تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«إذا غادرنا دمرت قرانا».. سكان قرى في جنوب لبنان بين الخيارات الصعبة

«إذا غادرنا دمرت قرانا».. سكان قرى في جنوب لبنان بين الخيارات الصعبة

كتابة: لانا حرب 9 دقيقة قراءة
خريطة تقريبية على جوجل إيرث، مبنية على ما معلوماتنا من مصادرنا. تصوير: جوجل إيرث

نزح نحو 30 ألف شخص من جنوبي لبنان في الساعات الأولى التي أعقبت إطلاق حزب الله صواريخ عبر الحدود مع إسرائيل في مطلع شهر مارس الماضي، ليُصدر الجيش الإسرائيلي بعدها أوامر إخلاء واسعة لقرى الجنوب، وتعود حرب شعر الكثيرون أنها لم تغادر أرضهم في الأساس.

كان معظم من أُجبروا على النزوح من مناطق ذات غالبية شيعية. ومنذ ذلك الحين، توغلت القوات الإسرائيلية لمسافة تصل إلى ستة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، حيث اشتبكت مع مقاتلي حزب الله الذين يسعون -حتى اللحظة- إلى صد التوغل ومنع القوات الإسرائيلية الغازية من ترسيخ مواقعها عبر محاور عدة على امتداد منحدرات الجبهة الجنوبية. ومع اتساع رقعة القتال، تعرّض الشيعة لتهجير شبه كامل من المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني، فيما تكبدت بلداتهم الحدودية أشد الأضرار.

لكن في جيوب قريبة نسبيًا من خطوط المواجهة، يرفض بعض سكان القرى العُزل المغادرة.

تقع هذه البلدات والقرى في مناطق ذات غالبية مسيحية ودرزية وسنية، إلا أنه بعد مرور شهر على اندلاع الحرب -التي أودت بحياة أكثر من 1400 شخص، وأصابت ما يزيد على أربعة آلاف آخرين- بات البقاء في هذه القرى يزداد صعوبة حتى بالنسبة لأولئك الذين لا يزالون بعيدين نسبيًا عن القتال. فالطرق محفوفة بالمخاطر، والغارات الجوية تنهال على التلال المحيطة، فيما يظل خطر الاستهداف العشوائي أو المباشر حاضرًا في كل لحظة.

تواجه بعض المناطق تهديدًا جراء اقتراب القوات الإسرائيلية المتوغلة، ولا سيما في بلدة دبل -الواقعة على مسار القوات التي تسعى إلى تطويق بلدة بنت جبيل- حيث يعلق حوالي 1600 مواطن دون إمكانية الحصول على الغذاء أو الوصول إلى آبار المياه الواقعة على أطراف البلدة في ظل اقتراب تلك القوات.

جميع من تحدثوا لـ«مدى مصر» الأسبوع الماضي، من أبناء هذه المناطق، عن حياتهم في ظلال الحرب، عبروا عن القلق ذاته: «إذا غادرنا، قد تُدمَّر قرانا بالكامل».

تدعو البلديات في مختلف هذه المناطق الحدودية السكان إلى الصمود، في حين تبذل أقصى جهدها لتأمين الاحتياجات الأساسية، من مياه وكهرباء وأدوية وغذاء، لكن هذه التحديات لا تتشابه بينها، إذ تواجه كل بلدة، بحسب موقعها، قيودًا وظروفًا مختلفة.

ـــــــــــ

في «كفرشوبا»، القرية ذات الغالبية السنية الواقعة على الحافة الجنوبية الشرقية لجنوبي لبنان، ترتفع أرضها بشكل مفاجئ حاد عند نقطة التقائها بسفوح شبعا. وتمتد التلال المدرجة إلى مرتفعات صخرية، فيما تتبدل ألوان الحقول المفتوحة مع تعاقب الفصول. ولا تزال نحو 130 عائلة متمسكة بالبقاء، بحسب ما قاله لـ«مدى مصر»، عضو مجلس بلدية «كفرشوبا»، نزيه يحيى.

تقع «كفرشوبا» في قضاء «حاصبيا» ضمن القطاع الشرقي، ولا تزال تتمتع بمسالك تُعد آمنة نسبيًا تتيح للسكان التنقل داخل البلدة أو التوجه نحو «حاصبيا»، البلدة ذات الغالبية الدرزية التي تقع على بُعد بضعة كيلومترات في عمق الجبال، والتي لم تقصدها القوات الإسرائيلية بشكل مباشر حتى الآن. وبينما يظل الوصول إلى الجهة الغربية محفوفًا بالمخاطر بسبب الاشتباكات المستمرة منذ أسابيع في بلدة الخيام، تشكّل حاصبيا موردًا رئيسيًا للسلع الأساسية والإمدادات الطبية والغذاء والمنتجات الزراعية لمنطقة العرقوب، التي تضم قرى كفرحمام وشبعا وراشيا الفخار وكفرشوبا.

ورغم أن سكان «كفرشوبا» لا يزالون قادرين على التنقل، فإن القوات الإسرائيلية تنفذ بشكل متكرر مداهمات لمنازل القرية، إذ تقتحم البيوت وتلحق أضرارًا بالممتلكات، بل وتختطف أحيانًا بعض السكان. 

ووجّه الجيش الإسرائيلي الأسبوع الماضي، تحذيرًا إلى كل من رئيس بلدية كفرشوبا ومختار بلدة الهبارية المجاورة جاء فيه: «لا تسمحوا لحزب الله أو لسرايا المقاومة اللبنانية [غير الطائفية] بالدخول إلى البلدة، وإلا سيتم تهجيركم».

ونتيجة لذلك، طالبت العديد من القرى الحدودية التي استضافت نازحين شيعة من بلدات أخرى بالمغادرة، خشية أن يؤدي وجودهم إلى استهدافها من قبل إسرائيل.

«ثمة خوف حقيقي مما يمكن أن تفعله إسرائيل بأهلنا. لكن إذا رأت أنه لا يوجد ما يشكّل تهديدًا، كوجود مجموعات مسلحة، فقد لا تصبح القرية هدفًا»، يقول يحيي.

تستمر الحياة في القرية تحت ظلال الحرب. لكن إذ فتحت المتاجر أبوابها، فإن قلة من الزبائن يقصدونها، لأن أصوات القنابل والصواريخ وطلقات الرصاص اليومية لا تترك مجالًا يُذكر للحياة الطبيعية، حتى إن كانت الهجمات غير موجهة مباشرة إلى سكانها.

كما أدت الغارات الجوية الإسرائيلية إلى حرمان أهالي «كفرشوبا» و«شبعا» -إلى حد كبير- من مصادر رزقهم، إذ يعتمد معظم السكان على الرعي والزراعة، وهما نشاطان باتا شبه مستحيلين في ظل استهداف إسرائيل لأي حركة تعتبرها مشبوهة، خاصة في أطراف القرى حيث اعتاد الرعاة جلب قطعانهم، وهي مناطق تتعرض لقصف مستمر.

لكن حتى مع تدهور الأوضاع وازديادها خطورة ورعبًا، تخشى العائلات عواقب المغادرة. «إذا سقطت القرية هذه المرة، فقد لا تعود أبدًا»، يقول يحيي.

ويتفق جورج يونس، المسؤول الإعلامي في بلدية دبل -بلدة ذات غالبية مسيحية تقع في القطاع الأوسط من جنوبي لبنان- مع يحيى في رأيه، حيث يقول لـ«مدى مصر»: «إذا غادرنا، فنحن نعلم أنها ستُمحى بالكامل»، مفسرًا بذلك سبب بقاء نحو 1600 من سكان «دبل»، رغم إحكام القوات الإسرائيلية تطويقها وفرض حصار كامل عليها.

تقع «دبل» على أرض مرتفعة تشرف على الأودية والأراضي الزراعية الممتدة نحو الحدود الإسرائيلية، فيما تمنحها تلالها المتموجة، وحوافها الصخرية المنخفضة، ومدرجاتها المزروعة، وتضاريسها الجبلية، ميزة عسكرية خاصة، بحسب يونس.

تحاول القوات الإسرائيلية حاليًا التوغل داخل الأراضي اللبنانية من عدة محاور، بينها القرى القريبة من «دبل»، مثل «بيت ليف» و«قوزح» و«رشاف»، وذلك للوصول إلى بلدة بنت جبيل ذات الأهمية الاستراتيجية، لكنها تواجه مقاومة شرسة من مقاتلي حزب الله.

في «دبل»، التي تمتد على مساحة تقارب 13 كيلومترًا مربعًا، باتت القوات الإسرائيلية تسيطر على أكثر من نصف أراضيها رغم أنها تتمركز على أطراف البلدة، وفقًا ليونس. فيما يتركز السكان الذين بقوا في البلدة بوسطها، دون أن يستطيع أحدهم الخروج من منزله.  

يقول يونس: «نبذل كل ما في وسعنا كبلدية، ونتواصل مع كل مسؤول يمكننا الوصول إليه، في محاولة لتأمين نوع من الحماية لقريتنا». والتقى مسؤولون من البلدة خارج المنطقة برئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، في بيروت، وكذلك برئيس حزب القوات اللبنانية، سمير جعجع، في كسروان، قبل أيام.

يضيف يونس أنهم يحاولون كذلك عرض قضيتهم على السفارة الأمريكية، «على أمل أن يكون لها التأثير الأكبر»، بحسب قوله.

غير أن الوقت لا يعمل لصالح سكان «دبل»، فبعد تمركزها على الأطراف لمدة أسبوعين، أقدمت القوات الإسرائيلية، الأربعاء الماضي، على تفجير 11 منزلًا، في خطوة صدمت الأهالي.

«لم نتلقّ أي تحذير أو رسالة تطلب منا الإخلاء، فلماذا يفجرون منازلنا؟ لا نفهم»، يقول يونس. 

تتقدم القوات الإسرائيلية من أطراف «دبل» للالتفاف حولها والنفاذ إلى ما بعدها، بدلًا من التوغل مباشرة نحو مركز البلدة، بحسب يونس، إلا أن هذا التحرك يفرض عددًا من القيود الحرجة. «آبار المياه تقع في الأطراف، ولا سبيل لنا للوصول إليها. نحاول التنسيق مع قوات اليونيفيل لتشغيلها لسكان البلدة»، كما لم تعد الخضروات واللحوم والدواجن متوفرة، ما يضطر السكان للاعتماد على الأغذية المحفوظة والمجففة والمساعدات، وفقًا للمسؤول الإعلامي. وكان السكان يعتمدون أيضًا على المستشفيات والمراكز الطبية في بلدة رميش القريبة، غير أن الوصول إليها بات متعذرًا الآن، فيما تقع محطات الوقود كذلك على تخوم «دبل»، ما يحرم الأهالي من تزويد سياراتهم بالوقود.

وفي ظل غياب الجيش اللبناني أو أي حضور واضح للدولة، يتزايد القلق بشأن الجهة التي يمكن أن تقدم المساعدة في حالات الطوارئ. فقد انسحب الجيش اللبناني بالكامل من البلدة في 25 مارس الماضي، رغم الجهود والنداءات المتكررة من البلدية والأهالي.

المساعدات الوحيدة التي تصل إلى البلدة تأتي عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر، التي نسقت مع الآلية الأمريكية-الفرنسية المكلفة بمراقبة وقف إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل الموقع في نوفمبر 2024، لتوفير الأدوية والغذاء. غير أن هذا الدعم يظل غير مضمون، في ظل أن الهجمات الإسرائيلية أصبحت غير متوقعة.

في ظل تلك الظروف القهرية، يضطر السكان إلى تقنين استهلاك المياه وتقاسمها فيما بينهم لتدبير احتياجاتهم الأساسية. كما تعاني البلدة من ضعف شديد في خدمات الإنترنت وشبكات الهاتف المحمول، ما يحول دون متابعة الطلاب لدروسهم عبر الإنترنت، ويجعل التواصل مع مواطني «دبل» أكثر صعوبة.

أما في «رميش» في القطاع الغربي -بلدة ذات غالبية مسيحية- فقد عمل الرئيس السابق للبلدية، ميلاد علم، على التنسيق مع البطريرك الماروني، الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، لضمان بقاء الجيش اللبناني. ومع أن الجيش اللبناني ترك مواقعه في نقاط التفتيش، لكن لا يزال نحو 50 جنديًا متمركزين بالعيادة العسكرية داخل البلدة.

يقول علم لـ«مدى مصر»: «لطالما طالبنا بسلطة الدولة وبحمايتها»، واصفًا الوضع بأنه هش. تضم «رميش» آلافًا من السكان، الذين يعتمدون على مساعدات من منظمات مثل «كاريتاس» و«فرسان مالطا» لتأمين الأدوية. وتُعد من القرى الحدودية القليلة التي لم تُخلَ من سكانها منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي في 7 أكتوبر 2023. غير أن القوات الإسرائيلية تتقدم هذه المرة نحوها ببطء من بلدة دبل الواقعة إلى شمالها الغربي.

ويضيف علم: «مطلبنا الأساسي حاليًا هو ضمان ممر آمن عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر»، تحسبًا لاضطرار السكان إلى الإخلاء أو التحرك في حالات الطوارئ. ففي 28 مارس الماضي، استهدف الجيش الإسرائيلي مركبة مدنية كانت متجهة من «رميش» إلى دبل، ما أسفر عن مقتل مدنيين هما جورج سعيد ونجله.

يرى كثيرون أن وجود جنود الجيش اللبناني يشكّل عاملًا حاسمًا في الحفاظ على معنويات السكان في ظل إصرارهم على البقاء. غير أن الجيش انسحب من مواقع عدة في المنطقة الحدودية، سواء بإعادة تموضعه داخل القرى أو بالانسحاب الكامل.

وكان مسؤول حكومي لبناني قال سابقًا لـ«مدى مصر» بأن مجلس الوزراء اجتمع، عقب إبلاغ الجانب الأمريكي للبنان ببدء إسرائيل تنفيذ توغل بري، لبحث إخلاء مواقع الجيش على خطوط المواجهة، بهدف تجنب مواجهة مباشرة بين الجيش اللبناني والقوات الإسرائيلية، «لا سيما في ظل افتقار الجيش إلى العتاد اللازم لمثل هذه المواجهة».

في القطاع الشرقي، في «كفرشوبا» و«شبعا»، انسحب الجيش اللبناني من مواقعه الحدودية، لكنه أعاد تموضعه في مناطق داخلها.

يقول خضر زهرة من «شبعا» لـ«مدى مصر» إن «وجود الجيش اللبناني يخفف بالتأكيد من شعورنا بالخوف والوحدة»، رغم إدراكه الكامل أن القوات الإسرائيلية تواصل استهداف وقتل عناصر من الجيش اللبناني وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، إضافة إلى مدنيين من مختلف الطوائف والخلفيات. ففي 30 مارس الماضي، أسفرت هجمات إسرائيلية عن مقتل ثلاثة من عناصر قوات اليونيفيل من إندونيسيا في حادثين منفصلين.

لذا يظل أهالي «شبعا» و«كفرشوبا» في حالة من الحذر والترقب، إذ يراقبون أي ظهور لمسلحين، أيًا كان انتماءاتهم، في محاولة لإبقاء قراهم خارج دائرة الحرب. يؤكد زهرة أن «كل من كان لدينا من مسلحين إما قُتل في المعارك خلال الحرب الماضية أو غادر. لم يعد لدينا أحد الآن».

ومع كل هذا، ورغم غياب مقاتلي حزب الله عن هذه القرى، وعدم استضافتها نازحين من المجتمعات الشيعية المجاورة، لكنها لا تزال عرضة للاستهداف من قبل القوات الإسرائيلية.

واجه النازحون من المجتمعات الشيعية صعوبات وتمييزًا في محاولاتهم العثور على مأوى في مناطق أخرى من لبنان، إذ يخشى السكان المحليون أن يؤدي وجودهم إلى استجلاب الهجمات. ومع ذلك، وخلال الشهر الأول من الحرب، شنّت إسرائيل ضربات عشوائية طالت عاملين في المجال الطبي، وصحفيين، وعناصر من الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، ومزارعين، ونساءً ورجالًا وأطفالًا من مختلف الطوائف والخلفيات.

ومع توسيع إسرائيل لمحاولات تقدمها -من القطاع الشرقي عبر «الخيام» و«القنطرة» و«دير سريان»، ومن القطاع الأوسط عبر «عيترون» و«قوزح» و«بيت ليف»، ومن القطاع الساحلي عبر «البياضة» و«شمع» و«الناقورة»- تواجه هذه القرى ظروفًا بالغة القسوة. ويطلق سكانها نداءات إلى الحكومة اللبنانية، لكن الجميع يصف المشهد  بغياب شبه تام لسلطة الدولة.

وإذ يجد هؤلاء السكان أنفسهم عزلًا وعرضة للخطر، يتشبثون بإيمانهم بالبقاء في أراضيهم كوسيلة للدفاع عنها، كما يؤكد علم من «رميش»: «إنهم يفضّلون الموت على مغادرة أرضهم».

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن