر مدى العزلة والوحدة اللتين سيقوده في نهاية المطاف إليهما. وهكذا فإننا نقرأ، على سبيل المثال، في رسالة مكتوبة، في 1918، أن فالتر راتناو، بادعائه تمثيل ألمانيا في الشؤون الخارجية، وردولف بورشارت بادعائه المماثل فيما يخص الشؤون الروحية الألمانية، كانا يشتركان في «إرادة الكذب»، و«التدليس ذي الروح الموضوعية» (Briefe I, 189 ff). لا هذا ولا ذاك كان يريد أن «يخدم» قضية من خلال أعماله -في حالة بورشارت، «الموارد الروحية واللغوية» الخاصة بالشعب؛ والأمة في حالة راتناو- وإنما استخدم كلاهما أعماله ومواهبه كـ«وسائل سيادية في خدمة إرادة قوة مطلقة». إضافة إلى ذلك، كان هناك المتأدبون الذين وضعوا ملكاتهم في خدمة مسيرة مهنية ومكانة اجتماعية: «أن تكون أديبًا يعني أن تعيش تحت لافتة الذهن لا غير، تمامًا كما تعني الدعارة العيش تحت لافتة الجنس لا غير» (Scbriften II, 179). تمامًا كما تخون العاهرة حب الجسد، يخون المتأدب العقل، وخيانة العقل هذه هي التي لم يغفرها خيرة اليهود لزملائهم في الحياة الأدبية. وعلى نفس الخط كتب بنيامين بعدها بخمس سنوات -بعد عام من اغتيال راتناو- إلى صديق ألماني مقرب: «… اليهود اليوم يخربون حتى أعدل قضية ألمانية يناصرونها علنًا، لأن تصريحهم العلني هو بالضرورة فاسد الذمة (بمعنى أعمق) ولا يمكنه التدليل على أصالة معدنه» (Briefe I, 310). وتابع قائلًا إن الخاص فقط وشبه «السري من العلاقات بين الألمان واليهود» هو المشروع منها، بينما «كل ما مجاله العلن في العلاقات الألمانية-اليهودية يضر.» كانت هذه الكلمات تنطوي على الكثير من الصدق. وهي، مكتوبةً من زاوية المسألة اليهودية آنذاك، توفر أدلة على قتامة حقبة كان يحق للمرء فيها القول: «ضوء العلن يُظلم كل شيء» (هايدجر).
مبكرًا، في 1913، وزن بنيامين خيار اتخاذ موقف صهيوني «كاحتمالية ومن ثم فربما كالتزام ضروري» (Briefe I, 44) بالمعنى المتمثل في هذا التمرد المزدوج على بيت الأبوين والحياة الأدبية اليهودية-الألمانية. بعدها بعامين التقى بجرهارد شولم، واجدًا فيه للمرة الأولى والوحيدة «اليهودية في شكل حي»؛ وسرعان ما جاءت بداية ذلك التفكير الذي لا ينتهي والمثير للفضول، والممتد على مدار فترة تقارب عشرين سنة، في خطوة الهجرة إلى فلسطين. «في سياق ظروف محددة، ليست مستحيلة بأي حال من الأحوال، فأنا مستعد [للذهاب إلى فلسطين] إن لم أكن مصممًا. وهنا في النمسا ليس لليهود (النزهاء منهم، من لا يجنون الأموال) حديث آخر».. هكذا كتب، في 1919، (Briefe I, 222)، لكنه في الوقت نفسه نظر إلى خطة كهذه بوصفها «عملًا من أعمال العنف» (Briefe I, 208)، غير مُجدٍ ما لم تَتبين ضرورته. ومتى نشأت مثل هذه الضرورة المالية أو السياسية، أعاد التفكير في المشروعية ولم يذهب. ومن الصعب معرفة إن كان لا يزال جادًّا بشأن الأمر بعد الانفصال عن زوجته، الآتية من وسطٍ صهيوني. لكن الأكيد أنه حتى في أيام منفاه الفرنسي أعلن أنه قد يذهب «إلى أورشليم، في أكتوبر/ تشرين الأول أو نوفمبر/ تشرين الثاني، بعد اختتام دراساتي نهائيًّا إلى هذا الحد أو ذاك» (Briefe II, 655). ما يلوح للمرء في الرسائل كتردد في اتخاذ قرار، كما لو كان متذبذبًا بين الصهيونية والماركسية، كان مَرَدُّه المحتمل في الحقيقة إلى التبصر المرير الذي مؤداه أن جميع الحلول لم تكن فقط زائفة زيفًا موضوعيًّا ولا تليق بالواقع، وإنما ستودي به شخصيًّا إلى خلاص زائف، ولا يهم إن كان ذلك الخلاص موسومًا بعلامة موسكو أم أورشليم. كان يشعر أنه سيحرم نفسه من الفرص الإدراكية الإيجابية التي ينطوي عليها موقعه الخاص «على قمة صارٍ يتداعى فعليًّا»، أو «ميتًا في حياته والناجي الوحيد» وسط الخرائب. كان قد استقر في الظروف اليائسة التي تتوافق مع الواقع؛ وهناك أراد أن يبقى لكي «يُفسد طبيعة» كتاباته هو نفسها «كأنها كحوليات تعرضت لعملية مَثْيَلَة… بمخاطرةِ جعلِها غير صالحة للاستهلاك» لأي شخص حي آنذاك ولكن مصحوبة بفرصة بقائها محفوظة بشكل يُعتمد عليه أكثر وأكثر لمستقبل غير معلوم.
فاستعصاء المسألة اليهودية على الحل عند ذلك الجيل لم يقتصر بأي حال من الأحوال على حديثهم بالألمانية والكتابة بها أو على حقيقة أن «معمل إنتاجهم» كان يقع في أوروبا، في حالة بنيامين، في برلين غرب أو في باريس، وهو أمر «لم يكن لديه أضعف الأوهام» بشأنه (Briefe II, 531). ما كان حاسمًا هو أن هؤلاء الرجال لم يشاؤوا «العودة» لا إلى صفوف الشعب اليهودي ولا إلى الديانة اليهودية، وتعذر عليهم أن يرغبوا في ذلك، ليس لأنهم آمنوا بـ«التقدم» وباختفاء تلقائي لمعاداة السامية ولا لأنهم كانوا «مستوعَبين» فوق الحد ومغتربين فوق الحد عن تراثهم اليهودي، وإنما لأن كل التقاليد التراثية وكل الثقافات وكذلك كل «الانتماء» أصبحت لهم موضع مساءلة على وجه المساواة. هذا ما شعروا بأنه وجه الخطأ في «العودة» إلى الحظيرة اليهودية كما اقترح الصهاينة؛ وكان لسان حالهم كلهم ما قاله كافكا ذات مرة عن أن تكون فردًا من الشعب اليهودي: «… شعبي، إن كان لي شعب».
كانت المسألة اليهودية، ولا شك، ذات أهمية كبرى لهذا الجيل من الكتاب اليهود، وهي تفسر الكثير من اليأس الشخصي البارز بشدة في كل شيء كتبوه تقريبًا. لكن الأوضحَ رؤيةً بينهم قادته صراعاته الشخصية إلى مشكلة أكثر عمومية وجذرية، ألا وهي مساءلة مدى صلتهم بالتراث الغربي ككل. سلَّطت الحركة الثورية الشيوعية، لا الماركسية وحدها كمذهب، قوة جذب شديدة عليهم لأنها كانت تعني ضمنًا أكثر من مجرد انتقاد للأحوال الاجتماعية والسياسية القائمة وأخذت في الحسبان التقاليد السياسية والروحية بكليتها. أما بالنسبة لبنيامين، ومهما يكن من أمر، فقد كانت هذه المسألة الخاصة بالماضي والتراث بمعناه هذا مسألة حاسمة، وعلى الأخص بالمعنى الذي طرحها به شولم، ولو من دون أن يدري، محذرًا صديقه من مغبة الماركسية على تفكيره بالمخاطر المتأصلة فيها. كان بنيامين، كما كتب هو يقول، يخاطر بالنزول عن فرصة أن يصبح «حامل الشعلة الشرعي للتقاليد الأشد إثمارًا وصدقًا في تراث رجلين اسماهما هامان وهمبولت» (Briefe II, 526). ما لم يكن يفهمه هو أن عودة كهذه إلى الماضي استكمالًا لمسيرته كانت عين الشيء المقدر له أن تستبعده بالنسبة لبنيامين «الأخلاقُ التي انطوت عليها بصيرته»، والتي كان شولم يخاطبها.
يبدو مغريًا الاعتقادُ بأن تلك القلة التي غامرت بالخروج إلى أكثر مواقع زمنها انكشافًا ودفعت الثمن الكامل للعزل فكرت على الأقل في نفسها كأسلاف لعصر جديد، بل لكانت هذه فكرة مريحة. لم يكن ذلك هو الحال بالتأكيد. في مقاله عن كارل كراوس طرح بنيامين هذا السؤال: هل كان كراوس يقف «على عتبة عصر جديد؟».. «حاشا وكلا. وإنما على عتبة يوم الحساب هو يقف» (Schriften II, 174). وثمة على هذه العتبة وقف كل من صاروا لاحقوا أساتذة «العصر الجديد»؛ تطلعوا إلى فجر عصر جديد بوصفه في الأساس انحسارا ورأوا التاريخ مجتمعًا بالتقاليد التي أوصلت إلى هذا الانحسار كحقل خرائب.. لم يعبر عن هذا أحد بوضوح أشد مما عبر به بنيامين في «أطروحات حول فلسفة التاريخ،» ولا هو قال ذلك بالتباس أقل مما في رسالة من باريس مؤرخة في 1935: «في واقع الأمر، أكاد لا أشعر بأنني مكره على محاولة أن أعرف للعالم رأسًا من رجلين. فعلى هذا الكوكب اندثر عدد هائل من الحضارات اندثارًا دمويًّا ومرعبًا. وبطبيعة الحال فلا بد للمرء من أن يتمنى للكوكب أن يَخبُر يومًا حضارة تكون قد هجرت الدماء والرعب؛ في الحقيقة، أنا…ميال إلى افتراض أن كوكبنا في انتظار هذا الأمر. ولكن من المشكوك فيه شكًّا مريعًا أن نستطيع نحن جلب مثل هذه الهدية إلى عيد ميلاده المائة أو الأربعمائة مليون. وإن لم نفعل، سيعاقبنا الكوكب في النهاية، نحن الداعون له بالتوفيق عديمو الاهتمام، بأن يُهدينا الحساب» (Briefe II, 698).
حسنًا، من هذه الناحية لم تأتِ الثلاثون سنة الأخيرة، إلا بالكاد، بكثير مما قد يسمى جديدًا.
[يُتبع… انتهى الجزء الثاني ويتبعه الجزء الثالث والأخير].
هوامش:
1 Cf. "Walter Benjamin hinter seinen Briefen,” Merkur, March 1967·
2 Cf. Pierre Missac, "L'éclat et le secret: Walter Benjamin," Critique, Nos. 231-32, 1966.
3 كان ماكس ريشنر، محرر «المجلة السويسرية الجديدة» Neue Schweizer Rundschau والذي رحل مؤخرًا، واحدًا من أكثر الشخصيات تثقُّفًا وصَقلًا في الحياة الفكرية بزمنه. وقد نشر، على غرار أدورنو وإرنست بلوخ وشولم، «ذكرياتـ[ـه] عن بنيامين» في Der Monat, September, 1960.
4 المصدر السابق.
5 قال كافكا، وهو الذي كانت نظرته إلى تلك الأمور أكثر واقعية من أي من مجايليه، إن «عقدة الأب التي تمد الكثيرين بزادهم الفكري… تخص يهودية الآباء… ارتضاء الآباء الغائم (كان هذا الغَيَمان هو مصدر الاستياء)» خروج أبنائهم من الحظيرة اليهودية: «كانوا بأرجلهم الخلفية ما زالوا ملتصقين بيهودية آبائهم، ولم تهتدِ أقدامهم الأمامية إلى أي أرض جديدة» (Franz Kafka, Briefe, p. 337).
6 المصدر السابق، ص 55.
7 برلن وست منطقة سكنية حديثة الطراز في برلين. مترجم النسخة الإنجليزية.
8 المصدر السابق، ص 339.
9 المصدر السابق، ص 337.
10 المصدر السابق، ص.ص. 336-338.
11 بخصوص هذا الوصف، انظر/ي تعليق جوديث بتلر النقدي في محاضرتها عن «من يملك كافكا؟». لكن من الواضح بالطبع أن آرنت لا تتبنى هذا الوصف وإنما تفترضه دون حتى أن تستسيغه. المترجم.
12 Franz Kafka, Tagebücher, p. 42.
13 Franz Kafka, Briefe, p. 347.
14 المصدر السابق، ص 378.
15 ورد في «المؤلف بوصفه منتجا» "Der Autor als Produzent"، وهي المحاضرة التي ألقيت في باريس عام 1934، وفيها يقتبس بنيامين من مقال سابق عن يسار المثقفين. انظر/ي Versuche über Brecht, p. 109. [يرد هذا الكلام كاقتباس ينقله بنيامين عن «ناقد نابه» لكنه في الحقيقة يشير إلى نفسه محيلًا إلى مقال له. المترجم].
16 مقتبس في Max Brod, Franz Kafkas Glauben und Lehre, Winterthur, 1948.
17 بريخت، على سبيل المثال، قال لبنيامين إن مقاله عن كافكا مصدر عون وراحة للفاشية اليهودية. انظر/ي Versuche, p. 123.
18 Franz Kafka, Briefe, p. 183.
19 في مقاله المذكور آنفًا، يتناول بيير ميساك المقطع نفسه ويكتب قائلا: «بدون التقليل من قيمة نجاح كهذا [خلافة هامان وهمبولت]، من الممكن الاعتقاد بأن بنيامين كان أيضًا يلتمس في الماركسية وسيلة للهروب من هذا النجاح.»
20 ما يذكر المرء على الفور بقصيدة بريخت «عن ب.ب. المسكين»:
من هذه المدن لن يتبقى سوى ما يمر خلالها: الريح!
البيت يبهج الضيف: فيفرغه مما فيه.
نعلم أننا مجرد نزلاء، عابرين
وبعدنا سيأتي ما لا يستحق الذكر.
(The Manual of Piety, New York, 1966 [«مختارات شعرية شاملة»، برتولت بريشت، ترجمة أحمد حسان، منشورات الجمل (بغداد وبيروت)، ط1، 2009، ص 54.—المترجم.])
تجدر بالإشارة أيضًا وَجْزة لافتة لكافكا وردت في «ملاحظات من سنة 1920» تحت عنوان «هو»: «كل شيء يفعله يبدو له جديدًا بشكل استثنائي، ولكن أيضًا، بسبب الفيض الوافر مما هو جديد وفرة مستحيلة، يبدو شغل هواة بشكل استثنائي، بل بشكل يكاد لا يُحتمل، عاجزًا عن أن يصبح تاريخيًّا، ممزِّقًا إربًا تسلسل الأجيال، قاطعًا للمرة الأولى موسيقى العالم والتي إلى الآن يمكن على الأقل توقعها بكامل عمقها رجمًا بالغيب. أحيانًا في كِبْره يكون قلقه على العالم أشد من قلقه على نفسه.»
السابق إلى هذا المزاج هو، مرة أخرى، بودلير: «سوف ينتهي العالم. السبب الوحيد الذي قد يمكنه أن يدوم لأجله هو أنه موجود. ما أضعف هذا السبب بالمقارنة بكل الأسباب التي تزعم العكس، وخصوصًا هذا السبب: ما الذي سيقوم به الكون من الآن فصاعدًا تحت سمائه؟ … أما بالنسبة لي، أنا الذي ألمس في نفسي أحيانًا سخافة نبي، فأنا أعلم أنني لن أجد فيه أبدًا محبة الطبيب. ضائعًا في هذا العالم القبيح، تضغطني الحشود، أشبه رجلًا متعبًا لا يرى في غياهب السنين وراءه سوى الخيبة والمرارة، ولا يرى أمامه سوى عاصفة لا جديد فيها، لا بصيرة ولا ألم.» من Journaux intimes, Pléiade edition, pp. 1195-97' [يمكن الاطلاع على نسخة في ويكي سورس حيث يبدأ الجزء المقتبس: هنا، والترجمة العربية للجزء السابق على علامة الحذف (النقاط الثلاث) لهدى حسين، «نزوى»، العدد 10، أبريل/ نيسان 1997، ص 191. المترجم].
21 الحساب الأخير Weltgericht لعبة لفظية على المعنى المزدوج لكلمة Gericht (حُكْم؛ طَبَق). مترجم النسخة الإنجليزية.
تقارير ذات صلة
الأم الصغيرة.. قصة من الأدب الهندي لعصمت شوجتاي
من الأدب الهندي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن