«هدنة على مزاج الاحتلال».. رحلات التهجير من الشمال
«الطريق صعبة، اتعذبنا كتير، كله مشي وبهدلة»، تحكي سيدة ستينية رحلة وصولها اليوم من شمال غزة إلى خان يونس، بجنوب القطاع، تقول السيدة -وهي مريضة كلى-، إنها وأبناؤها وغيرهم من النازحين، تعرضوا للقصف أربع مرات، وبالفعل سقط منهم جرحى خلال الطريق، مضيفة «صرنا نجري.. إش نعمل؟».
تحركت السيدة من شمال غزة، بعد أن أعلن البيت الأبيض، أمس الخميس، عن هدنة إنسانية لمدة أربع ساعات يوميًا في شمال القطاع وهي الهدنة التي وافقت عليها إسرائيل.
ونشر المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، اليوم، عبر حسابه بموقع X أن الجيش سيسمح للنازحين بالتحرك إلى الجنوب عبر شارع صلاح الدين شرق القطاع بين الساعة العاشرة صباحًا والرابعة مساءً.
يحكي أهالي شمال غزة، ممن تحركوا في ساعات الهدنة تلك، عن خطورة تلك الرحلة وأماكن النزوح.
يقول المصور الصحفي للجمعية الفلسطينية للتصوير الضوئي، محمد أبو السبح، الذي كان يقيم كغيره من الصحفيين والمصوريين في مجمع الشفاء الطبي، لـ«مدى مصر»: «أبلغنا جيش الاحتلال الإسرائيلي بالنزوح إلى الجنوب، وفضلنا ألا ننزح، لكن شاء القدر أن يتم الضغط علينا بسبب قذائف قوات الاحتلال الإسرائيلي على مجمع الشفاء الطبي، أمس وصباح اليوم».
يصف أبو السبح الرحلة إلى الجنوب: «نزحنا مع ما يقرب من 200 ألف من النازحين، في ظل قلق وخوف وتوتر بسبب وجود القناصة الإسرائيليين والدبابات وكذلك الجرافات، على طريق صلاح الدين إلى الجنوب، وكان الجنود يطلبون التحقق من هوياتنا، لكنهم لم يطلبوا تفتيشنا، كما تم قصف موقع قريب من طريق صلاح الدين، ما يدل على نية الاحتلال في ترهيب أهالي غزة من النساء والشيوخ والأطفال النازحين».
فيما قال شاب عشريني، طلب عدم ذكر اسمه، لـ«مدى مصر» إنه كان يقيم في مستشفى الشفاء، وافترش الأرض معظم الأيام في ظل التكدس الكبير، وازدادت ظروف الحياة سوءًا مع ازدياد برودة الجو.
غادر الشاب العشريني المستشفى في العاشرة والنصف من صباح اليوم، نازحًا على طريق صلاح الدين نحو الجنوب، واستمرت مسيرته ساعتين ونصف الساعة.
استخدم بعض النازحين عربات بدائية تجرها الحمير أو الخيل، لكن الغالبية كانوا يسيرون على الأقدام، وكل عشر دقائق يسقط أحد كبار السن بسبب عجزه عن السير، لكن لم يستطع أحد مساعدتهم لأن الجميع كان يرغب في إنهاء رحلته بسرعة بسبب الخوف الشديد.
طوال الطريق، كان يلاحظ اقتراب الدبابات الإسرائيلية من النازحين وتوجيهها فوهات المدافع إليهم، ما كان يثير الرعب بينهم، بالإضافة إلى سقوط الكثير من القذائف على جانبي الطريق.
يقول، رائد سهمود، وهو نازح من حي الشجاعية شرق قطاع غزة، إلى مستشفى الشفاء، غرب القطاع، لـ«مدى مصر» إن الاحتلال استهدف عددًا كبيرًا من النازحين خلال محاولاتهم الوصول إلى مناطق الجنوب، مضيفًا «هذه هدنة على مزاج الاحتلال، والكل بيعرف هالكلام، يعني بتطلع وهو على مزاجه بدو يقتلك بقتلك».
«بسمع قصص صعبة عن الذين قرروا النزوح إلى الجنوب تحت وطأة القصف الشديد. النساء والرجال الكبار في السن بيموتوا في الطريق والله»، يضيف سهمود.
ويؤكد سهمود، الذي نجا أمس الخميس من قصف مدفعي إسرائيلي استهدف باحة المستشفى، أنه لن يغادر مستشفى الشفاء، كما الكثير من النازحين الذين لا يزالون في باحات المستشفى، رغم الخطر الداهم والقنابل التي تتساقط في كل نقطة حولهم، قائلًا: «أنا والدي عمره 70 سنة، كيف أخليه يمشي للجنوب مسافة 30 كيلو؟ متخيل أنت؟».
بينما يقول أحمد الحملاوي، وهو نازح من بيت حانون شرق قطاع غزة إلى المستشفى الإندونيسي شمال القطاع، لـ«مدى مصر» إن فكرة النزوح إلى الجنوب بالنسبة له تبدو كحلم: «أنا نفسي والله، أطلع أنا وعائلتي. إمبارح كنا رح نموت في القصف، بس كيف؟ أي واحد بمشي بقتلوه والله»، مضيفًا «هدنة الساعات هي بتخوفنا أكثر ما بتخلينا نطمئن. يعني شو لما تخلص هالساعات؟ رح يزيد الضرب؟ بنحسها كأنها آخر فرصة قبل الموت، طيب إحنا مش قادرين نمشي للجنوب. يعني بكل الحالات بدهم يقتلونا. أساسًا وين الهدنة وكل دقيقة قصف؟».
يقول الطبيب بمستشفى شهداء الأقصى وسط قطاع غزة، إبراهيم مطر: «القصص المأساوية لرحلة النزوح من مدينة غزة إلى المستشفى لا تتوقف»، ويعطي مثالًا برجل مسن يبلغ من العمر 65 عامًا، وصل إلى المستشفى وقد أصيب بجلطة قلبية، بعد أن قطع مسافة عشرة كيلومترات في طريق نزوحه من حي النصر بغزة إلى مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح وسط القطاع، مشيرًا إلى أن كثيرًا من المسنين والنازحين لا يتحملون ثقل طريق النزوح ويصلون بحالة صعبة جدًا أو يتعرضون لحوادث مأساوية في الطريق ولا يصلون.
راشد رجب، من سكان شمال غزة النازحين منذ أكثر من 30 يومًا إلى الجنوب، وبالتحديد إلى وسط خان يونس، يصف أوضاع المنطقة في ظل استمرار موجات النزوح إليها، قائلًا: «شهدت الأيام الأربعة الماضية، نزوحًا كثيفًا لسكان شمال غزة إلى الجنوب، بالنسبة لي، ولأنني تمكنت من السكن لدى أقاربي منذ بداية الحرب، فأنا الآن أسكن في منزل عائلي يضم نحو 70 فردًا، أما النازحون خلال الأيام الماضية، فلا يوجد أي مكان يأويهم إلا المدارس، وبعض مقرات المجتمع المدني»، مضيفًا «التكدس كبير جدًا في المدارس، باعتبارها المأوى الرئيسي للنازحين الجدد، ووصل الأمر إلى أن يقيم الرجال في ساحات المدارس وتقيم النساء في الصفوف [الفصول]».
ويلفت رجب إلى أن كل النازحين الجدد وصلوا إلى الجنوب سيرًا على الأقدام، لأن الاحتلال يمنع تحرك السيارات، وبالتالي، فالكثير منهم اضطر للسير على الأقدام يومًا كاملًا.
ورغم تواصل القصف على الجنوب، يقول رجب إن الفارق بين شمال غزة وجنوبها الآن كالفارق بين «إنك تضل تنكوي بالجحيم أو إنك تروح تنكوي بفحمة».
تقارير ذات صلة
تأخَّر من أجل مكالمة هاتفية لم تحدث.. واشنطن تُعلن وقف إطلاق النار في لبنان
أُعلن وقف إطلاق النار، مساء أمس، دون أن يتم الاتصال بين عون ونتنياهو
ضمن محاولاتها لإفشال محادثات إسلام آباد: إسرائيل تطوق «بنت جبيل»
تحمل «بنت جبيل» أهمية رمزية واستراتيجية وتاريخية لجيش الاحتلال الذي فشل منذ 2006 في السيطرة عليها
«إذا غادرنا دمرت قرانا».. سكان قرى في جنوب لبنان بين الخيارات الصعبة
قرى تحت الحصار في جنوب لبنان
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن