«ضاق المخيم»: اللاجئون الفلسطينيون في لبنان بين الحرب والحصار
فجر يوم الخميس 5 مارس، قصفت طائرة إسرائيلية شقة سكنية قرب مسجد خليل الرحمن في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين، شمال لبنان، ما أدى إلى مقتل القيادي في حركة حماس، وسيم عطا الله العلي، وزوجته زينب توفيق أبو الحجل، وإصابة طفلتهما بجروح، وذلك في أول قصف إسرائيلي يستهدف مخيمًا للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان منذ بدء التصعيد الإسرائيلي في 2 مارس الجاري.
تصف تالة، وهي فلسطينية من مخيم البداوي، ليلة القصف: «أنا سمعت صوت الإسعاف، وعرفت إنه فيه تفجير بالمخيم، فتحت الأخبار وخفت كتير، ما طالع شي بإيدنا، أمي محضرة شنطة فيها أوراقنا وحرامات وبيجامة، وحسيت إنو خلص لازم نطلع وفيه ضرب عالمخيم كله».
بينما تملّك الخوف تالة، هرع آخرون إلى موقع القصف، غير أن المسافة التي كانت تستغرق بضع دقائق قبل عام، باتت الآن تتطلب المرور عبر عدة حواجز عسكرية للوصول إلى المكان وانتشال الضحايا. على مدار العام الماضي، شهد مخيم البداوي، كغيره من مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، تحولات غير مسبوقة، مست بشكل مباشر حياة سكانه.
منذ اتفاق إسرائيل ولبنان على وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، بدأ الجيش اللبناني فرض قيود على الحركة والتنقل في مخيمات لبنان، وزاد على هذه الإجراءات اتفاق أبرمته السلطات اللبنانية مع السلطة الفلسطينية لمصادرة أي أسلحة لدى الفصائل الفلسطينية داخل المخيمات.
مثّل القصف الذي استهدف «البداوي» إعلانًا إسرائيليًا بتوسيع دائرة العدوان نحو مناطق شمال لبنان بعد أن تركزت، طوال الأشهر الماضية، في مناطق الجنوب، فضلًا عن وضع مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان في دائرة الاستهداف المباشر.
وفي خضم هذا التوسع، يجد الفلسطينيون المقيمون في المخيمات في أنحاء لبنان أنفسهم في وجه الهجمات الإسرائيلية، التي تعتزم القضاء على أي فصل للمقاومة، بينما يعيشون في ظل ظروف أمنية حاولت عزل الحياة الفلسطينية بطريقة مختلفة.
منذ تصاعد العنف الإسرائيلي على لبنان، تحدث «مدى مصر» إلى مصادر في المخيمات اللبنانية لفهم الظروف التي يواجهها الفلسطينيون في ظل تهديد الحرب والتهجير وما يترتب عليهما من مصاعب اقتصادية.
***
تأسس مخيم البداوي عام 1955 على مساحة لا تتجاوز كيلومتر مربع، وهو ثاني أكبر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان بعد مخيم نهر البارد، ويسكنه نحو 18 ألف نسمة.
على مدار العام الماضي، فُرضت على المخيم تغييرات ضمن خطة وُضعت في لقاء جمع رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس (أبو مازن)، والرئيس اللبناني، جوزيف عون، في مايو الماضي، وأسفر عن «تشكيل لجنة مشتركة لمتابعة أوضاع المخيمات الفلسطينية في لبنان، ومصادرة السلاح من المخيمات الفلسطينية». غير أن ناشط فلسطيني من صيدا، يعمل في شؤون المخيمات الفلسطينية السياسية، قال لـ«مدى مصر»، إن الهدف الذي توافقت عليه السلطة الفلسطينية والسلطات اللبنانية كان التضييق على «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في المخيمات.
في أبريل الماضي، بدأ الجيش اللبناني تنفيذ خطة لإغلاق مداخل مخيم البداوي الفرعية وحصر الدخول والخروج بمدخلين رئيسيين فقط، إذ أُغلق نحو 12 منفذًا فرعيًا كان الأهالي يستخدمونها يوميًا، كما عزل منطقة خليل الرحمن، التي كانت تُعد امتدادًا للمخيم.
قبل عام 2025، لم يكن هناك فواصل بين يفصل بين مناطق المخيم، حسبما يقول الناشط الفلسطيني من صيدا لـ«مدى مصر»، لكن بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2024، بدأ الجيش يفصل المخيم ويغلق منافذه تدريجيًا.. بُنيت جدران صغيرة، وفُصلت أحياء مثل خليل الرحمن عن المخيم.
«من أول ما صارت الإغلاقات وأنا مرعوبة إنه هاي الإغلاقات راح تسهل إبادتنا»، تقول سهى، فلسطينية من حي خليل الرحمن، لـ«مدى مصر»، وتتساءل، «طيب كيف ممكن الناس تهرب بهالمساحة؟ مخيمات الشمال هي المكان اللي بينزحوا عليه أغلب الناس [من مخيمات الجنوب]، راح يصير في اكتظاظ أكتر، وإحنا راح يتم استهدافنا بسبب وبدون سبب، بس لأنه فلسطينيين».
لم يكن الفصل جغرافيًا فقط، بل اجتماعيًا أيضًا، فالعائلة الواحدة التي تسكن على بعد أمتار من بعضها البعض، أصبح نصفها داخل المخيم ونصفها خارجه، ويحتاج أفرادها إلى نصف ساعة لزيارة أقاربهم الذين يسكنون بجوارهم، بحسب الناشط من صيدا.
امتدت آثار الفصل، وطالت مصادر رزق أهالي المخيم، حسبما يقول المصدر نفسه، «حد أن صاحب الدكان من حي خليل الرحمن الذي يتمركز عمله داخل المخيم، أصبح في لحظة، خارج المخيم نتيجة عزل الحي، رغم أن دكانه يبعد دقيقة عن بيته». هذا التعقيد جعل الحياة في المخيم أكثر صعوبة من جهة، ومن جهة أخرى «زاد من الخوف لدى الأهالي في حال حدوث أي طارئ أو مجزرة داخل المخيم، لأن الاستجابة إثر إغلاق المنافذ صارت أصعب»، يقول.
تصف لمى، فلسطينية من المخيم، الواقع القاسي الذي يعيشه اللاجئون في «البداوي»، قائلة:«المخيم صار أضيق علينا، أي مشوار بين المخيم وخليل الرحمن صار بده حوالي نص ساعة بعد ما كان دقائق قبل الإغلاق، حرمنا الزيارات، وتصعبت حركتنا»، مضيفة لـ«مدى مصر»: «أهالي المخيم احتجوا أكثر من مرة ضد إجراءات العزل، غير أن الاحتجاجات لم تفض لتغيير الإجراءات اللبنانية».
يقول عمار يوزباشي، المتطوع في النادي الثقافي الفلسطيني في مخيم «مار إلياس» في بيروت، إن ما حدث في مخيم البداوي، يشرح كيف يؤثر الإغلاق على أكثر تفاصيل الحياة سوداوية، مثل القصف، مضيفًا: «أن تُغلق على ناس ضمن ’جيتو’ فهذا سيء بحد ذاته. ليس ضروريًا أن أبرر دائمًا أنه يضيّق على الأطفال أو طلاب المدارس. هذه نتائج واضحة. لكن الأساس هو: لماذا يجب أن يكون هناك إغلاق على شعب كامل؟ ومع الحرب يجب ألا يكون هناك إغلاق. فالناس بحاجة إلى طرق أسهل، سواء للنزوح أو للإغاثة أو للتنقل. هذا الموضوع لا بد أن يُحل، لكن من يحلّه؟ هذا يجب أن يكون من مسؤولية قيادات الأمر الواقع داخل المخيمات، هي التي يجب أن تتخذ القرار».
هيا، فلسطينية من مخيم البداوي في طرابلس شمالي لبنان، تقول لـ«مدى مصر»: «بخاف من الإغلاقات تسهل إبادتنا، ما في ملجأ ولا مكان نحتمي فيه».
***
شملت إجراءات التشديد اللبنانية غالبية المخيمات الفلسطينية والبالغ عددها 12 مخيمًا، وتضمنت مخيمي البداوي ونهر البارد شمالي لبنان، ومخيمي الرشيدية وبرج الشمالي في صور، وبلدة المية ومية ومخيم عين الحلوة في صيدا، وهو أكبر المخيمات في لبنان، وذلك عبر إغلاق المداخل الفرعية التي تربط المخيم بمحيطه، أو تشديدات عند المداخل، بهدف ضبط حركة الدخول والخروج من المخيمات.
يقول فلسطيني من سكان مخيم عين الحلوة، وهو ناشط في شؤون المخيم السياسية والاجتماعية، لـ«مدى مصر»، إن «العلاقة بين المخيمات والسلطات اللبنانية لم تكن جيدة، لكنها أصبحت أسوأ»، مضيفًا أن أوضح مثال هو مخيم عين الحلوة في صيدا: «مطوّق منذ زمن، والداخل إليه يُحاسب على كل شيء، حتى لو كان يحمل كيسًا، يجب أن يُفتش، والسيارة تُفتش، والهوية تُفحص في كل دخول وخروج، وقد أصدرت مؤخرًا السلطات اللبنانية قانونًا يلاحق الناس على أقل مصدر دخل، ومن يملك سيارة أجرة، صار في حاجة دائمة إلى إذن من السلطات اللبنانية للعمل والدخول والخروج»، يقول، ويضيف «إنه نوع من الإذلال، وليس مجرد تضييق، وهو النموذج الذي تحاول السلطات اللبنانية تطبيقه على كل المخيمات في لبنان في الأشهر الماضية».
بدا مشهد الصعوبات التي واجهت أهالي مخيم البداوي بعد قصف 5 مارس، تكرارًا لما سبق وأن حدث في مخيم عين الحلوة في صيدا في نوفمبر الماضي، بعد أن أوقفت حواجز الجيش اللبناني السيارات التي كانت تقل جثامين الشهداء. يقول الناشط من مخيم عين الحلوة لـ«مدى مصر»: «تخيل، سيارة محملة بالجثامين، أوقفت للتأكد من هويتها، فكيف هو الحال مع الأحياء؟».
***
بينما يتصاعد عدوان الاحتلال، يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان خطر الحرب والنزوح في بيئة معقدة، فمن جهة، لم تتغير التشديدات التي فرضتها السلطات اللبنانية على المخيمات حتى تجدد العدوان، ومن جهة أخرى، يرزح اللاجئون تحت واقع اقتصادي قاسي مع تراجع خدمات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» التي تمثل شريان حياة اللاجئين في لبنان.
يقول يوزباشي، إن مخيمًا فلسطينيًا كاملًا هو مخيم برج البراجنة، ضمن المناطق المهددة بالإخلاء والقصف في الضاحية الجنوبية في بيروت، وقد نزح بعض سكانه إلى مخيمات في الشمال أو إلى مخيم مار إلياس، كذلك مخيم شاتيلا في بيروت وهو قريب جدًا من المناطق المستهدفة، بالإضافة إلى مخيمات الجنوب التي «تعيش تحت النار حرفيًا».
العدوان الإسرائيلي يستهدف المخيمات الفلسطينية «بلا شك، وقد نشهد تصاعدًا»، يقول، مضيفًا أنه حتى الآن لم يُرصد حالة نزوح بشكل واسع من مخيمات الجنوب، إلا أن هناك استهدافات متقطعة تنذر بتعرض المخيمات لقصف واسع في أي لحظة.
أمام تعقد العلاقة بين المخيمات والسلطات اللبنانية، خيّم شعور الخوف من القادم على أهالي المخيمات، غير أنه تضاعف مع العدوان الإسرائيلي، حسبما يقول الناشط من صيدا لـ«مدى مصر». إنه «الخوف من أن يحدث أي شيء في أي لحظة ويُهجّروا، فإلى أين سيذهب الناس؟ الدولة اللبنانية لا تعترف بهم، بل ولم تخفف إجراءات الإغلاق الذي تفرضه على المخيمات، وتعتبر الأونروا مسؤولة عنهم، والأونروا تقول إنها لا تملك شيئًا، الوضع سيكون شديد الصعوبة».
يبلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين المسجّلين لدى «أونروا» في لبنان نحو 470 ألف فلسطيني، فيما يقدر عدد المقيمين منهم في لبنان نحو 231 ألفًا، منهم 80% يعيشون تحت خط الفقر، وفق تقرير حديث للمؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان (شاهد)، والذي حذر من أن تقليصات «أونروا»، تصيب بشكل مباشر شروط الحياة اليومية للاجئين في لبنان.
قبل نحو شهر، أعلنت «أونروا» تقليص مرتبات العاملين بها وخدماتها المقدمة للاجئين بنحو 20%، لكن التقليصات بدأت قبل ذلك بكثير، حسبما يقول فلسطيني ناشط في الشأن السياسي والثقافي في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، مضيفًا: «هي ليست فقط تقليص معاشات الموظفين، بل أيضًا تقليص خدمات بنسبة 20%. نحن نتحدث عن العيادة التي كانت تفتح خمسة أيام في الأسبوع، صارت تفتح ثلاثة أيام فقط، يعني من يحتاج الخدمة قد لا يتمكن من الوصول إليها. الوضع العام في لبنان سيء أساسًا، فما بالك بالفلسطينيين؟».
تقلّص كذلك دوام موظفي «أونروا» ورواتبهم، مع أن كثيرًا من العائلات تعتمد عليهم كمعيل أساسي، وهذا أمر ينذر بواقع أشد صعوبة خصوصًا في ظل الحرب، حسبما يقول الناشط الفلسطيني من صيدا.
ويضيف الناشط أن «أونروا» توقفت عن تغطية كثير من الأمور المتعلقة بالرعاية الصحية، وحصرت المسموح وغير الممكن مما يمكنها تمويله، فضلًا عن وقف المساعدة التي كانت تقدمها كبدل إعاشة وقدرها 50 دولارًا كل ثلاثة أشهر، إلى جانب وقف المساعدات التي كانت تقدمها للفلسطينيين النازحين من سوريا.
أصبح موقف «أونروا» السياسي في المخيمات محل جدل متزايد. في بداية 2025، علقت الوكالة عمل أربعة معلمين من موظفيها يعملون بالمخيمات في لبنان، وذلك لـ«خرق سياسة الحيادية» لمشاركتهم في جهود اجتماعية لدعم أهالي غزة. قوبلت التوقيفات باحتجاجات واسعة في المخيمات، لكن ذلك لم يثني «أونروا» عن قرارها وفصلت المعلمين.
يأتي كل ذلك في ظل استمرار منع السلطات اللبنانية اللاجئين من العمل، والذي أثر بشكل عميق على حياتهم، مثلما يقول الناشط، مشيرًا إلى أن «الناس تعتقد أن منع اللاجئين من العمل منذ عقود فكرة لا أساس لها في الواقع، غير أن ذلك خاطئ تمامًا، صحيح أن الناس تعمل بطرق مختلفة، إما بمصالح داخل المخيم أو مع أشخاص خارجه، غير أن المنع تضاعف في الفترة الأخيرة، وبات اللاجئون يلاحقون في مصادر رزقهم». على سبيل المثال، التمريض كان من المهن التي يسمح للاجئ الفلسطيني أن يمتهنها، غير أن الحكومة اللبنانية أقرت قانونًا جديدًا، ينص على أنه يمكن توظيف لاجئ فلسطيني في حالة وحيدة فقط: إذا لم تجد المؤسسات اللبنانية لبنانيًا لتوظيفه، بحسب الناشط.
تعقد الواقع المعيشي أكثر نتيجة الأزمات المالية التي تمر بها الفصائل الفلسطينية، حسبما يشير الناشط، موضحًا أن أغلب اللاجئين في المخيمات ينتمون لفصائل فلسطينية مختلفة، مثل فتح، وحماس، والجهاد الإسلامي، غير أن هذه الفصائل، إما قلصت رواتبها أو أن قيمتها لم تعد مجدية مقارنة بالمتطلبات اليومية. «نحن نتحدث عن مصادر الدخل الوحيدة للفلسطينيين في لبنان، وهي أصبحت صعبة جدًا»، يقول، مضيفًا أنه منذ 2019 تقريبًا، «الاعتماد فعليًا هنا على أن يكون هناك أحد خارج لبنان، لكن هذا المصدر ليس متوفرًا للجميع، فضلًا عن أن الأزمات هنا أقسى من أن تُحل بإعانة بسيطة».
يشرح الناشط الفلسطيني، أن ما يثير القلق، أن «أونروا»، تبدو «فايتة عالحرب كأنه مش صايرة حرب»، إذا قال ممثلون عنها في اجتماع مع مؤسسات محلية، عقد بعد أسبوع من بدء العدوان الإسرائيلي، «إنه فِش عندهم أي شيء يقدموه حرفيًا، ولا أي شيء، وأنهم في انتظار التمويل، حتى عدد المراكز التي يمكن فتحها وتجهيزها لإيواء النازحين غير واضحة، في الحرب الماضية عام 2024، انفتحت مراكز إيواء في صيدا، ومخيم نهر البارد، والبداوي، وغيرها. هذه المرة المراكز معدودة، وكأن الأونروا تفتحها بالقطارة».
حتى الآن، طالت تهديدات الإخلاء الإسرائيلية، أربعة مخيمات هي البص والرشيدية وبرج الشمالي في صور جنوبي لبنان، إلى جانب مخيم برج البراجنة في الضاحية الجنوبية لبيروت، وهي، بحسب الناشط، مهددة بشكل كامل. «هذه أربعة مخيمات يفترض أن تكون ضمن الإخلاء، ما يعني ضرورة وجود خطط واضحة لها»، يقول.
الفلسطيني العامل بالشأن الثقافي والسياسي بالمخيمات يقول إن «عدد المدارس المجهزة أو التي أعلن فتحها، هذه المرة أقل بكثير من السابقة»، مشيرًا إلى أن السبب غير واضح: «هل لأنه لم يحدث نزوح كبير بعد؟ أو لأن الأونروا لا تريد فتح هذه المراكز؟ حتى لو لم ترد، فهي لم تهيئ المدارس لتكون مراكز نزوح أساسًا، لدينا ثلاث مدارس في صيدا كانت مفتوحة سابقًا: رافيديا، نابلس، والصخرة، لكنها الآن مغلقة».
في الأيام الأولى، لم يفتح سوى مركز سبلين في صيدا، لكن بجانبه مدرستان: بيت جالا وبيرزيت، و«أونروا» لم تفتحهما، لذا، اضطر النازحون لفتحها بأنفسهم، ولجأ إليها نحو 700 نازح فلسطيني ولبناني وسوري، قبل أن تطلب «أونروا» منهم مغادرتها والتوجه إلى مركز سبلين، معلنة، وقف إدارتها للمدرستين، وقال مدير الهيئة «302» للدفاع عن حقوق اللاجئين، علي هويدي، في تصريحات صحفية، إن «إدارة الوكالة أقدمت على إنزال علم الأمم المتحدة من فوق المدرستين ومحو اسميهما عن المبنيين».
منذ بدء العدوان وحتى 6 مارس الجاري، قالت «أونروا»، إنها سجّلت نحو 1300 نازح فلسطيني في مركزي إيواء طارئين وهما مركز سبلين الذي يأوي نحو 1200 فلسطيني، إلى جانب مركز إيواء في مخيم نهر البارد شمالي لبنان ويأوي 100 فلسطيني نازح.
بحسب الفلسطيني العامل بالشأن الثقافي والسياسي بالمخيمات، جرى تسجيل نزوح بعض العائلات من مخيمات جنوبي لبنان وبيروت، وغالبيتهم يقيمون إما في بيوت يعرفون أصحابها أو في بيوت مستأجرة داخل مخيم عين الحلوة في صيدا، لكن الغالبية ظلوا أماكنهم رغم مخاطر البقاء. «الناس لو كان بإمكانها النزوح إلى أماكن آمنة لكانت فعلت، لكن لا قدرة مالية أبدًا»، يقول. «تكاليف النزوح الكبيرة والطريق صعبة، الناس حقيقة تعيش وضع مادي قاسي وبلا إمكانيات».
يقول يوزباشي إن «هناك حاجة لفتح مدارس غير تلك التي تخطط لها الأونروا، حتى لو لم تقدّم فيها خدمات، لكن لتستقبل النازحين على الأقل».
بحسب وزيرة الشؤون الاجتماعية في الحكومة اللبنانية، حنين السيد، فإن عدد النازحين اللبنانيين جراء العدوان الإسرائيلي بلغ نحو مليون نازح، مضيفة، في تصريحات صحفية، أن العدد مرشح للزيادة في ظل تواصل العدوان.
أمام تقليصات «أونروا» وتهميش الدولة اللبنانية لملف اللاجئين الفلسطينيين، باعتباره ليس من مسؤولياتها، يحاول الفلسطينيون في لبنان عبر مجموعة من المؤسسات التطوعية، رتق تقصير الجهات المسؤولة عن اللاجئين، يقول يوزباشي «هناك أزمة دائمة ومستمرة، فنحن لا نملك مؤسسات وطنية حقيقية بالمعنى الكامل، وإن وُجدت فهي ضعيفة اقتصاديًا وتخطيطيًا، وغالبية المنظمات العاملة في المخيمات هي منظمات غير حكومية مرتبطة بما يقدمه الممول، والممولون كما تعرف مرتبطون بأجندات، ولا يضع الجميع أموالًا، وما يُقدّم يكون ضمن خطة واسعة، لذلك دائمًا هناك نقص».
ويشير يوزباشي إلى أن مؤسسات صغيرة داخل المخيمات، مثل النوادي والجمعيات، تنشط بهدف «إيصال مساعدات مباشرة مقدمة من الخارج للإغاثة، مثل تأمين مساكن أو حرامات أو فرشات»، بينها النادي الثقافي الفلسطيني العامل في مخيمي مار إلياس في بيروت والبداوي شمالي لبنان، ويقدم «خدمات إغاثية من دون تمييز بين فلسطيني ولبناني، لأننا نعتبر أنفسنا شعبًا واحدًا تحت الضغط، وقضيتنا واحدة».
بحسب الفلسطيني العامل بالشأن الثقافي والسياسي، فإن هذه المؤسسات الموجودة في قلب المخيمات بدت وكأنها تسلّمت المهمة عوضًا عن المؤسسات التي يفترض أن تؤديها. ورغم أهمية دورها، فهي تواجه نقص تمويل وموارد يهدد استجابتها لحاجة اللاجئين في ظل العدوان. «في عام 2024، التمويل لم يكن مثل الآن، إذ توجد قيود على حركة الأموال والتمويل. هذه المؤسسات التي لها دور مهم تشكو الآن من قلة الموارد، والوضع صعب من كل النواحي»، يقول.
***
عندما علمت تالة بخبر مقتل العلي، قيادي «حماس»، في قصف «البداوي»، بكت. «الأستاذ وسيم كان كتير منيح معنا».
كان العلي أحد أبرز الشخصيات التنظيمية والسياسية في حركة «حماس» داخل مخيمي البداوي ونهر البارد في شمال لبنان، فضلًا عن عمله التعليمي الذي خلق له مكانة اجتماعية تربوية لدى أهالي المخيم، حسبما قال أحد سكان المخيم لـ«مدى مصر».
جاء القصف الإسرائيلي الذي استهدف العلي وعائلته بعد عام من مقتل شقيقه سعيد، الذي كان أيضًا قياديًا في «حماس»، وقُتل مع زوجته وأطفاله في أكتوبر 2024.
بحسب فلسطيني من سكان مخيم عين الحلوة وهو ناشط في شؤون المخيم السياسية والاجتماعية، فإن أحد دوافع تشديد الحواجز وإجراءات العزل على المخيمات هو محاولة السلطات اللبنانية وأد اتصال المخيمات بالفعل المقاوم.
منذ 7 أكتوبر 2023، انخرط مقاومون من المخيمات في المواجهات على الحدود اللبنانية-الفلسطينية، وهو الفعل الذي كان غائبًا لسنوات طويلة عن الساحة اللبنانية. شهدت المخيمات أيضًا قصفًا إسرائيليًا واغتيالات، مثلما حدث في «عين الحلوة» و«البداوي» و«البص» و«الرشيدية»، كما أن الضربة الأولى في الضاحية بعد بدء التصعيد في 2 مارس الجاري، استهدفت قائدًا في الجناح العسكري لحركة الجهاد في لبنان، لذا، كانت السلطات اللبنانية تعمل على منع العمل المقاوم في المخيمات، جنبًا إلى جنب مع تضييقها على عمل حزب الله في لبنان، بحسب الناشط في صيدا.
لكن بقدر ما تسبب به العدوان الإسرائيلي وسياسات السلطات اللبنانية من خوف وما أنتجته من فصل، إلا أنها أسهمت في دفع الأهالي نحو الحراك.
بعد دقائق من القصف الذي طال مخيم البداوي، جابت مسيرات شوارعه احتجاجًا على العدوان الإسرائيلي.
«قصف إسرائيلي يعني نحنا فلسطينية»، يقول أحد سكان المخيم، «ما فينا ننسى فلسطين والمقاومة».
تقارير ذات صلة
تأخَّر من أجل مكالمة هاتفية لم تحدث.. واشنطن تُعلن وقف إطلاق النار في لبنان
أُعلن وقف إطلاق النار، مساء أمس، دون أن يتم الاتصال بين عون ونتنياهو
ضمن محاولاتها لإفشال محادثات إسلام آباد: إسرائيل تطوق «بنت جبيل»
تحمل «بنت جبيل» أهمية رمزية واستراتيجية وتاريخية لجيش الاحتلال الذي فشل منذ 2006 في السيطرة عليها
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن