أورفيوس يهبط إلى هارلم
مقتطف من رواية «الوجه الحجري»
«شعر سميان أنه اجتاز طقس عبوره الآن، لقد أصبحت... [باريس] مدينته. التوتر القديم مثل سُمٍّ بدأ بالفعل في التسرب خارجه، وكان بوسعه أن يشعر بنفسه تقوى وتكتمل. سوف يصير رجلًا جديدًا. تساءل ماذا سيكون ذلك الرجل».
(وليم جاردنر سميث، الوجه الحجري، 21)
«نظر سميان إلى الرجلين. بشرتهما كانت بيضاء.. يبدوان مثل السلاڤيين الجنوبيين. الطريقة التي دعاه حسين مازحًا «رجل أبيض» كانت سخيفة، فكَّر.. كأنه هو، حسين، لم يكن أبيض! كان واحدٌ من البرازيليين قد شرح لسميان أنه في أمريكا الجنوبية حين يصير هندي أو زنجي ثريًّا، أو يصبح چنرالًا، كان يُعتبر رسميًّا أبيض».
(وليم جاردنر سميث، الوجه الحجري، 110)
* * *
وُلِد الكاتب، والصحفي، وليم جاردنر سميث (1927 - 1974) William Gardner Smith، ونشأ، في ساوث فيلادلفيا، وهو أحد الأحياء العمالية السوداء، في مدينة فيلادلفيا. تخلَّلت شبابه المبكر حوادث عنف عِرقيٍّ: تعرَّض في الرابعة عشرة للضرب على أيدي رجال شرطة، وفي التاسعة عشرة تعرَّض لاعتداء من قِبل مجموعة من البحارة البيض. جُنِّد سميث عام 1946، وأُرسِل إلى ألمانيا، حيث أنهى روايته الأولى، التي تتناول علاقة غرامية بين امرأة ألمانية وجندي أمريكي أسود. ستُنشر الرواية، وعنوانها Last of the Conquerors «آخر الغُزاة» بعد ذلك بعامين. انتقل سميث إلى باريس في بدايات الخمسينيات، حيث عمل في وكالة الأنباء الفرنسية، وانضم إلى كُتَّاب إفريقيين أمريكيين بارزين كانوا قد سبقوه إلى المنفى الباريسي، منهم ريتشارد رايت (1908 - 1960) Richard Wright، وجيمس بالدوين (1924 - 1987) James Baldwin، ومؤلف القصص البوليسية الشهير تشستر هايمز (1909 - 1984) Chester Himes.
نشر سميث رواية The Stone Face «الوجه الحجري»، التي يأتي المقتطف التالي منها، عام 1963، وهي روايته الثالثة والأخيرة.
انتقل سميث إلى أكرا للمساهمة في إطلاق أولى محطات التليفزيون في غانا، لكنه اضطر إلى مغادرتها، والعودة إلى فرنسا، عقب الانقلاب العسكري الذي أسقط حكومة كوامي نكروما. لم يعد إلى الولايات المتحدة سوى في عام 1967، حين زارها كي يكتب كتابه الأخير Return to Black America «عودة إلى أمريكا السوداء» (1970).
تُوفي سميث في إحدى ضواحي باريس عام 1974.
* * *
تبدأ «الوجه الحجري» بسميان براون، وهو رسام هاوٍ، وصحفي إفريقي أمريكي شاب، في قطار متجه إلى باريس. كان قد غادر الولايات المتحدة للتو، وانتقل إلى فرنسا، ملتمسًا حياة لا تتحكَّم فيها دوائر العنف اليومي، الرمزي والفعلي، النفسي والجسدي، العابر والمؤسسي، الذي تفرضه العنصرية على حياته، وحياة الملايين من الإفريقيين الأمريكيين في أمريكا الشمالية.
في القطار، بينما يلاحظ الريف الفرنسي من النافذة، راوده أملٌ؛ فكَّر: «رحلة طويلة.. أمريكا كانت وراءه، ماضيه وراءه، كان آمنًا. لن يكون العنف ضروريًّا، لن يكون القتل ضروريًّا. باريس. السكينة». (ص. 14)
في باريس، يتعرَّف سميان على مجتمع المغتربين الإفريقيين الأمريكيين الذين غادروا أرض ميلادهم لأسباب شبيهة: «أنت وأنا» يخبره بيب كارتر، أولى معارفه في المدينة، «لسنا الوحيدين. ثمة جيل ضائع جديد هنا، الكثير من القطط الداكنة من الولايات موجودون هنا في باريس، وفي كوبنهاجن، وأمستردام، وروما، وميونخ، وبرشلونة، أتوا إلى هنا كي يخرجوا من تحت ذلك الضغط، هل تعرف ما أعني؟ ولن يعودوا أبدًا. في بعض الأحيان حين تسير في شارع، ترى الكثير جدًّا من الزنوج الأمريكيين حتى تظن أنك عدت إلى هارلم». (20-21)
هكذا، يعقد سميان علاقات صداقة مع مغتربي المجتمع الإفريقي الأمريكي في باريس: بيب الذي عمل سابقًا في منظمات الحقوق المدنية، ثم فقد الأمل في جدوى ذلك، فغادر. بينسون، الروائي الذي استقر في باريس، وتوقف عن الكتابة. داج، الشاب الجنوبي البسيط، الموظف في السفارة، الحائر بين علاقتي حب. هارولد، المؤلف الموسيقي، الذي يتنقل بين ڤيينا وباريس، والذي يؤمن أن «في القضايا المؤقتة [من قبيل النشاط السياسي].. موت الفن». (203) كذلك يتعرَّف سميان على بعض الأمريكيين البيض المتواجدين في المساحات نفسها. ويبدأ علاقة مع ماريا، وهي شابة بولندية يهودية قُتِل أبواها في معسكر اعتقال أثناء الحرب العالمية الثانية. مثل سميان الذي فقد عينًا في حادث عنف عنصري تعرَّض له في مراهقته، تعاني ماريا من مشكلة في عينيها، وجاءت إلى باريس للعلاج كي لا تفقد بصرها تمامًا. لكنها، على خلافه، ودت أن تتناسى مأساة الماضي، وأن تستمتع بحياتها، بدون التفكير كثيرًا في «القضايا»، أو في تغيير العالم.
تخبره في لقائهما الأول، بإنجليزيتها المكسورة:
«الأطباء إذًا يقولون لي: ’سوف تصبحين عمياء، أنتِ عمياء ربما خلال عامين، أو ثلاثة‘ أقول: ’طيب، تمام، أكون عمياء، لكنني أولًا أرى. أولًا أرى ألوانًا في الحياة، شيئًا ما خلاف الرمادي‘ لهذا آتي إلى باريس. أريد أن ألهو مثل طفلة، ألعب مثل طفلة لفترة. أن أصير ممثلة ربما؛ لهذا أذهب إلى مدرسة الدراما. أزور بلادًا أخرى. أرى ألوانًا ساطعة. أرقص. أغني. أضحك. ألعب حتى على آلة البينبول. هل ترى؟ لم تكن لدينا تفاهات مثل آلة البينبول حين كنت طفلة». (28)
في البداية إذًا، يستمتع سميان بالجو العام الـمُرحِّب، وبحياته المشتركة مع ماريا، وبالارتياح العميق لحياة لا تخضع لقيود التمييز على أساس اللون، وبالمعاملة الحسنة التي يلقاها هو، وبقية «القطط الداكنة»، في باريس. غير أن طبيعته لا تسمح باستمرار هذه المتعة اللاهية لمدة طويلة. تتراكم سلسلة من الأحداث تؤدي، في النهاية، إلى إدراكه لتعقيد المشهد الباريسي.
يشهد سميان شجارًا بين امرأة ورجل (سيتضح فيما بعد أنه جزائري) خارج إحدى الحانات. يُسيء سميان فهم الموقف، ويتدخل دفاعًا عن المرأة، بدون أن يعرف أنها سرقت نقودًا من الرجل. يخرج أصدقاءٌ جزائريون من البار، (من بينهم أحمد وحسين، اللذان سيصيران صديقيه بعد ذلك)، وينضمون إلى صديقهم، فيتسع نطاق الشجار، وتفر المرأة. تتدخل الشرطة، ويُقبض على الجميع. يعامل رجال الشرطة سميان باحترام، بينما يُلقى بالجزائريين جميعًا في الحبس حتى الصباح، بدون تقصي تفاصيل ما حدث، أو أسبابه. يتلقى الجزائريون معاملة يعرفها سميان حق المعرفة: هي ذاتها التي يلقاها السود من الشرطة في الولايات المتحدة، والتي تعرَّض لها هو نفسه أكثر من مرة.
قبل ذلك الحادث حتى، أثناء أيام وأسابيع اكتشاف المدينة وتسامحها اللوني المفترض، كان ثمة وجود شبحي ارتبط على نحو غامض بهامشيين ملونين. يراهم سميان، وهو يطالع المارة في يومه الأول، فور خروجه من محطة القطار، فيُطرح تساؤل غامض، لن يجد صيغة للتعبير عنه إلَّا بعد حادث الشجار:
«وهؤلاء الرجال، السائرون نحوه جماعة، بشعر مجعد، وبشرة ليست بيضاء بالضبط لكنها بالتأكيد ليست سوداء؟ عيونهم متجهمة، تعيسة، غاضبة، عيون عرفها سميان من شوارع هارلم. بناطيل واسعة، أحذية مهترئة، وقمصان بالية. نظروا إلى سميان بدون ابتسام، ومرَّ شيء يشبه الإدراك، على نحو غريب، بينه وبينهم. ثم مضوا متجاوزين إياه، واختفوا». (14-15)
بعدها بعدة أيام، يتبدى الوجود الشبحي مرة أخرى.
يقف سميان، في غرفة الفندق التي استأجرها، أمام بورتريه لوجه يحاول رسمه. إنه «وجه هائل لرجل مرسوم بدرجة من الخشونة جعلته يبدو كأنه قُدَّ من حجر.. وجه تنافر، وجه دمار» في تلك اللحظة، شعر سميان «بعذاب مشاعره القديمة، التي لا يمكن الفرار منها: رعب. تقزُّز. خوف. كراهية. رغبة في القتل. كان ذلك الوجه هو ما دعاه إلى أن يقتل. ما كاد يرسل به إلى الكرسي الكهربائي». (17) قانطًا، يقرر سميان الخروج. يترك بورتريه الوجه الذي يلخص الحياة التي فر منها، وتحدياتها، والعنف الذي كاد أن يدفعه إلى القتل. يهبط إلى الشارع، فتواجهه عناوين الصحف بأخبار الحرب في الجزائر. يرى متشردًا. يرى السياح بكاميراتهم. كاميرته هو الشخصية، سرديته، مختلفة. أو مرشحة للاختلاف. لا تتجول في باريس التي يعرفها السياح. باريسه هي باريس أخرى. إنها مدينة المغتربين، والمهاجرين، الآتين من المستعمرات، من الضفة الأخرى للأطلسي، أو للمتوسط.
غارقًا في أفكاره على هذا النحو، يرى سميان رجلًا في منتصف العمر. تلفت ملامح الرجل انتباهه «بشرة سمراء وشعر طويل مجعَّد»، فيتذكَّر الرجال الذين رآهم خارج محطة سان لازار، ويطرح السؤال نفسه: «هل من الممكن أن يكون هؤلاء الرجال جزائريين؟» (18)
«الوجه الحجري» هي رحلة إذًا. يقطعها سميان، في بلاد غريبة، ترحب به، لكنها تقمع آخرين. ولا يقتصر درسها الختامي على مجرد إدراك أن للمجتمع الفرنسي عنصريته الخاصة، التي لا ترتكز على اللون بالضرورة. (يلاحظ جيمس بالدوين أن الأمر لا يتعلق بتسامح مع الاختلاف اللوني، أو تقبُّل عام له، إذ أن ذلك لا يشمل الآتين من مستعمرات فرنسا الإفريقية. يتعلَّق الأمر، في رأيه، بالمزايا التي يقدمها جواز سفر الولايات المتحدة حتى لمن تدفعهم عنصرية مجتمعها إلى المهجر) على نحوٍ أكثر عمقًا، يدرك سميان، في نهاية الرحلة، أن الخطوط الفاصلة في النضال ضد العنصرية لا يحددها لون البشرة، وأنه، في مواجهة ضروب التمييز، والتحامل، المتعددة، ثمة احتياج إلى خيال أممي، يتجاوز مجتمع المرء، وجماعته، وأمته، وعرقه، ولون بشرته.
تنتهي الرواية بسميان براون عائدًا إلى الولايات، بعد أن انفصل، في رحلة بحثه الخاصة، عن مجتمع المغتربين الإفريقيين الأمريكيين في باريس، الذي يختار أفراده تجاهل النسخة الفرنسية من العنصرية كي يواصلوا الاستمتاع بحياة لا يتعرضون فيها، هم أنفسهم، لأشكال العنصرية التي عانوا منها في الولايات المتحدة. على خلافهم، يطرح سميان أسئلة غير مريحة، عن باريس، والفرنسيين، وحرب التحرير في الجزائر، والمستعمرين العائدين من مستعمرات فرنسا السابقة، والعنصرية، والتمييز، ومعنى أن يكون المرء «رجلًا أبيض».
وعبر سميان، ورحلته الباريسية، وبفضل بحثه الذي يأخذه عبر خطوط الفصل بين جماعتين مهمشتين، وعلاقات الصداقة التي أقامها مع جزائريين في باريس، تقدِّم الرواية سردية مبكرة، ظلت هي الوحيدة خلال عقودٍ من الإنكار الرسمي، والتعتيم العام، لمذبحة باريس التي وقعت في 17 أكتوبر 1961، وقتلت فيها الشرطة الفرنسية نحو 200 متظاهر جزائري.
يشهد سميان بوادر المذبحة. يصف بدايات اليوم الذي دعت فيه جبهة التحرير إلى مظاهرة في باريس. يصف الهدوء الذي يسبق العاصفة. استعدادات الشرطة المنذرة بتصميم على إراقة الدماء. لا مبالاة الفرنسيين. قلق المغتربين. إيثارهم السلامة بالتزام بيوتهم أثناء المظاهرة المنتظرة «تعرف كيف هم، رجال الشرطة الفرنسية»، قال بيب. حين يبدؤون في التلويح بتلك الهراوات، لا يرون فرقًا بين متظاهر ومتفرج» (288). يتحدث عن جموع المتظاهرين الآتين إلى المدينة في بدايات المساء «من مساكنهم في أحياء الصفيح والضواحي المتداعية» (228). عنف الشرطة المفرط. وتدخله، في النهاية، دفاعًا عن امرأة تتلقى، مع طفلها، معاملة وحشية من رجل شرطة. يسدد سميان لكمة لوجه الشرطي، ويتلقى هو الآخر ضربة فوق رأسه تفقده الوعي.
غير أن لكمة سميان كانت أكثر من مجرد لكمة. فقد كانت موجهة إلى ما يتجاوز وجه ذلك الشرطي المحدد. لقد هوت على «الوجه الحجري»، ذلك الذي رأينا سميان يحاول رسمه في البداية، «الوجه الذي كان يعرفه حق المعرفة، الوجه في أمريكا الذي حاول أن يفرَّ منه» (231)
وحين يستعيد سميان وعيه، يجد نفسه في شاحنة شرطة، «محشورًا في كومة أجساد، بعضها يتشنَّج، وبعضها ساكن» (232). شُحِن مع المتظاهرين الجزائريين إذًا، وأُلقي بهم جميعًا في إستاد رياضي تحول إلى معسكر اعتقال.
يستلقي سميان على أرضية الإستاد، شاعرًا بالألم في محجر عينه الفارغ، وتتجمَّع خيوط مشاعره، وشتات أفكاره:
«هدأ الألم في عينيه إلى حدٍّ ما، وقبل أن يغفو، فكَّر: وجه الشرطي الفرنسي، وجه كريس، وجه مايك، وجه البحار، وجه الجلاد النازي.. وجه الغوغاء الهستيرية في ليتل روك، وجه المتعصب الأفريكاني، والجزار البرتغالي في أنجولا، ونعم، الوجوه السوداء لقتلة لومومبا – هي جميعًا الوجه نفسه. حيثما يوجد هذا الوجه، يَكُن عدوُّه، ومن يخَف ذلك الوجه، أو يُعانِ منه، أو يحاربه، فهو شقيقه». (233)
* * *
تعكس «الوجه الحجري» خيالًا راديكاليًّا، عالم ثالثي، مألوفًا، ساد خمسينيات وستينيات القرن العشرين. تظل الرواية رهينة لذلك الخيال، وإن كانت تشير، إشارة واهنة، إلى إمكانية تجاوزه.
بداية: العالم الذي تقدمه «الوجه الحجري» هو عالم حدي، ثنائي، منقسم، بدون مساحات بينية، أو هويات، فردية أو جماعية، هجينة. رغم أن أحداث الرواية تقع في حاضرة إمبراطورية، وليس في واحدة من مدن المستعمرات، فإن تنظيم الحيز المديني (كما نراه في القسم المنشور هنا، وعلى امتداد الرواية) يعكس طبيعة ذلك العالم، ويشبه ما نجده في السرديات التقليدية المناهضة للاستعمار، حيث الانقسام الحاد بين مدينة المستعمِر ومدينة الأهالي، الحي الأبيض وحي السكان الأصليين، وحيث تحرس الدولة، بشرطتها وجيشها، الحدود، الفعلية والمجازية، بين النطاقين. إنه التقسيم نفسه الذي نجده في كتابات فانون، وفي سرديات مثل فيلم «معركة الجزائر» (1966).
وبنفس القدر الذي لا يتقبَّل به ذلك الخيال الراديكالي وجود مساحات بينية، وهويات هجينة، فإنه لا يوفر حتى إمكانية طرح سرديات جماعات الأهالي التي تختلف نضالاتها، ومشاغلها، وأولوياتها، عن تصورات الطبقة الوسطى، ونسختها المهيمنة من الوطنية، ومن مناهضة الاستعمار، على عكس سرديات أخرى، معاصرة، ولاحقة. على سبيل المثال: سردية راديكاليات الطبقة الوسطى في رواية لطيفة الزيات «الباب المفتوح» (1960)، مجتمع الخادمات في فيلم مفيدة التلاتلي «صمت القصور» (1994)، وحياة الطبقة العاملة أثناء الثورة ضد الاحتلال في ثلاثية دبلن للمسرحي Sean O’casey شون أوكيسي: «ظل المسلح» The Shadow of a Gunman (1923)، «چونو والطاووس» Juno and the Paycock (1924)، «المحراث والنجوم» The Plough and the Stars (1926).
ثانيًا: على نحو لا يختلف كثيرًا عن بقية سرديات ذلك التيار الراديكالي الرئيسي، فإن «الوجه الحجري» هي رواية رجال. سميان براون. بيب كارتر. داج. بينسون. هارولد. چوي. أحمد. حسين. بن يوسف. إلخ. وحين نقابل الصديقات، أو الصاحبات، (جيرتي. ماتيلدا، وأخريات من خارج مجتمع المغتربين/ات الإفريقيين/ات الأمريكيين/ات)، لا نعرف الكثير عنهن، أو عن حياتهن، أو عن أرائهن فيما يُطرح من قضايا. ماريا ذاتها، وهي الشخصية النسائية الرئيسية التي تُعامل بمحبة حقيقية، رغم أنها تتبنى منظورًا مضادًا لما يبلغه سيمان في رحلته، ماريا ذاتها تمثل التهديد الرئيسي لفاعلية سميان السياسية، ولإمكانية عثوره على ذاته. لهذا، فإن تشكُّل وعي سميان مشروط بالخروج من علاقته معها، وبتجاوز الحياة التي ترغب فيها لهما.
هكذا، تنتهي الرواية وماريا في طريقها إلى ما يمثل، رمزيًّا، أمريكا البيضاء: هوليوود وصناعة السينما التي تلتحق بها كممثلة.
وفي أحد أهم مشاهد الرواية يتخذ ما هو رمزي، ومجازي، (تحديدًا: غياب أصوات النساء عن الرواية وما تمثلها من سياسات)، مُعادلًا ماديًا ملموسًا. يتلقى سميان دعوة من أحمد للقاء جزائريتين (لطيفة، وجميلة) تعرضتا للتعذيب، كي يستمع إلى قصتهما. أثناء اللقاء، يمنعهما الخجل من مشاركته تفاصيل ما حدث لهما. يغادرا الغرفة، ويتولى أحمد مهمة الحكي نيابة عنهما. يغيبان إذًا، غيابًا فعليًّا، عن المشهد، فيحل محلهما صوت رجل متعاطف.
ثالثًا: تحدث اللقاءات العابرة للأعراق، والقوميات، بين أفراد هم ممثلون لقوميات، ولهويات جمعية، محددة مسبقًا، وراسخة، لا تتأثر باللقاء. ما يتغير هو الوعي، لا الفكرة المسبقة عن الذات، وما تنتمي إليه: يظهر جزائريون. يجلسون في مقهى. يأتي برازيليون. يتذكَّر سميان أن برازيليًّا، لن نعرف عنه ما يتجاوز أنه برازيلي، قال شيئًا فائق الأهمية. يجلس برازيليون في خلفية مشهد ما. ينصرفون. ترقص برازيلية بدون اسم. يظهر إفريقيون أمريكيون. يتعاطف أحدهم مع جزائريين. أو يتضامن معهم. يكتسب البعض (سميان تحديدًا) وعيًّا ما عبر اللقاء، عن العلاقات الوطيدة بين تلك الجماعات، ونضالاتها المتشابهة. لكن لا تُصاغ هويات جديدة. وتبقى الشخصيات مُعرَّفة بجنسياتها، أو بأصولها العرقية، كما كانوا قبل الوعي المكتسب.
يمثِّل جزائريو الرواية، على سبيل المثال، أنماطًا، لا أفرادًا. أحمد: الثوري الحالم، من يرفض تطبيع العنف الثوري حتى بينما يدرك أهميته لإنهاء الاستعمار. حسين: الثوري القريب جدًّا، صرامة وقسوة، مما يناضل ضده. الأسماء ذاتها (أحمد، حسين، جميلة، لطيفة) نمطية على نحو يوحي بمقاربة من بعيد، يؤكدها، على سبيل المثال، غياب أي وعي بالتنوع اللغوي داخل المجتمع الجزائري، ومهجره.
وفي المقابل، للتأكيد على التشابه بين المجتمعين، يستخدم سميان، (الذي وُلِد، ونشأ، وعاش، طوال حياته كما يبدو، في مدينة فيلادلفيا ذات الوجود الأسود الكبير)، مجازًا أقرب إلى القارئ العام من تجربته هو الحياتية: أي مجاز «هارلم»، الحي النيو يوركي وأيقونة الوجود الإفريقي الأمريكي في أمريكا الشمالية. هكذا، يصير حي الجزائريين، في سردية سميان، «هارلم» جزائرية في باريس، وهو ما يُفترض أن نفهم منه أن سميان، الذي لم يعش قط في هارلم، شعر أنه في «دياره» حين ذهب إلى ذلك الحي.
حتى حين يخرج سميان على القواعد المنظمة لمجتمع المغتربين الإفريقيين الأمريكيين في باريس، (وهو الوعد الذي يلمح إلى مستقبل آت، يتجاوز، ربما، الهويات الحالية)، فإن ذلك الخروج يحدث، لا تجاوزًا لانتماء عرقي يحدد أين يجب أن يكون نضاله، بل كي يعود، تحديدًا، إلى ما غادره، كي ينضم، لا إلى نضال عابر للقوميات (فكِّر مثلًا في فانون بين الجزائريين، أو جاردنر سميث ذاته في غانا)، بل إلى نضال الإفريقيين الأمريكيين في الولايات المتحدة.
* * *
نقرأ في المقتطف التالي عن زيارة سميان براون الأولى إلى حي جزائري في باريس.
قبل الزيارة، التي تبشر باحتمالية وعي مختلف، وتؤكد على الصلات التي تربط الهامشين، الإفريقي الأمريكي والجزائري، توضح الرواية، من منظور نضالي، لا يخلو من طابع اختزالي، ومن قسوة، مخاطر الحياة في المنفى الباريسي إن ترك المرءُ نفسه لإغراءاتها: «إنها مدينة عظيمة» كان بيب كارتر قد أخبر سميان في البداية، «إن لم تضعف. إن كنت تستطيع الصمود أمام الشرب، والجنس، والطعام الطيب، والنبيذ. باريس مُحفِّز.. تكسرك أو تصنعك». (19-20)
تحدث هذه الزيارة الأولى إلى «هارلم» الباريسية، بعد دعوة من أحمد، صديق سميان الجزائري المقرب الذي نرى هنا بدايات تعارفهما في أعقاب الشجار المذكور فيما سبق، وبعد لقاء صدفة آخر جمع سميان بمجموعة الجزائريين الذين تسبب في حبسهم بتدخله. يصادفهم سميان جالسين في أحد المقاهي. يناديه حسين، الـمُسلَّح بقسوة اليقين. يوبخ سميان. يؤكد على معرفته بالمعاملة التي يلقاها الإفريقيين الأمريكيين في الولايات المتحدة. يرفض اعتذار سميان. وقبل أن يصرفه، ولا يسمح له بالجلوس معهم، يدعوه «رجلًا أبيض»:
«طيب، كيف تشعر الآن؟ لا بأس، ها؟ هنا في فرنسا، في أرض الأحرار. بعيدًا جدًّا عن الأمور هناك في الولايات، ها؟ يمكنك أن تذهب إلى أي مكان، تفعل أي شيء. هذا عظيم. أتذكَّر كيف كان الحال هناك. إنْ تشاجر رجل أبيض مع رجل أسود، فالرجل الأسود مذنب، والرجل الأبيض بريء. فقط هكذا. أتذكَّر. كيف تشعر وقد عُكِست الأدوار، ها؟ كيف تشعر وأنت الرجل الأبيض على سبيل التغيير؟» (73)
ربما يكمن هنا أحد أهم إسهامات «الوجه الحجري». وربما نبلغ نحن أيضًا، كقراء، مع سميان براون، هذا التصور الذي يظل راديكاليًّا بعد نحو ستين عامًا من طرحه: أن تكون "رجلًا أبيض" هو أمر لا يتعلَّق دائمًا بلون البشرة، بل بموقع في منظومة علاقات، وامتيازات، وموازين قوى.
و. ع
أورفيوس يهبط إلى هارلم
1
كان سميان متمددًا على كرسي، وساقاه الطويلتان ممدودتان أمامه، يتناول قهوة ما بعد العشاء في شرفة لا شوب مع لُو، وكلايد، وبعض البرازيليين.
كان الوقت مساءً، وأمضى كلايد اليوم بأكمله في شرب مُفرِط كعادته. نظر إليهم بعينين محتقنتين بالدماء. «چينكس اللعينة. يا تُرى أين هي. كل ما أعرفه عن تلك العاهرة هو أنها في الفِراش في مكان ما مع شخص آخر».
قال سميان: «بينكما حبٌّ كبير أنتما الاثنين. بالمناسبة، ماذا تفعلان بابنتكما؟».
اتسعت عينا كلايد. «تأخذها چينكس معها. تلك هي الحقيقة بأمانة شديدة. تجعل الطفلة تنتظر بالأسفل في الردهة، أو في مقهى بالجوار! هل سمعت بأم مثل هذه من قبل؟». حملق في كأسه، وشاربه الأشقر يرتعش، وقد غاب في أفكار متلاطمة. حرَّك رأسه إلى أعلى، ونظر إلى سميان مرة أخرى، كأنه تذكَّر شيئًا. «أنت ولد طيب، يا سميان. صديق حقيقي. تروق لي، هل تعرف ذلك؟ حين نعود إلى الولايات، أريدك أن تأتي كي تراني، وتقابل أهلي».
«نعم، يمكنني أن أرى نفسي أرنُّ جرس باب بيتك هناك في چورچيا، أو في ذلك المكان الذي تأتي منه، يا كلايد».
«لا، لا، أنا صادق. أريدك أن تزورنا. أن نكون صديقين، تمامًا مثلما نحن هنا».
تدلَّت المباني العتيقة في ميدان كونترسْكارْب، كأنها على وشك التداعي. تعلَّق قمر برتقالي في الأعلى، منيرًا الأشجار، والمراحيض نفاذة الرائحة، والمتسكعين. تذبذب الهواء بضجيج المحركات، والأصوات، وآلات البينبول، والروك آند رول الآتي من صندوق موسيقى.
تمطَّى سميان، وألقى نظرة سريعة داخل المقهى. ابتسم له جزائري يقف عند البار، ولوَّح له. بدا الوجه مألوفًا، لكن سميان لم يستطع أن يتذكر الشاب. نهض، وسار إلى الداخل.
«ألا تتذكرني؟» سأله الرجل بالفرنسية. «كنت في البار حين تشاجرت مع جزائري، وكنت أجلس في الشرفة في اليوم التالي حين ناداك حسين – الرجل الذي دعاك رجلًا أبيض. هل تذكر؟»
«أوه، أتذكر بالطبع»، قال سميان، مع ضحكة عصبية. وعاد صدى خافت للخزي. يتذكَّر الرجل الآن – الوحيد من بين الجزائريين في الشرفة الذي نظر إليه بدرجة من التعاطف.
«اسمي أحمد. هل لديك دقيقة؟ ماذا ستشرب؟ كنت آمل أن أصادفك مرة أخرى»
جلسا. زفرت عجوزٌ تجلس إلى طاولة قريبة، مستنكرة. صدى من أمريكا، فكَّر سميان، وقد أثار احتقار المرأة لأحمد غضبه.
بدا أحمد مثل سميان إلى حدٍّ ما. كان له الوجه النحيف ذاته، والعينان البنيتان العميقتان؛ وكان مديد القامة، بيدين طويلتين، عصبيتين. لكن بشرته كانت سمراء، لا سوداء، وشعره، رغم أنه كان مجعدًّا جدًّا، لم يكن شَعرَ زنجيٍّ.
سأل سميان: «لماذا أردت أن تراني مرة أخرى؟»
قال أحمد بنبرة اعتذار: «كان حسين قاسيًا جدًّا عليك. بدوت حزينًا جدًّا، وموجوعًا. أردت أن أخبرك أن كل شيء على ما يرام. وعلى أي حال، لا يمكنك أن تعرف أحوالنا».
«أعرف الآن».
«نعم، هذا جيد».
كانت عينا أحمد واسعتين، وصريحتين. ابتسم باستمرار بينما يتحدَّث، وهو يومئ معتذرًا، وعيناه لا تغادران وجه سميان. مال إلى الأمام، بانتباه واهتمام، وقتما تحدَّث سميان.
قال: «أنا مسرور أننا تقابلنا هنا. لم أتحدث قطُّ مع أمريكي أسود من قبل. شعرتُ بالتعاطف معك حين رأيتك تلك المرة الأولى. أخبرت حسين: ’كيف يمكنك أن تتحدَّث مع هذا الرجل بهذه الطريقة، إن له بشرة سوداء‘، وردَّ حسين: ’هو أمريكي أسود. هذا يعني أنه يفكر مثل رجل أبيض‘».
مال أحمد إلى الأمام، وهو يبتسم بخجل. «ما أعجبني – ربما لأنني شعرت أننا متشابهان على نحو ما».
«ربما. على أي نحو؟»
«شيء ما رقيق». راقب وجه سميان، كأنه يخشى أن يُسيء إليه. أردف، بعد أن اطمأن: «بدوت حساسًا. كشخص تنفِّره الكراهية والعنف».
ابتسم سميان. «نعم، قد نكون متشابهين جدًّا على ذلك النحو».
«هل تفهم، أعرف البعض ممَّن اكتسبوا ميلًا إلى ذلك، إلى العنف والكراهية. جنود الفيلق الأجنبي في الجزائر، إنهم هكذا. رجال من جميع البلدان، يستمتعون بالنهب، والاغتصاب، والتعذيب، والقتل. تلمع عيونهم بالمتعة. بعض رجال الشرطة هنا في فرنسا على هذا النحو، أيضًا. نحن لسنا كذلك».
تفحَّص وجه سميان، كي يتأكد أنه فهم. بدا أن أحمد يتحدَّث عن شيء يهتم به كثيرًا. «تعرف، العنف، الوحشية، يتعين أن يُستخدما أحيانًا حين لا يكون هناك طريق آخر. الطريقة التي نقاتل بها هذه الحرب هي طريقة ضرورية – لا يوجد مفر. لكن يجب ألَّا يكتسب المرء ميلًا إليها. يضايقني هذا؛ لا يروق لي الإرهاب، والقتل، وزرع القنابل. إنها أمور ضرورية، نتصرف دفاعًا عن النفس فعلًا. أنت، كرجل أسود في أمريكا، لا بُدَّ أنك شعرت بالغضب مرات كثيرة، لكنني متأكد أنك لا يروق لك أن تكره طوال الوقت. يروق ذلك لحسين، كراهية الفرنسيين. لكن أنت وأنا، نحن مختلفون عنه. في كراهيتنا للعنف، نحن متشابهان».
رشف أحمد قهوته. تذكَّر سميان أن المسلمين نادرًا ما يشربون الكحول. أردف أحمد: «لا يحب أخي العنف، لكنه يستخدمه. إنه في الجزائر مع وحدة جيش في جبهة التحرير الوطني الجزائرية. هل سمعت بها؟».
«لا يوجد شيء آخر في الجرائد».
«لأربعة أعوام يقاتل أخي في الجبال! جُرِح سبع مرات، ورغم هذا ما زال يقاتل. أتوقع، في أي يوم، أن يأتيني نبأ موته. اثنان من أبناء عمومتي تُوفِّيا، البقية وكذلك أبي وأعمامي إمَّا ماتوا وإمَّا اختفوا قسريًّا في المعسكرات، لا نعرف أيهما. ينبغي أن أكون أنا أيضًا هناك في الجبال. أقول ذلك لنفسي طوال الوقت، ينبغي أن أكون هناك. على أي حال، أنا طالب، وجبهة التحرير تقول لي إنني لا بُدَّ أن أتلقى تعليمي؛ فسوف يحتاجون إلى رجال مدربين حين تصير الجزائر حرة. أقوم ببعض الأشياء هنا.. أشياء صغيرة. لكن هذا لا يكفي». ضحك فجأة، وبدا حديثَ السن جدًّا حين تملأ الحيوية وجهه. «أنا مجرد مثقف برجوازي! هذا هو ما يقوله لي بعض أصدقائي. هذا هو ما يعتقده حسين».
«ماذا تدرس؟»
«الطب. وأكتب. أريد أن أكون كاتبًا». تجهَّم، «لكن يبدو ذلك بلا جدوى بينما يموت الكثير من الناس».
غادرا المقهى معًا. لم يعد لُو، وكلايد، والبرازيليون في الشرفة. قال أحمد: «أي طريق ستذهب؟».
«حو اللوكسمبورج».
«يمكننا أن نقطع جزءًا من الطريق معًا».
سلكا شارعًا ضيقًا. شعر سميان بالراحة لحديثه مع أحمد. كانت كلمات حسين قد التصقت بذهنه. بدا أن الحديث مع أحمد قد عدَّل الأمور مرة أخرى. دندن لنفسه بأغنية سبريتشوال:
ذهبت إلى الصخرة كي أخبئ وجهي؛
والصخرة هتفت: «لا يوجد مكان للاختباء،
لا مكان للاختباء ها هنا».
دارا حول البانتيون، ومرَّا أمام قسم للشرطة. كان رجل شرطة يقف في الحراسة في الخارج، وراء ساتر بارتفاع الكتف، وفي يده مدفع رشاش. حملق في أحمد وسميان.
بينما يقتربان من الناصية، قال أحمد بابتسامة: «كلَّما مررتُ بقسم الشرطة هذا أثناء الليل، وحدي أو مع جزائريين آخرين، يوجِّه الحارس تلك البندقية نحوي، ويأمرني بالدخول. يتفقَّدون أوراقي، ويسألون ما الذي أفعله في وقت متأخر جدًّا من الليل. لديهم كلمات جميلة من أجلي، مثل bicot أو melon، ثم يلقون بي في طريقي. كل مرة».
«ولماذا لم يفعلوها الليلة؟»، سأل سميان، وهو يتوقع الرد.
«لأنني معك. مع شخص يبدو ’محترمًا‘." ضحك. "كيف تجد ذلك، أن تكون ’محترمًا‘؟».
«غريب».
«وأن تكون لديك سلطة كبيرة هكذا؟».
«غريب. أغرب شيء في العالم».
توقفا عند الناصية قبل أن يفترقا. قال أحمد: «ما رأيك في تناول العشاء معي غدًا مساءً؟ يمكننا أن نأكل الكسكس في مطعم جزائري».
«عظيم».
رتَّبا أن يتقابلا في التورنون، في السابعة.
2
أورفيوس يهبط إلى هارلم، فكَّر سميان. عند محطة الباص في اليوم التالي، ترنَّح چوي السِّكِّير في اتجاههما، محملقًا في أحمد بفضول. كان چوي زنجيًّا أمريكيًّا، أشيب الشعر، بعينين محتقنتين بالدماء، موجود في باريس منذ نهاية الحرب، ويعمل كنادل في ملهى بيجال الليليِّ. تجهَّم في وجه سميان.
«أحتاج إلى خمسمئة، يا رجل. هل معك؟».
كان بيب قد قال إنه لا يوجد أحد في باريس يمكنه أن يتذكر رؤية چوي فائقًا. كذلك لم يره أحد يبتسم.
«نعم». أعطى سميان لچوي ورقة نقدية من فئة الخمسمئة فرنك.
أخذ چوي النقود غاضبًا. فاحت منه رائحة الكحول. «هذا لا يعني أنني فقير»، قال بعدوانية. «فقط ليست معي نقود الآن».
«طبعًا، طبعًا».
«سأردُّها لك حين أصادفك المرة القادمة».
«طيب»، قال سميان، وهو يعطي الورقة النقدية قبلة الوداع.
تحرَّك الباص في اتجاه الشمال من حي الطلبة. مرَّ بقصر العدل، وبالشارع المزدحم أمام مسرح سارا برنار، ومباني المكاتب الرمادية في منطقة البورصة، والبولْڤارات الكُبرى. صارت أشباح المقاهي العظيمة، حيث تجادل الرسامون والصحفيون بحرارة، حيًّا مُفضَّلًا لمتنزهي يوم الأحد، ومُزودًا باستوديوهات تصوير وأكشاك الأرصفة.
في اتجاه الشمال نحو هارلم. كلما ابتعد الباص شمالًا، كلما زادت رتابة المباني، والشوارع، والناس. متاجر رخيصة تبيع الملابس، والأثاث، وأدوات المطبخ: «شروط مُيسَّرة، الدفع على عشرة شهور!» تزداد عتمة المقاهي، تصير الشوارع أضيق وأكثر صخبًا، ويشغل الأرصفة المزيد والمزيد من الأطفال. وقف رجال عاطلون عن العمل، بلا شيء يفعلونه، ولا مكان يذهبون إليه، في مجموعات متجهِّمة، لا جدوى منها، على نواصي الشوارع. دوَّت الموسيقى العربية من المقاهي المظلمة، أو من النوافذ المفتوحة لفنادق كئيبة. ثم فجأة، صارت الشرطة في كل مكان، تراقب الشوارع، العيون تتنقل بوقاحة من وجه إلى وجه، الرشاشات تتدلى من أكتافهم.
إنها مثل هارلم، فكَّر سميان، سوى أن هناك رجال شرطة أقل في هارلم، لكن ربما يحدث هذا أيضًا ذات يوم. مثل هارلم ومثل كل معازل العالم. كان للرجال الذين رآهم عبر نافذة الباص بشرة أكثر بياضًا، وشعرًا أقل تجعيدًا، لكنهم كانوا، في نَواحٍ أخرى، مثل الزنوج في الولايات المتحدة. لقد اتخذوا نفس الأوضاع: «لتخزين» على النواصي، مستعدِّين ومرعوبين من «القلق» الذي يمكن دائمًا أن يحدث، العيون متجهمة ومرتابة، يرتدون بناطيل بسعر موحَّد، وقمصان زاهية، وأحذية ضيقة مدبَّبة. يكاد يسمعهم يقولون: «ماذا تفعل هذه الأيام، يا رجل؟»، «فقط أُسيِّر أموري، فقط أُسيِّر أموري، يا رجل. أحاول أن أُبعد تشارلي العجوز عن ظهري». وتشارلي العجوز يجوب الشوارع، ملوِّحًا برشاشه. راقب سميان كل شيء، متذكرًا كيف كان الحال في شارع ساوث، وفي شارع لومبارد، مستشعرًا الإحباط والغضب القديمين اللذين لا يمكن تحمُّلهما، والخوف والتحدي. مَن كان يعرف شيئًا عن كل هذا؟ ماذا يعرف هؤلاء القوم عن هذا أو ذاك أو عن أي شيء؟ ومن كان حيًّا سوانا نحن، هنا، نحن ها هنا في الحضيض، من نشعر بصهد الحياة، وثقلها، في الحاضر المفرط في واقعيته، ونراقب مهرجين لهم شحوب الموتى يلعبون ألعابًا تافهة هناك في مناطقهم؟ هتف باعة جائلون على بضائعهم بالعربية: فاكهة، ملابس، خضروات. تذكر عربات الكارو من طفولته في الشارع العاشر، الرجال المتعرقين وهو يثقبون البطيخ كي تستطيع تذوُّقه، ويفتحون السمك وينظفونه ويزيلون قشوره من أجلك، هاتفين في الصباحات: «خِرَق قديمة؟ ورق قديم؟ حديد؟» روائح الطعام الفاسد، وروائح الطبيخ التي تمتزج في الهواء، وتذكَّر كيف بدت له تلك الروائح – الدجاج المقلي، أو الخضرة، القمامة التي لم تُجمَع في الأزقة وفي مصارف المجاري. هاجمتهم الموسيقى العربية من كل الجهات. البلوز. أين كانت مغنية البلوز الآن؟ في المقاهي الموحشة، كان الرجال يلعبون على آلات البينبول، أو كرة القدم، أو يقفون أمام الطاولات يحملقون في لا شيء، وأمامهم فناجين القهوة الفارغة. لم تكن هناك نساء. والشرطة تجوب الشوارع، ووجوههم قاسية.
كان سميان مُدركًا أن أحمد يحملق فيه، صبيانيًّا وعاقد العزم، مفتشًا عن ردود أفعاله، تمامًا مثلما فعل في ذلك اليوم حين نادى حسين على سميان.
«أين أنت؟» سأل أحمد.
«في موطني».
غادرا الباص، وشقا طريقهما ببطء عبر الشوارع الضيقة، المزدحمة، إلى مقهى/مطعم كبير. شعر سميان على الفور أنه بارز للعيان في بدلته الأمريكية المكوية جيدًا، وياقته البيضاء المنشَّاة. حملق فيه رجال يرتدون بناطيل رثة، وأحذية رياضية بالية. لم تكن نظراتهم عدائية، بل متسائلة. لا يمكن أن تثق بأي شيء في عالم يشبه غابة. كادت بشرة أحد الجزائريين أن تكون بنية مثل سميان، لكن كان بوسعك أن تدرك من العينين والشعر أن الرجل ليس زنجيًّا. هارلم! هارلم! شعر سميان بخيبة أمل، كأنه توقَّع بالفعل أن الجزائريين جميعهم سوف يبتسمون ويسارعون إلى معانقته، هاتفين: «يا شقيق!» ظلوا متباعدين، يتفحصونه بحذر، كما كانوا ليفعلوا مع فرنسي – أو أمريكي.
جلسا، وطلب أحمد الكسكس. أحضر النادل طبقًا ضخمًا من السَّميد الساخن، ولحم الضأن، صبَّ فوقه مرقة حمراء مليئة بالخضروات والفلفل الحار. لم يكن سميان قد تذوَّق هذا الطبق العربي من قبل. لسع لسانه، مثل الشواء الحار في شارع ساوث أو جادَّة لينوكس. تلفَّت حوله في المقهى. لم يكن أحد يعيره اهتمامًا الآن. شعر بالمزيد من الراحة.
قال أحمد: «هل الحال هكذا.. في الأحياء السوداء في أمريكا؟».
«نعم». فكَّر للحظة. «يوجد ضحك أكثر بين الزنوج، رغم هذا».
«ليسوا في حرب. ليس النوع الذي يتضمَّن إطلاق نار».
«لا».
لم يبدُ أحمد مثل بقية الجزائريين. كانت ملابسه أفضل، وأكثر مرحًا، وانفتاحًا من بقية الجزائريين في المطعم.
«عائلتك ميسورة الحال؟»، سأل سميان.
تورَّد أحمد. «نعم، هم تُجَّار في منطقة القبائل. أنا محظوظ، يرسلون لي نقودًا للدراسة». تلفَّت في أرجاء المكان. «نصف هؤلاء الرجال بلا عمل. المحظوظون الذين يعملون هم عمال؛ يحفرون خنادق أو يفعلون أشياء أخرى لا يريد الفرنسيون فعلها. عِمالة رخيصة، نحو ثلاثين ألف فرنك في الشهر. كم ذلك بالدولار؟».
«نحو خمسة وستين».
«ورغم هذا، ذلك أكثر بكثير ممَّا قد يكسبونه في الجزائر. نحو خُمس الجزائريين في الديار يعيشون على النقود التي يرسلها هؤلاء الرجال».
أين ماريا؟ لم يعرف سميان لماذا فكَّر فيها فجأة، أو لماذا لم يفكر فيها قبل ذلك. ربما هي في أُنْجان، مع «أمها الباريسية»، تقامر في الكازينو. عالَم آخر.
«لا بُدَّ أن الحال صعب، بدون نساء»، قال سميان.
هزَّ أحمد رأسه. «تبقى النساء في الديار. سيكلفن نقودًا هنا. ربما تتساءل ما الذي يفعله الرجال بدون نساء؟»
«نعم».
«أغلب الوقت، يستغنون عنهن. أحيانًا، في يوم الراتب، يذهبون إلى عاهرة، إن قبلتهم. أغلب الفرنسيات لا يخرجن مع جزائريين. البعض من ذوات الشخصيات القوية قد يفعلن، لكنهن الأقلية».
تذكر سميان أنه لم يَرَ قطُّ جزائريًّا مع امرأة فرنسية. لا يمكنك أن تقطع أحد شوارع الضفة اليسرى بدون أن تصادف أزواجًا مختلطين، سودًا وبيضًا، لكن السود هنا، أفارقة كانوا أو من الهند الغربية أو أمريكيِّين، ليسوا عمالًا، ونادرًا ما يكونون فقراء. هم طلاب، وفنانون، ومهنيون. إنهم «محترمون».
شعر سميان بعدم الراحة؛ لقد أصبحت الحياة أيسر ممَّا ينبغي بالنسبة له في باريس. في ذلك الأصيل، كان قد أنهى المقال الأخير من سلسلةٍ من ستِّ مقالات عبثية عن الحياة العاطفية للانطباعيين، وأرسلها بالبريد إلى المجلة. وبالرغم من أن المقالات كانت سخيفة، فقد داخل سميان شعورٌ بالإنجاز لمجرد أنه فعل شيئًا ما. طاعون المستعمرة الأجنبية هو التبطُّل. سيُرسَل شيك له خلال أسبوع أو نحو ذلك. يمكنه أن يدفع إيجار شقته، ويتسكَّع في المقاهي، ويذهب إلى المسرح، أو إلى مطاعم جيدة، وقتما يريد. تلفَّتَ حوله، وفكر في حسين، الجزائري الذي دعاه «رَجُلًا أبيض».
قال: «أودُّ أن أرى حسين مرة أخرى».
ابتسم أحمد. «أخبرته أننا قد نمرُّ عليه. يسكن بالقرب من هنا».
«والرجل الذي تشاجرت معه؟»، شعر بالحرج مرة أخرى، وهو يذكر الأمر.
«لقد اختفى».
«اختفى؟»
«تبدو مندهشًا. ذلك يحدث كل يوم. يحدث في الجزائر أكثر من هنا، لكنه يحدث هنا في فرنسا أيضًا. ربما قُبض عليه في مداهمة، وأُرسل إلى معسكر اعتقال».
صُعِق سميان من الفكرة، ومن العفوية التي قالها بها أحمد. «لست جادًّا. توجد معسكرات اعتقال في فرنسا؟».
بدا أحمد مندهشًا. «لم تكن تعرف؟ الجرائد نفسها تتحدث عنها. إنها تُدعى ’معسكرات احتجاز‘، لكن الفرق لغوي إلى حدٍّ كبير. يوجد اثنان بالقرب من باريس، والمعسكرات الأخرى في الغرب الأوسط وفي الجنوب. ظننت أن الجميع يعرفون. يختفي الجزائريون كل يوم، وتعرف بعدها أنهم في هذا المعسكر أو ذاك. ليست لطيفة جدًّا، تلك المعسكرات. لا توجد غرف غاز، بالطبع، لكن الحراس والمسؤولين ليسوا لطافًا. الأمر أسوأ في الجزائر. هناك طُوِّر التعذيب إلى فنٍّ رفيع. هل ننهي القهوة ونذهب إلى غرفة حسين؟».
3
كان لمنزل الغُرَف المستأجرة، حيث أقام حسين، ممرَّاتٌ ضيقة مظلمة، وجدران الجصِّ الملطَّخة كانت رطبة وقذرة إلى حد أن سميان تجَنَّبها وهو يصعد الدَّرَج. امتلأ الهواء العفن بالموسيقى العربية الحزينة، وبروائح الطعام المطهو. كل الأبواب مفتوحة على اتساعها، وبمقدورك رؤية مجموعات من الجزائريين يتحدثون بأصوات منخفضة، على الكراسي أو الأسِرَّة، تحت مصابيح كهربائية عارية. سكن حسين في الطابق الخامس. كانت غرفته صغيرة، بمصباح كهربائي مكشوف يتدلى من السقف، ورق الحائط ممزَّق، ومُبقَّع، ويوجد مشمع بالٍ على الأرض. لم تكن هناك مرتبة أو ملاءة فوق السرير الضيق؛ بل فُرِشت بطانية إضافية، تؤدي دور مرتبة، فوق السرير. كان سميان متأكدًا من وجود حشرات فراش، وربما براغيث. رائحة الطعام الذي كان يُطهى على موقد الكحول تحت مغسلة الوجه، كانت خانقة.
تبسَّم حسين، وصافح سميان. «مرحبًا بك في الفردوس. كيف حال الرجل الأبيض؟».
ابتسم سميان. «الرجل الأبيض على ما يرام».
جلس أحمد وسميان على كرسيين مهتزَّين، بينما سخَّن حسين وعاء قهوة على الموقد. تَلفَّت سميان في الغرفة. هناك طاولة مائلة إلى جانب، وخزانة، وحقيبة. حوض الغسيل مفصول جزئيًّا عن الحائط. لم يكن ليودَّ أن يعيش هنا، فكر، لكنه رأى غرفًا أسوأ في شارع ساوث.
قال أحمد: «هذه غرفة حسين جزئيًّا فقط. هي غرفته لثماني ساعات في اليوم. يحصل رجلان آخران عليها لثماني ساعات لكل منهما. ينامون بالدور. هكذا، يقسمون الإيجار على ثلاثة. لا يستطيع واحد منهم أن يدفع الإيجار بمفرده».
نهض سميان، وذهب إلى النافذة. كانت الدنيا تظلم الآن. تحت مصابيح الشارع رأى رجالًا خاملين، ورجال الشرطة المارين برشاشاتهم. ذلك كان حي Goutte d’Or الباريسي، هذا ما كان أحمد قد أخبره. «قطرة من الذهب». ابتسم بتهكُّم.
«هل يتعيَّن على الجزائريين أن يعيشوا في أحياء محدَّدة؟» سأل، وهو يلتفت.
هزَّ أحمد كتفيه. «لا يوجد قانون، إن كان ذلك ما تعني. فقط نُقابَل بـ ’آسف، لا توجد غرف؛ آسف، المكان بأكمله مشغول‘ تعرف ما أعني؟».
«أوه، نعم. أعرف».
وضع حسين فنجانين مشروخين على الطاولة. «تعليم الرجل الأبيض»، قال، وهو يلقي نظرة على سميان. لكن الآن لم تكن هناك عدوانية في معاكساته. وبينما يصب القهوة، قال: «آسف، لا يوجد كونياك أو نبيذ. كنت مُفلسًا. ثم إنه لا يُفترض للمسلمين أن يشربوا».
شربوا القهوة في صمت. نظر سميان إلى الرجلين. بشرتهما كانت بيضاء، حسنًا: يبدوان مثل السلاڤيين الجنوبيين. الطريقة التي دعاه حسين مازحًا «رجل أبيض" كانت سخيفة، فكَّر.. كأنه هو، حسين، لم يكن أبيض! كان واحد من البرازيليين قد شرح لسميان أنه في أمريكا الجنوبية حين يصير هندي أو زنجي ثريًّا، أو يصبح چنرالًا، كان يُعتبر رسميًّا أبيض. ذلك كان جنونًا. العالم هرَمٌ، وفي قمته كانت الشعوب العظمى الغنية – الأوروبيون الشماليون، الإنجليز، وحديثًا الأمريكيون. لقد فرضوا مقاييسهم على بقية العالم. هنا، الرجل الأسود هو الأدنى؛ هناك الأدنى هو العربي؛ وهناك هو اليهودي، وهناك الآسيوي – طبقًا لأين تكون. ومَن أصبحوا أثرياء، أو عظماء، عبر حادثة تاريخية هم من يحكمون. خلال ذلك الوقت المعين.
قال حسين: «حسنًا، ما رأيك في قلعتنا؟».
«تُذكِّرني بمساكن العشوائيات في هارلم أو فيلادلفيا».
هزَّ حسين رأسه. نظر إلى سميان بتصميم وقال: «على الزنوج في أمريكا أن يثوروا، مثلما فعلنا».
قال سميان: «ليست لدينا جزائر كي نحرِّرها».
«لديكم بلد. إفريقيا».
كان من الصعب أن يشرح. إفريقيا بعيدة، في الزمن، وكذلك بحساب الأميال، وأغلب الزنوج الأمريكيين، رغم حماسهم لحركة الاستقلال في إفريقيا، سيشعرون أنهم أجانب هناك، وكذلك سيُعامَلون. لقد أصبح الزنجي الأمريكي، بسبب تجربة محدَّدة، شيئًا محددًا – لا إفريقيًّا، ولا أمريكيًّا عاديًا. يمكن للأمور أن تتغير، الأمور تتطور، وربما ذات يوم...
قال أخيرًا: «سيذهب كثير من الزنوج إلى إفريقيا. لكن ليس جميعهم. لا يمكنك أن تجعل ذلك برنامجًا ثوريًّا».
«وأنت؟».
«لا أعرف إلى أين أنا ذاهب».
«وكيف تشعر، وأنت تعيش هنا، رجل أسود في بلاد بيضاء؟».
«كرجل بدون بلد. مثل اليهودي التائه».
«لا يمكن أن يستمر ذلك إلى الأبد».
هزَّ سميان كتفيه. «لم أتمناه. ولا يتوقف الأمر عليَّ أنا».
كانت هناك طرقات صاخبة متتابعة. انفتح الباب، وأسرع جزائري مهتاج بالدخول. «حسين!» أطلق شيئًا بالعربية، ثم جرى إلى الخارج مرة أخرى، مغلقًا الباب خلفه. كان هناك وقع أقدام تجري محمومة في الردهة. نظر سميان إلى أحمد متسائلًا، ومنزعجًا. قفز حسين واقفًا، وبدأ في دسِّ أوراق تحت تجويف سري في درج الخزانة. قال أحمد لسميان: «مداهمة من الشرطة. هل معك جواز سفرك؟»
«نعم».
سمعوا وقع أقدام ثقيلة تصعد الدرج، ثم طرقات صاخبة على الأبواب، تتبعها الكلمة المستبدة الشرطة! دوَّت الطرقة على بابهم. فتح حسين الباب بهدوء.
أظهر مفتش يرتدي ملابس مدنية شارته. وراءه، وقف رجل شرطة برشاش. دخل المفتش، ووقف الشرطي في المدخل، وإصبعه قريبة من الزناد.
«الأوراق»، قال المفتش. نظر إليهم رجل الشرطة للحظة ثم بدأ، بينما نظر المفتش في أوراقهم، في تفتيش الخزانات والأدراج.
نظر المفتش إلى سميان، ودقَّق النظر. «لستَ عربيًّا».
«لا».
«دعني أرى أوراقك». أطلعه سميان على جواز سفره. قال المفتش: «ماذا تفعل هنا؟».
«أزور صديقًا».
نظر إليه المفتش بريبة. أشار إلى رجل الشرطة، الذي اقترب وتحسَّس سميان تحت الذراعين وعند الخصر كي يتأكَّد أنه لا يحمل سلاحًا.
«هل تعمل لصالح الـ FLN؟»، سأل المفتش، وهو يفحص وجه سميان، عابسًا.
«لا»،قال سميان، وقد تذكر أنها الحروف الأولى من «جبهة التحرير الوطني الجزائرية».
استمرَّ المفتش في فحص وجهه. «أنت أجنبي. لا أنصحك بأن تتورَّط في شؤوننا الداخلية؛ هل تفهم ما أعني؟ يمكن لك أن تُطرد من البلاد لأقل شكٍّ. هل تفهم؟»
«نعم».
«لتبقَ بين الأجانب. لديكم المقاهي اللطيفة هناك في الضفة اليسرى. ابقَ بعيدًا عن المشاكل. تمام؟»
«نعم».
أشار المفتش إلى رجل الشرطة، وبعد أن التفتا وألقيا نظرة أخيرة على سميان، غادرا.
كان المزيد من رجال الشرطة في الغرف الأخرى. عبر الجدران الرقيقة كالورق، كان بإمكانك أن تسمعهم يوجِّهون أسئلة حادة، أو يفتحون أدراجًا. بدا المنزل بأكمله حيًّا. كاد سميان أن يسمع له طنينًا. غمز حسين لسميان مع ابتسامة. ذهب أحمد إلى النافذة.
«لديهم جيش بالأسفل هناك»، قال. التفت إلى سميان. «أنا آسف. لا أريد أن أورِّطكَ في مشاكل».
«مسرور أنني هنا. أشعر أنني.. عُمِّدتُ».
ابتسم حسين. «هذه هي الروح».
لاحقًا، رأوا، عبر النافذة، الشرطة تحمِّل عشرين أو نحو ذلك من الجزائريين في عربات الدورية بالخارج.
«إلى معسكرات الاعتقال»، قال أحمد.
«أو ما هو أسوأ»، قال حسين.
«ماذا تقصد بما هو أسوأ؟" سأل سميان.
«الضرب. التعذيب، ربما. كي يحصلوا على معلومات عن جبهة التحرير».
لم يبقَ أحمد وسميان لوقت طويل بعدها. عند الباب، تبسَّم حسين، وصافح سميان. «لست سيئًا جدًّا بالنسبة لرجل أبيض»، قال. في طريقهما إلى محطة الباص، أوقَفَت الشرطة أحمد وسميان مرتين، وطلبوا في كل مرة أن يروا أوراقهما.
1 اُنظر/ي Alas, Poor Richard «يا للحسرة، ريتشارد المسكين» في The Price of the Ticket. Collected Nonfiction, 1948 - 1985 (1985). والمقال نُشِر أولًا في 16 مارس 1961، بعد عدة شهور من وفاة ريتشارد رايت.
2 اُنظر/ي: شون أوكاسي. چونو والطاووس. (ت. علي جمال الدين عزت.) القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2019 [1961]. المحراث والنجوم. (ت. فوزي العنتيل). القاهرة: الدار المصرية للتأليف والترجمة، 1965. كما يمكن للمهتمين/ات بالدراما الإذاعية العثور على عدة أعمال لأوكيسي بين مسرحيات البرنامج الثالث، المتاحة على اليوتيوب، وأرشيف الإنترنت.
3 في مشهد لاحق، يعلن حسين: «... لكنني لا أفهم الأسباب التاريخية. فقط أحكم بالمنتجات النهائية. أقبل المنتجات النهائية. أعانق المنتجات النهائية. أو أطلق النار على المنتجات النهائية قبل أن تطلق النار عليَّ. أنا رجل بسيط جدًّا، سوف أعود إلى البيت، للفراش، الآن». (145)
تقارير ذات صلة
الأم الصغيرة.. قصة من الأدب الهندي لعصمت شوجتاي
من الأدب الهندي
عُشب المحميَّات
سلسلة لا تعتمد على عمل أرشيفي، ولا ترتاح في الأرشيف، أو إليه
ريتشارد رايت: ابن البلد
هذا النص حلقة من سلسلة غير دورية عنوانها «عُشب المحميَّات» تضم أعمالًا من الجنوب العالمي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن