تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
كيف اعترفت إسرائيل بصوماليلاند دولة مستقلة؟

كيف اعترفت إسرائيل بصوماليلاند دولة مستقلة؟

كتابة: فيصل علي 21 دقيقة قراءة

في سبتمبر 2024، وخلال تجمع انتخابي لحزب «واداني» في هرجيسا عاصمة صوماليلاند، وقف المرشح الرئاسي عبد الرحمن محمد عبد الله أمام قاعة مكتظة من المؤيدين، مُقدّمًا خطابًا بدا كأي عرض انتخابي مألوف. عبد الله، المعروف محليًا باسم عرو، أسهب في الحديث عن أمن صوماليلاند واقتصادها ونظام العدالة فيها وشؤون الحكم، بينما تعالت زغاريد النساء وتردد التصفيق في فواصل خطابه.

غير أن السؤال الذي لطالما حدد معالم الحياة السياسية في صوماليلاند، وهو مسألة الاعتراف الدولي،  كان حاضرًا في خلفية خطابه، كما كان طوال حملته الانتخابية. قال للحضور: «هناك مشاكل كثيرة في صوماليلاند الآن. نحن نسعى لقيادة التغيير الذي يريده شعب صوماليلاند، وأنا مستعد للقيادة».

على مدى عقود، كان السؤال العالق حول الاعتراف الدولي لصوماليلاند هو ما يضبط إيقاع المشهد السياسي، لكن عرو، الذي وصف غياب الاعتراف بأنه «عقاب جماعي»، تعامل معه خلال حملته لا بوصفه القضية المركزية، بل كواحد من عدة ملفات ملحة. فالاقتصاد كان يمر بأزمة خانقة، كما فقدت صوماليلاند السيطرة على أجزاء واسعة من أراضيها الشرقية لصالح قوات تسعى للاندماج مجددًا مع الصومال.

عندما فاز بالرئاسة، في نوفمبر من العام نفسه، شعر مسؤولون في مقديشو بقدر من الارتياح. فقد عُدّ عرو، وهو دبلوماسي صومالي سابق، شخصية متزنة وبراجماتية. وبعد سنوات من التوتر المتصاعد في عهد سلفه موسى بيهي، اعتقد المسؤولون في مقديشو أنهم وجدوا شخصًا يمكن العمل معه، بحسب ما قالت لـ«مدى مصر»، سميرة جيد، الخبيرة الأمنية الصومالية التي قدّمت المشورة لعدد من رؤساء الوزراء السابقين.

غير أنّه خلال 12 شهرًا فقط من توليه المنصب، حقق عرو ما لم ينجح فيه أي زعيم سابق لصوماليلاند: اعترافًا دبلوماسيًا رسميًا رأى فيه فريقه خطوة نحو قبول دولي أوسع. كون أن الاعتراف جاء من إسرائيل، في إعلان نشره وزير خارجيتها، جدعون ساعر، على «إكس» بعد ظهر 26 ديسمبر، أضفى على الحدث طابعًا استثنائيًا مضاعفًا. في هرجيسا، مفاجأة الخبر كانت مدوية، أعقبها احتفال واسع. أما في مقديشو، فاستدعى الخبر عقد اجتماع طارئ للحكومة، وصف فيه الرئيس حسن شيخ محمود الخطوة بأنها «أعظم» انتهاك لسيادة البلاد.

خلال الأشهر القليلة التي تلت الإعلان، تحدث «مدى مصر» مع مسؤولين في الصومال وصوماليلاند لفهم كيف تطورت الأمور إلى هذه النقطة، وكيف تمكن رئيس خاض حملته على قضايا معيشية يومية من تحقيق أكبر اختراق في تاريخ صوماليلاند؟ ولماذا اختارت إسرائيل تلك اللحظة تحديدًا للتحرك؟.

 إنها قصة تمتد تطوراتها عبر انهيار المنظومة الأمنية في الصومال، والتحولات في الحسابات الاستراتيجية للبحر الأحمر في أعقاب الحرب على غزة، وتأثير دوائر السياسة الخارجية المحافظة في واشنطن، إضافة إلى تدهور العلاقات بين صوماليلاند والصومال، بعد أن بدا لوهلة أنها تدخل مرحلة بنّاءة أكثر.

في 12 ديسمبر 2024، أدى عرو اليمين رئيسًا لصوماليلاند. وفي خطاب التنصيب، قدّم تعهدًا لافتًا بشأن مسألة الاعتراف، قال إن صوماليلاند لن «تتسوّل» هذا الاعتراف. كانت العبارة بمثابة انتقاد مباشر لنهج أسلافه، لكنها حملت أيضًا إشارة إلى خفض التصعيد، فهو لن يجعل من الاعتراف هاجسه الوحيد، فهناك أمور أخرى يجب القيام بها.

في مقديشو، رأى المسؤولون في انتخاب عرو تحقيقًا لآمالهم بوجود شخص أكثر تساهلًا في هرجيسا يمكن التحاور معه. يقول مسؤول صومالي رفيع لـ«مدى مصر»، «كنا نريد فوزه. دعمنا ذلك. كنا على اتصال جيد معه». غير أن قراءة مقديشو لعرو باعتباره سياسيًا أكثر ليونة وأقل ميلًا إلى اتخاذ خطوات جريئة وبعيدة المدى، تبين لاحقًا أنها كانت سوء تقدير ذا تبعات كبيرة.

يعود سعي صوماليلاند لنيل الاعتراف الدولي إلى عام 1991، حين أعلنت انفصالها عن الصومال، في وقت كانت فيه بقية البلاد تنزلق إلى حرب أهلية طويلة مع انهيار مؤسسات الدولة. وخلال العقود التالية، طورت صوماليلاند هوية سياسية مستقلة، وتمتعت بقدر من السلام النسبي. وكان التباين مع الصومال -حتى وإن كان غير سارٍ عند استحضاره اليوم- عنصرًا محوريًا في خطابها الخارجي. ومع ذلك، لم تُقدم أي دولة على الاعتراف الرسمي بها، لتبقى الحكومات المتعاقبة عالقة في وضع قانوني ودبلوماسي ملتبس، رغم آمال قادتها السابقين.

رئيس صوماليلاند السابق، موسى بيهي، يصل إلى واشنطن، مارس 2022. المصدر: وزارة الخارجية والتعاون الدولي لصوماليلاند

غير أن الأسس التي مهدت لما جرى في ديسمبر 2025 وُضعت قبل ذلك بسنوات. ففي 2022، زار رئيس صوماليلاند آنذاك، موسى بيهي، واشنطن، حيث التقى مسؤولين من مختلف المستويات، وطرح قضية صوماليلاند أمام أعضاء في الكونجرس ومسؤولين في إدارة بايدن ومراكز دراسات السياسات، من بينها مؤسسة «هيريتيج». وكانت صوماليلاند سبقت ذلك بإنشاء مكتب تمثيلي لتايوان في هرجيسا، في خطوة لمّعت صورتها ككيان متماه مع الغرب ومناهض لبكين. بعد زيارة بيهي، تعهدت إدارة بايدن بدراسة إقامة علاقات دفاعية مع هرجيسا، وهو تطور ذا ثِقل وإن بقي محدودًا، عَكَس تنامي الاهتمام بإمكانات صوماليلاند الاستراتيجية عند مدخل البحر الأحمر، غير أن ذلك كان أقصى ما كان الأمريكيون مستعدين لفعله.

في المقابل، أبدت الأطراف صاحبة المواقف الأكثر تشددًا تجاه الصين في مؤسسة الحزب الجمهوري الأمريكي اهتمامًا أكبر. جاء أول مؤشر على النجاح في تجاوز ضعف الحضور الدولي لصوماليلاند حين ورد ذكرها في مشروع 2025، وهو مخطط سياسات محافظ أعدّته مؤسسة «هيريتيج»، باعتبارها ورقة تحوّطية لما وصفه المشروع بـ«تدهور موقع الولايات المتحدة في جيبوتي» نتيجة تصاعد النفوذ الصيني هناك. وفي 2025، طُرح في الكونجرس مشروع قانون يقوده جمهوريون دعا للاعتراف بصوماليلاند.

يقول مسؤول أمني صومالي سابق رفيع كان يشغل منصبًا حكوميًا حتى العام الماضي، لـ«مدى مصر» طالبًا عدم كشف هويته، «كنا نعلم أنهم يطرقون الأبواب في كل مكان»، لكنهم لم يتوقعوا أن يتجاوز الأمر حدود التعاون في مجالات محددة لا تعترض عليها الصومال بالضرورة.

أما الانخراط الإسرائيلي فسار في مسار منفصل وأكثر تكتّمًا، إذ تعود الاتصالات بين مسؤولين إسرائيليين وآخرين من صوماليلاند إلى ما لا يقل عن أربع سنوات قبل الاعتراف في 2025، وكانت في بداياتها تدور حول ترتيبات أكثر تواضعًا، كفتح مكتب تجاري أو تمثيل دبلوماسي منخفض المستوى، وفقًا لمسؤول سابق في صوماليلاند.

 كتب الصحفي الإسرائيلي إيهود يعاري، الذي كان قد استضاف وفدًا من إدارة بيهي، أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة كانت مترددة في الذهاب أبعد من ذلك.

غير أن هذا التردد لم يكن إسرائيليًا فحسب. إذ يشير المسؤول الصومالي إلى أن الرئيس المنتهية ولايته لم يكن «مستعدًا سياسيًا لأن تكون إسرائيل هي الطرف البادئ» بالاعتراف، إذ كان قلقًا، دون الإفصاح علنًا عن ذلك، من ردود الفعل، داخليًا وإقليميًا، التي قد يثيرها اعتراف كامل من جانب تل أبيب.

كان بيهي كذلك أكثر صراحة في التزاماته تجاه غزة، حيث ألقى خطابًا لاذعًا في نوفمبر 2024، خلال الحملة الانتخابية، انتقد فيه تقاعس الغرب. وقال في قاعة مكتظة في هرجيسا، «قد تكون قدرتنا على إحداث تأثير كبير محدودة، لكن التزامنا بالقضية الفلسطينية وسعيهم إلى الحرية يظل ثابتًا».

استمرت الاتصالات بين صوماليلاند وإسرائيل، لكنها افتقرت إلى الزخم اللازم لدفعها نحو نتيجة حاسمة. كان ذلك يتطلب رئيسًا آخر، ولحظة مختلفة.

يشير يعاري إلى أن وتيرة تلك المباحثات تسارعت بشكل ملحوظ فقط بعد انتخاب عرو، غير أن ما تغيّر لم يكن الإدارة فحسب، بل البيئة الإقليمية أيضًا.

بعد توليه المنصب، وجّه وزير خارجية عرو، عبد الرحمن ظاهر آدم، رسالة، في مارس 2025، إلى هيئة البث العامة الإسرائيلية، على خلفية تقارير عن احتمال تهجير فلسطينيين من غزة إلى دول ثالثة، أوضح فيها أن أولوية صوماليلاند القصوى هي نيل الاعتراف، وأن حكومته «منفتحة على مناقشة أي موضوع».

عكست هذه الخطوة النهج الجديد لإدارة عرو، التي حرصت على إظهار استعدادها للتواصل مع أي دولة يمكن أن تدفع بهذا الهدف الدبلوماسي الجوهري قدمًا، بحسب مسؤول في صوماليلاند مقرب من الرئيس.

وفي حديث لصحيفة «نويه تسوريشر تسايتونج» الألمانية، حذر عرو من أنه إذا لم يُبدِ الغرب اهتمامًا، «فستطرق الصين الباب، وكذلك روسيا».

لكن البيئة التي جعلت الاعتراف ممكنًا تأثرت أيضًا، وإلى حد كبير، بما كان يجري داخل الصومال نفسه.

خلال 2025، شهد الوضع الأمني في الصومال تدهورًا حادًا، ما بدد مكاسب تحققت بشق الأنفس على مدى سنوات، إذ شنّت حركة «الشباب»، وهي فرع من تنظيم القاعدة في شرق إفريقيا، هجومًا واسعًا بدأ في فبراير، واستعادت خلاله مساحات شاسعة في إقليمي هيران وشبيلي الوسطى، كانت الحكومة انتزعتها ضمن هجوم مضاد عام 2022 استعاد أكثر من 215 موقعًا.

وبحلول منتصف العام، كانت الحركة تقدمت إلى نقطة تبعد 50 كيلومترًا فقط عن مقديشو، بعد سيطرتها على بلدات استراتيجية في وسط البلاد، بينها مقوكوري وتاردو وبق-عقابلي. وكانت «الشباب» نفّذت محاولة اغتيال ضد الرئيس حسن شيخ محمود داخل العاصمة، في مارس من نفس العام، باستخدام عبوة ناسفة جرى تفجيرها عن بُعد. قلل الرئيس من شأن الحادث، قائلًا لـ«بي بي سي» الصومالية إنه نجا من عدة محاولات سابقة، وأن الأمر جزء من طبيعة المنصب.

من جهة أخرى، فاقم من الانهيار الأمني مشهد سياسي داخلي مشحون بالتوترات.

أدت التعديلات الدستورية التي أُقرت في 2024، والمنظمة للانتخابات، إلى غضب قادة ولايتي بونتلاند وجوبالاند شبه المستقلتين، وهما من أكثر مكونات النظام الفيدرالي تأثيرًا. وفي المقابل، سعت الحكومة الاتحادية إلى تنفيذ وعد الرئيس محمود بإجراء انتخابات تقوم على مبدأ «صوت لكل مواطن»، وهو ما اعتبرته قوى معارضة حيلة للالتفاف على نزاهة العملية الانتخابية. على إثر ذلك، أعلنت الولايتان انسحابهما من النظام الفيدرالي، وعدم اعترافهما بشرعيته. وقال رئيس بونتلاند، سعيد دني، في أبريل 2025، «إلى أن نرى حكومة صومالية تحترم الدستور ولا تخدم مصالح فئة أو أفراد بعينهم»، فإن موقف الولاية لن يتغير.

أدّت الصراعات المستمرة على السلطة بين الحكومة الاتحادية والولايات الإقليمية، التي تمتلك بدورها قوات أمنية معتبرة، إلى تقويض التنسيق وإضعاف الجهود الأوسع لمكافحة الإرهاب. ويقول المسؤول الأمني الصومالي السابق إنه حتى «مستويات التنسيق الدنيا التي كانت تفيدنا جميعًا»، والتي كانت روتينية في السابق، تعطلت. وفي هذا السياق، كانت الولايات المتحدة، التي دعمت هجوم 2022 المضاد وكانت لسنوات أحد أبرز شركاء الصومال في ساحة المعركة، تراقب التراجع بخيبة أمل متزايدة. حافظت واشنطن على قنوات تعاون منفصلة مع الولايات الفيدرالية، ونفذت، على سبيل المثال، حملة جوية مكثفة منذ مطلع 2025 دعمًا لهجوم بونتلاند ضد تنظيم «الدولة الإسلامية-الصومال»، شملت عشرات الغارات.

يقول متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية لـ«مدى مصر» إن واشنطن تواصل إعطاء الأولوية لشراكتها مع الصومال في مكافحة الإرهاب، لكنها تشعر بإحباط إزاء الفجوة بين حجم استثماراتها والـ«نتائج المحدودة للغاية» المحققة. وهو ما شكّل نذير شؤم للصومال في تعامله مع إدارة أمريكية تميل إلى منطق الصفقات وتسعى إلى تحقيق مردود ملموس من جهودها.

من جانبه، يقول لاري أندريه، السفير الأمريكي السابق لدى الصومال الذي غادر منصبه في مايو 2023، لـ«مدى مصر»، إن التعاون الأمني في عهد إدارة الرئيس الأمريكي، جو بايدن، بدا وأنه يتقدم في مسار جيد، إذ بدأت الصومال تنتزع أراضي من حركة «الشباب» بعد تولي محمود الرئاسة، في حملة ترافقت مع تنامي قلق الديمقراطيين من تهديد تنظيمي القاعدة و«الدولة الإسلامية» في إفريقيا. ورغم ذلك، يشير أندريه إلى أن إرهاق المانحين من الاختلالات السياسية المزمنة في الصومال، إذ يعتمد أكثر من ثلثي الموازنة الوطنية على التمويل الدولي، إضافة إلى الانهيار الأمني في 2025، شكّلا تحديًا كبيرًا.

ومع عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة، ورغم استمرار التعاون الأمني ظاهريًا، لتحقيق هدف إضعاف تلك الجماعات المسلحة، بدأت العلاقة السياسية في التدهور.

لم يُخفِ ترامب يومًا عداءه تجاه الصومال، وانتهجت إدارته سياسات أضرّت مباشرة بمصالح مقديشو، من بينها خفض حاد في المساعدات مطلع 2025. كما أمضى جزءًا كبيرًا من ذلك العام في مهاجمة الجالية الصومالية في الولايات المتحدة، مستخدمًا أوصافًا مسيئة للبلاد، إذ وصف الصوماليين في مناسبة بـ«القمامة»، وقال إن الصومال «أسوأ بلد على وجه الأرض».

وفي مارس 2025، ومع تثبيت أركان إدارته، أفادت صحيفة «فايننشال تايمز» بأن السياسة الأمريكية تجاه الصومال تخضع لمراجعة شاملة.

كانت الحكومة الصومالية على دراية بالطابع المعاملاتي الصِرف للإدارة الجديدة، فحاولت التكيف معه، من خلال منح ترخيص لشركة «ستارلينك» المملوكة لحليف ترامب، إيلون ماسك. وفي أبريل، دعا السفير الصومالي لدى الولايات المتحدة، ظاهر حسن عبدي، شركات الطاقة الأمريكية إلى التنقيب في منطقة في شرق صوماليلاند، لكنها منطقة متحالفة مع مقديشو.

ويخلص أندريه إلى أن إدارة ترامب «عدائية» تجاه الصومال، وأنه لا يعتقد أن الاعتبارات الأوسع المتعلقة بوحدة أراضيه كانت لتتفوق، في حسابات ترامب، على علاقة الإدارة الأمريكية مع إسرائيل.

يقول مسؤول ثان في صوماليلاند لـ«مدى مصر» إن موقف واشنطن من الصومال، بوصفه انعكاسًا لنهجها الأوسع تجاه إفريقيا، أزال فعليًا خطر أي اعتراض أو مقاومة أمريكية، وهو شرط حاسم لاعتراف إسرائيل. ويُبرز هذا تحولًا لافتًا مقارنة بالعام السابق، حين دفعت مذكرة تفاهم بين إثيوبيا وصوماليلاند واشنطن إلى الانضمام إلى عشرات الدول الرافضة للأخيرة. آنذاك، حذّر المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي، جون كيربي، من أن اتفاق الاعتراف الإثيوبي «يهدد بتقويض المعركة التي يخوضها الصوماليون والأفارقة وشركاؤهم الدوليون، بمن فيهم نحن، ضد حركة الشباب»، معتبرًا أنه سيمنح الحركة -التي طالما صوّرت إثيوبيا كقوة تحتل الصومال- أداة دعائية قوية.

وبينما تراجعت مكانة الصومال في واشنطن، كانت العلاقة بين هرجيسا ومقديشو تتفكك بهدوء هي الأخرى.

لم تكن حالة التفاؤل في مقديشو تجاه عرو بلا أساس. كان بالفعل أكثر انفتاحًا على الحوار من سلفه، ونجح مسؤولون صوماليون في بناء ما اعتقدوا أنه قناة تواصل حقيقية معه. ويقول المسؤول الصومالي الرفيع إنهم أرادوا فوزه وحافظوا على تواصل جيد معه. بل إنهم أوصوا بزيارته إلى قطر في مايو 2025، حيث كانت مقديشو تأمل أن يسهم بناء علاقة مع الدوحة -التي رسّخت نفسها كمركز لحل النزاعات الإقليمية- في كسب ثقة صوماليلاند في قطر كوسيط، ودفع مسار متعثر منذ زمن.

غير أن زيارة قطر كشفت حدود هذا الرهان. فقد كانت المرة الأولى التي يطأ فيها رئيس لصوماليلاند أراضي الدولة الخليجية، التي طالما اعتبرتها هرجيسا منحازة إلى الصومال. وعندما أصدرت الدوحة بيانًا عقب اللقاء أكدت فيه التزامها بـ«وحدة الصومال»، أثار ذلك رد فعل داخليًا غاضبًا في صوماليلاند، وأظهر عرو بمظهر الضعيف. وبالنسبة لكثيرين، بدا أن رئيسهم وقع في كمين دبلوماسي أعاد إحياء المخاوف في بعض الدوائر حول التزامه باستقلال صوماليلاند، بحسب مصدر مقرب من حكومة عرو.

وُلد عرو في هرجيسا عام 1955، لكنه أمضى سنوات نضال صوماليلاند من أجل الاستقلال خارجها، حيث عمل دبلوماسيًا في السفارة الصومالية في موسكو حتى 1996، أي بعد خمس سنوات من إعلان انفصال الإقليم عن الدولة الصومالية المتهاوية. وانتقل لاحقًا إلى فنلندا. كما نُظر إلى بعض أبناء عشيرته «هبر يونس» -وهي فرع من قبيلة إسحاق المهيمنة في صوماليلاند- على أنهم يميلون إلى إعادة الوحدة مع الصومال. أما هو، فقد تجنّب طوال جزء كبير من مسيرته تبنّي موقف متشدد من هذه القضية، ما فتح الباب لاتهامات، خصوصًا خلال وجوده في صفوف المعارضة، بأنه يعارض استقلال صوماليلاند ضمنًا. ونُظر إلى بعض المسؤولين الكبيرين حوله، بمن فيهم وزير الرئاسة خضر حسين عبدي، في نفس الضوء، بحسب المصدر المقرب من حكومته.

غير أن المصدر رفض بشكل قاطع رواية أن عرو داعم لإعادة الوحدة لكنه لا يجهر بذلك، مؤكدًا أن هذا التصور لا يعكس مواقفه الحقيقية، بل يعود إلى «هجمات سياسية» تعرّض لها خلال سنوات المعارضة.

في الواقع، فإن ما فسّرته مقديشو كقرب أيديولوجي محتمل، كان أقرب إلى انعكاس لأسلوبه السياسي. فبحكم خلفيته الدبلوماسية، اتخذ عرو نهجًا أكثر حذرًا وبراجماتية واتزانًا في التعامل مع القضايا الأكثر حساسية خلال سنواته في المعارضة، وسعى إلى تمييز نفسه عن الرئيس السابق موسى بيهي.

فعلى سبيل المثال، عارض عرو الهجوم الذي شنّه بيهي على مدينة لاس عانود شرقي البلاد، وهو هجوم خلّف تداعيات كارثية، إذ انتهى بسيطرة قوات محلية موالية للحكومة الصومالية على المدينة، ما أدى إلى خسارة مساحة كبيرة من الأراضي. كما أبدى تحفظات على مذكرة التفاهم مع إثيوبيا بشأن الاعتراف، منتقدًا السرية التي أحاطت بمضمونها، واتخذ موقفًا أكثر حذرًا تجاه العلاقات مع تايوان خشية إغضاب الصين.

غير أن مقديشو، التي رأت فيه ما تتمنى أن تراه، اعتقدت أنها عثرت على رجلها المنشود. يقول مصدر مقرب من حزب «واداني» الحاكم، الذي أسسه عرو مطلع العقد الماضي، إن المسؤولين الصوماليين خلطوا بين سمعته كسياسي معتدل داخل المشهد المحلي، وبين وجود غموض في موقفه من مسألة إعادة الوحدة. «لم يتصدَّ لهذا الانطباع، فاستهانوا به»، على حد تعبير المصدر المقرب من الحكومة.

في الأثناء، كانت التوترات بين هرجيسا ومقديشو تتصاعد، مدفوعة جزئيًا بإجراءات اتخذتها الحكومة الاتحادية الصومالية ألزمت رجال الأعمال والمسافرين في صوماليلاند بالتعامل عبر مؤسساتها، بما في ذلك نظام تأشيرات إلكترونية تسرّبت منه بيانات خاصة. وأعادت هذه التدابير البيروقراطية فرض سلطة مقديشو، ما أثار استياء في هرجيسا التي اعتادت لسنوات وضعًا خاصًا وتدخلًا محدودًا من الحكومة الاتحادية.

ويشير مصدر ثان مقرب من حكومة عرو إلى أن النخب في صوماليلاند رأت في هذه الخطوات «استفزازية» و«تصعيدية»، خصوصًا أن الحكومات الصومالية درجت على منح الإقليم استثناءات معينة نظرًا لحساسية وضعه.

ويضيف المسؤول الثاني في صوماليلاند أن هذه الإجراءات، بينما لم تكن السبب المباشر في قرار السعي نحو الاعتراف الخارجي، إذ إن العملية كانت تسير وفق منطقها الداخلي وكانت قد بدأت بالفعل، إلا أنها أسهمت في تسريعها، إذ عززت الشعور بالإلحاح لدى فريق عرو، وعزز الإرادة السياسية لدى النخب في صوماليلاند للدفع بها. وهكذا، فإن محاولة مقديشو تشديد قبضتها عجّلت بالنتيجة التي كانت تسعى إلى تفاديها.

في مايو 2025، قال عرو في اجتماع لمجلس وزرائه إنه وجّه رسائل إلى أكثر من 190 رئيس دولة، عارضًا إتاحة وصول استراتيجية وشراكات تعاون مقابل الاعتراف.

الغالبية لم ترد. وبعض الدول، مثل الدنمارك، اكتفت بالرد دون إبداء استعداد لتطوير العلاقات، بحسب المسؤول الثاني في صوماليلاند. وفي يناير الماضي، كشف عرو خلال اجتماع للحكومة أن «إسرائيل وحدها استجابت لرغبة شعبي [في الاعتراف]... ونقدم الشكر على ذلك»، متابعًا، «أما الدول العربية، فما زلنا ننتظر ردها».

أما سبب تقبل إسرائيل لما أحجمت عنه دول أخرى، فكان يتبلور منذ فترة.

خلال الحرب على غزة، تبادلت إسرائيل الضربات مع الحوثيين، الذين أطلقوا صواريخ ومُسيّرات من شمال اليمن، واستهدفوا سفنًا مرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر. ولم تكن إسرائيل تعرضت سابقًا لهجمات من اليمن قبل حرب غزة. وعلى الرغم من أن الضربات الإسرائيلية ضد الحوثيين كانت واسعة، وشملت استهداف قيادات في الجماعة، فإن مسؤولين إسرائيليين -لم تُكشف هوياتهم- صرّحوا لصحيفة «جيروزاليم بوست» بأن الحوثيين لم يُردعوا. وبين حلفاء إيران في المنطقة، بدت الجماعة الأكثر جرأة، والأصعب منالًا في الوقت نفسه، إذ تتطلب كل ضربة مسافة طيران تقارب ألفي كيلومتر.

هذا الإخفاق دفع إلى دعوات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لإعادة نظر جذرية، من بينها ما صدر عن مركز «دادو» للدراسات العسكرية متعددة التخصصات التابع للجيش، الذي أشار إلى تحولات كبيرة في «خصائص البيئة الأمنية لإسرائيل». كما لفت تقييم صدر في نوفمبر 2025 عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي إلى أن أراضي صوماليلاند يمكن أن تشكّل قاعدة متقدمة لمراقبة الحوثيين استخباراتيًا، ومنصة لعمليات مباشرة. وتبرز من بينها مدينة بربرة الساحلية، الواقعة على خليج عدن، على بُعد نحو 500 كيلومتر من مناطق سيطرة الحوثيين في اليمن، وعلى واحد من أكثر ممرات الشحن ازدحامًا في العالم، وزار وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر المدينة لاحقًا خلال زيارته لصوماليلاند في يناير الماضي.

خلال تلك الزيارة، قال ساعر لصحفي إسرائيلي إن بلاده تسعى إلى الانتقال من مجرد الاستجابة للتهديدات الأمنية في محيطها إلى تشكيلها استراتيجيًا، في ما وصفه بنهج جديد: «إنه نوع من الانتقال من الاحتواء إلى التعامل الاستباقي مع المخاطر»، على حد تعبيره لصحيفة «إسرائيل هيوم».

وفي هذا السياق، كان الاعتراف بصوماليلاند واستخدامها كنقطة انطلاق لجمع المعلومات الاستخباراتية وربما لعمليات عسكرية أحد الخيارات المطروحة ضمن هذا النهج المحدّث، بما قد يضع إسرائيل على مسافة مباشرة من أحد أشرس خصومها الإقليميين.

أما عرو، فبدأ ينظر إلى مشكلة إسرائيل مع الحوثيين باعتبارها فرصة لا عبئًا. ففي فترة المعارضة، كان قد حذّر من أي انخراط عسكري في اليمن، لكن حساباته تغيّرت بعد توليه الحكم.

يقول المسؤول الثاني من صوماليلاند إن أول محادثات رسمية بين تل أبيب وهرجيسا جرت في أديس أبابا في أبريل 2025، حيث عرض الوفد الصوماليلاندي، خلال اجتماع في أحد فنادق العاصمة الإثيوبية، مبررات بناء علاقات بين الطرفين. وقاد محمد حاجي، الدبلوماسي من صوماليلاند والسفير الحالي لدى إسرائيل، جهود بناء هذه العلاقات من جانب هرجيسا، بحسب المصدر.

تلت ذلك جولات أخرى في هرجيسا ودبي وإسرائيل، وفقًا للمصدر، الذي وصف الاجتماعات الأولى بالاستطلاعية، حيث قيّم الطرفان ما يمكن أن يقدّماه لبعضهما، وبنيا قدرًا من الثقة اللازمة للمضي قدمًا. وفي أكتوبر الماضي، زار عرو تل أبيب، حيث عقد لقاءً مباشرًا مع ساعر ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ونشر ساعر لاحقًا صورة من الاجتماع على «إنستجرام».

منذ البداية، استند موقف صوماليلاند التفاوضي إلى مبدأ اعتبره مسؤولوها غير قابل للتنازل، وفقًا للمسؤولين من صوماليلاند: أن يكون الاعتراف منفصلًا هيكليًا عن أي ترتيبات أخرى قد يتفق عليها الطرفان في مجالي الأمن أو التعاون الاقتصادي

يقول المسؤول الأول المقرب من عرو إن درس مذكرة التفاهم مع إثيوبيا -التي انهارت تحت وطأة ردود الفعل الدبلوماسية الإقليمية، تاركة صوماليلاند بلا مكاسب- قد استُوعب جيدًا. فلو بادرت إسرائيل بالاعتراف أولًا، فإن البلدين سيدخلان لاحقًا في مفاوضات بوصفهما دولتين ذواتي سيادة متساويتين. أما إذا جرى ربط الاعتراف باتفاق أشمل، فسيظل عرضة للتراجع في أي لحظة تتعرض فيها إسرائيل لضغوط، كما حدث مع التعهد الإثيوبي.

كان من المقرر أصلًا إعلان الاعتراف خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي،  لكن صوماليلاند تراجعت. فالمفاوضات بشأن وقف إطلاق النار في غزة كانت لا تزال جارية، وكان المسؤولون في هرجيسا حريصين على تجنب ربط الإعلان بهذا المسار، وفقًا للمسؤول الثاني من صوماليلاند، وهو مطلع على العملية.

في الأثناء، كان عرو يمهّد الأرض داخليًا. فمن دون تسمية إسرائيل صراحة، انخرط خلال الأشهر السابقة للإعلان في حوارات مع منظمات المجتمع المدني وشيوخ العشائر والقيادات الدينية في هرجيسا، داعيًا إياهم للاستعداد لاحتمال الاعتراف وما قد يرافقه من ردود أفعال. وفي الوقت نفسه، انتشرت ملصقات في أنحاء العاصمة تبشر باعتراف وشيك، فيما كان عرو يؤكد في خطاباته أن ذلك سيتحقق خلال ولايته.

وقال في لقاء مع شيوخ قبليين في بربرة أواخر أغسطس الماضي: «على مدى أكثر من 30 عامًا، ناضلت صوماليلاند من أجل نيل الاعتراف. لقد تحقق الكثير، لكنني أريد أن أقول لشعب صوماليلاند إنني سأكون من يُتم هذه المهمة».

وفي واشنطن، كانت حملة الضغط المؤيدة للاعتراف تجد لنفسها موطئ قدم. فقد وجّه السيناتور الجمهوري تيد كروز رسالة إلى ترامب في أغسطس الماضي،  حثّه فيها على الاعتراف الرسمي بصوماليلاند. ولخّصت رسالته تلاقي المصالح الذي كان يتشكل منذ سنوات داخل دوائر السياسة الخارجية المحافظة: تايوان، والشكوك تجاه الصين، وأمن البحر الأحمر، وإسرائيل واتفاقات أبراهام -كل ذلك جمعه في وثيقة واحدة.

حذّر كروز من أن الحزب الشيوعي الصيني يستخدم أدوات اقتصادية ودبلوماسية لمعاقبة صوماليلاند بسبب دعمها لتايوان، مشيرًا إلى أن مقديشو، بإيعاز من بكين، فرضت حظرًا في أبريل الماضي على دخول أو عبور حاملي جوازات السفر التايوانية من الصومال أو صوماليلاند. ودعا ترامب إلى منح صوماليلاند صفة دولة كاملة.

بعد ذلك بقليل، قال ترامب إنه «ينظر في» مسألة صوماليلاند، دون الخوض في التفاصيل. يقول المسؤول الأول من صوماليلاند لـ«مدى مصر» أن هرجيسا كانت على علم بمناسبتين على الأقل ناقش فيهما نتنياهو وترامب القضية.

وفي سبتمبر الماضي، أعلن سلطان أحمد بن سليم، الرئيس التنفيذي السابق لشركة «موانئ أبوظبي»، التي تدير ميناء بربرة بموجب امتياز يمتد 30 عامًا، دعمه للاعتراف بجوار عرو خلال فعالية منتدى الحوار الإفريقي في دبي.

كانت أحدث دفعات ملفات جيفري إبستين التي أفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية، كشفت عن رسالة من بن سليم يعود تاريخها إلى منتصف 2018، بعد فترة وجيزة من حصول «موانئ أبوظبي» على الامتياز، شارك فيها معلومات حول جهود صوماليلاند لنيل الاعتراف الدولي، ما يشير إلى أنه كان يدفع بهذا الملف منذ سنوات داخل دوائر النخبة. ويقول مسؤول صوماليلاند الثاني لـ«مدى مصر» إن الإمارات لعبت دورًا في تسهيل قنوات التواصل بين مسؤولي تل أبيب وهرجيسا.

غير أن دور الإمارات كان محدودًا. فبحسب المسؤول الثاني، لم تكن أبوظبي على علم بكامل نطاق العملية إلا في مرحلة متأخرة نسبيًا، ولم تكن تتوقع أن تمضي إسرائيل فعليًا في خطوة الاعتراف. وعندما تبين أن ذلك بات وشيكًا، أبلغتها صوماليلاند بالأمر. 

ويضيف المسؤول الأول أن الإمارات أبدت بدورها رغبة في الاعتراف، لكنها تراجعت في النهاية، وانضمت إلى الدول العربية في تأكيد دعمها لوحدة الصومال.

ما أزال العقبة الأخيرة كان إشارة من واشنطن بأنها لن تعترض، وفقًا للمسؤول ذاته. أبلغ مسؤولون إسرائيليون نظراءهم في هرجيسا أنهم يعتزمون إخطار الولايات المتحدة بقرارهم، في وقت جعلت فيه العلاقات المتوترة بين واشنطن ومقديشو أي اعتراض أمريكي مستبعدًا، خصوصًا مع تصاعد الاستياء الأمريكي إلى العلن.

وفي واحدة من أشد الانتقادات حدة، قال السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة جيف بارتوس أمام مجلس الأمن في ديسمبر الماضي، خلال مناقشة بعثة حفظ السلام التابعة للاتحاد الإفريقي في الصومال، إن واشنطن ستوقف دعمها المالي للقطاع الأمني الصومالي بسبب ما وصفه بالتقدم «المراوغ». وأضاف أن العبء سيقع على عاتق «الأطراف الأكثر مصلحة»، لا الولايات المتحدة.

وبعد يومين، أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، في منشور على «إكس»، أن «حوارًا واسعًا ومستمرًا» كان جرى بين إسرائيل وصوماليلاند، وأن بلاده قررت الاعتراف بها. وقال، «سنعمل معًا على تعزيز العلاقات بين بلدينا وشعبينا، ودعم الاستقرار الإقليمي والازدهار الاقتصادي».

من جهتها، أفادت وزارة الخارجية الأمريكية لـ«الجزيرة» بأن الولايات المتحدة لم تلعب «أي دور» في القرار الإسرائيلي، قبل أن تؤكد لاحقًا أنها لن تحذو حذوه، مع تأكيدها على حق إسرائيل في إقامة علاقات مع أي دولة تختارها.

في هرجيسا، مثّل الإعلان تتويجًا لمسار أُدير بسرية لافتة، إذ أشاد ساعر لاحقًا بالفريقين لنجاحهما في تجنب أي تسريبات إعلامية. وقال عقب الإعلان النهائي في ديسمبر الماضي: «استغرق الأمر نحو تسعة أشهر للوصول إلى لحظة توقيع الاعتراف المتبادل، لكن يمكنني القول إن المباحثات كانت واسعة وجدية للغاية».

منذ ديسمبر الماضي، تتطور العلاقات بين صوماليلاند وإسرائيل باطراد، وفق المسار الذي رسمه الطرفان مُسبقًا، وعيّن كل منهما مؤخرًا مبعوثين دبلوماسيين.

تسعى صوماليلاند إلى جذب الاستثمارات والحصول على تدريب تقني، إضافة إلى توسيع حضورها في المنابر التي تتيح لها عرض قضيتها بشكل أكثر فاعلية أمام صناع القرار في العواصم الغربية، وهي محور تركيزها الأساسي في تحركها الخارجي.

رئيس صوماليلاند عبد الرحمن محمد عبد الله، المعروف باسم عرو، ووزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، في هرجيسا، 6 يناير. المصدر: شبكة «الصومال اليوم» للإعلام

في المقابل، تدرس شركات إسرائيلية فرص الاستثمار في صوماليلاند، وزار وفد من وزارة المياه في هرجيسا تل أبيب لتلقي تدريب في إدارة الموارد المائية. كما أفادت صحيفة «لوموند» بأن عناصر من جهاز الاستخبارات في صوماليلاند سافروا إلى إسرائيل للتدريب، كما زارها مسؤولون عسكريون إسرائيليون.

ومع ذلك، يثير ما قد تجنيه إسرائيل من هذه العلاقة تساؤلات لدى المراقبين. محمد حاجي، مبعوث صوماليلاند إلى إسرائيل، قال لقناة «إم إم صومالي تي في» إنه لا توجد صفقة تضمنت تبادلًا لشيء مع إسرائيل. كما أكد الرئيس عرو أن الاعتراف لم يكن موجّهًا ضد أي دولة. غير أن شخصيات معارضة في صوماليلاند، والحكومة الصومالية، وبعض القيادات الدينية، أعربوا عن قلقهم من احتمال سعي إسرائيل إلى إنشاء قاعدة لعملياتها في اليمن.

وفي هذا السياق، قال مسؤول من صوماليلاند لوكالة «فرانس برس» إن مباني جديدة ومنشأة لقاعدة جوية أُنجزت مؤخرًا في بربرة من قبل الإمارات. وأكد تحليل للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية وجود أعمال بناء عسكرية واسعة في مطار بربرة، تشمل حظائر للطائرات ومرافق لتخزين الأسلحة، وما يبدو أنها مواقع  للدفاع الجوي، مشيرًا إلى إمكانية استخدام هذه المنشآت من قبل إسرائيل أو الولايات المتحدة.

وعلى الرغم من أن حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران تبدو في طور التهدئة عبر مفاوضات بوساطة باكستانية، فإن مصادر حكومية صومالية أعربت عن مخاوف من أن تجد صوماليلاند نفسها مُنجرّة، في مرحلة ما، في صراعات إسرائيل الإقليمية. وكان الحوثيون هددوا صراحة باستهداف أي وجود إسرائيلي في صوماليلاند، واصفين إياه بأنه «عدائي».

يقول المصدر الصومالي الرفيع لـ«مدى مصر» إنه يخشى أن يؤدي تعمّق الحضور الإسرائيلي في صوماليلاند إلى تعزيز سرديات قد تمنح الجماعات المسلحة التي تحاربها جرأة إضافية، وأن أي مكاسب قد تحققها إسرائيل من هذا الترتيب ستكون على حساب منطقة القرن الإفريقي.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).