بنيامين
(٣ من ٣): غواص اللؤلؤ
هذا هو الجزء الثالث، والأخير، من الترجمة العربية لدراسة سيرية موضوعها حياة وأعمال ڤالتر بنيامين، منشورة بالألمانية في 1968 وبالإنجليزية في العام نفسه (طالع الجزء الثاني هنا). نُشر المقال المطول أولًا (في يناير/ كانون الثاني) كمقدمة لكتاب يجمع مقالات متنوعة لبنيامين، اختارتها وحررتها الكاتبة نفسها (Illuminationen, Suhrkamp Verlag)، ثم مسلسلًا في ثلاثة أعداد من مجلة «ميركور» (Merkur)، بين يناير/ كانون الثاني وأبريل/ نيسان. تتوفر الأجزاء المسلسلة على موقع المجلة (هنا وهنا وهنا) وفقًا لتقسيم المؤلفة مقالها إلى ثلاثة أجزاء، وقد اخترنا نشره بالعربية مسلسلًا بالطريقة نفسها. أما النسخة الإنجليزية فقد نُشرت لاحقًا دفعة واحدة في «النيويوركر» (عدد 19 أكتوبر/ تشرين الأول) أيضًا بالتزامن مع صدور الطبعة الإنجليزية من الكتاب في نيويورك (Illuminations, Schocken). والمترجم هو هاري زورن Harry Zorn.
تفترق النسخة الإنجليزية في بعض المواضع عن الأصل الألماني، ولا يعود هذا إلى اختيارات المترجم المحتملة وحدها وإنما إلى ما يبدو أنه تدخلات تحريرية من المؤلفة نفسها، والتي كانت تكتب باللغتين. وأبرز هذه الاختلافات فقرات إضافية افتتاحية تحت عنوان الجزء الأول ليس لها مقابل في الأصل. وهذه النسخة العربية نتاج اشتغال مَحمد هُوجْلا-كَلْفَتْ على نسخة زورن، ومراجعة إسماعيل فايد لها بناء على مضاهاتها بالأصل الألماني.
ونود أن نشكر وكالة ورثة هانا آرنت Hannah Arendt التي أذنت لنا بالنشر.
قاماتٌ خمسٌ كاملةٌ عمقُ فِراشِ
أبيكَ الراقدِ في قاع البحر الآنْ
من عظم الوالد ينمو المَرجان
عيناه تحولتا فهما هاتان اللؤلؤتان
لا يذوي شيءٌ من ذاك الإنسان
إلا وتحولَ في البحرِ إلى
شيءٍ غالٍ وغريبِ الشانْ!
«العاصفة»، الفصل الأول، المشهد الثاني [وليم شكسبير، مكتبة الأسرة: روائع الأدب العالمي، 2004، ترجمة وتقديم محمد عناني، ص 99].
بقدر ما يكون الماضي قد وصلَنا في شكل تراث تكون له سلطة؛ بقدر ما تقدم السلطة نفسها في شكل تاريخي تصبح تراثًا. وقد علِم ڤالتر بنيامين أن ما حدث في أيامه من قطيعة في التراث وفقدان للمرجعية تعذر إصلاحه، وخلص إلى أنه يتعين عليه اكتشاف طرق جديدة للتعامل مع الماضي. وقد أصبح هو أستاذًا في هذا الأمر عندما اكتشف أن قابلية الماضي للنقل كانت قد حلت محلها قابليته للاقتباس في استشهادات وأن مرجعيته كانت قد نشأت في مكانها قوة غريبة هي قوة الاستقرار، على دفعات، في الحاضر، وتجريده من «راحة البال» أي من سلام الغفلة الراضية دون عناء التفكير. «الاقتباسات الواردة في أعمالي تشبه قطاع طرق يهجمون بالسلاح ويجردون المتكاسل من قناعاته» (Schriften I, 571). هذا الاكتشاف للوظيفة الحديثة للاقتباسات، وفقا لبنيامين الذي ضرب المثل عليها بكارل كراوس، ولد من رحم اليأس، ليس اليأس من ماضٍ يأبى «أن يلقي ضوءه على المستقبل» ويترك العقل «يخبط خبط عشواء» كما عند توكڤيل، وإنما اليأس من الحاضر والرغبة في تدميره؛ ومن هنا فإن سلطانها «ليس [في] قوة حفاظها وإنما قوة إزالتها، قوتها في الانتزاع من السياق، قوتها في التدمير» (Schriften II, 192). ومع ذلك، فإن مكتشفي هذه القدرة التدميرية ومحبيها كانت مصادرَ إلهامهم في الأصل بواعثٌ مختلفة تمام الاختلاف، بِنِيَّة المحافظة؛ وفقط لأنهم لم ينخدعوا بكل المحيطين بهم من «محافظين» محترفين كان أن اكتشفوا أخيرا أن القدرة التدميرية للاقتباسات «هي الوحيدة التي لا تزال تنطوي على الأمل في أن ينجو شيء من هذه الحقبة، لا لسبب إلا أنه انتُزع منها»، في هيئة "شذرات من الفكر» تكون للاقتباسات في شكلها هذا مهمة مزدوجة هي قَطْعُ تدفق العرض والتقديم، قَطْعه بـ«قوة تجاوزية" (Schriften I, 142-43) وفي الوقت نفسه الاحتواءُ المركَّز على ما يقدَّم. والاقتباسات، من حيث وزنها داخل كتابات بنيامين، لا تقبل المقارنة بشيء إلا الاستشهادات الكتابية البعيدة كل البعد عنها والتي كثيرًا ما تزيح الاتساق المحايث الذي اتصف به اللحِجاج في الرسائل القروسطية.
ذكرت فيما سبق أن جمع المقتنيات كان شغفًا رئيسيًا لبنيامين. وقد بدأ هذا الشغف مبكرا بما أسماه بنيامين نفسه «الهوس بالكُتب» [هوسه بها] وسرعان ما امتد ليكون شيئا مميِّزا أكثر بكثير، مميِّزا لعمله أكثر منه لشخصه: جمع الاقتباسات. (ما لا يعني أنه توقف أبدا عن جمع الكتب. فقبيل سقوط فرنسا درس بجدية مبادلة نسخته من أعمال كافكا المجمَّعة، وكانت قد ظهرت مؤخرًا في خمسة مجلدات، ببضع نسخ من الطبعات الأولى لأعمال كافكا المبكرة، وهي عملية كان من شأنها بطبيعة الحال أن يتعذر فهمها على غير محب الكتب) أكدت «الحاجة الداخلية لامتلاك مكتبة» (Briefe I, 193) وجودها، في حوالي 1916، وقتَ أن التفت بنيامين في دراساته إلى الرومنطيقية بوصفها «أخيرةَ الحركات التي أنقذت التراث مجددا» (Briefe I, 138). إن اشتغال قوة تدميرية بعينها نشطت في هذا الشغف بالماضي، هذا الشغف المميِّز بشدة للوارثين والوافدين المتأخرين، أمر لم يكتشفه بنيامين إلا بعدها بمدة طويلة، عندما كان قد فقد بالفعل إيمانه بالتراث وباستعصاء العالم على التدمير. (وهذا ما سنعود إليه سريعا لنناقشه) في تلك الأيام، وبتشجيع من شولم، كان ما زال يعتقد أن غربته عن التراث مَرَدُّها المحتمل إلى هويته اليهودية وأن طريقًا للعودة قد ينفتح له كما انفتح لصديقه وهو على أهبة الهجرة إلى أورشليم. (في زمن مبكر هو عام 1920، قبل أن تشتد عليه المنغصات المالية، فكر في تعلم العبرية) لم يقطع أبدا في هذا الطريق الشوط الذي قطعه كافكا، والذي بعد كل جهوده المبذولة قرر على المكشوف أن لا شيء يهوديًا نافع له عدا الحكايات الحسيدية التي كان بوبر قد أعدها لتوه للاستعمال الحديث «أما نحو كل شيء آخر فأنا أسرح فقط هنا وهناك، ثم يجرفني بعيدا من جديد تيار هوائي آخر» أكان سيعود إذن، وبالرغم من كل الشكوك، إلى الماضي الألماني أو الأوروپي ويسهم بالمساعدة المطلوبة من أجل تراثه الأدبي؟
من الجائز أن تكون المشكلة طرحت نفسها له بهذا الشكل في بواكير العشرينيات، قبل التفاته إلى الماركسية. وذلك عندما اختار عصر الباروك الألماني موضوعًا لأطروحته لنيل شهادة التأهل، وهو اختيار دالٌّ بشدة على التباس مجموعة المشاكل غير المحلولة هذه برمتها. ففي التراث الأدبي والشعري الألماني لم يكن الباروك حيًّا أبدًا بمعنى الكلمة، باستثناء المؤلفات الكورالية الكنسية الكبرى لذلك الزمن. لقد أصاب جوته بقوله إنه عندما كان هو في الثامنة عشر، لم يكن الأدب الألماني أكبر منه سنًا. واختيار بنيامين، وهو اختيار «باروكي» بمعنى مزدوج، يجد نظيرًا تامًا له في قرار شولم الغريب بمقاربة اليهودية عن طريق القَبالة، أي عن طريق ذلك الجزء من الأدب العبري غير المنقول وغير القابل للنقل من جهة التراث اليهودي، حيث فاحت منه دائما رائحة شيء سيء السمعة بلا مواربة. لم يكن هناك ما هو أوضح من اختيار هذين الحقلين الدراسيين -هذا ما يميل المرء إلى قوله اليوم- لإظهار أن شيئا من قبيل «عودةٍ» ما سواء إلى التراث الألماني أو الأوروپي أو اليهودي ليس له وجود. كان اعترافًا ضمنيًا بأن الماضي يتكلم مباشرة فقط عبر الأشياء التي لم يَتِمّْ توارثُها، والتي على هذا النحو كان قربها البادي من الحاضر يعود بالضبط إلى طابعها الغرائبي، الذي جعل أي ادعاءات بمرجعية ملزِمة أمرًا مستبعدًا. كانت الأشكال الإلزامية من الحقيقة قد حل محلها ما هو بمعنى من المعاني بارز أو مثير للاهتمام، وكان هذا يعني بالطبع -وبنيامين أدرى بهذا من غيره- أن «اتساق الحقيقة… قد فُقد» (Briefe II, 763). من أبرز الخصائص التي شكلت «اتساق الحقيقة» هذا، على الأخص بالنسبة لبنيامين، الذي كان اهتمامه الفلسفي المبكر لاهوتي الهوى، تعلُّقُ الحقيقة بسر وتمتُّعُ الكشف عن هذا السر بسلطة مرجعية. الحقيقة، كما كتب بنيامين يقول قبيل إدراكه التام لقطيعة التراث التي لا رأب لها وفقدان السلطة، ليست «هتكًا للسر، وإنما كشف ينصفه» (Schriften I, 146). بمجرد أن تكون هذه الحقيقة قد دخلت العالم البشري في اللحظة المناسبة من التاريخ -أكان بوصفها الإليثيا الإغريقية، قابلة للإدراك البصري بعين الخيال ونفهمها نحن بوصفها «كشفًا للمخبوء» («كشف المحجوب Unverborgenheit» عند هايدغر)، أم بوصفها كلمة الرب القابلة للإدراك صوتيًا كما نعرفها من ديانات الوحي الموجودة في أوروپا- كان هذا «الاتساق» الخِصِّيص هو ما يجعلها ملموسة، على نحو ما، بحيث يتسنى توريثها. يحوِّل التراثُ الحقيقةَ إلى حكمة، والحكمةُ هي اتساق الحقيقة القابلة للنقل. بعبارة أخرى، حتى لو تأتى للحقيقة الظهور في عالمنا، فلا يمكنها الإيصال إلى الحكمة، إذ لم تَعد لها السمات التي كان يمكنها اكتسابها فقط من خلال الاعتراف المعمم بصلاحيتها في كل زمان ومكان. يناقش بنيامين هذه المسائل متصلةً بكافكا قائلا إنه بالطبع «لم يكن، لا من قريب ولا من بعيد، أول من يواجه هذا الموقف. فكثيرون كانوا قد كيفوا أنفسهم عليه، ملتزمين بالحقيقة أو أيا يكن ما رأوه حقيقة في أي وقت من الأوقات، ومتنازلين، بقلب ثقيل إلى هذا الحد أو ذاك، عن قابليتها للنقل. كانت عبقرية كافكا الحقيقية تكمن في محاولته شيئا جديدا تماما: ضحى بالحقيقة في سبيل التشبث بقابليتها للنقل» (Briefe II, 763). فعل ذلك عن طريق إجراء تغييرات حاسمة على الأمثولات التقليدية أو باجتراح أخرى جديدة على طراز تقليدي؛ غير أن هذه «لا ترتمي باستكانة عند قَدَمَي العقيدة الدينية» كما تفعل قصص الآقداة في التلمود، وإنما «تُشْهر على نحو غير متوقع مخلبًا ثقيلًا» في وجهها. حتى بلوغ كافكا قاع بحر الماضي كان له هذا الازدواج الخِصِّيص المتمثل في الرغبة في المحافظة والرغبة في التدمير. أراد أن يحفظه حتى لو لم يكن حقيقة، ولو فقط في سبيل هذا «الجمال الجديد الكامن في ما يتلاشى» (انظر/ي مقال بنيامين حول لسكوڤ)؛ وعلِم، من ناحية أخرى، أن ما من طريقة لفك سحر التراث أنجع من اقتطاع المرجان واللؤلؤ «الغني والغريب» مما وصل إلينا كتلة واحدة متماسكة.
ضرب بنيامين المثال على التباس الإيماءة هذا فيما يتعلق بالماضي عن طريق تحليل شغف جامع المقتنيات والذي كان شغفًا عنده هو. يعود جمع المقتنيات إلى تنويعة من الدوافع لا يسهل فهمها. وجمع المقتنيات، كما أكد بنيامين ويحتمل أنه أول من أكد ذلك، هو شغف الأطفال، وهم من بالنسبة لهم لم تصبح الأشياء بعد سلعًا ولا تقدر قيمتها وفقًا لنفعها، وهو أيضا هواية الأغنياء، الذين يملكون ما يكفيهم الحاجة إلى أي شيء نافع ومن هنا امتلاكهم رفاهية وامتياز «تبديل خلقة الأشياء» (Schriften I, 416) جاعلين منها شغلهم الشاغل. ولا بد لهم بالضرورة من اكتشاف ما هو جميل في هذا، وهو ما يحتاج إلى تمييز «المسرة المتنزهة عن الغرض» (كانط). وبأي حال من الأحوال، فإن الشيء المادي المقتنى لا قيمة له سوى عند الهواة ولا قيمة استعمالية من أي نوع. (لم يكن بنيامين مدركًا بعد لحقيقة أن جمع المقتنيات يمكنه كذلك أن يكون شكلًا من أشكال الاستثمار رشيدًا جدًا وفي أحيان كثيرة مربحًا بشدة) وبقدر ما يمكن لجمع المقتنيات أن ينصرف إلى أي فئة من الأشياء المادية (لا المقتنيات الفنية فحسب، وهي المفصولة على كل حال عن العالم اليومي للأشياء الاستعمالية لأنها غير «نافعة» في شيء) ومن ثم، إن جاز التعبير، أن يتخلّص الشيء المادي من كونه شيئًا من الأشياء بما أنه لم يعد الآن وسيلة لغاية وإنما له قيمته في ذاته، أمكن لبنيامين أن يفهم شغف جامع المقتنيات كموقف شبيه بموقف الثوري. فالجامع، كالثوري، «يحلم منتقلًا ليس فقط إلى عالم قصي ومنقضٍ، وإنما في الوقت نفسه إلى عالم أفضل، الناس فيه، بالتأكيد، لا تُسَدُّ حاجتهم بأكثر مما تسد في واقع الحياة اليومية، لكن الأشياء فيه محرَّرة من شقاء النفع» (Schriften I, 416). جمع المقتنيات هو خلاص الأشياء استكمالًا لخلاص الإنسان. وعند محب الكتب الصادق فحتى قراءة كتبه موضع مساءلة: «وهل قرأت هذه كلها؟، سئل أناتول فرانس كما يقال وكان السائل أحد المعجبين بمكتبته. ولا عشرها. لا أحسبك تستعمل خزفك السيڤري كل يوم» («إخراج مكتبتي»). (في مكتبة بنيامين كانت هناك مجموعات من كتب الأطفال النادرة وكتب لمؤلفين مختلين عقليًا؛ وبما أنه لم يكن مهتمًا لا بعلم نفس الأطفال ولا بطب الأمراض العقلية، فهذه الكتب، كالكثير غيرها بين كنوزه، كانت حرفيًا غير نافعة في أي شيء، فلا غرض منها سواء للترفيه أو التوجيه.) وعلى صلة وثيقة بهذا يأتي الطابع الصنمي الذي ادعاه بنيامين صراحة للأغراض المقتناة. فالقيمة المتمثلة في كون الشيء أصليًا أصيلًا، وهي مسألة حاسمة للجامع كما للسوق الذي يحدده هذا الجامع، حلت محل «القيمة الدينية» [أو العِبادية] وأصبحت تمثل عَلْمَنَتَها [بإضفاء الطابع الدنيوي عليها].
هذه التأملات، وغيرها الكثير في أعمال بنيامين، فيها من العبقريات ما ليس في تبصُّراته الأساسية، والتي تميل في الأغلب الأعم إلى المباسطة. لكنها تظل أمثلة لافتة على التصعلك الذي يجري في مجرى تفكيره، على طريقة عمل دماغه، عندما كان، كالمتصعلك في المدينة، يعهد بنفسه إلى الصُدف والحظوظ لتكون دليلًا له في رحلات استكشافه الفكرية. فتمامًا كما أن التسكع عبر كنوز الماضي هو رفاهية الوارث وحظه، كذلك «موقف جامع المقتنيات، بأرفع المعاني، هو موقف الوريث» («إخراج مكتبتي») الذي، بحيازته الأشياءَ -و«الامتلاك هو أعمق علاقة يمكن للمرء إقامتها مع الأغراض» (المصدر السابق)- يرسخ وجودَه في الماضي، بحيث يحقق، دون انزعاج من الحاضر، «تجديدا للعالم القديم» وبما أن «الإلحاح الأعمق» لدى الجامع يؤتيه هوايةً فرديةً هي شأن خاص لا دخل فيه للعامّ، فإن كل «ما يقال من زاوية الجامع الحق» من شأنه أن يبدو «لُعبيا» بقدر لُعبية الفكرة الجون پاولية بامتياز عند واحد من أولئك الكتاب «الذين يؤلفون كتبا ليس لفقرهم وإنما لأنهم غير راضين عن الكتب [الموجودة بالفعل] التي يمكنهم شراؤها لكنها لا تعجبهم [على غرار إحدى شخصيات قصص جون پاول]» (المصدر السابق). غير أن هذه اللعبية، عند الفحص بتمعن أشد، لها بعض الخصائص الجديرة بالملاحظة وغير الحميدة تماما. فهناك، وهذه واحدة، الإيماءة الدالة دلالة بالغة على حقبة من الظلام العمومي، والتي بها لا ينسحب الجامع فقط من العام إلى حيزه الخاص بين أربعة جدران وإنما يأخذ معه كل أنواع الكنوز التي كانت ذات مرة ملكية عامة ليزين بها تلك الجدران. (ليس هذا، بالطبع، جامع المقتنيات اليوم، والذي يضع يده على أي شيء يَكُنْ، له، أو في تقديره ستكون له، قيمة سوقية، أو له أن يعزز مكانته الاجتماعية، وإنما الجامع الذي، على غرار بنيامين، يسعى للأشياء الغريبة المعتبرة غير ذات قيمة) كما أن، وهذه واحدة أخرى، في شغف جامع المقتنيات بالماضي من أجل الماضي، هذا الشغف وليد ازدرائه الحاضر بوصفه حاضرًا، ومن ثم مهملًا الجودة الموضوعية، ثمة بالفعل عامل مزعج يطل معلنًا أن التراث قد يكون آخر ما يسترشد به، وأن القيم التراثية ليست بأي حال من الأحوال في أيدٍ أمينة بين يديه على عكس ما قد يكون المرء افترض للوهلة الأولى.
فالتراث يرتب الماضي، ليس فقط ترتيبًا زمنيًا وإنما منهجيًا في المقام الأول، إذ يفرز الإيجابي من السلبي، القويم من الهرطوقي، وما هو ملزِم وذو أهمية باقية من جِماع الآراء والمعلومات غير ذات الصلة أو الشائقة فحسب. أما شغف الجامع، فهو ليس فقط بلا منهجية وإنما يتاخم حدود الفوضوية، ليس لأنه شغفٌ بقدر ما لأنه لم توقِد شرارَته الأولى نوعيةُ [أو جودة] الغرض -وهي شيء قابل للتصنيف- وإنما تشعله «أصالة» الغرض، فرادته، وهي شيء يستعصي على أي تصنيف منهجي. لذا، وبينما التراث يميز، فإن الجامع يسوي كل الفروقات؛ وهذه التسوية - بحيث إن «الإيجابية والسلبية… الإقبال والإعراض يتماسّان هنا» (Schriften II, 313)- تحدُث حتى لو أن الجامع اتخذ التراث نفسه اختصاصًا له واستبعد بعناية كل ما لا يعترف به التراث. في مقابل التراث يضع الجامع معيار الأصالة؛ يعارض المرجعية بعلامة المنشأ. إن أردنا التعبير عن هذه الطريقة في التفكير بعبارات نظرية: فهو يُحل محل المحتوى الأصالةَ الصرفة، وهي شيء لم يؤسِّس له كسمة كيفية في حد ذاتها منفصلة عن كافة السمات المحدَّدة سوى الوجودية الفرنسية. إذا مدَّ المرء هذه الطريقة في التفكير على استقامتها إلى خلاصتها المنطقية، تكون النتيجة قلبا غريبا للدافع الأصلي الذي يحرك جامع المقتنيات: «قد تكون الصورة الأصيلة قديمة، لكن الفكرة الأصيلة جديدة. إنها تنتمي إلى الحاضر. وهذا الحاضر قد يكون هزيلًا، أي نعم. ولكن مهما تكن صفته، لا بد للمرء من مسكه من قرنيه مسكًا لكي يمكنه استشارة الماضي. إنه الثور الذي لا بد أن تملأ دماؤه الحفرة إن كان لأشباح الراحلين أن تظهر على حافتها» (Schriften II, 314). من هذا الحاضر إذْ ضُحِّي به لاستحضار الماضي ينشأ إذن «الوقع المميت الذي للفكر» والموجَّه ضد التراث ومرجعية الماضي.
هكذا يستحيل الوريث والمتعهد، وعلى نحو غير متوقع، إلى مدمر. «الشغف الحق لدى الجامع، والمساء فهمه بقدر كبير، هو دائما شغف تدميري، ذو طابع فوضوي. فهذه جدلياته: أن يجمع بولائه لغرض مادي، لمصنفات مفردة، لأشياء تأوي إلى ظل رعايته، احتجاجًا هدميًا عنيدًا على ما هو نمطي وقابل للتصنيف» يدمر جامع المقتنيات السياق الذي داخله كان شيؤه المادي [هذا] مجرد جزء من كيان حي أكبر، وبما أن ما هو فريد الأصالة فقط هو ما سيكفيه فلا بد أن يطهِّر الغرض المنتقى من كل ما هو نمطي فيه. يمكن لشخصية الجامع، قديمة الطراز قِدَمَ شخصية المتصعلك، أن تتخذ عند بنيامين ملامح حداثية بارزة كل البروز لأن التاريخ نفسه -أي القطيعة التي حدثت في التراث في بداية هذا القرن- أعفاه بالفعل من مهمة التدمير هذه ولم يكن بحاجة إلا إلى الانحناء، إن جاز التعبير، لانتقاء شذراته الثمينة من كومة الأنقاض. بعبارات أخرى، كانت الأشياء نفسها تقدم، على الأخص لرجل كان يواجه الحاضر بثبات، جانبا لم يكن في السابق قابلا للاكتشاف سوى من زاوية النظر اللعبية لدى الجامع.
لا أعرف متى اكتشف بنيامين التزامن اللافت بين ميوله عتيقة الطراز وبين وقائع أحوال زمنه؛ لا بد أن الاكتشاف تم في منتصف العشرينيات، عندما شرع في دراسة كافكا دراسة جادة، ثم سرعان ما اكتشف في بريخت بُعيدها الشاعر الأكثر استقرارًا في سُكنى القرن العشرين. لا أقصد التأكيد على نقل بنيامين تركيزه من جمع الكتب إلى جمع الاقتباسات (وهو نشاط حصري في حالته) بين عشية وضحاها أو حتى في غضون سنة، وإن كانت هناك بعض الأدلة على نقل واعٍ للتركيز متوفرة في رسائله. وبأي حال، فإن شيئًا لم يكن أكثر تمييزًا له في الثلاثينيات من الدفاتر الصغيرة ذات الأغلفة السوداء التي كان يحملها معه دائما والتي دوَّن فيها دون كلل وفي شكل اقتباسات ما تضعه الحياة والقراءة اليوميتان في شِبَاكه من «لؤلؤ» و«مرجان». وقد تلا شيئًا منها في بعض المناسبات، وراح يُريها لآخرين كأنها أشياء تنتمي إلى مجموعة ثمينة ومنتقاة بعناية. وفي هذه المجموعة، والتي كانت آنذاك أبعد من أن تكون لعبية، كان من السهل أن تجد إلى جوار قصيدة حب مغمورة نادرة من القرن الثامن عشر، آخر خبر من جريدة، «أول قطعة جليد» «Der erste Schnee» قصيدة جوكنك جنبًا إلى جنب مع تقرير إخباري من ڤيينا مؤرخ، في صيف 1939، ورد فيه أن شركة الغاز المحلية كانت قد «أوقفت مد اليهود بالغاز. كان استهلاك السكان اليهود من الغاز يعني خسارة لشركة الغاز، حيث كان أكبر المستهلكين هم من لا يسددون فواتيرهم. فاليهود استخدموا الغاز على الأخص بغرض الانتحار»(Briefe lI, 820). والحال أنه هنا في هذا الموضع كانت أشباح الراحلين تُستحضر من حفرة الحاضر القربانية ليس إلا.
التقارب الحميم بين قطيعة التراث وشخصية الجامع، اللعبية في ظاهرها، وهو الذي يجمع ويلتقط الشذرات والخردة من أنقاض الماضي، ربما يوضحه خير إيضاح، وهذه مفاجأة مذهلة فقط للوهلة الأولى، أن الزمن قد يكون خلا قبل زماننا من الأشياء القديمة والعاديات، التي نسيها التراث عهودًا طويلة، تصبح موادَّ تعليمية عامة تعطى لتلامذة المدارس في كل مكان بمئات آلاف النسخ. هذا الإحياء المدهش، للثقافة الكلاسيكية على الأخص، والذي غدا منذ الأربعينيات ملحوظًا على نحو خاص في أمريكا التي هي نسبيًا بلا تراث، بدأ في أوروپا في العشرينيات. ففيها دُشِّن على يد من كانوا الأشد وعيا بعدم قابلية القطيعة التراثية للرأب، ومن ثمَّ، ففي ألمانيا، وليس فيها وحدها، على يد مارتن هايدجر أولًا وأخيرًا، وهو الذي كان نجاحه الاستثنائي، والمبكر بشكل استثنائي، في العشرينيات، مَرَدُّه جوهريًا «عملية إصغاء للتراث لا تَنْقاد للماضي وإنما تفكر في الحاضر» ودون أن يدري بنيامين، كان المشترك بينه وبين أصحابه الماركسيين ودقائق الديالكتيك الخاصة بهم أقل في الواقع مما بينه وبين هايدجر وحسه المرهف اللافت الذي دلَّه على الأعين الحية والعظام الحية والتي كانت تغيرات بحرية قد طرأت عليها وحولتها إلى لؤلؤ ومرجان، ولم يتسنَّ في صورتها هذه إنقاذُها وانتشالها إلى الحاضر إلا بالتعسف مع سياقها عند تفسيرها بما للأفكار الجديدة من «وقع مميت». فتمامًا كما أن للجملة الختامية المقتبسة آنفًا من مقاله عن جوته صدى من كافكا كأنه من كتبها، فإن الكلمات التالية من رسالته إلى هوفمانشتال، المؤرخة في 1924، تدفع المرء إلى التفكير في بعض مقالات هايدجر المكتوبة في الأربعينيات والخمسينيات: «القناعة التي أسترشد بها في محاولاتي الأدبية… [هي] أن لكل حقيقة منزلها، دارة أجدادها، داخل اللغة، أن هذا الدار بُنِيت بأقدم اللوغوي [اللوغوسات]، وأن حقيقةً تأسست على هذا النحو ستبقى تبصرات العلوم قاصرة عنها طالما ظلت تتعيَّش هنا وهناك في أرجاء اللغة كالرُّحّل، إن جاز التعبير، إيمانًا بالطابع العلاماتي للغة والذي يضفي على اصطلاحيتها [أي العلوم] اعتباطيتها غير المسؤولة» (Briefe I, 329).
وبروح اشتغال بنيامين المبكر على فلسفة اللغة، فإن الكلمات هي «نقيض كل الاتصال الموجَّه نحو الخارج» تمامًا كما أن الحقيقة هي «موت القصد» كل من يَنشد الحقيقة يكون سعيه [خائبًا] كسعي الرجل الذي في الأمثولة الخرافية عن تمثال إيزيس الملثم في سايس [صا الحجر]؛ «وهذا ما لم تتسبب فيه وحشية غامضة ما في مادة المحتوى الذي سيماط عنه اللثام وإنما تسببت فيه طبيعة الحقيقة التي في مواجهتها تنطفئ حتى أصفى نيران البحث والتقصي كما لو أن المياه غمرتها» (Schriften I, 151, 152).
من مقالة جوته فصاعدًا، تحتل الاقتباسات موضع القلب من كل أعمال بنيامين. وهذه الحقيقة ذاتها تجعل كتابته مميزة عن الكتابات الفكرية من سائر الأنواع حيث وظيفة الاقتباسات أن تؤكد صحة الآراء وتوثقها، وعليه يجوز إلحاقها بالهوامش والحواشي دون مجازفة. وهذا غير وارد عند بنيامين. فعندما كان يعمل على دراسته للتراجيديا الألمانية، كان يزهو بمجموعة قوامها ما «يربو على 600 اقتباس مرتبة بمنهجية شديدة ووضوح شديد» (Briefe I, 339)؛ ومثل الدفاتر اللاحقة، لم تكن هذه المجموعة تراكما للمقتطفات يُقصد به تيسير كتابة الدراسة وإنما تألَّف منها متن العمل، تُلحَق به الكتابة كشيء ثانوي. تألف متن العمل من انتزاع الشذرات من سياقها وترتيبها من جديد على ذلك النحو بحيث تتبادل إيضاح بعضها البعض وتتمكن من إثبات مسوغ وجودها وهي في حالتها حرة الطفو، إن جاز التعبير. كان بالقطع نوعا من المونتاج السوريالي. والحال أن هذا المثال المنشود عند بنيامين بإنتاج عمل يتألف برمته من الاقتباسات، عمل مشيَّد بأستاذية بالغة إلى حد أن بإمكانه الاستغناء عن أي نص مصاحب، قد يتراءى للمرء بوصفه لعبيًا إلى أقصى الحدود وتدميرًا ذاتيًا فوق ذلك، لكنه لم يكن، لم يكن كذلك بأكثر مما كانت التجارب السوريالية المعاصرة له والتي نشأت من دوافع مشابهة. وفي حدود ما ثبت أنه لا يمكن تجنبه من إيراد نص مصاحب، كانت المسألة الباقية هي تصميمه بحيث يُحتفظ بـ«المقصد من مثل هذه الاستقصاءات» ألا وهو «سبر أعماق اللغة والفكر… عن طريق التنقيب بالثَّقب لا الحفر» (Briefe I, 329)، كيلا يخرَّب كل شيء بالشروح التي تسعى إلى توفير صلة سببية أو منهجية. وفي سياق عمله هذا كان بنيامين واعيا تماما بأن نهج «التنقيب بالثَّقب» الجديد هذا أسفر عن نوع بعينه من «استخراج الرؤى النافذة… التي تُفضَّل حذلقتها الفجة، مهما يكن، على عادة اليوم شبه المعممة المتمثلة في دحض هذه الرؤى»؛ كان واضحا له على نحو مساوٍ أن هذا النهج من شأنه أن يكون «السبب في حالات إبهامات معينة» (Briefe I, 330). ما كان يهمه فوق كل اعتبار آخر هو تفادي كل ما قد يذكِّر بالتماهي العاطفي، كما لو أن شيئا ما موضوع تحقيق ينطوى على رسالة جاهزة تبلِغ عن نفسها بسهولة، أو يمكن التبليغ بها، للقارئ أو المشاهد: «ما من قصيدة يراد بها الوصول إلى القارئ، ما من صورة إلى الناظر، ما من سيمفونية إلى المستمع» («مهمة المترجم»؛ التوكيد من عندي).
هذه الجملة، المكتوبة مبكرًا حقا، يمكنها أن تؤدي وظيفة شعار لسائر نقد بنيامين الأدبي. ولا يجب أن يساء فهمها كمجرد إهانة دادائية أخرى لجمهور كان قد اعتاد بالفعل إلى حد لا بأس به حتى في ذلك الوقت على كل صنوف تأثيرات الصدمة و«المقالب» المعمولة بحكم الهوى فحسب. يتعامل بنيامين هنا مع أمور فكرية، على الأخص تلك التي لها طابع لغوي، والتي، وفقًا له، «تحتفظ بمعناها، وأفضل دلالاتها ربما، إذا لم تُحصَر قَبْليًّا على الإنسان. وعلى سبيل المثال، يمكن للمرء الحديث عن حياة أو لحظة لا تنسى حتى لو كان البشر كلهم قد نسوها. فلو أن طبيعة حياة أو لحظة كهذه تطلبت ألا تُنسى، فلن يتضمن هذا المحمول المنطقي مغالطة وإنما مجرد ادعاء لا يتحقق بواسطة البشر، ولعله كذلك إحالة إلى مجال يكون فيه متحققا: حافظة الذِّكر الإلهي» (المصدر السابق). فيما بعد تخلى بنيامين عن هذه الخلفية اللاهوتية دون أن يتخلى عن النظرية ولا عن طريقته المتمثلة في التنقيب بالثقب لاستخراج ما هو جوهري في شكل اقتباسات، كما يستخرج الواحد الماء بالتنقيب عنه من مصدر مخبوء في أعماق الأرض. هذه الطريقة كأنها المعادل الحديث لتحضير الأرواح الطقسي، والأرواح التي تستيقظ الآن هي، ودون أن تحيد عن ذلك، تلك الخلاصات الجوهرية الروحية القادمة من ماضٍ والتي قد عانت «التغيرات البحرية» الشكسپيرية لتتحول من عيون حية إلى لؤلؤ، من عظام حية إلى مرجان. فعند بنيامين أن تقتبس يعني أن تسمي، والتسمية لا القول، الكلمة لا الجملة، تجلب الحقيقة إلى النور. وكما قد يقرأ المرء في تمهيد «أصل التراجيديا الألمانية»، كان بنيامين يرى الحقيقة بوصفها ظاهرة سمعية حصرًا: «ليس أفلاطون وإنما آدم» الذي منح الأشياء أسماءها، كان عنده «أبا الفلسفة». ومن هنا كان التراث هو الشكل الذي تُنقل فيه هذه الكلمات مانحةُ الأسماء. كان يشعر بأنه بالغ الشبه بكافكا تحديدا لأن الأخير، بالرغم من التفسيرات الرائجة، لم يتحلَّ لا بـ«بُعد نظر ولا بـ رُؤية نبوية» وإنما أنصت إلى التراث، و«من يصغي السمع لا يرى» ([مقال] «كتاب ماكس برود عن كافكا» ).
هناك أسباب وجيهة وراء تركُّز اهتمام بنيامين الفلسفي منذ البداية على فلسفة اللغة، ووراء كون التسمية بالاقتباس أصبحت عنده أخيرًا هي الطريقة الممكنة واللائقة الوحيدة للتعامل مع الماضي دون عون من التراث. أي حقبة أصبح ماضيها موضع مساءلة كما أصبح ماضينا موضع مساءلة لنا لا بد أن تجابه في النهاية ظاهرة اللغة، فالماضي محتوى فيها بصورة لا تمحى، محبطًا كل محاولات التخلص منه مرة واحدة وللأبد. ستستمر الپولِس [المدينة] الإغريقية في الوجود بأعماق وجودنا السياسي -أي في قعر البحر- طالما استخدمنا كلمة «پوليتكس» [السياسة]. هذا ما يعجز عن فهمه الدلاليون، والذين يهجمون على اللغة لدواعٍ وجيهة بوصفها المصد الذي يتوارى الماضي خلفه، هي تشوُّش الماضي، كما يقولون. وهم قطعًا على حق: ففي المحصلة النهائية كل المشكلات لغوية؛ هم ببساطة لا يدرون ما يترتب على كلامهم.
لكن بنيامين، الذي ما كان له بعدُ أن يقرأ ڤتجنشتاين، ناهيك بمن جاؤوا بعده، عرف الكثير عن هذه الأمور عينها، لأن مشكلة الحقيقة كانت قد طرحت نفسها عليه من البداية بوصفها «وحيًا… لا بد أن يُسمَع، أي إنه يكمن في النطاق السمعي الماورائي»، وعنده إذن لم تكن اللغة بأي حال من الأحوال هبة الكلام في المقام الأول والتي تميز الإنسان عن بقية الكائنات الحية، وإنما على العكس، «جوهر العالم… الذي منه ينشأ الكلام» (Briefe I, 197)، ويتصادف أن هذا يقترب كثيرا من موقف هايدجر ومفاده أن «الإنسان يستطيع الكلام فقط في حدود كونه القائل»، وهكذا فهناك «لغةُ حقيقة، مستودع الأسرار النهائية الخالي من الاضطراب بل الساكت الذي يعنى به سائر الفكر» («مهمة المترجم»)، وهذه هي «اللغة الحقة» التي نفترض وجودها دونما تفكير بمجرد أن نترجم من لغة إلى أخرى. ولذلك يُمَركز بنيامين في مقاله «مهمة المترجم» الاقتباسَ المذهل من مالارميه وفيه أن اللغات المنطوقة في تعدد ألسنتها وتنوعها، على نحو ما، وبسبب من بلبلتها، تخنق «الكلِم الخالد» الذي لا يمكن حتى التفكير به، بما أن «التفكير كتابةٌ بدون أداة وبدون همس، في صمت» وهكذا تمنع صوت الحقيقة من أن يُسمَع على الأرض بقوة الدليل المادي الملموس. وأيا تكن المراجعات النظرية التي قد يكون بنيامين أجراها فيما تلا ذلك على هذه القناعات اللاهوتية-الماورائية، ظلت مقاربته الأساسية، المفصلية لكل دراساته الأدبية، دون تغيير: ألا يستقصي الوظائف الغرضية أو الاتصالية للإبداعات اللغوية، وإنما أن يفهمها في شكلها المتبلور ومن ثم المتشظي في نهاية المطاف بوصفها تفوهات لـ«جوهر عالَم» عديمة القصد وعديمة التواصل لـ«جوهر عالَم» ما الذي يعنيه هذا سوى أنه فهم اللغة كظاهرة شاعرية في جوهرها؟ وهذا تحديدا ما تقوله الجملة الأخيرة في وَجْزة مالارميه، والتي لا يقتبسها هو، بوضوح لا لبس فيه: «Seulement, sachons n'existerait pas le vers: lui, philosophiquement remunère le défaut des langues, complément supérieur» كان كل هذا سيصح لو انعدم الشعر، القصيدة التي تصنع فلسفيًا من عوار اللغات شيئًا طيبًا هي تَتِمَّتُها العليا. وهذا كله لا يقول أكثر مما ذكرته من قبل، وإنْ كان يقوله بطريقة أعقد بدرجة طفيفة، وعلى وجه التحديد، أننا نتعامل هنا مع شيء قد لا يكون فريدا لكنه بالتأكيد بالغ الندرة: موهبة التفكير بشاعرية.
وهذا التفكير، الذي يغذيه الحاضر، يشتغل بـ«شذرات الفكر» التي يمكنه انتزاعها من الماضي وتجميعها حول نفسه. كغواص لؤلؤ يهبط إلى قاع البحر، لا ليحفِّر القاع ويجلبه إلى النور وإنما ليفُض الغني والغريب، اللؤلؤ والمرجان الذي في الأعماق، ويحمله إلى السطح، يغوص هذا الفكر في أعماق الماضي، ولكن ليس لكي يفيقها لتعود إلى حالتها السابقة ويسهم في تجديد عصورها المندثرة. فما يرشد تفكيره هو القناعة بأن ما هو حي عرضة لأن يخربه الزمن، وبالرغم من ذلك فعملية التدهور هي في الوقت نفسه عملية تبلور، بأن في عمق البحر، الذي فيه يغرق ويتحلل ما كان حيا ذات يوم، أشياء «تعاني تغيرًا بحريًا» وتنجو بأشكال وفي قوالب متبلورة جديدة تبقى منيعة على الطقس السيء، كما لو أنها كانت فقط في انتظار غواص اللؤلؤ الذي سيجيء إليها في الأسفل يومًا ويصعد بها إلى عالم الأحياء بوصفها «شذرات الفكر» بوصفها شيئا «غنيًا وغريبًا» بل وربما بوصفها ظاهرة أصلية.
هوامش:
1 Cf. Kafka, Briefe, p. 173.
2 ظهرت مختارات منها تحت عنوان Parables and Paradoxes في طبعة باللغتين [أي الألمانية والإنجليزية] (Schocken Books, New York, 1961).
3 انظر/ي ترجمة أمير زكي للمقال، «تفريغ مكتبتي»، هنا، والمنشورة قبل ذلك بعنوان «غرفة الكاتب: فالتر بنيامين عن اقتناء الكتب»، في عدد مايو، 2015، عالم الكتاب، القاهرة، ص.ص. 98-102. المترجم.
4 Benjamin, ‘Lob der Puppe,’ Literarische Welt, January 10, 1930·
5 انظر/ي Martin Heidegger, Kants These über das Sein, Frankfurt, 1962, p. 8.
6 انظر/ي ترجمة حسان للمقال (مصدر سبق ذكره، ص.ص. 45- 58، وتتوفر نسخة إلكترونية هنا)، وترجمة وتقديم كرم نشار للمقال، «مهمة المترجم»، في العدد 60 من «الجمهورية». المترجم.
7 [(اللوغوسات: «لوغوس (بالإغريقية: Λούος) (بالإنجليزية: Logos)، وهي من أشد الكلمات أهمية وأكثرها غموضًا في الفكرين الغربيين الديني والفلسفي، إذ تدل في سياقات شتى على مدلولات متعددة، كالخطاب، اللغة، العقل الكلي، كلمة الإله، من بين معان أخرى»، ويكيبيديا]. المترجم.
8 لمطالعة وجزة مالارميه، انظر/ي "Variations sur un sujet" تحت العنوان الفرعي "Crise des vers," Pléiade edition, pp. 363-64.
تقارير ذات صلة
الأم الصغيرة.. قصة من الأدب الهندي لعصمت شوجتاي
من الأدب الهندي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن