محاولة لالتقاط صورة حسن اصليح
كيف يمكن للمرء أن يحيا ويموت وهو يوثّق صورة لشيء قد يبتلعنا جميعًا
لا يمكنني القول إنني كنت أعرف حسن جيدًا. عرّفني عليه زميل في أكتوبر 2023، وتواصلت معه للحديث عن صور وفيديوهات من أجل تغطية كنت أحاول بلورتها من تصاعد العنف اليومي، لأحولها إلى قصص، إلى شيء يمكن فهمه. رد على الفور، وبسخاء، شاركني ما كان يجري، وأعطاني أرقام أشخاص رأى أنه من المفيد أن أتواصل معهم. كنت أستوضح منه ما يحدث، وكنّا نتفق بشكل مبدئي على الصيغة: المقابلات، وموقع التصوير، مع رسالة صوتية يشرح فيها المشهد. لكنني لم أكن دائمًا قادرة على المواكبة. لا يوجد لدينا في «مدى مصر» فريق إنتاج فيديو دائم، وغالبًا ما كنا أنا وزميلان أو ثلاثة فقط نحاول أن نخرج شيئًا من المواد التي يرسلها حسن، من رسائله الصوتية وفيديوهاته، ومن الـ«reels» التي نعدّها في «مدى».
لكن حسن كان شخصًا دائم العمل، بغض النظر عن إذا ما كنت طلبت منه تسجيل لقطات بعينها أم لا، كان يرسلها لي على أي حال، في البداية كمقترحات، ثم كمبادرة منه. يصوّر عدة مشاهد يوميًا من الوسطى: دير البلح، البريج، وأحيانًا خانيونس ورفح أيضًا. وحين اشتدت الهجمات الإسرائيلية على شمال القطاع، كان يرسل لنا مقاطع يصوّرها صحفيون يتعاون معهم لتوثيق مشاهد أبعد من منطقته، ويقترح أن نستعين بها في النشر.
وفي خضم كل هذا، كنّا نتحدث بين حين وآخر. سألته مرة عن حاله، فأراني المنزل الذي بنته عائلته في خانيونس، وقد سُوّي بالأرض في عام 2024. قال لي إنه كان يضمّه هو وبناته الثلاثة وابنه، العبد. لم يكن يحدّثني عن نفسه كثيرًا من تلقاء نفسه، إلا أنه كان متحمسًا ليروي لي عن البيت الذي عاشوا فيه، وعن فروع العائلة التي سكنت في طوابقه المختلفة. وتحدّث عن رغبته في إعادة بنائه.
لست أكثر الصحفيين خبرة، وغالبًا ما كنت مترددة، أطرح الأسئلة أكثر مما أُصرّ على زوايا بعينها، يغمرني حجم ما يحدث ووتيرته، ولا أعرف على ماذا أصب تركيزي.
أما هو، فكان ثابتًا متسقًا. لم يطرف له جفن وهو يوجّه عدسته نحو أبشع ما يُرتكب بحق مجتمعه. لم يتردد لحظة. قلت له أكثر من مرة إننا لا يمكننا نشر المقاطع التي صوّرها في مشارح مستشفيات خانيونس ورفح، صور صامتة لأكياس جثامين لأطفال من عائلة الفرا، لرضيع مكفّن وُضِع على الرصيف في رفح، وأصوات عدسات الكاميرات وهي تلتقط الصور. كانت لقطات ليست لنا لنتداولها، لكنه كان يصرّ على نشرها على صفحاته الشخصية، رافضًا أن يُخفي فداحة ما يجري.
كان هذا الإصرار حاضرًا أيضًا في لحظات الفرح. تحدّث بحماسة عن قدوم العيد، وصوّر الاحتفالات في الشوارع، وصخب صالونات الحلاقة قُبيل العيد، ونقل لمتابعيه لحظات دافئة لحلاقين يلبون رغبات الأطفال في قصّات شعر اختاروها، أو مشاهد من معارض الحِرَف اليدوية التي كان الناس لا يزالون يتوافدون إليها لبيع منتجات التطريز مُتقَنة الصنع.
كما صوّر بكاميرته الدرون عودة مئات الآلاف من الفلسطينيين سيرًا على شارع الرشيد الساحلي لشمال القطاع خلال الهدنة القصيرة، تلك الصور التي باتت تعيش في مخيلتي، وربما في مخيلة ملايين غيري، كعلامة فاصلة في التاريخ. اقتطعت مشاهد من تلك الفيديوهات بهدف إزالة اسمه، وأُعيد استخدامها في مقاطع مصحوبة بموسيقى ونصوص من قبل مؤثرين وإعلاميين ومنصات مثل «الجزيرة».
تحدثت معه عن التقاط بعض المشاهد قبل وقوعها. سألته إن كان سيتمكن من التصوير بكاميرا دورن من الجو في ذلك اليوم بعد إعلان وقف إطلاق النار؛ الفرحة وتنفُّس الصعداء في لحظة العودة غير المسبوقة، وتعقيد تصوير واقع عاد الناس إليه بعد 15 شهرًا من التدمير الذي محا نحو 66% من مباني غزة. «أكيد راح أصوّر»، قال لي.
رأيت جانبًا آخر من شخصية حسن إلى جانب تسليمه الكامل للحظة. حِس دعابته؛ كما في تعامله مع ما هو أمر واقع كان خفيفًا وحادًا. كان يشارك على إنستجرام مقاطع من الخيمة التي يقيم فيها في دير البلح، يشجّع مراهقًا قال لي لاحقًا إنه يتيم وكان ينام إلى جواره، على غناء أغانٍ لا أعرفها بصوتٍ مرتجف، فيما لا يكفّ حسن عن الضحك.
كان يبدد ترددي خلال محادثاتنا بإرسال «ستيكرات» لنفسه يظهر فيها في الميدان ممسكًا بالكاميرا، مرفقة بعبارة: «التواصل مستمر». وعندما كنت أشكره على لقطات طلبتها منه، وأعلّق على جودتها، أو على وضوح الصورة التي خرجت من مجموعة مقابلات، أو على مشهد واضح لدبابات إسرائيلية تتقدم وتجتمع على طول ممر فيلادلفيا عند الحدود المصرية -لقطات لم يرها أحد في العالم بعد- كان يقرّ ضمنًا بالهدية التي يقدّمها لي وللعالم، مرسلًا لي «ستيكر» واتساب لقطعة حلوى مغلّفة بورق بنفسجي.

كنا نتفق على مشروع، فيقول لي «تمام التمام»، وهي عبارة سرعان ما تسللت إلى لغتي العربية اليومية، حتى سألني أحد أصدقائي إن كنت قد التقطتها من برنامج الكارتون «ماشا والدب»، وهو ما أكده حسن لاحقًا، قائلًا إن أطفاله يشاهدونه.
انفطر قلبي على رحيله، لا لأننا كنا من أقرب الأصدقاء، ولا لأنني أتوهم أن ما جمع بيننا كان أهم ما جرى طوال الأشهر العشرين الماضية في ظل اللامبالاة السياسية شبه التامة والمروعة. قلبي مفطور لأنني وحسن تواجدنا، ولو في عالمين متوازيين، في لحظة زمنية واحدة -مختلفين، متباعدين، لكننا تقاطعنا في لحظات خاطفة ملؤها المعنى والدفء. كان يضع إعجابًا على لقطات أشاركها لقطي، ونباتاتي، وأخي، والبحر. قلبي مفطور لأنه بعد أن استُهدف وأُصيب في الغارة الجبانة التي شنّتها إسرائيل على خيمة الصحفيين في مجمع ناصر الطبي في السابع من أبريل، اختفى عن الإنترنت لأيام، وعندما تمكنت أخيرًا من التواصل معه، كان متحفظًا -وهو أمر مفهوم- ولم يقل سوى أنه بات أفضل والحمد لله، وأنه سيرسل لنا صورًا من زملائه.
توقف عن النشر على إنستجرام، وكان آخر ما شاركه في السادس أبريل، ولم نتحدث بعد ذلك سوى مرة أو مرتين.
قلبي مفطور لأنه رغم قوله إنه سعيد بأن الحرب جعلتنا نتعرف على بعضنا البعض، لم نتمكن من العمل سويًا على القصص التي قال إنه يريد روايتها لاحقًا، لأنه بعد أن غادر زميل لنا فريق «مدى»، أصبح من الصعب إنتاج محتوى فيديو للنشر، وخفتت وتيرة تواصلنا.
علمت بإصابة حسن كما علمت بوفاته من خلال صرخة جماعية أطلقها زملاؤه وأصدقاؤه ومعارفه ومتابعوه على الإنترنت.

صباح اليوم؛ استمعت لمقابلة صوتية له يتحدث فيها عن حملة التشويه التي استهدفته. كان يقول إن هذا متوقع، إنها وسيلة يستخدمها الاحتلال لطمس الصورة، لتبرير أفعاله. كنت خائفة من أن تقتل إسرائيل حسن، لكنني الآن أكثر خوفًا من الطريقة التي قُتل بها: حملة تشويه مهدت لذلك، دفعت عددًا من المنصات إلى قطع علاقتها به، تلتها محاولة اغتيال وإصابة قلّصت ظهوره العلني وجعلت من الخطر عليه مشاركة أي صورة قد تُفصح عن موقعه، وصولًا إلى الضربة المباشرة التي استهدفته في سرير علاجه داخل مستشفى ناصر -ضربة لم تكن كافية لإشعال موجة غضب أخرى على انتهاك منشأة طبية، وهو ما بات منهِكًا من تكراره، لكنها كانت كافية لتغتاله هو وشخص آخر في القسم نفسه.
أخافتني تلك الآلية الماحقة التي ترافق نهم إسرائيل للدم: الطريقة التي تُقحِم بها التعب والتشتيت والقلق بيننا، وتدفعنا أحيانًا للصمت في اللحظات التي كان يجب أن تُسمع فيها أصواتنا: سواء في تبادل الرسائل الصوتية الهادئة بين الزملاء لتمرير نكتة أو كلمة تطمئن، أو في تشارك الأفكار والخطط لفهم كيف وصلنا إلى هنا وكيف يمكننا أن نجد لأنفسنا طريقة للاستمرار؛ أو حتى في إطلاق صرخة غضب.
لم أتحدث يومًا مع حسن عما إذا كان يشعر بالخوف، رغم أنني لمست توتره في رسالة صوتية عاجلة أرسلها ذات ليلة قبل أشهر، يقول فيها إن عائلته باتت في خطر مباشر مع تقدّم قوات الاحتلال في حيّهم. تصوَّرت وجود الخوف بينما منعت نفسي في الأسابيع الأخيرة عن الإلحاح عليه بطلب المستجدات.
في المقابلة الصوتية نفسها التي تحدّث فيها عن أول محاولة اغتيال استهدفته، قال إن هذه الطريقة -الاتهامات التي طالته في النهاية- ليست سوى نسخة جديدة من شيء قديم. تحدّث عن صحفيي الاحتلال الذين دخلوا القطاع لتوثيق ما تفعله جيوشهم. قال: «اللي مكتوب إلهم مش مكتوب علينا». لم أفهم تمامًا ما قصد، فأرسلت رابط المقابلة إلى بعض الزملاء لأعرف رأيهم. قالوا لي إنهم فهموا من كلامه أن رواية السردية البصرية تُمنح لإسرائيل دونًا عن الفلسطينيين.
كان يقول لي، حتى عندما كنت أطلب منه رسائل صوتية، إنه جاهز ويمكنه ببساطة أن يصف لي «الصورة». سألته مرة إن كان يحتفظ بأرشيف لعمله، لهذا الكم الهائل من التوثيق، من شهادات الأسرى إلى حكايات التهجير. طمأنني بأنه كان يفعل. آمل أن يبقى ذلك الأرشيف شاهدًا؛ وثيقة تُجسد كيف يمكن للمرء أن يحيا ويموت وهو يوثّق صورة لشيء قد يبتلعنا جميعًا.
تقارير ذات صلة
كيف اعترفت إسرائيل بصوماليلاند دولة مستقلة؟
تعود الاتصالات بين مسؤولين إسرائيليين وآخرين من صوماليلاند إلى ما لا يقل عن أربع سنوات
«ضاق المخيم»: اللاجئون الفلسطينيون في لبنان بين الحرب والحصار
بينما يتصاعد عدوان الاحتلال يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان خطر الحرب والنزوح في بيئة معقدة
«صحاب الأرض» و«أرض محرمة».. قراءة مقارنة
كلا العملين مقدم للعالم وليس مجرد استهداف محلي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن