تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
ما تكشفه أزمة «كابيتر» عن مشاكل الشركات الناشئة

ما تكشفه أزمة «كابيتر» عن مشاكل الشركات الناشئة

كتابة: بيسان كساب، محمد عز 13 دقيقة قراءة
تصميم مدى مصر

قبل عامٍ وبضعة أيام، احتفلت شركة كابيتر المصرية الناشئة بنجاحها في جمع 33 مليون دولار خلال جولة تمويلية، وضعتها ضمن قائمة فوربس لأكثر 50 شركة ناشئة تمويلًا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لعام 2021، وسطع نجم الشركة خلال الفترة التالية، التي يعتمد عملها على الوساطة بين تجار الجملة والصناع من جهة، وتجار التجزئة من الجهة الأخرى، خاصة في مجال الأغذية والمشروبات والسلع الاستهلاكية لتوفير تلك السلع وتوصيلها عبر تطبيق إلكتروني.

بين سبتمبر 2021 وسبتمبر 2022، كانت «كابيتر» محل اهتمام من الجميع. البنوك تتهافت على عقد اتفاقيات معها، والصحف على لقاء مؤسسيها، وحتى مستثمرين جدد عبروا عن اهتمامهم بتوفير تمويل جديد للشركة، بعد حصدها للجوائز.

لكن مدة أقل من 12 شهرًا كانت كافية لتتحول «كابيتر» بالكامل. تحول التفاؤل الكبير الذي عبر عنه مؤسسو الشركة ومستثمروها في سبتمبر 2021 إلى تشاؤم من إمكانية استمرار الشركة، وتبدلت سُمعة الشركة كنموذج يحتذى به، إلى مثالٍ يهرب منه الجميع وينفون علاقتهم به.

لم يكن التحول السريع مفاجأة؛ فبعد الاحتفال العام الماضي، بدأت الشركة في الأشهر الأخيرة بتسريح العديد من موظفيها حسب تصريحات رئيس أحد القطاعات في الشركة لـ«مدى مصر». وكان من  المسرحين موظفين عينتهم إدارة الشركة بعد حصولها على التمويل، وذلك لتسريع استراتيجية التوسع التي انتهجتها. وبدأ في ذلك الوقت تنتشر أخبار مُبهمة عن غموض مستقبل الشركة، بحسب عدة مصادر في قطاع الشركات الناشئة. وفي سبتمبر الماضي، انتشرت المزيد من العناوين عن هروب مؤسسي الشركة إلى الخارج، بعد أن فشلت الشركة في الحفاظ على مكانتها.

لكن، وبحسب العديد من المصادر في الاقتصاد وقطاع الشركات الناشئة، فالمُشكلة ليست خاصة بـ«كابيتر» وحدها، لكنها مُجرد مثال مُتكرر لقطاع الشركات الناشئة، من حيث نموذج التطوير المتسارع من أجل صعود تقييم الشركات في مقابل قدرتها الحقيقية على جني الربح، وثقافة المستثمرين وخبرة رواد الأعمال، وأنماط التوسع، والبيئة العامة.

ظهرت «كابيتر» في يوليو 2020، لتصبح الوافد الجديد لقطاع التجارة الإلكترونية في مصر، وبشكل خاص، كوسيط للتجارة بين بائعي الجُملة والموردين، وتجار التجزئة. وفي نوفمبر من نفس العام، تلقت الشركة تمويلًا بقيمة غير مُعلنة لتطوير أعمال الشركة.

لم يكن الأمر غريبًا على المهتمين بقطاع الشركات الناشئة، فأحد مؤسسي الشركة هو محمود نوح. قبل «كابيتر»، كان نوح المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي للعمليات في شركة سويفل لخدمات النقل التشاركي المولودة في مصر، والتي تنامى صيتها بعدما أصبحت الشركة الناشئة المصرية الأولى التي تُقيم بأكثر من مليار دولار. مع أخيه أحمد، أطلقوا سويًا منصة «كابيتر». وفي وقت قصير، وبرغم المنافسة، سجل على منصة «كابيتر» أكثر من 70 ألف تاجر عميل، ونحو ألف مورد، يوفرون ما يزيد عن 20 ألف مُنتج، يخدمهم ألفا موظف وأسطول من 600 سيارة.

تعود قصة «كابيتر» إلى ما يصفه خالد إسماعيل، مؤسس صندوق كيانجل للاستثمار الملائكي (نوع من الاستثمار المحدود في بداية تأسيس الشركات الناشئة) ومؤسس عدد من الشركات الناشئة، بتغير في سوق التمويلات والشركات الناشئة في 2020. قبل ذلك، كان المجال ينمو ببطء في مصر، بحسب وصفه.

ولكن، «في مارس 2020، كورونا ظهرت. ومع الوقت، دول كتير قفلت وحجمت نشاطها الاقتصادي والناس قعدوا في البيت. علشان كدة، شركات ناشئة كتير جدًا بدأت تظهر، وتقدم خدمات الناس كانت بتعملها، لكن، بسبب كورونا، مش قادرين يعملوها. ده خلق طلب على النوع دا من الشركات، اللي بقت قدامها فرصة كبيرة إنها تنجح في وقت قصير».

خلال ذلك العام، نمت الشركات الناشئة بشكل سريع. وفي مصر بشكل خاص، كان سوق الخدمات الإلكترونية ما يزال بكرًا، فارتفعت التمويلات التي حصلت عليها تلك الشركات خلال ذلك العام بنحو 168%، بحسب تقديرات هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات. ولا تشمل تلك التقديرات كل التمويلات الفعلية التي حصلت عليها الشركات الناشئة، ولكن فقط أحد أنواعها.

أحد رواد الأعمال البارزين في مجال الشركات الناشئة الذي تحدث مع «مدى مصر» بشرط عدم ذكر اسمه، يشرح أن الشركات الناشئة لا تستطيع اللجوء للتمويل البنكي، في ظل عدم امتلاكها لأصول يُمكن للبنوك حصرها واستخدامها كضمان في حالة عدم الدفع. لذلك تجمع التمويلات من ثلاثة طرق رئيسية: إما اعتماد المدخرات الشخصية ودوائر العلاقات القريبة، أو استحواذ شركة أكبر على جزء أو كل الشركة الناشئة الجديدة، وأخيرًا عبر صناديق استثمار، وهي التي تشير إليها هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات دون غيرها.

يضيف إسماعيل على ذلك أن تلك الصناديق تجمع تمويلات من مستثمرين على استعداد لتحمل مخاطر الاستثمار في الشركات الناشئة، ثم تعيد توزيع تلك التمويلات على عدة شركات، ثم تنتظر، إما لبيع الصندوق حصته في الشركة بعد فترة زمنية متوسطة تكون خلالها قيمة الشركة ارتفعت، أو يستمر الصندوق في ضخ الأموال أملًا في أن تحقق الشركات المُستثمر بها ربح حقيقي. يوضح إسماعيل: «من وسط عشر شركات، في اتنين بس هينجحوا. الرهان هنا، هو أن الشركتين اللي هينجحوا هيغطوا قيمة الاستثمارات اللي اتدفعت في التمانية التانيين، وكمان هيجيبوا ربح».

يعيب هذا النمو أنه لم يكن مُستدامًا، فمن جهة، اقتصرت تلك الاستثمارات على عدد صغير من الشركات، ومن جهة أخرى، كانت التمويلات مُبالغًا فيها بالنسبة للقيمة الحقيقية للشركات الناشئة. يقول إسماعيل: «السوق في مصر لم يكن منضبطًا. على سبيل التقدير، 30 شركة مثلًا أخدوا 80% من الاستثمارات، مقابل 3000 شركة أخدوا الـ20% الباقيين».

ويوضح إسماعيل أن ذلك يرجع إلى ثقافة «استسهال» المستثمرين، مضيفًا «المستثمر علشان يضمن فلوسه، المفروض بيتابع شغل الشركة اللي بيحط فيها فلوس، ويعدل على قرارات الشركة مثلًا لو حس أن خططهم بتفتقد دراسات وافية، أو يُطلب أنهم يتحركوا في اتجاه معين. علشان كدة، المستثمر بيفضل يحط فلوس في شركة هو عارفها، بالإضافة لأنه كمان بيدور على شركة تكون كبيرة بالفعل. كل ما الشركة صغرت، كل ما المجازفة بتكون أعلى والمجهود أكبر».

ومع زيادة التمويلات، تصبح الشركات مُطالبة ببذل مزيد من الجهد لإثبات مدى قابليتها للربح في المستقبل، ومن ثم، ترتفع قدرتها على الحصول على تمويلات جديدة، حسب إسماعيل.

وفقًا لرئيس أحد قطاعات «كابيتر»، والذي تحدث لـ«مدى مصر»، فمنذ حصول الشركة على التمويل الآخير من عدة صناديق استثمار في الأساس من قبيل «Quona Capital» و«Foundation Ventures» عبر جولة تمويلية، استثمرت «كابيتر» بشكل مكثف في توظيف العشرات وكذلك في تأجير المخازن، بهدف زيادة السعة الاستيعابية للشركة وضمان سرعة التوصيل. «على سبيل المثال، في سنة واحدة تقريبًا ارتفع عدد المخازن من مخزنين إلى سبعة مخازن. وبسبب السرعة، اضطرت الشركة إلى استئجار مخازن حالتها سيئة واحتاجت لإنفاق مبالغ كبيرة للغاية لتأهيلها. وكان استئجار هذه المخازن بالرغم من سوء حالتها في حد ذاته تعبير عن التسرع في الإنفاق بسبب محاولة النمو بأي ثمن في قاعدة العملاء».

كما حاولت الشركة خلق صورة جذابة أمام المستثمرين لجذب المزيد من التمويل. «توسعت الشركة مثلًا في الإنفاق على تعديلات على مقرها في طريق مصر الإسكندرية، وتعاقدت مع شركة للتصميمات ومقاول، بحيث كانت التحديثات تشمل تأسيس جيمنازيوم [نادي رياضي] في المكان وطاولات بينج بونج ووصولًا لمحاولة خلق مكاتب شبيهة بشركة جوجل»، بحسب مصدر الشركة، والذي أضاف: «في المقابل، لم تمتلك الشركة المقر أَصلًا بل كانت تستأجره أساسًا كما كانت تستأجر المخازن، ما يعني أن كل إنفاق كان يعني تبخر سيولة الشركة دون أي إضافة لقيمة الأصول».

كل ما سبق من نماذج التوسع في الإنفاق يوجزه المصدر من «كابيتر» قائلًا: «موتور [محرك] فيراري في هيكل [سيارة] فيرنا ودايس بنزين وبناخد مطبات».

في مجال الشركات الناشئة، تعتبر قاعدة العملاء هي المؤشر الأهم لمدى إمكانية الشركة في التوسع مستقبلًا وتوليد أرباح، أو كإحدى الأدوات التي تستخدمها في جذب تمويلات من المستثمرين، بحسب إسماعيل. وفي نفس الوقت، فقاعدة العملاء هي المُهمة الأصعب للشركات الناشئة. يشرح إسماعيل أن كل الشركات تحسب تكلفة البضاعة أو الخدمة التي تقدمها، ثم تضيف على ذلك هامش ربح مناسب، لتبيعه للمستهلك. «لكن أحيانًا، الجزء الأكبر من تكلفة السلعة بتكون العثور على العميل».

لحل ذلك، تلجأ الشركات الناشئة إلى ضخ تمويلات للدعايا والإعلان بأشكال متعددة تناسب طبيعة الشركة. وفي أحيان أخرى، توفر الشركات عروضًا مُغرية للعملاء لاستقطابهم. وفي حالة «كابيتر» وغيرها، عرضت الشركة منتجات أرخص من السعر الذي اشترته به. «في الحالة دي، الشركات تُعتبر بتشتري العملاء. وكل عميل زيادة، معناه خسارة أكبر»، يقول مستشار وخبير ريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة، تامر أحمد لـ«مدى مصر».

يشرح المصدر في «كابيتر» لـ«مدى مصر» أن محاولة النمو السريع -عبر حرق الفلوس- أدت للتوسع في شراء السلع الغذائية التي كانت تخزنها الشركة في محاولة لأن تكون على جاهزية للوفاء بطلبات الزبائن في وقت قياسي يسهم في زيادة قاعدة العملاء، مضيفًا أن هذا التوسع كان متسرعًا وغير مستند إلى دراسة للعرض والطلب ما أوصل في النهاية لتراكم السلع الغذائية في المخازن على نحو فاق بشدة الطلب، وصولًا لاضطرار الشركة لحرق الأسعار لجذب العملاء خشية أن تفسد تلك السلع.

وفي حالة الشركات الناشئة الجديدة، يخلق هذا أزمة جديدة، يوضح أحمد: «الحرق دا بيكون على حساب المستثمر مش الشركة، لأنها لسه أصلًا مبدأتش تطلع أرباح».

يقول أحمد إن التنافس بين الشركات الناشئة في مصر يدفعها إلى عرض تخفيضات «مهولة» على الخدمات التي تقدمها، بدلًا من خفض نسبة ربحها بهامش معقول. ففي بعض الحالات، أصبح السعر على المنصات الإلكترونية أكثر جاذبية، حتى للموردين الذين تشتري منهم الشركات الناشئة بضاعتها. ويوضح: «لو أنا مورد لكابيتر، بديلها كيلو الرز بعشرة جنيه، ولقيتها بتبيعه بتمانية، طب ما أنا اشتريه منها وأبيعهولها تاني»، مؤكدًا أن العديد من التجار انتبهوا لتلك النقطة، فأصبح جزء كبير من عملاء «كابيتر» هم نفسهم مورديها، لكن بأسماء مختلفة.

احصائيًا، تبدو الشركات الناشئة في تلك الحالة كما لو كانت تنمو بسرعة كبيرة، فعدد العملاء يرتفع، وكذلك طلبات الشراء، وحتى اهتمام الموردين بالعمل معها، فتصبح الشركة أعلى تقييمًا وأكثر جاذبية للاستثمار.

لكن الأسوأ، بحسب أحمد، هو موافقة المستثمرين على هذا النمط من «حرق» الأسعار. ففي ظل انخفاض سعر الفائدة في أغلب دول العالم خلال عامي 2020 و2021 وظهور الشركات الناشئة كأحد اتجاهات الاستثمار، تشجعت صناديق رأس المال المخاطر في ضخ المزيد من التمويلات، لتخلق بذلك ما يشبه بالفقاعة، اعتمادًا على النمو السريع للشركات التي تستثمر بها.

فبدلًا من انتظار الشركة لتحقق ربح، دفع المستثمرون الشركات الناشئة إلى تبني النمو بأي ثمن، يشرح أحمد: «المستثمر القديم عايز يعلي قيمة الشركة علشان يبيع حصته، ويخرج منها كسبان، ويلبس الطاقية للمستثمر اللي بعده».

ويضيف على ذلك رائد أعمال تحدث مع «مدى مصر» وفضل عدم ذكر اسمه: «كثيرًا ما يتم تجاوز أساليب التقييم الراسخة التقليدية الرصينة من قبيل ربحية الشركة لأنها غير رابحة أصلًا. مع العلم مسبقًا بأن أي مبالغة في التقييم تعقبها لاحقًا عملية مبالغة من التقييم من قبل مستثمر آخر سيشتري لاحقًا نصيب صندوق الاستثمار في الشركة، لأن إعادة البيع هو الهدف أصلًا».

أسامة دياب، الباحث في دراسات التنمية، يقول لـ«مدى مصر» إن الشركات الناشئة المرتبطة بخدمات قائمة على التكنولوجيا تدر ربح بشكل يشبه الأرباح الرأسمالية الناجمة عن إعادة البيع سواء داخل أو خارج البورصة. «يعد هذا النموذج جزءًا من ميل عام يتسع أكثر في الرأسمالية عمومًا ضمن مرحلة يمكن أن يكون عنوانها انفصال كامل تقريبًا بين قيمة الشركة والأرباح التي تحققها. ضمن هذا النموذج، يشتري المستثمرون أسهم -أو نصيب في الشركة- مع علمهم أنهم لن يحصلوا على نصيب من الأرباح لأنها معدومة أصلًا وإنما طمعًا فقط في إعادة بيع السهم لاحقًا بسعر أعلى، وهو ما يحدث في عمليات مضاربة قصيرة الأجل لا تنتهي. في حالة الشركات التي يقوم عملها على التكنولوجيا من قبيل أوبر مثلًا -كشركة كانت تعتبر ناشئة في بدايتها- يبدو الأمر أكثر وضوحًا لأن الشركة لا تحقق أرباحًا تذكر من التشغيل وإنما يستثمر الناس في شراء سهم في الشركة لأسباب بعضها يعود لجاذبية شركة ترتبط بكل بيت عمليًا مع اتساع قاعدة عملائها لهذا الحد».

ولكن، مع بداية العام الجاري، بدأت البنوك المركزية حول العالم في تبني سياسات نقدية متشددة عن طريق رفع سعر الفائدة على العملات، وهو ما جعل الاستثمار الآمن في أدوات الدين الحكومية أكثر جاذبية من المخاطرة في تمويل الشركات الناشئة.

ومع تجنب الاستثمارات بالشركات الناشئة، بدأت تقييمات تلك الشركات في الانخفاض بسرعة، وانتبهت صناديق الاستثمار إلى ضرورة تبني سياسات قاسية مع الشركات الناشئة التي استثمروا فيها لتتحول بشكل سريع إلى الربحية، بدلًا من انتظار بيعها لمستثمرين آخرين.

كانت شركة سويفل المصرية مثالًا على ذلك. في نهاية مارس 2021، أعلنت الشركة عن بدء التداول على أسهمها في بورصة ناسداك الأمريكية. وقتها، أدرجت الشركة نحو 35% من أسهمها للتداول في البورصة بسعر يصل إلى حوالي عشرة دولارات للسهم الواحد. لكن، بعد ذلك بعام، بدأت قيمة السهم في الانخفاض بشكل مضطرد، ليصل إلى أقل من نصف قيمته عند 4.44 دولار للسهم في منتصف أبريل الماضي. منذ ذلك الوقت، استمر السهم في الانخفاض ليصل إلى 1.20 دولار في منتصف سبتمبر الجاري، أي أن تقييم الشركة خسر قرابة تسعة أعشار قيمته في أقل من ستة أشهر، على الرغم من توسع الشركة بشكل سريع واستحواذها على شركات متعددة في جميع أرجاء العالم.

لم تكن قيمة السهم هي المؤشر الوحيد على ضرورة إعادة تقييمات سياسات الشركة. فخلال فترة هبوط السعر، في مايو الماضي، أعلنت «سويفل» عزمها على تسريح نحو 32% من موظفيها كجزء من خطتها لترشيد نفقاتها والتحول من الخسارة إلى الربحية في غضون عام.

لم تكن «سويفل» وحدها، فشركات أخرى مثل «فيزيتا» التي سرحت 10% من موظفيها، و«المنيوز»، و«تريلا»، و«إكسباند كارت»، بالإضافة لـ«كابيتر».

عالميًا، تأتي خطوة «سويفل» متزامنة مع قيام العديد من الشركات الناشئة بتسريح موظفيها، حيث وصل عدد المُسرحين في الولايات المتحدة فقط إلى نحو 15 ألف موظف خلال شهر واحد في العام الجاري.

يرى إسماعيل أن انخفاض التقييمات بمثابة «جائحة» عالمية، مشيرًا إلى انخفاض قيمة أسهم شركات متعددة مثل «روبن هود» و«زوم» في أمريكا. لكن، يضيف إسماعيل، أن السوق الأمريكي «مخضرم» في عمليات إعادة التقييم بسبب الخبرة الكبيرة التي راكمها المستثمرون والشركات الناشئة هناك على حدٍ سواء.

«في مصر، الشركات بتخلص الفلوس الاستثمارية، فبتقفل تاني يوم»، يقول إسماعيل، مشيرًا إلى غياب الخبرات المالية لدى مؤسسي الشركات الناشئة. «بنيجي على شركة بقالها سنة أو سنتين، وندي الناس دي 300-400 مليون جنيه، وهما أصلًا أكبر مبلغ مسكوه كان 100 ألف جنيه. هيشتغل إزاى؟»، يتساءل إسماعيل.

يؤكد على ذلك رائد الأعمال الذي تحدث مشترطًا عدم ذكر اسمه، «معظم رواد الأعمال يبدأون دون خبرة مالية وإدارية كبيرة وآليات للحوكمة. يجد نفسه متحكمًا في استثمارات كبيرة. الصناديق عادة لا تتداخل معه في العمل اليومي ويقوم عملها على متابعة نتائج الأعمال لا على متابعة عملية الإدارة».

يشير أحمد إلى تحدي آخر يضاف إلى أزمة انخفاض التقييم، وهو غياب القوانين التي تحكم «سين» الشركات الناشئة في مصر.

يشير أحمد إلى أن البيئة التشريعية المصرية لا يتواجد بها قوانين خاصة بالشركات الناشئة، فأغلب الشركات تعمل ضمن حدود قوانين  شركات المساهمة وشركات التوصية بالأسهم والشركات ذات المسؤولية المحدودة، وهي القوانين التي تنظم عمل الشركات الاعتيادية في مصر.

ويضيف إسماعيل أن الأمر يسري على كل القوانين في مصر التي تنظم عمل الشركات بشكل عام. فمثلًا، في حالة الضرائب، تعاني الشركات الناشئة لتوفيق أوضاعها، موضحًا: «الضرائب مش بتصدق لما بتقول إنك مكسبتش جنيه في أول 3 سنين».

 أما أحمد فيشير إلى قوانين الإفلاس، والتي تم تعديلها عام 2021. لكن حتى بعد التعديلات، تظل دائمًا هناك أزمات في إعلان الشركات إفلاسها، خصوصًا فيما يتعلق بالشركات الناشئة. «في مصر تفتح الشركة في أسبوع، لكن تقفلها في سنتين»، يقول أحمد، مشيرًا إلى أن «كابيتر»، أو أي شركة ناشئة أخرى، كان بإمكانها أن تعلن إفلاسها بشكل قانوني لو كانت في دولة أخرى.

ويضيف أحمد أن غياب تلك القوانين هو الدافع الأساسي لبعض الشركات الناشئة في الخروج من مصر عند أقرب فرصة، مشيرًا إلى عدة شركات مثل «سويفل» و«فيزيتا» وغيرهم، الذين يتخذون مقرات خارج مصر، ويبقون على شركاتهم المصرية لتعمل كما لو كانت فروع لشركات أجنبية.

ويوضح أحمد «المشكلة مش بس في القوانين. لما الشركات دي بتاخد تمويل بتبقى عايزة تستثمره. وجزء من الاستثمار دا، ممكن يبقى توسع خارجي. وفي مصر، الفلوس بتدخل لكن مينفعش تخرج. مثلًا، لو شركة زي سويفل فلوسها كانت في مصر، إزاي كانت هتقدر تطلع الفلوس برة تشتري بيها شركة في أوروبا؟»

ويؤكد أحمد على إمكانية استفادة مصر من قطاع الشركات الناشئة المصرية، الذي، في وجهة نظره، ما زال واعدًا برغم الصعوبات، بسبب «بكر» السوق وحجمه، وهما العاملان الرئيسيان اللذان يسمحان للشركات بالنمو.

بالإضافة إلى ذلك، يشير أحمد إلى أن الشركات الناشئة بإمكانها أن توفر ملايين من فرص العمل بشكل أسهل من الشركات التقليدية، وهو ما يصب في مصلحة الاقتصاد المصري بشكل عام، مشيرًا إلى أن «أوبر في مصر بيشتغل فيها 270 ألف سواق. كل واحد فيهم عنده عيلة بيصرف عليها من دخله دا. دا معناه أكتر من مليون بني آدم، أو حوالي 1% من الشعب المصري بيعتمد على شركة واحدة علشان الدخل».

عن الكتّاب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن