تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
 نورا ناجي: أدب أكثر إنسانية

 نورا ناجي: أدب أكثر إنسانية

كتابة: محمد عمر جنادي 8 دقيقة قراءة

ربما أكثر ما نفتقده في الثورة، منذ خفوت زخم أيامها أو شهورها الأولى، ليس جانبها الأكثر بروزًا كالمسيرات والاعتصامات واحتلال الميادين، وإنما ما خلقته من حوار متواصل بين أفراد الشعب وبعضهم البعض.

كل من تواجد في ميدان التحرير مثلًا، أو غيره من الميادين المصرية، بعد 25 يناير وحتى أواخر عام 2011، قضى معظم الوقت في حوارات ونقاشات، وأحيانًا جدالات حادة، مع من كان موجودًا حوله. كان الحوار المتواصل سبيل الثورة إلى «اكتشاف ذاتها» والعقبات التي تنتظرها.

نحاول في الحوارات والشهادات المضمنة في هذا الملف العودة للحدث الثوري ومساءلة إمكانية استخدامه في تحقيب الحركة الأدبية. نفعل ذلك من خلال نفس هذا الجو التحاوري الذي خُلق مع الثورة وتجاوزها. 

بعد مرور 11 عامًا على 2011، طرحنا عددًا من الأسئلة على بعض الكتاب المصريين، انطلاقًا من سؤال رئيسي شكل نقطة البدء «ماذا فعلت الثورة بالكتابة؟» 

وكذلك، استنادًا إلى تجربة بعض الأسماء المشاركة، التي كتبت عن الثورة بالفعل، أردنا معرفة التغيرات التي قد تحدث في رؤية العلاقة بين الكتابة والثورة إذا أرادت تلك الأسماء الآن أن تقدم أعمالًا أخرى عنها. ما المساحة الجديدة التي سترغب في اكتشافها والأفكار أو الموضوعات التي تود مناقشتها؟ كيف ننظر إلى الإتاحة أو حالة السيولة الحالية كما يسميها البعض؟ هل تعمل على إثراء الثقافة أم إضعافها؟ ما الجماليات أو الأنواع/الأنماط الأدبية التي ساهمت الثورة في خلقها؟ ما هي العلاقة بين ثورتي الاتصالات و25 يناير من حيث تأثيرهما على الأدب والحياة والثقافية، وإلى أي منهما يمكننا أن ننسب أو نرجع أي تغييرات أو ظواهر أدبية جديدة، إن وجدت؟ وكيف تصيغ الثورة العلاقة بين المتن والهامش وكذلك بين المركز والأطراف في الحياة الثقافية المصرية؟ أو: هل قامت الثورة بتقويض سلطة «المركز» ومعه سلطة المعيار الأدبي؟ أم أن هذا الخرق كان سمة للثقافة العالمية المعاصرة بشكل عام؟ 

جاءت الاستجابة للأسئلة متنوعة. هناك من أراد أن يجيب على الأسئلة كتابًة، وهناك من فضّل أن تأخذ مداخلته شكل الحوار الحي. وأيضًا كانت الأسئلة محرضة على كتابة «نص سردي» يتناص معها. 

لقراءة الإجابة السابقة:

أحمد عوني: رؤى مغايرة وسيولة

نورا ناجي

تُقيم نورا ناجي في مدينة طنطا بمحافظة الغربية، بعيدًا عن القاهرة، وهي في تواصل دائم ومثمر مع القراء والكتاب، إما عبر جروبات القراءة الإلكترونية أو من خلال الفعاليات الثقافية التي تشارك فيها. 

فيما سبق، كان التواجد بعيدًا عن العاصمة حائلًا دون تحقيق الكاتب النجاح المنشود أو عائقًا أمام التواصل والتفاعل مع المتلقي والوسط الأدبي، ودور النشر أيضًا. الآن، «انتهى كل ذلك» كما تؤكد الكاتبة، صاحبة «الكاتبات والوحدة»، وهو من الأعمال الأكثر رواجًا في المدة الأخيرة.

ربما توجد بعض الآراء الرافضة لفكرة الإتاحة أو حالة السيولة الحالية. لكن ناجي تقول: «أي حراك يؤدي بالضرورة إلى إثراء الثقافة. ربما لا يوافقني الكثيرون في ذلك، لكن الحقيقة أن حتى الكتابة الرائجة، أو التي تعتبر موجهة لفئة بعينها أو سن بعينه، تعمل على إثراء الثقافة. أنا أؤمن أن الإنسان يتطور، وأن فكرة قراءة كتاب في سن صغير ولو كان لكتابة رائجة تعتمد على المتعة دون النظر للأسلوب الأدبي، ستؤدي حتمًا إلى تطور ما، اتساع أفق يتبعه بحث عن أشياء أكبر. لا أعنى التطور في اختيار القراءات ولا حتى في الكتابة، أعني التطور في رؤية الحياة بشكل عام وهذا يتبعه بالضرورة تغيرات أكبر».

وتضيف: «أسعد برؤية الفتيات الصغيرات جالسات على الرصيف في معرض الكتاب يتصفحن كتابًا اشترينه. ربما تكون رواية رعب أو كتابًا رومانسيًا، لكن هذا الشغف الذي أراه يسعدني، وأقول إن هذه حركة ثقافية رغم أن المتخصصين لا يصنفوها بهذا الشكل. نفس الشيء ينطبق على فكرة النشر المتاح للجميع مثلًا. أؤمن أن الزمن يصفي في النهاية الجيد من الرديء. حركة انتخاب ثقافي تحدث بشكل طبيعي في الكتابة، في النهاية لا يتبقى سوى ما يستحق».

«لاحظ أن الحراك الكبير في الحياة الثقافية صار أوضح وأكثر لفتًا للانتباه، إن جاز لنا أن نقول ذلك بعد الثورة. قبلها، ومع بداية الألفية تحكمت بعض دور النشر القليلة في الحركة الجديدة. ظهر أدباء شباب مع دار ميريت، وتسلط الضوء أكثر على جيل التسعينيات مع دار شرقيات. لكن بعد الثورة يمكنك ملاحظة تضاعف عدد دور النشر بصورة كبيرة. النشر صار سهلًا وربما أنتج أعمالًا رديئة، لكنه 'أنتج أعمالًا' وهذا أمر مهم. هناك تنوع كبير في أنواع الكتب، حتى في طريقة التواصل بين الكاتب وقرائه».

«لاحظت أن الجيل الجديد من الكتّاب الذي أنتمي إليه بات أقرب للقارئ، الأمر الذي كانت تمانعه الأجيال السابقة. والحقيقة أنني أشعر ببعض السعادة الخبيثة عندما أرى كاتب من جيل سابق كان يعارض تمامًا التواصل عبر منصات التواصل الاجتماعي ومجموعات القراءة مثلًا على الفيسبوك، قد غيّر رأيه، وانضم للمجموعة، وصار أكثر تواصلًا مع القراء. هذه سمّة العصر وقواعده، وإنكار أهمية الاتصالات في عام 2021، أقرب لإنكار الممثل ظهور الأفلام الناطقة بدلًا من الصامتة في فيلم The Artist، علينا أن ننصاع لقواعد العصر، وأن نتفهم تغيراته لكن بشرط، ألا يؤثر هذا على أصالة الكاتب ورؤيته، وأنه يكتب من أجله فقط وليس من أجل ما ينتظره منه القراء».

تؤكد نورا على فكرة تقويض الثورة لسلطة «المركز». «بالتأكيد فعلت ذلك، وإن كان هذا الخرق بالفعل تم تزامنًا مع حركة الثقافة العالمية المعاصرة، ببساطة لأن العالم كله كان يتغيّر، سواء بثورات العالم العربي أو تغيّر الأنظمة في معظم دول العالم. الحركات لا تتوقف والتغييرات لا تتوقف. كما قلت هناك بعض الأشياء البسيطة جدًا التي لا يمكنك ملاحظتها، لكن حركتها البطيئة تشكل فارقًا كبيرًا حتى ولو بعد سنين. الثورة في مصر لم تكن مركزية، لم تكن في القاهرة فقط، كانت في كل مكان. وتبع ذلك معرفة أن سلطة المركز قد انقضت. ينطبق هذا على شيء وتحديدًا في الحياة الثقافية».

«أنت تعرف وجميعنا نعرف أن الحركة الثقافية كانت مقتصرة على مجموعة محددة، أفراد بعينهم في العاصمة، كانوا مثل دائرة مُحكمة لا تسمح بدخول آخرين إلا بشروط محددة. انتهى كل ذلك، لم نعد في حاجة لإذن دخول إلى المركز، لم يعد ثمّة مركز أصلًا. الأطراف استمدت حياة مستقلة ربما تصب في المركز لكنها قادرة على الاستمرار دونه، وأشعر أن انتهاء سلطة المركز وظهور الهوامش، كشف عن أشياء كثيرة وعن زيف كبير. الثورة وإن لم تلبِ جميع المطالب، وإن اعتبرها البعض 'نصف ثورة'، كشفت على الأقل الكثير من الزيف، أزاحت الكثير من خيوط العناكب. ربما لم تُزح طبقات الغبار كلها، لكنها على الأقل أوضحت الرؤية. أشعر أننا كنا نسير في ضباب كثيف ليلًا، انزاح الضباب. العالم لا يزال مظلمًا، لكننا قادرين على رؤية حتى ما أسفل أقدامنا، رؤية الخطوة القادمة التي تقود للتي بعدها، وهذا يكفينا في الوقت الحاضر».

تتحدث نورا عن الجماليات أو الأنواع/الأنماط الأدبية التي ربما قد ساهمت الثورة في خلقها قائلة: «في رأيي، الثورة حركت شيئًا ما لا يزال غامضًا في أعماق كل شخص شارك أو لم يشارك. الزلزلة التي خلقتها في الأرواح تؤدي إلى تغييرات كبيرة، ربما مثل تأثير الفراشة، لا يلاحظ لكنه يظهر بعد حين وبشكل ضخم أكبر من تصوراتنا. أرى أن الأدب بعد الثورة صار أكثر إنسانية، أكثر تعمقًا في الأفكار. أعتقد أن الأدباء والمفكرين يسعون لفهم ما حدث، وبهذا هم يرجعون إلى الماضي أكثر، ينظرون داخل أنفسهم أكثر، ربما يتجاوزون فترة الثورة نفسها إلى ما قبلها أو بعدها، لأن هنا يكمن السر وتُلاحظ التغييرات. ما الفرق بين اللزوجة في الزمن في إيقاع التسعينيات مثلًا، واللهاث في الألفية الجديدة والركض بإيقاع يتسارع بعد الثورة؟ هل تلاحظ مثلًا أن الزمن يمضي ببطء شديد، ولكنه سريع في نفس الوقت من بعد 2011؟ ربما تكون هذه هي أسئلتي الشخصية، لكني أسعى بكل طريقة للوصول إلى إجاباتها. لهذا ألاحظ أيضًا زيادة تواجد الكتابات الذاتية، السير الذاتية حتى لم تعد حكرًا على المبدعين الكبار. كل إنسان بات يملك قصة خاصة به وتستحق التأمل، هذا لم يحدث قبل الثورة».

وتقول إن هناك نوعًا أدبيًا لاحظت زيادته وانتشار كتاباته في مصر بعد الثورة: «أدب الديستوبيا». وتوضح: «أعتقد أن هذا نابع من فكرة: لقد رأينا السيئ، ولكن ربما يكون هناك ما هو أسوأ. كذلك فكرة الاستعداد والتأهب. نحن مصابون بجرح كبير وعميق، وأعتقد أن كتابات الديستوبيا وحتى الرعب والخيال، هي محاولات للتطهير النفسي أولًا، والهروب من الواقع ثانيًا. ألاحظ أننا جيل يود الهروب من واقعه. كتاباتنا تعبر عن ذلك».

كيف ستكتب نورا ناجي عن الثورة إن أرادت ذلك؟ «الكتابة عن حدث كبير أمر معقد جدًا. بالرغم من الزخم والامتلاء، فإن الصورة كلما كبرت كلما بَعُد المنظور. قرأت كثيرًا عن ثورة 25 يناير بسبب رغبتي المستمرة منذ عشر سنوات إلى اليوم للكتابة عنها بشكل مغاير. كل ما قرأته رغم أهميته بدا لي مسطحًا، بعيدًا عن المركز. بمعنى أن الرصد يتم بسرعة ودقة، ولكن من على السطح، باستثناء بعض الأعمال الإبداعية التي نجت من هذا الفخ بسبب اعتمادها طريقة مختلفة وفريدة للحديث عن الثورة، مثل الطريقة الهزلية أو تسليط الضوء على لحظة بعينها أو حتى الرمزية. فبقية الأعمال بدت أقرب لتسجيل تاريخي وبصري وأحيانًا سمعي لما حدث». 

تتحدث ناجي عن ما تود التركيز عليه في كتابتها للثورة: «فكرتي التي تطاردني طوال العشر سنوات هي رصد التغييرات داخل جيلي، التغييرات النفسية والشعورية بشكل أدق. الحدث الكبير لا يظهر أثره في وقتها، بالعكس يظهر ببطء ولكن بعمق. لاحظت مثلًا ميل من تورطوا بشكل أكبر من الآخرين في أحداث الثورة للعزلة والاكتئاب، وفي حين نجا البعض من الانتحار أو الموت المبكر، اتجهوا إلى التمسك بيأس بشيء آخر، البعض اتجه للنباتية، والبعض للرياضات العنيفة، البعض للمخدرات والبعض لاعتماد النقيض. أي حدث ضخم في تاريخ العالم يتحول إلى عدة أسطر في كتب التاريخ بعد سنين طويلة. يمكنك أن ترى من الآن كيف سيدرك الطلاب أحداث الثورة أو حتى أحداث جائحة كورونا. لذا من واجب الفن تخليد حقيقة ما حدث بالتركيز على الإنسان الذي عاش ويعيش خلال هذه الظروف، وهذا ما أريده وأعمل عليه».

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن