«صحاب الأرض» و«أرض محرمة».. قراءة مقارنة
«في الفن، كما في الحياة، يجب أن يكون كل شيء بسيطًا وصادقًا. لا تصف ما لم تره أو تعشه، إذا وصفتَ مرضًا، فيجب أن تكون عارفًا به». جزء من رسالة أنطوان بافلوفيتش تشيخوف لأخيه ألكسندر بتاريخ 10 مايو 1886.
دائمًا هناك تساؤل داخلي عن قدرة الفنان على صناعة عمل فني عن حدث لم يعشه بعيدًا عن أعمال الفانتازيا والخيال العلمي التي لا أميل إلى تذوقها ولكن بها مساحة كبيرة للخيال، بينما الأعمال التاريخية أو الحربية التي أميل بشدة لتذوقها يزداد فيها التساؤل عن كيفية تجسيدها رغم كل الدراسات والأبحاث والتكنولوجيا التي قد تساعد في رسم صورة مقربة للواقع، كيف يعبر الفنان الذي لم يختبر التاريخ أو الحرب، عن مشاعر من مروا بالتجربة وهو لم يمر بها.
وسط هذه التساؤلات وقبل رمضان 2026 بقليل، كنت أشاهد مسلسلًا اسمه «أرض محرمة» على منصة «أو آس أن بلس» الإماراتية، مسلسل عن الحرب بين «داعش» والأكراد في سوريا ما بين عامي 2014 و2015، ثم مع بداية رمضان لم أتحمس لمشاهدة أي مسلسل رمضاني، لكن أغنية تتر المقدمة لمسلسل «صحاب الأرض» من غناء ناي برغوثي وأمير عيد وموسيقى أمين بو حافة كانت طرف السنارة الذي جذبني للمسلسل وشاهدته على منصة «واتش إت» المصرية، والمسلسل عن فلسطين ما بعد 7 أكتوبر 2023.
المسلسلان بينهما الكثير من مناطق التشابه مثل أن «صحاب الأرض» مسلسل قصير 15 حلقة، و«أرض محرمة» مسلسل 16 حلقة على جزأين، والعملان يدوران في أجواء نكبة وحروب داخل منطقة الشرق الأوسط. ودراميًا يدور المسلسلان من وجهة نظر شخص غريب، أتى من بيئة آمنة تمامًا، ليجد نفسه متورطًا وسط الخراب والحرب.
في حالة «صحاب الأرض» كانت الدكتورة سلمى المصرية الآتية من القاهرة «الآمنة» لتجد نفسها وسط خراب غزة بغرض مساعدة أهل غزة لأنها لا تستطيع أن تقف مكتوفة الأيدي، خاصة بعد موت ابنها بسبب عملية جراحية ترددت أن تجريها له بنفسها، وفي الجزء الأول من «أرض محرمة» المواطن الفرنسي «أنطوان» الذي ترك باريس للبحث عن أخته التي يشك أنها انضمت للوحدات النسائية الكردية، ويجد نفسه وسط معسكرات الأكراد المسلحة في شمال سوريا يحمل سلاحًا ويقاتل، وفي الجزء الثاني «إيلي» امرأة أمريكية تترك تكساس وتذهب إلى العراق لملاقاة حبيبها السابق القيادي في «داعش» وينتهي بها الأمر منتقبة في إمارة الرقة عاصمة داعش وقتها.
رسالة تشيخوف لأخيه ألكسندر، التي تعتبر دستور كتابة القصة القصيرة الحديثة، وأرسى فيها 6 قواعد /نصائح للكتابة، التي مجازًا يمكن تطبيقها بشكل عام على أي نوع من فنون الحكي الدرامي، سوف تكون هي مقياس القراءة المقارنة بين المسلسلين.
1- عدم استخدام الأفعال الطويلة ذات الطبيعة السياسية
المسلسلان بعيدان تمامًا عن هذه القاعدة لأنهما مسلسلان بخلفيات سياسية واضحة، «صحاب الأرض» من إنتاج شركة المتحدة الـ«مخلصة» للنظام المصري، ويظهر ذلك في إنتاجاتها الدرامية ومنها «الاختيار 3» الذي جُسِّد فيه رئيس جمهورية مصر لأول مرة في الدراما المصرية وهو على قيد الحياة. يقول إياد نصار بطل المسلسل في مداخلة على قناة الجزيرة «المسلسل رواية مصر عن غزة وجزء من ما تقدمه مصر للقضية الفلسطينية». يقولها نصار الممثل الأردني من أصل فلسطيني كرسالة امتنان لمصر التي استخدمت قوتها الناعمة لتعبر عن وجهة نظرها. وجهة نظر مصر هذه المرة -على عكس إنتاجات المتحدة السابقة- تشترك فيها الدولة بشقيها قيادة وشعب، لأول مرة أشاهد أشد المعارضين للنظام المصري يثني على قرارات الدولة المصرية مثل قرار رفض تهجير أهل غزة لرفح. وبعيدًا عن التخمينات هناك لوجو «إدارة الشؤون المعنوية» الذي تم إضافته لتتر المسلسل بداية من الحلقة الخامسة يوضح تمامًا أن هذا المسلسل هو رؤية النظام المصري السياسية لما حدث في غزة بعد 7 أكتوبر 2023.
«أرض محرمة» أو «نو مانز لاند» من إنتاج ثلاث شركات إنتاج لم أسمع بهم من قبل، لكن بالشراكة مع «أرتي فرنسا»، اعتقدت أنه مسلسل فرنسي يقدم رؤية أوروبية عن الحرب السورية، لكن عند قرار الكتابة عن المسلسل وبداية البحث عن شركات الإنتاج كانت الأولى «هوت آي تكور» وهي شركة فرنسية مقرها باريس ومن إنتاجاتها فيلم «فلسطين 36»، ثم شركة «ماشا برودكشنز» مقرها نيويورك، لكن صاحبتها ماريا فيلدمان خريجة جامعة تل أبيب، وهنا بدأ الشك يتسلل إلى قلبي حتى تمكن منه بعد معرفة جنسية الشركة الثالثة «سبرو فيلمز» الإسرائيلية ومقرها تل أبيب، ثم تحول الشك إلى يقين عند معرفة أن صناع المسلسل من كتاب ومخرجين هم بالكامل إسرائيليون، وأدركت أننا أمام رواية سياسية بمنظور إسرائيلي مغلف بغطاء أوروبي أمريكي عن الحرب السورية.
2- الحيادية التامة

من الصعب الالتزام بالحيادية عندما تتناول الحروب دراميًا خاصة لو كانت الحروب حديثة لم يفرض فيها المنتصر روايته! التزم مسلسل «صحاب الأرض» بالحيادية في موقفه من «حماس» أو المقاومة الفلسطينية، فكان طرفا الصراع المدنيين الفلسطينيين العزل أمام جبروت الجيش الإسرائيلي بمعداته الثقيلة، أجواء ما بعد الكارثة تخيم على المسلسل، وقد أتقن المخرج بيتر ميمي رصدها ببراعة لتحاكي ما كنا نراه على شاشات القنوات الإخبارية وقتها، لم يلتزم المخرج بالحيادية في أثناء أو بعد تنفيذ المسلسل خاصة عندما اتهمت متحدثة جيش الدفاع، إيلا واويه، المسلسل بتزييف الحقائق، وكان رد ميمي «أنا دخت عشان اجيب ممثلة شبهك». هذه الممثلة هي روان الغابة، ممثلة مصرية تعيش في الولايات المتحدة وقد حذفت بعض الحسابات الإسرائيلية صفحة ويكيبيديا الخاصة بها. إذًا «صحاب الأرض» هو مسلسل ينتصر للقضية الفلسطينية بكل العاطفة والمشاعر التي لا تحتمل أي نوع من الحيادية.
«أرض محرمة» هو الآخر لا يلتزم بالحيادية، لكنه لا يصرح بذلك، يدس السم في العسل ويترك لك الحكم، أنت أمام معسكرين مسلحين كلاهما يقتل بلا رحمة، لكن الأول «داعش»، بزيهم الأسود وذقونهم الشعثة، والآخر فتيات الأكراد الجميلات ذوات الزي العسكري بإيشاربات ملونة على الطريقة الكردية، وإمعانًا في الحياد الكاذب كان الوجود الإسرائيلي متمثلًا في عضو الموساد الذي لا نعرف اسمه الحقيقي ويجند الأفراد بالتلاعب واستغلال ظروفهم الشخصية للحفاظ على مصالح إسرائيل في الحرب، على عكس الوجود المصري المسالم في «صحاب الأرض» متمثل في سلمى (منة شلبي) طبيبة الهلال الأحمر المصري. يسرد «أرض محرمة» وجهات نظر كل الأطراف بدراسة جيدة لمعتقدات كل فريق، لكن يدفعك دراميًا للتعاطف مع المجندات الأكراد على حساب إرهاب داعش «المبرر» دراميًا في المسلسل. وفي النهاية وبصرف النظر عن كيفية السرد غابت الحيادية، فعندما كان الجيش الإسرائيلي هو جانب الشر في «صحاب الأرض» كان «داعش» كذلك في «أرض محرمة».
3- الوصف الصادق للأشخاص والأشياء

الاختيار المصري للسرد في «صحاب الأرض» من خلال الضحايا المدنيين كان أكثر صدقًا من اختيار السرد التشويقي في «أرض محرمة» الذي اعتمد على الأحداث السريعة وأجواء المخابرات الغامضة مع بعض الأكشن، وهو ما جعله مسليًا أكثر من «صحاب الأرض» الذي اختار التركيز على حجم المأساة بشكل عاطفي، وكوني مواطنًا مصريًا عاطفيًا فقد تأثرت وبشدة ببعض مشاهد مثل حفل الزفاف وسط الخراب، أو مقتل شخصية رئيسية دون ضجيج، كأنه حدث عادي عابر، وبالتمثيل المذهل لإياد نصار في دور الرجل الغزاوي ضيق الخلق كما عهدنا أصدقاءنا الغزاويين، وبمنة شلبي المرأة المصرية الحزينة المكلومة، وبروان الغابة، التي بحكم معرفتي السابقة بها كطالبة في معهد الفنون المسرحية بالجيزة لم أكن أتصور أن تكون مصرية من الأساس، وبكامل الباشا العجوز الفلسطيني، الذي يعاني من الزهايمر ونسي كل شيء ما عدا شوارع غزة وكرهه لإسرائيل.
كل عناصر العمل تمت بشكل صادق بعيدًا عن الأصوات السياسية المعلبة، كل صناع المسلسل سواء أمام أو وراء الكاميرا متورطون عاطفيًا في الحدث، على عكس «أرض محرمة» الذي انتهج الضغط عليك من خلال الدراما التشويقية. أتذكر في إحدى الحلقات وفي محاولة لتحرير معسكر «سبايا» داخل «داعش» وكان الجميع على وشك الانهيار والفشل، حتى جاء دعم الطيران الأمريكي ليحل المسألة ويحرر النساء من سجنهن في المعسكر الداعشي، أتذكر كيف شعرت بالراحة عندما بدأ القصف الأمريكي مع أني مدرك تمامًا أنه قصف أمريكي لدولة عربية، فقلت بيني وبين نفسي «يا ولاد الحرام!».
4- الإيجاز الأقصى
كلا العملين مقدم للعالم وليس مجرد استهداف محلي، فكانت المعايير العالمية في أولويات الصناع، ويظهر ذلك التركيز في صدور مسلسل «صحاب الأرض» مترجمًا للإنجليزية، وكذلك ظهور عنوان «أرض محرمة» في بداية كل الحلقات بالعربية والإنجليزية والكردية. كلا الإنتاجين ضخم ومصنوع بجودة عالية والأهم من ذلك هو الإيجاز، لم يعد العالم حاليًا المستهلك للريلز يستطيع أن يتحمل مطولات وشعارات سياسية فارغة، يجب أن تقدم له الوجبة مكثفة، فجاء العملان في فورمات المسلسلات القصيرة، وهي الفورمات الأكثر رواجًا عالميًا في الوقت الحالي، الحلقات قصيرة متوسط 35 أو 40 دقيقة.
بالتأكيد «أرض محرمة» أكثر حرية تحديدًا على الجانب الجنسي، فتجسيد الجنس وقت الحرب جاء مفصلًا بكل ما يحمله من توتر وشبق، على عكس ما جاء على استحياء في مشهدين في «صحاب الأرض» عندما تخبر دكتورة زميلة سلمى أنها حامل، وتسألها سلمى «عملتيها إمتى وإزاي!»، ومشهد الزفاف الفلسطيني وكلا المشهدين يعزز فكرة حرص الفلسطينيين على التكاثر وسط الدمار للحفاظ على الأرض، لكن رغم ذلك نحن أمام منتج مصري خالص، استطاع أن يستوفي المعايير المحققة في مسلسل وقفت وراءه إنتاجيًا أربع دول: فرنسا، أمريكا، بلجيكا، وبالطبع إسرائيل، في حالة اعتبارها دولة!
5- تلاشى النمطية

كلا العملين وقع في فخ التنميط خاصة في رسم صورة الشرير، في حالة «أرض محرمة» الداعشي الشهواني الذي ينكح أي امرأة على الطريق، لكن يحسب للمسلسل أنه تعمق في بعض الشخصيات التي انجذبت لـ«داعش» من خلفيات أوروبية وعربية وفكك بعض الدوافع، ما أعطى عمقًا للشخصيات ولو كذبًا ولكنه متحقق دراميًا، هناك الشاب الفرنسي المسيحي الذي قضى شبابه في البارات وبين أحضان النساء ولم يجد معنى لحياته سوى في الإسلام، أو العربي الذي تربى على التشدد في الدين فانعكست تربيته على رؤيته في تحقيق الخلافة الإسلامية، بينما الشرير في «صحاب الأرض» هو شرير من أجل الشر دون دوافع، مثل المستوطنين في الضفة الغربية الذين يتحرشون بالنساء دون سبب، أو الجنود الإسرائيليين في غزة وهم يلهون بكبار السن والعجائز، ليس بصدد تأكيد أو نفي مثل هذه الحوادث، لكن كان البعد الدرامي لإظهار هذا الحقد والكره ضروريًا لكي يجد المشاهد غير العربي أو غير المتأثر بالقضية سببًا دراميًا لفهم الموقف الكامل وليس مشاهدة «كليشيه» شخصية الشرير، يمكن الوحيدة التي كانت لها دوافع هي كابتن سارة (روان الغابة)، لكن حتى دوافعها كانت شخصية تمامًا، متمثلة في الرغبة في الانتقام، وليس لها أبعاد سياسية أو دينية، كما هو الحال في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على الأرض.
6- التعاطف

تعاطف صناع «صحاب الأرض» مع أبطالهم كان واضحًا بشدة مقابل التعاطف الدرامي المصنوع بحرفية في «أرض محرمة»، حيث وظف المسلسل كل جرائم «داعش»، من بيع النساء في الأسواق أو رمي المثليين من الأسطح كأسباب درامية للنفور من هذا العدو وكسب تعاطف محسوب دراميًا مع الضحايا.
على الجانب الآخر في «صحاب الأرض» كانت هناك شخصية الصحفية الأمريكية من أصول يونانية التي كانت ترى الفلسطينيين أو العرب «همج» على حد قولها، حتى تعاطفت وغيرت وجهة نظرها عندما لمست همجية الجيش الإسرائيلي ضد المدنيين في غزة. يؤخذ على «صحاب الأرض» فقط استجداء التعاطف، مع أن الحقيقة المجردة كانت كافية للتعاطف دون الضغط على المشاهد، لكن في المقابل كانت هناك مشاهد أخرى أكثر نعومة وسلاسة مثل مشهد النهاية على صوت محمد رشدي وأغنية «طاير يا هوا» التي قد تسرق دمعة من عينك أكثر من أغنية سياسية زاعقة.
الخلاصة
قد يكون العملان يندرجان تحت مسمى «البورباجاندا السياسية الموجهة»، وقد يكون الأشرار في العملين أشرارًا حقيقيين -على الأقل من وجهة نظري- كيانات مسلحة محركها الأساس أفكار دينية وعقائدية متطرفة، «داعش» في «أرض محرمة» والجيش الإسرائيلي في «صحاب الأرض»، إلا أن «أرض محرمة» كان الأكثر مرونة أو تلاعبًا في مخاطبة الرأي العام العالمي من حيث الدراما والتشويق، و«صحاب الأرض» هو العمل الأكثر صدقًا ونبلًا.
من كتاب «رسائل أنطوان تشيخوف»، ترجمة شمس أحمد عبد الله، كتب تشيخوف هذه الكلمات: «لست ليبراليًا ولا محافظًا.. كنت أود أن أكون فنانًا حرًا فحسب، وأندم على أن الرب لم يمنحني القوة لأكون كذلك، أكره الكذب والعنف بجميع أشكالهما.. الحرية المطلقة، كالتحرر من القوة والخداع مهما كانت أشكالهما، هو الأسلوب الذي كنت سأتبناه لو كنت فنانًا عظيمًا».
تقارير ذات صلة
«مرحبا دولة»: رحلة البحث عن «الشرطي الموظف» في الدراما
الجانب العبثي من حياة «البوليس»
«الريس بيتفرج».. إعلام ودراما الدولة في انتظار رصاصة الرحمة
ترقب وسيناريوهات غامضة لـ«المتحدة» بعد تصريحات الرئيس
دراما رمضان 2025: تتعالج ولا تستحمل؟
فريق «مدى مصر» تجمع في طقسه السنوي، وشاهد لكم الحلقات الأولى من المسلسلات
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن