تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
الأم الصغيرة.. قصة من الأدب الهندي لعصمت شوجتاي

الأم الصغيرة.. قصة من الأدب الهندي لعصمت شوجتاي

من الأدب الهندي

كتابة: وائل عشري 17 دقيقة قراءة

 هذا النص هو جزء من سلسلة «عُشبُ الـمَحميَّات»، وهي سلسلة غير دورية من الترجمات، وإعادة نشر ترجمات قديمة لأعمال، أدبية في أغلبها، تأتي من الجنوب العالمي. تستعير السلسلة اسمها من عنوان قصيدة للشاعرة الموهاڤية الأمريكية ناتالي دياز.

عصمت شوجتاي (1915 – 1991) روائية، وقاصة هندية، أوردية اللغة. بدأت الكتابة في الثلاثينيات، وتُعد أحد أهم كتاب/ كاتبات الأدب الأوردي.

القصة التالية عنوانها «الأصلي»، على الأقل عنوانها في الترجمة الإنجليزية التي اطلعت عليها، هو Gainda «جندا»[1] على اسم شخصيتها الرئيسية. نُشِرت ترجمتها العربية بعنوان «الأم الصغيرة»، بدون ذكر اسم المترجمـ(ـة)، في العدد الأول، الصادر في مايو 1953، من مجلة «الغد» القاهرية. قدَّمت المجلة، التي اعتمدت شعار «الفن في سبيل الحياة»، ووصفت نفسها بأنها «مجلة شهرية ثقافية يصدرها طليعة الكُتَّاب والفنانين»، ما يمكن أن نعتبره ممارسة تحريرية لأدب عالمي يتجاوز، إلى حدٍ ما، المركزية الأوروبية.  

caption

يفتتح العدد مقالان بعنوانين مألوفين («دفاع عن الثقافة» و«في المعركة الأدبية» لعبد الرحمن الشرقاوي، وصلاح حافظ على التوالي)، ويتضمَّن: مقال رأي آخر بعنوان مألوف بالقدر نفسه («لماذا نكتب؟» لفتحي غانم)، دراسة قصيرة عن الأدب الإفريقي الأمريكي («شعراء الزنوج» لسعد لبيب)، قصة من الأدب الإيطالي («اللص»، للويجي بيراندللو، ترجمة: مصطفى محمود)، قصة إيطالية قديمة («مأخوذة من مجموعة الديكاميرون»، ترجمة: «ي. ا»)، قصتان هنديتان (مباشرة بعد قصة شوجتاي تأتي «قصة رمزية لشاعر الهند رابندرانات طاغور»، ترجمة: رمزي يسي)، قصة من الأدب الصيني («الأم المأجورة»، «قصة إنسانية لجوشيه»، ترجمة: ميشيل مسيحة)، قصص مصرية ليوسف إدريس («أبو سيد»)، وألفريد فرج («المجرم»)، وواقعيين آخرين. يختتم العدد تلخيص طويل إلى حدٍ ما، نحو 30 صفحة، لكتاب جورج سادول «حياة شابلن»، بتوقيع فتحي غانم.

هذا المزيج من مقالات تتناول دور الثقافة في التحرر من الاستعمار، أو تدافع عنها في مواجهة تصورات الطبقة الوسطى المحافظة؛ وقصص واقعية مصرية؛ وترجمات من آداب أوروبية، ومن العالم الثالث/ الجنوب العالمي (عادة عبر لغات أوروبية وسيطة)، هو مزيج لم يكن جديدًا تمامًا وقت صدور العدد، ولا يرتبط، حصرًا، بمخيلة أدبية راديكالية. إذ نصادف تنويعات على ذلك المزيج في مجلات تعود إلى عقود سابقة، ولا يمكن وصفها بالطليعية، أو التقدمية.

لكن لنعد إلى «الأم الصغيرة»، ذلك العنوان الذي لا بُدَّ قُصِد منه إثارة تعاطف مسبق في مقابل الحياد الذي يحمله اسم العلم الأجنبي «جندا»:

كيف نتعامل مع نص مُترجَم لا يحمل اسمًا لمترجم/ مترجمة؟ ماذا تكون ردة فعلنا حين نقابل نصًا كهذا؟

بما أننا لا يمكن أن نتوقع رد فعل واحد، دعونا نستعرض بعض السيناريوهات المحتملة:

شخصيًّا، أول ما يتبادر إلى ذهني في لحظة اللقاء هذه، التي تحدث مع كتب دور النشر العربية القليلة التي لا تكتب اسم المترجمـ(ـة) على أغلفة إصداراتها: ها هو نص ترجم نفسه.

لكن قد لا يلفت الأمر انتباه قراء آخرين. فالترجمة، بالنسبة للبعض، حرفة، صنعة. ليست فنًا. ليست منتجًا أدبيًّا، إبداعيًّا، له درجة ما، غامضة، من الاستقلالية عن العمل الآخر الذي يترجمه. الترجمة، في رأيهم، عملية بسيطة يُنقل عبرها نص، مكتمل ومنتهي بالفعل، إلى لغة أخرى. سيبدو دائمًا أن هؤلاء يعتبرون اللغة وسيطًا شفافًا، وسيلة تعبير لا تؤثر فيما تنقله، شبكة رائعة من الأصوات والمفردات والتعبيرات والقواعد أتقنها أنقياءٌ في الماضي، وعلينا بكل بساطة أن نتمثَّلها، ونعيد تدويرها في الحاضر. يوجِّه هؤلاء نظرتهم، الواثقة من نفسها، ومن العالم، نحو المترجم، إمَّا لنقده إن فشل في إرضاء توقعاتهم، وإحساسهم بالاستحقاق، وإمَّا للثناء عليه إن أنتج نصًا «لا تشعر أنه مترجم»، نصًا يمنحهم الإحساس بقراءة ما هو «أجنبي» وقد صيغٍ في بُنى، وتعبيرات، ومجازات لغة القارئ ذاتها، بدون إثارة ذلك القلق، اللغوي، وربما الوجودي، الذي يصاحب اللقاء مع «الأجنبي»[2].

هكذا، ربما يكون غياب الاسم محل ترحيب، إن لوحظ أصلًا؛ فما الحاجة إلى لفت الانتباه إلى حضور من يكمن نجاحه في غيابه عن نص يُفترض اكتماله قبل فعل الترجمة!

أما الـمُطَّلِعون على دراسات حقل الترجمة في الأكاديميا الأنجلو-أمريكية فربما يربطون ذلك الغياب بمفهوم «اختفاء المترجم»، أي تلك الممارسة التي بمقتضاها:

يحكم الناشرون، وكاتبو المراجعات، والقراء، على نص مُترجَم، سواء كان شعرًا أو نثرًا، قصصيًّا أو غير قصصي، بأنه مقبول، حينما يتسم بالطلاقة، حينما يجعله غياب أي غرابات لغوية أو أسلوبية شفافًا، معطيًا الانطباع بأنه يعكس شخصية الكاتب الأجنبي، أو مقصده، أو المعنى الجوهري للنص الأجنبي.. بكلمات أخرى، انطباع أن الترجمة ليست في الحقيقة ترجمة، بل هي «الأصل»[3].

سيرى المُطَّلِعون على درسات حقل الترجمة، إذًا، أن الغياب هو نتاج سياق ثقافي عام يهمش المترجم، ويفصل بينه وبين ثمار عمله.

(بالمناسبة، ورغم أن هذا الأمر يستحق التفصيل بعيدًا عن هذا التقديم السريع، يعكس إرث الترجمة إلى العربية منذ بدايات القرن التاسع عشر حتى نحو منتصف القرن العشرين وضعًا مختلفًا. يبدو أن المترجمين –ولفترة وجيزة المدققين اللغويين حتى– كانوا مرئيين، وبارزين، فعليًّا، وأسلوبيًّا، إلى حد أنهم كثيرًا ما أزاحوا اسم المؤلف إلى الهامش. لقد نُسبت ترجمات عديدة إلى مترجميها، ووُضِع اسم المؤلف في مكان أقل بروزًا، أو أُغفِل تمامًا).

قد يجادل آخرون، على نحو لا يخلو من إلغاز، بأن الغياب ليس ضد الحضور، وأن الحضور ليس نقيض الغياب، وأننا أصلًا في عالم بوست هيومن، أو «ما بعد بشري»، مما يعني أن تلك أسئلة قديمة، وأن التفكير في الدنيا عبر ثنائيات من هذا النوع «مش أحسن حاجة». مثل اسم المؤلف، هكذا سيقولون، فإن اسم المترجم هو فيكشن، خيال، ضامن لتخيُّل الذات كفاعل حاضر، واعٍ، يعبِّر عن وعيه في لغة أمومية، «يملكها»، ويسيطر عليها، ولا تؤثر فيما تحمله.

كما قد نتوقع من هؤلاء الرفاق، والرفيقات، غالبًا لن يكونوا مهتمين بما يكفي للاسترسال، أو التفصيل.

سيطرح آخرون، وأخريات، سؤال «المترجمة»، في النص الحالي، وفي إرث الترجمة إلى العربية. ربما لن يفوتهم/ ن أن أغلب ما سبق هو حديث عن «المترجم». سيسألـ(ـو)ن: هل ثمة تحيزات فاعلة هنا، وفي كل مكان آخر؟

يدرك هؤلاء أن للغة العربية، (في أشكالها الكلاسيكية والمعاصرة، وفي افتراضاتها عن النقاء والتفوق، وفي فرضها لصواب معياري)، تحيزاتها الجندرية التي لم يبدأ كثيرٌ من المتحدثين بها في الإقرار بوجودها بعد، وأن ممارسات الترجمة إلى العربية قد تأسست، ونمت، ورُعِيت داخل مؤسسات (مدارس ألسن وكليات لغات، برامج حكومية وبعثات، دور نشر، جرائد ومجلات، وما تراكمه من مخزون مجازات عن الترجمة: كخيانة، أو علاقة مع عشيقة، أو خدمة لجمهور قراء يشتركون في لغة تجعلهم «أسرة» كبيرة)، بطريركية صراحةً، أو يقودها رجالٌ، (يُدعون «آباء مؤسسين» أن أتوا مبكرًا بما يكفي).

وبالطبع لن يفوتهم/ن أن العدد الأول –162 صفحة إجمالًا– من مجلة «الغد»، (التي تعلو النقطة فوق حرفها الثالث أشعة شمس هي، في آن، رمزٌ للفجر الجديد وللسلطة الأبوية)، يتضمَّن إسهامًا وحيدًا من امرأة: ناهد شتا، التي ترجمت «صحافة الغرب، مقالة لم تتم كتبها مكسيم جوركي».

سيجادل آخرون بأن الإفراط في التأكيد على الحضور أو الظهور أو إمكانية الرؤية، سواء كنا نتحدَّث عن مؤلفـ(ـة) أو مترجمـ(ـة)، يمكن فقط أن يحدث داخل سياق ثقافي تشكله قيم النظام الرأسمالي.

ربما طُرِح التساؤل: ماذا إن كانـ(ـت) المترجمـ(ـة) مهتمـ(ـة) فقط بنشر جهد هو نتاج حُب لا أكثر؟ ماذا إن كانت الرغبة هنا لا تتعدَّى التشارك، الإتاحة، منح تلك الهبة التي لا تطلب ردًا، أو مقابلًا؟ ماذا إن كانت الغائبة مترجمة نسوية انصب اهتمامها على تقديم نص كاتبة من الهند، بدون أن يعنيها ظهور اسمها هي أو موقعها الشخصي في معادلة التبادل هذه؟ وماذا إن كان الغائب مترجمًا عالم ثالثي الهوى دفعه إحساسٌ بالتضامن إلى إنجاز عملٍ بدون الاكتراث كثيرًا بحجم المقابل المعنوي الذي سيحصل عليه؟ أليس «المقابل» ذاته مفهومًا يكتسب معناه، وحدوده، داخل منظومة يحكمها منطق التبادل الرأسمالي؟

يتبقى، بطبيعة الحال، الجانب الآخر من سؤال اسم المترجم، وهو المتعلق بالجانب المؤسسي، بالمطبوعة. إنه سؤال يختلف، إلى حدٍ ما، عن استقبال النص، وطرق قراءته. ما الذي يجعل مطبوعة تنشر ترجمة بلا مترجم؟ هل السبب هو الرغبة في تجنب تكرار اسم صاحب إسهام آخر في العدد نفسه؟ هل نفهم أن النصين الهنديين يمثلان كتلة واحدة في عالم يتخيَّل التضامن العالم ثالثي على أسس قومية (هنود، مصريون، صينيون.. إلخ)[4]. هل نفهم إذًا أن اسم المترجم الوارد في نهاية النص الهندي الثاني، أي نص طاغور، هو مترجم النصين المتتابعين؟ أم أن هناك تحيزات تتعلَّق بالنوع، أو السن، أو الخبرة المهنية، أتاحت التعامل مع شخص ما بدون الاحترام الذي يوجب تعريفهـ(ـا)؟

أم هل يعود الأمر، ببساطة، إلى تلك السمة الأكثر التصاقًا بالبشر: السهو؟

ربما الأمر لا يتعدَّى خطأ بسيطًا لم يستحق تصويبًا في عددٍ تالٍ؟

بعيدًا عن كل هذه الاستطرادات التي تؤجل دائمًا لقاؤنا مع النص.. ها هي القصة التي ترجمت نفسها.

و. ع

من الأدب الهندي

الأم الصغيرة

قصة لعصمت شوجتاي

caption

عندما كنا صغيرتين كنت أحب أن ألعب مع جندا دائما لعبتنا المفضلة – العروس – فكانت جندا تضع على وجهها غطاء رأسها الأحمر القذر . . وتجلس في ركن على الأرض كأنها العروس واقترب أنا منها كالعريس ثم انتزع الغطاء فتسرى حمرة الخجل في وجه جندا الشاحب وتتملكها رجفة خفيفة وهي تكتم الضحك في نفسها . . ثم تقوم هي بعد ذلك وتمثل نفس الدور معي.

كنت على وشك القيام بدوري في ذلك اليوم عندما انبعث من بين الأشجار صوت أخي وهو يقول . . . ماذا تفعلان هنا . . ورأيت جندا تنزع الغطاء عن وجهها بسرعة وقد اصفر لونها وأخذ قلبانا يدقان . . إن أحدًا لو علم أننا نلعب لعبة العروس فيا ويلنا . . سيكون جزاؤنا الضرب المبرح . . لقد كنا نلعب لعبتنا المفضلة دائما في الخفاء . . بعيدا عن الأعين. وقلت لأخي في حياء إننا نلعب . . . ولكنه اقترب ثم جلس بجوارنا . . . ولماذا تلعبان هنا. . والتفت إلى جندا وهو يقول . . سأقول لناتا[5].

وفتحت جندا عينيها العسليتين في رعب ثم نظرت حولها وهي تستعطفه قائلة . . كلا . . أرجوك . . إن جدي سيجلدني، ثم لمت أطراف ثوبها تستعد للهروب، ولكن أخي جذبها إليه في رفق قائلًا: لا تخافي . . اجلسي . . وأجلسها الى جانبه . . وغاظني جلوس أخي وإفساده لعبتنا الحبيبة وأخذت أصيح فيه: ما الذي جاء بك . . اذهب. ولكنه نظر إليَّ نظرة غريبة ولكمني في ظهري ثم ذهب.

وفي الصيف التالي تزوجت جندا ولبست الأساور الفضة والخلاخيل.

وكنت أراها بعد ذلك تمشي في خيلاء وأجراس خلاخيلها ترن . . فأشعر بالغيرة تملأ قلبي . . وأمشي وراءها كالقطة الشرهة . . لقد كنت حقا أصغر من جندا، ولكني كنت أحس أنني كبيرة وأنني أصبحت امرأة . . وإن كانت أمي تعاملني دائما كطفلة صغيرة . .  وإن كان الجميع ينظرون إليَّ دائما كطفلة صغيرة . . وكنت كثيرًا ما أفكر . . إلى متى سأظل طفلة؟ . . لقد كبرت حتى أصبح ثوبي الأزرق لا يكاد يصل الى ركبتي . . وضاق على جسدي. وثوبي الوحيد الجديد أخذ يضيق هو الآخر . . هؤلاء الكبار اللئام إذا ما رأوني ألعب نهروني وقالوا لي إنني لم أعد طفلة . . أما في غير ذلك فأنا طفلة دائمًا . . لكم كانت تغيظني معاملتهم لجندا صاحبتي وقد أخذوا يعاملونها كامرأة وهي ليست أكبر مني بكثير . . ولكن هذا لم يعد يهمني.

مسكينة جندا . . لقد مات زوجها في الشتاء وأخذ الجميع يواسونها ويترفقون بها . . وأخذت أواسيها أنا أيضًا . . وجعلت أسألها: لماذا لم تعد تلبس الملابس الجميلة وتضع الأساور والخلاخيل، فقالت لى جندا وهي تردد ما سمعته من الآخرين: إن الملابس الجميلة والحلي لا تلبس إلا من أجل الزوج.

وكنت جالسة معها ذات يوم . . أرسم على وجهها طابع الحسن بعد أن رسمته لي . . وقد أخذنا ننظر إلى بعضنا ونضحك . . وفجأة ظهر أخي . . واحمر وجه جندا من شدة الخجل وبسرعة مسحنا طابع الحسن من جبهتينا ونحن نضحك في حياء وجلس أخي بجوار جندا وأخذ يديها في يديه فأدارت وجهها، ولكنه اقترب منها ثم قال لها : جندا . . هل تتزوجينني. واشتد احمرار وجه جندا ثم قالت له في حياء: ابتعد!!

واحمر وجهي أيضا من الخجل عندما تحدث أخي عن الزواج . . لقد كنت أعرف من الأشياء أكثر مما يظن أخي. وقال أخي لجندا في دهشة: قولي . . هل تتزوجينني . . وقبل أن تجيبه جندا فوجئنا جميعًا بصوت خلاخيل باهو وقد جاءت تأخذ ماءًا من البئر. وعندما رأت جندا صاحت فيها: جندا . . أيتها الأرملة التعسة . . تجلسين هنا كأن ليس لك عملًا. اذهبي . . سخني المكواة . . وقامت جندا وسارت خلف باهو وهي تخشى الاقتراب منها . . ولكن باهو دارت في لمح البصر وهجمت عليها وأمسكتها من شعرها وأخذت تلكمها في ظهرها بقبضة يدها وهي تصيح: أنسيت أنك أرملة . . أيتها السافلة. وانفلتت جندا وجرت وبادلني أخي نظرة ألم. لقد كنت دائما أكره باهو وخاصة عندما تضرب جندا . . وكنت أحاول أن أنتقم لها منها . . وفي هذه المرة وضعت قبضة من التراب في وعاء باهو المملوء بالماء.

ومرت الأيام . . وذات يوم جاءتني جندا وقربت ثوبها من أنفي وهي تقول: شمي . . وشممت في ثوبها رائحة العطر، فقلت لها: من أين جئت به؟

فقالت لي: أخوك . . وأخذت تضحك . . وشعرت بالغيرة منها، ولكني ضحكت أيضًا . . وظهر أخي من خلف النافذة ونادى: جندا . . خذي هذا المعطف لتكويه . . ونظرت جندا إلي نظرة ذات معنى ثم ذهبت إليه . . وجلست على حافة البئر أضرب الماء بعصا في يدي . . وأخذت أفكر لماذا يضع أخي العطر في ثوب جندا . . ولا يضع أحد العطر في ثوبي . . وجعلت أضرب الماء بعنف. وبعد قليل عادت جندا تحمل المعطف وأخذ جسمها الرشيق يتمايل وهي تقترب من حجرة أخي وأحسست برغبة شديدة في معرفة ما يجرى بينهما فسرت في حذر خلفها وأخذت أنظر من ثقب الباب . .

لقد جلس أخي الى جانب جندا ثم أمسك يديها . . ورأيتها تنظر إليه ثم تدير وجهها وتضحك في خجل . . وعندما ضمها أخي إليه انفلتت منه. ولكنه أمسكها بعنف فلطمته على وجهه . .

وأحسســـــــت بالأرض تميـد تحت قدمي . . جندا تضرب أخي . . إن أحدًا لا يستطيع أن يقف أمامه . . إننا جميعًا نخافه . . وخيل إلي أنه سينهال عليها ضربًا . . ولكنه لدهشتي لم يفعل، بل ضمها إليه . . ثم . . . . آه . . لا . . ماذا رأيت؟ لقد تملكني الرعب وجريت وأنا ألهث ثم أسندت ظهري إلى شجرة المانجو وقد أخذ قلبي يدق دقًا عاليًا وأذناي تصفران وكل جسدي يرتعش . . وجلست هناك طويلًا . . لا أستطيع أن أفهم شيئًا . . وأخذت أفكر وأفكر ولكن دون جدوى . . وعندما خرجت جندا من حجرة أخي سألتها ماذا حدث؟ وضحكت جندا ثم قالت لي أشياء كثيرة لم أفهم منها شيئًا. وأخذت أحس بالغيرة من جندا تزداد في نفسي باطراد . . كلما قارنت معاملة الناس لها بمعاملتهم لي . . إن أحدًا لا يلاطفني أو يهتم بي مثلها . . وأصبحت عصبية . . كثيرة المشاجرة حتى جاءت أختي الكبرى لزيارتنا ورأتني على هذه الحال فقررت أن تأخذني معها.

ومر عامان وأنا عند أختي . . . وأصبحت جندا وأخي وحياتي الماضية كلها تبدو لي كحلم وعندما عدت ثانيًا كان كل شيء قد تغير. لقد رحل أخي الى دلهي ومات بعض أهالي القرية بالسل . . وشيء آخر حدث، لقد أصبحت جندا أمًا . . وسررت كثيرا عندما سمعت ذلك . . وجريت إلى أمي أسألها عن جندا . . ولكنها وجمت . . لا أدرى لماذا . . . وكانت الخادمة واقفة معها . . وسمعت الخادمة تقول وهي تتنهد: لقد حاولت جهدها . . ولكن . . ولم أفهم تمامًا عما كانت تتحدث. ثم سمعت أمي تقول: هؤلاء النسوة الحقيرات يسعين دائمًا لتصيد أبناء العائلات . . لقد حاول أن يتزوجها . . ولكني أبعدته إلى دلهي . . ووقفت مشدوهة لا أفهم مما أسمع شيئًا . . وتحرقت شوقًا لرؤية جندا وطفلها الصغير . . طفلها . . لكم أحببت الأطفال الصغار . . الذين كنت أراهم في الأسواق وفي القطار. تحملهم أمهاتهم . . أذرعهم صغيرة نحيلة . . وعيونهم بارزة . . ووجوههم شاحبة . . ولكن فيها جمالًا وبراءة. إنني لم أر في منزلنا طفلًا قط . . . وأحسست بشوق عنيف لرؤية طفل جندا وبت ليلتي أحلم بالأطفال . . . وفى الصباح الباكر ذهبت مسرعة إلى جندا . . كانت هناك وحدها في الكوخ الحقير . . جالسة على الأرض، مسندة برأسها إلى الباب وانزعجت عندما رأتني أول الأمر . . وانكمشت في الركن . . ورأيت في حجرها ذراعين رفيعتين تلوحان في الفضاء. وعندما اقتربت رأيت بقية جسد الطفل النحيل . . تغطى الأسمال البالية جزءًا صغيرًا منه . . لكم نحل جسم جندا حتى برزت منها العظام ونظرت إليها فرأيت الحزن في عينيها، ولكنها أشاحت بوجهها عني . . ولا أدري لماذا أحسست حينئذ بالرغبة في البكاء . . ومددت لها ذراعي . . ورأيت الدموع تجرى على خديها فقلت . . وأنا أحس بغصة في حلقي: لماذا تبكين . . أنك الآن أم لطفل جميل . . أعطني إياه . . وظللت مادة ذراعي . . ولكنها لم تتحرك فقلت لها في لهجتي القديمة: جندا . . أعطني الطفل . .  ونظرت جندا الى عيني كأنها تبحث عن شيء فيهما ثم بدت كأنما وجدت ذلك الشيء الذي تبحث عنه . . فرفعت يديها بالطفل في رفق . . وأعطته لي . . لكم كان خفيفًا . . رقيقًا . . طريًا . . كقطعة من القطن.

وجلست الى جانب جندا . . وأخذت تحدثني عن أشياء كثيرة . . مئات الأشياء التي لا تفهم . . لكم ضربت وجلدت وطردت وهي لا تدري شيئًا. إن عمرها خمسة عشر عامًا فقط . . وهي تعجز عن إدراك كثير من الأشياء فلا تستطيع أن تفسرها لي . . ولا لنفسها . . إن باهو عندما وضعت الطفل القبيح المنظر الذي مات بعد مولده بأيام . . كانت معززة مكرمة . . تأكل أطيب الطعام . . ولكن جندا عندما وضعت طفلها الجميل . . ضربت بالسياط . . وطردت . . وتركت لتجوع!

إن الطفل العاري يبكي من البرد والجوع وباهو تلعنه . . وتطلب له الموت . . وجندا المسكينة تربط إصبع قدمه بشريط اسود لتحميه من العين الشريرة.

وقالت لي جندا إنها تحب الطفل أكثر من أي شيء في العالم . . أكثر من نفسها ومن أخي . . وعندما ذكرت اسم أخي بدأت عيناها تلمعان وتحدثت عنه كثيرًا وقالت في حزن: إنه لا يسأل عني أبدًا . .

وقلت لها : إنه قد يأتي في هذا العام . . فهزت رأسها وقالت لي في استعطاف: هل تكتبين إليه . . فقلت لها: نعم فقالت: إذن هل تقولين له إن الطفل يرسل إليه حبه . .  وانه لن ينساه أبدًا فأومأت برأسي.

فقالت: وهل تقولين له أن يشتري للطفل ثوبًا . . وشرد بصرها في الفضاء ثم قالت في همس وكأنها تصلى . .

وأن يحضر في إجازته هذا العام!

وأخذت جندا تحدثني بعد ذلك . . وقد استعادت شيئًا من مرحها القديم . . وأخذ الطفل يلعب بين ذراعي . . ثم أخذته جندا لترضعه . . وأخذت أتأمل الطفل الصغير وهو يتنفس بصوت عال وقد دفن وجهه النحيل في ثدي أمه . . والأم الصغيرة تضمه الى صدرها في حنان.

هوامش:

[1] اُنظر/ي: Ismat Chughtai. Lifting The Veil (Selected & translated by M. Asaduddin). Penguin Books, 2001.

[2] اللقاء مع «الأجنبي» هو أحد الأسئلة الرئيسية التي تطرحها الترجمة، وهو سؤال أكثر تعقيدًا من مقاربته هنا، لكن إن كانت الحكمة الشائعة تفترض أن المترجمـ(ـة) يتشارك مع القارئ المحتمل في مواجهة غير المألوف، أي النص «الأجنبي»، كثيرًا ما يكون الحال خلاف ذلك. يحدث أن يكون المترجم، الأدبي خاصة، أقرب إلى المؤلف من قارئ لا يشترك معهما في اللغة نفسها، وفي أُلفة الجغرافيا التي تتحرك فيها شخوص العمل. بكلمات أخرى، ما هو «أجنبي» لقارئ أحادي اللغة، قد لا يكون كذلك بالنسبة إلى قارئ / مترجم ثنائي اللغة، أو متعدد اللغات.

[3] انظر/ي: ص 1، من: Lawrence Venuti. The Translator’s Invisibility. London & New York: Routledge, 1995.

[4] يبدو لي أن التيار العام للتضامن العالم ثالثي في فترة النضال من أجل التحرر الوطني لم يتأسس على خيال أممي يتجاوز برجوازيات العالم الثالث، وتصوراتها الوطنية عن دول ما بعد التحرر. كذلك يبدو أن كثيرًا من مشاعر الحماس التي يُعبَّر عنها، حاليًا، تجاه الجنوب العالمي (في الأحداث الرياضية على سبيل المثال)، ما زالت تتجه إلى دول العالم الثالث كوحدات سياسية/ ثقافية، وليس إلى الجنوب العالمي كجغرافيا مشتتة، لا تتوافق بالضرورة مع حدود الدول التي ظهرت مع انتهاء الاستعمار بأشكاله القديمة.

[5] مقارنة بالترجمة الإنجليزية المذكورة في هامش سابق، تميل الترجمة العربية ميلًا شديدًا نحو التبسيط (أو «التدجين»)، فتحذف كل ما أمكن حذفه من علامات الاختلاف، بدءًا من العنوان: «الأم الصغيرة» بدلًا من الاسم الأجنبي. كذلك تُستبعد تفاصيلٌ كثيرة، وأسماء شخصيات، وأنواع محددة من الملابس، أو تُستبدل بخيارات أكثر عمومية، وأقرب إلى ما يألفه جمهور القراء الذي تتوجه إليه الترجمة.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن