تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
هكذا يُهدر قمح وخضروات وفاكهة بملايين الأطنان سنويًا

هكذا يُهدر قمح وخضروات وفاكهة بملايين الأطنان سنويًا

كتابة: شمس الدين عصام 8 دقيقة قراءة
تصوير: فران هوجان

16% من إجمالي الإنتاج السنوي هي نسبة الفاقد من السلع الغذائية في مصر وفقًا لآخر بيانات أصدرها جهاز التعبئة والإحصاء عن الهدر في الفترة ما بين 2015 و2019.

فاقد الغذاء٬ بحسب منظمة الأغذية للأمم المتحدة (فاو)٬ هو الغذاء الذي انسكب أو فسد قبل أن يصل إلى مرحلة المنتج النهائي أو البيع بالتجزئة، ويحدث الفاقد أثناء الإنتاج والتداول والتصنيع والتوزيع٬ ويسببه ضعف تقنيات الحصاد، والممارسات السيئة في التداول، وعدم فعالية نظم التسويق، وعدم وجود معدات تصنيع. 

يكتسب الهدر في الغذاء معنىً آخر في ظل أزمة واردات بدأت مع إغلاقات وباء كورونا واستمرت في ظل غزو روسيا لأوكرانيا. بالتوازي٬ تعاني مصر٬ التي تستورد 60 ٪ من احتياجاتها للغذاء سنويًا، من انخفاض كبير في النقد الأجنبي. الهدر المحسوس بدرجة أكبر في ظل الأزمة الراهنة يمتد لمعظم المحاصيل ويحدث على مستوى الحصاد والتخزين والنقل والتوزيع.

هدر في جميع المحاصيل

caption

تظهر مشكلة الفاقد بقوة في محاصيل الحبوب بكميات تقدرها بيانات «الإحصاء» عند خمسة ملايين طن في المتوسط سنويًا في الفترة بين 2015 و2019، وأغلبه يأتي في محصول القمح الذي فقد 29.4% من إجمالي الإنتاج في 2019.

تمثل نسبة الهدر في محصول القمح 15 ضعفًا مقارنة بمثيلتها في إنتاج الدول المتقدمة، والتي لا تتجاوز 2% من إجمالي الإنتاج، وفقًا لأستاذ الاقتصاد الزراعي، باسم فياض.

لا يقف هدر الحبوب ومنها القمح عند الإنتاج المحلي فقط، لكنه يُطال الكميات المستوردة، أثناء الشحن والتحميل من المواني والتفريغ في الصوامع والتحميل مرة أخرى نقلًا إلى المطاحن، وفقًا لدراسة نشرتها دورية ساستنبيليتي العلمية٬ التي قدرت الهدر على طول سلسلة القيمة للقمح بنحو 4.4 ملايين طن أو 20.62% من إجمالي المعروض من الإنتاج المحلي والواردات في 2017-2018.

وفقًا لنفس الدراسة٬ فإن قيمة هدر 4.4 ملايين طن بصورة «مباشرة» في محصول القمح بلغت نحو 1.1 مليار دولار، لكن إذا حُسبت تكلفة الكمية نفسها بالقياس على الأسعار العالمية الحالية والمتفاقمة بسبب الغزو الروسي في أوكرانيا سنجدها اقتربت من 1.7 مليار دولار تقريبًا، مع حساب تكلفة الشحن البالغة 35 دولارًا للطن أثناء الشحن من مواني البحر الأسود، والتي ترتفع أكثر بالنسبة للمواني الأخرى خاصة الأمريكتين إلى 70 دولارًا تقريبًا، والمتفاقمة أساسًا بسبب اضطرابات المواني منذ انتشار كورونا مطلع 2020.

بخلاف قيمة الهدر «المباشر» في القمح، لدينا أيضًا هدر «غير مباشر» ربما يوضح حجم الخسائر السنوية بصورة أفضل، إذ أن هدر 4.4 ملايين طن قمح يعني خسارة 4.79 مليار متر مكعب من المياه استُخدمت لري المساحات التي أنتجت الكميات المُهدرة، وتمثل نحو 5.7% من استهلاك المياه العام لمصر سنويًا، بخلاف هدر 74.72 مليون جيجا جول من الطاقة، بحسب بحث «ساستنبيليتي»

يوضح البحث الذي شارك فيه المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة «إيكاردا»، ومركز البحوث الزراعية المصرية، أنه إذا تمكنت مصر من القضاء على الخسائر والهدر المتعلقين بالقمح أو تقليلهما بشكل كبير، فإن ذلك سيوفر غذاءً كافيًا لنحو 21 مليون شخص إضافي، وبالتالي خفض الواردات.

أما الأرز٬ الذي تكتفى منه مصر ذاتيًا بنحو 90% تقريبًا، فإنه فقد نحو 7.8% من إنتاجه الكلي في 2019، مترجمة الى 158 ألف طن من الأرز الأبيض. كان يمكن أن توفر تلك الأطنان نحو 63% من واردات الأرز البالغة 250 ألف طن٬ تستوردها مصر سنويًا لاستكمال إجمالي 3.75 مليون طن نستهلكها٬ بحسب تقدير النائب السابق لرئيس شعبة الأرز بغرفة الحبوب، مصطفى السلطيسي.

الوضع نفسه يظهر في محصول الذرة الشامية٬ الذي يستخدم أيضًا في صناعة الأعلاف وإنتاج الخبز٬ والذي فقد أكثر من 12% في 2019، وفق بيانات التعبئة والإحصاء. تستورد مصر من الذرة حاليًا أكثر من عشرة ملايين طن سنويًا، وكانت في حدود ثمانية ملايين طن في 2019، وفقًا لتقديرات اتحاد منتجي الدواجن.

وبعيدًا عن الحبوب، قدرت بيانات «الإحصاء» الهدر في محاصيل الخضروات خلال الفترة بين 2015 و2019 بواقع 4.5 مليون طن في المتوسط سنويًا، ظهر أبرزها في خسارة 22% من محصول الطماطم، و19% من البطاطس.

كما قُدرت نسبة الهدر في محاصيل الفاكهة بنحو 1.5 مليون طن في الفترة نفسها، يأتي أغلبها في الموز بواقع 16% من الإنتاج، و19% للمانجو، و14% للعنب. 

أسباب هيكلية

caption

الهدر كبير في منتجات الحبوب والقمح بالذات من وجهة نظر وليد دياب، الرئيس الأسبق لشعبة المطاحن، يعود إلى قلة مساحات التخزين في الصوامع الحديثة.

توسعت الدولة٬ بحسب دياب٬ في إنشاء الصوامع الفترة الماضية، لكن هذا التوسع لم يكن كافيًا، فلا تتجاوز مساحات التخزين في الصوامع أربعة ملايين طن، وفقًا لما أعلنه، سابقًا، وزير التموين علي المصيلحي. في المقابل٬ تقارب تقديرات الحكومة في الموسم الأخير لإنتاج القمح عشرة ملايين طن.

يقول دياب إن هناك فرصة جيدة للتوسع من خلال تشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في الصوامع، لكن بشرط أن تؤجرها الدولة وتُديرها بنفسها، تجنبًا لحدوث أزمة فساد مثل التي حدثت في 2016، حين كُشف عجز بأكثر من 73 ألف طن وأُغلق 135 مقرًا للتخزين لدى القطاع الخاص من إجمالي 517 مقرًا. ويضيف دياب أن «القطاع الخاص عشان يتوسع في استثمارات الصوامع، هيحتاج ضمانة من الحكومة إنها هتأجر منه الصوامع، ولمدد 5 إلى 10 سنوات في المتوسط، لتضمن عائد اقتصادي جيد يحفزها على إنشاء صوامع جديدة تستوعب كافة أنواع الحبوب»

وفق مصدر في قطاع المطاحن، فإن السنوات الأخيرة شهدت بناء صوامع من القطاع الخاص في مناطق مختلفة، وكانت الحكومة تستغلها في التخزين، لكنها توقفت عن ذلك مع ظهور قضايا فساد القمح في 2016 وطرحها أصحابها للبيع دون وجود مشترين: «مين اللي هيشتري صومعة يقعدها جنبه من غير دخل شهري طالما الحكومة رافضة تستخدمها» بحسب المصدر السابق.

تولي الدولة اهتمامًا نسبيًا بمشروعات التوسع في إنشاء الصوامع المعدنية لتخزين الحبوب، لكنها تُركز على القمح فقط دون باقي الحبوب٬ بحسب فياض. «رغم استمرار السلبيات، فالأولوية كانت للقمح فقط في الفترة الأخيرة. أين باقي المحاصيل؟ فلا نزال نخسر الكثير بسبب ما نفقده في منتجات الحبوب الأخرى، مثل الأرز والذرة والبقوليات، ويجب أن نهتم بآليات تخزينها جميعًا» يقول فياض.

مشكلة التخزين تمتد أيضًا لمحاصيل أخرى غير الحبوب. يشير فياض الى ضعف البنية التحتية من الثلاجات والمبردات كسبب رئيسي للهدر٬ ويضيف أن «أغلب الفاقد يظهر في مراحل النقل والتخزين والتسويق، وأغلب المحاصيل في مصر تنتقل إلى أكثر من سوق ما يرفع نسبة الهدر أثناء الشحن والتفريغ». يؤكد ذلك مصدر بأسواق الجملة لـ«مدى مصر» قائلًا إن تعدد حلقات التوصيل بين المُنتِج والمستهلك، سبب رئيسي في الهدر. «ومع كل مرحلة نسبة الهدر تزيد، خاصة في المحافظات الزراعية الكبيرة اللي معندهاش أسواق كفاية، ومع كل حلقة السعر بيزيد 10% في المتوسط، وهي أموال المستهلكين» 

ويقول نفس المصدر: «كمية الفاقد في سوق مثل العبور كبيرة لعدم وجود بنية تحتية مناسبة تُحافظ على المنتجات من التلف بسبب التعرض للشمس أو الإهمال. انزل شوف كمية الفاقد في الأسواق التجارية آخر كل يوم، هتلاقيها كبيرة جدًا. لو حافظنا عليها هنوفر معروض أكتر بسعر أقل للمستهلك»

يعتبر جمال صيام، أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة القاهرة، أن التوسع في إنشاء الثلاجات والمبردات يُمكن أن يُقلل كثيرًا من الهدر من خلال الاهتمام بعمليات التعبئة والتغليف والتخزين أيضًا. «بدل ما تنقل المنتج مرة واتنين وتلاتة ويزيد الهدر مع كل مرحلة، مُمكن ننشئ مصانع في مناطق مختلفة لتصنيع تلك المنتجات، خاصة إن نقل المنتجات من سوق إلى سوق بيأثر على السعر، ومع الهدر بيزيد السعر بسبب التكلفة»

لا تتخطى عمليات تصنيع المحاصيل الزراعية محليًا حاجز الـ10% من إجمالي الإنتاج الزراعي المصري السنوي، وفق بيانات غرفة الصناعات الغذائية باتحاد الصناعات، وهو ما يقلل من القيمة الاقتصادية للمحاصيل. 

ولكن قبل النقل والتوزيع٬ تأتي مسألة جودة المحصول وتأثير عملية الزراعة على الحصاد، والتي يكون الفاقد منها كثيرًا. 

الاستثمار في القيمة الاقتصادية للمحصول الواحد هو ما يشير إليه سمير الفقي، أستاذ الاقتصاد الزراعي بمركز البحوث الزراعية، والمتخصص في قسم تغذية النبات٬ وهو ما يسميه بـ«التوسع الرأسي» موضحًا أن «فاقد المحاصيل أمر لا بد منه وفقًا للظروف الحالية للأراضي المصرية، خاصة في منطقة الوادي والدلتا. لكن يمكن أن نتوسع رأسيًا في الإنتاج وزيادة الجودة، من خلال الاستغناء عن المبيدات والأسمدة المعدنية من اليوريا والنترات، والتي تسمح بزيادة الإنتاجية بين 30 و40%. لكن إن استخدمنا برامج تسميد متوازنة من الأسمدة الحيوية والعضوية سنضفي كثيرًا على مناعة النبات وقدرته على الإنتاج»

الأزمة الأكبر في مسألة الهدر٬ في رأي البعض٬ تكمن في تفتت الحيازات الزراعية. 

تحتاج حماية أكبر جزء من الإنتاج مساحات زراعية واسعة لاستخدام الميكنة في الزراعة والحصاد، بحسب فياض. الهدر أغلبه يأتي من الأراضي القديمة، بالوادي والدلتا، وليس الأراضي الجديدة في المناطق الصحراوية التي يتوجه أغلب إنتاجها للتصدير، بحسب فياض. 

يعتمد أصحاب الأراضي الجديدة على بنية تحتية أوفر حظًا، ويُشجع ارتفاع متوسط الحيازات في منطقة مثل النوبارية الذي يصل لـ25 فدانًا للحيازة الواحدة، على إنشاء بنية تحتية قوية، وفق فياض الذي يضيف: «منقدرش نطلب من الفلاحين استخدام التكنولوجيا الحديثة المستخدمة في أغلب الأراضي الجديدة مع الوضع الحالي للحيازات. أكثر من 80% من الحيازات في مصر أقل من فدانين. عشان كده٬ محتاجين نخلق منظومة تعاونية للإنتاج والحصاد والشحن، لتحقيق عائد اقتصادي جيد يُشجع على الاستمرار، وكمان تأهيل البنية التحتية للتسويق»

من ناحيته٬ يرى فريد واصل، نقيب الفلاحين والمنتجين الزراعيين، أن التعاونيات بشكلها الحالي لا تقوم بالعمل الذي نشأت من أجله، وهو شراء المحاصيل من الفلاحين وتسويقها بأفضل سعر مناسب. كما أن أحد أدوارها هو المشاركة فى عمليات تنظيم زراعة المحاصيل والاحتياجات السنوية منها والتي لا نملك عنها أي بيانات حقيقية. يعود ذلك بشكل عام الى غياب استراتيجية لتمكين التعاونيات من أداء دور فاعل في عملية الزراعة، بحسب عدة مصادر من الخبراء المتابعين للملف. 

في المقابل٬ يرى فياض أن هناك احتياج لتجمعات تعاونية من المجتمع المدني، لكنها لم تعد مفضلة لدى المزارعين بسبب الممارسات التي انتهجتها في السنوات الماضية وتسببت في أزمات الفلاحين. كما لا يثق أغلب الفلاحين في قدرة هذه التعاونيات على تسويق المحاصيل بأسعار مناسبة. 

يقول فياض إن «جمعيات المجتمع المدني انتشرت مؤخرًا في بعض المناطق، وكان النجاح الأبرز في محافظة الأقصر بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية التي توفر دعمًا لإنتاج الطماطم المجففة، والتي أصبحت مصر المُصدر الأول لها عالميًا بعد إيطاليا»

يعتبر فياض أن أفكار من هذا النوع يجب أن تُخصص لها مبادرات تمويل مصرية، بدلًا من انتظار الدعم الخارجي لها، مشيرًا إلى أن المجتمع يمكنه توفير هذا الدور، خاصة أن تلك المبادرات لا تحتاج امكانيات عالية، بل تجميع مساحات كبيرة في حدود 200 فدان في المتوسط للقدرة على تحقيق عائد اقتصادي: «قصة نجاح واحدة من الممكن تعميمها، فالأفراد يبحثون عن تجارب ناجحة لتقليدها»

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن