الوجه الآخر للتطوير.. كيف يرى «أصحاب الأرض» صفقة «علم الروم»
«هتتزال هتتزال»، كانت هذه الكلمات التي قالها أحد القيادات الأمنية لعدد من سكان قرية سملا في مدينة مرسى مطروح، مطلع الأسبوع الجاري، تأكيدًا على أن منازل القرية ستُزال لتنفيذ المشروع الاستثماري الذي اتفقت الحكومة عليه مع شركة الديار القطرية، حسبما قال أحد سكان القرية لـ«مدى مصر».
بحسب المصدر السابق، وآخرين من سكان المنطقة، التقاهم «مدى مصر» في القرية، الاثنين الماضي، تكررت الزيارات الأمنية للقرية بشكل شبه يومي على مدار الشهر الماضي، متضمنة ما وصفوه بمحاولات إقناع الأهالي بإخلاء المنطقة، مع وعود بتعويضهم.
الزيارات الأمنية تقاطعت مع محاولات من موظفين تابعين لهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة لرفع مساحات المنازل، وهي خطوة بدأت قبل نحو شهرين، ولا يزال الأهالي يرفضونها ويمنعون تنفيذها حتى يتم الاتفاق على تعويض «عادل» مقابل أراضيهم وما عليها، فضلًا عن الاتفاق على ما يرونه أهم، وهو الحصول على أرض بديلة مناسبة لنمط حياتهم.
وبينما يمنع الأهالي إجراءات رفع المساحات، حاولوا، أمس، التصدي لعملية إزالة منزل حديث البناء في قريتهم، نفذتها قوة إزالة، تحت حراسة أمنية، ما أسفر عن إصابة أحد الأهالي، الذين أكدت لهم قيادة أمنية أنه تم فرض حظر تام على أي بناء جديد في القرية حاليًا.
كانت الحكومة وقّعت، الأسبوع الماضي، مع شركة الديار القطرية، عقود تطوير منطقة علم الروم، بمساحة 20.5 كيلومتر مربع، وواجهة شاطئية تمتد 7.2 كيلومتر، وهي الأرض التي خُصصت بقرار جمهوري، في أكتوبر الماضي، لصالح «المجتمعات العمرانية»، ضمن خطة حكومية للاستفادة من الأراضي الساحلية عبر استثمارات خارجية، بدأت العام الماضي بصفقة منحت الإمارات منطقة رأس الحكمة القريبة من «علم الروم».
لكن، وعلى عكس ما حدث في «رأس الحكمة»، لم تتضمن مراسم توقيع عقود «علم الروم» أي إشارة إلى البدائل المتاحة لسكان المنطقة، الذين يحاولون حاليًا تنظيم أنفسهم لضمان الحصول على حقوقهم.
«سملا» هي قرية مترامية الأطراف في منطقة علم الروم، عند المدخل الشرقي لمدينة مرسى مطروح، وتشرف على ساحل البحر المتوسط، منازلها البدوية متباعدة، وكلها من طابق واحد، تحيط بمساحات من أشجار الزيتون والتين، ويحدها الطريق الدولي الساحلي، فيما يربطها بقلب المدينة طريق «علم الروم»، الذي بدأت الدولة في إعادة رصفه قبل عدة أشهر، بحسب الأهالي.
تجاور القرية أرضٌ أعيد تخصيصها لـ«المجتمعات العمرانية»، بعد استعادتها من شركة دلة البركة السعودية، التي سبق واشترتها من الأهالي في الثمانينيات، دون تطويرها، وهي الأرض التي نقلت تقارير صحفية، العام الماضي، عن مصادر حكومية، أن «المجتمعات العمرانية» اتفقت مع «دلة البركة» على مبادلتها بأرض أخرى في شرق القاهرة.
راقب الأهالي موظفي المجتمعات العمرانية وهم يرفعون المساحات في أرض «دلة البركة»، باستخدام طائرات مسيرة «درونز»، لكن حين حاول الموظفون البدء في تصوير أرض القرية وقياسها ووضع نقاط حدودها، منعهم الأهالي، مطالبين بمعرفة مصيرهم أولًا، كما لم يسمحوا بمحاولات متكررة لرفع مساحات البيوت والأراضي المقامة عليها.
في المقابل، يبدو موقف «أقلية» من قاطني المنطقة مغايرًا، وهم ملاك المنازل من المصطافين الذين اشتروا أراضي بشكل فردي قبل سنوات، وغالبًا ما ينتمون إلى محافظات أخرى. أحدهم، وهو موظف من القاهرة، يمتلك منذ سنوات منزلًا صغيرًا داخل حدود القرية، التقاه «مدى مصر» في أثناء انتظاره مندوبي «المجتمعات العمرانية»، موضحًا أنه جاء خصيصًا لرفع مساحات بيته، «أول ما سمعت عن الصفقة جيت مخصوص عشان أرفع مقاسات البيت»، مؤكدًا أن آخرين من «المصطافين» موقفهم مماثل.
«أنت عارف إنك كده بتضرنا»، يقول أحد أهالي القرية للمصطاف القاهري، لافتًا إلى موقفهم من رفع المساحات قبل الاتفاق على التعويض والبدائل، ليرد الأخير: «أنا شخصيًا مش متضرر.. وأنا عارف إن الدولة هتزيل المنطقة، وما باليد حيلة».
وعلى الرغم من تمسك أهالي «سملا» بوقف إجراءات الرفع حاليًا، فإنهم لا يمانعون ترك القرية، بحسب ما أجمع عليه الأهالي الذين تحدثوا إلى «مدى مصر»، مؤكدين أن الأولوية هي الحفاظ على نمط سكنهم، وكذلك نمط حياتهم المعتمدة على الزراعة.
«عاوز حاجة توكّل العيال عيش، ولّا هنبقوا لَبَط [مجرمين]؟!، إحنا ناس عرب، الوظيفة بتاعتنا هي المزرعة [الزراعة]»، يقول الشيخ عبد الله، وهو أب وجد لـ58 ابنًا وحفيدًا، مشيرًا إلى اعتمادهم على زراعة التين، والزيتون الذي يستفيدون من بيع زيته بسعر أعلى من بيع المحصول نفسه، فضلًا عن زراعة الشعير والقمح، وإن كان الاعتماد عليهما بدرجة أقل، بسبب الظروف المناخية من ارتفاع درجات الحرارة أو نقص الأمطار.
وبينما يشير سعيد، أحد شباب «سملا»، إلى الفرصة الاقتصادية المباشرة التي قد يتيحها إقامة المشروع الاستثماري عبر الاستعانة بسكان المنطقة كمقاولين من الباطن أو موردين لمواد البناء، كما حدث في مناطق مشابهة، لكنه يؤكد أن «ده ما يغنيناش عن أرضنا برضه»، موضحًا أن تلك الأعمال تعد مكسبًا لمرة واحدة، لا يمكن أن تعوض مصدر رزقهم الدائم من الزراعة والرعي، فضلًا عن تعويض خسارتهم لنمط سكنهم.
تمسك الأهالي بمنع رفع مساحات أراضيهم ومنازلهم يعكس رفضهم لما تطرحه الدولة، ممثلة في هيئة المجتمعات العمرانية، من تعويضات، بحسب أربعة من أبناء «سملا» التقاهم «مدى مصر»، أوضحوا أن مندوبين من الهيئة التقوا عشرات الأهالي مرتين خلال الشهر الماضي، وعرضوا عليهم تصور الدولة للتعويضات: عشرة آلاف جنيه مقابل متر البناء، و300 ألف مقابل فدان الأرض، وألف جنيه مقابل شجرة الزيتون.
في المقابل طالب الأهالي خلال الاجتماعين برفع تلك القيم إلى: 30 ألف جنيه لمتر المباني، ومليون و200 ألف جنيه لفدان الأرض، وعشرة آلاف جنيه للشجرة، بحسب سعيد، الذي حضر أحد الاجتماعين.
ولم يتطرق النقاش الدائر حول التعويضات بعد إلى مسألة الآبار، التي لم يتفق الأهالي أنفسهم على تقدير مناسب لها، كما لم توضح الدولة مقترحها بشأنها، حسبما يقول سعيد، الذي أشار إلى أن الاعتراضات على التعويضات الأساسية خلال الاجتماع الذي حضره، منعت الوصول إلى بند الآبار، وهو الحال نفسه بالنسبة لبند الزرائب، التي تؤوي أغنام أهالي القرية ممن يعتمدون على الرعي كمصدر لكسب العيش.
مقترح الدولة لتعويض الأهالي تضمن أيضًا حصولهم على أرض بديلة في الجهة الجنوبية من الطريق الساحلي، في منطقة تعرف بـ«الغابة الشجرية»، بحسب الأهالي، الذين قالوا إن ممثلي «المجتمعات العمرانية» أوضحوا خلال الاجتماعات أن التعويضات والأرض البديلة لن ترتبط بامتلاك عقود ملكية مسجلة من عدمه، «قالوا لنا في الاجتماع ما يخصناش موضوع العقود دي، وكله هياخد زي بعضه، اللي معاه عقد أزرق (مسجل) زي اللي ما معاهوش»، يقول الشيخ عبد الله.
ولا يستطيع سكان «سملا»، وغيرها من مناطق الساحل الشمالي الغربي، تسجيل أراضيهم أو التصرف فيها حاليًا، في ظل قرارات فنية صدرت تواليًا خلال السنوات الخمس الأخيرة، تمنع تسجيل الأراضي في الشهر العقاري أو نقل ملكيتها، بحسب منشور فني صدر عن وزارة العدل في نوفمبر الجاري، اطلع عليه «مدى مصر»، يحظر توثيق أو اتخاذ إجراء قانوني على قطع الأراضي الواقعة غرب منطقة رأس الحكمة.
وتضمن مقترح الدولة لتخطيط المنطقة البديلة منح كل أسرة مساحة 300 متر مربع كحد أقصى، رفعها المندوبون خلال أحد الاجتماعين إلى ألف متر، مقابل 200 جنيه للمتر، على أن تكون الأرض الجديدة «مسجلة»، في حين يملك الكثير من سكان الساحل الشمالي أرضهم بحكم «وضع اليد».
«واخد الـ200 جنيه عشان يديهالي متسجلة!» يقول الشيخ عبد الله، «هيديني متر الأرض الفاضية بـ200 جنيه، يبقى الفدان بكام؟ 840 ألف، وهو واخد أرضي بـ300 ألف!.. يرضي مين ده؟، قُولت له يومها: أجيب منين؟ ما معاييش فلوس، قال لي نديهالكم بالتقسيط زي بعضه»، ثم يتساءل مستنكرًا: «طيب إحنا هنطلعوا نبني ولّا نبات في الشارع؟».
في المقابل، تعد الدولة بأن تتضمن الأرض الجديدة مدارس ومستشفى ومرافق متكاملة، وهو ما يتشكك فيه الأهالي، حسبما أوضح سعيد، الذي قال إن تجربة أهالي رأس الحكمة تكشف كيف يمكن التراجع عن تلك الوعود، «راحوا الأرض الجديدة ما لقيوش حاجة من الوعود، ولا مدارس ولا مستشفيات، وكانوا خلاص سابوا أرضهم واللي كان كان»، على حد قوله، بعدما أشار إلى ارتباطهم مع أهالي رأس الحكمة وغيرها من مناطق الساحل الشمالي الغربي بعلاقات عائلية وعشائرية قوية.
كانت وزارة الإسكان أعلنت، الشهر الماضي، انتهاء أعمال الكهرباء والإنارة في منطقة شمس الحكمة، البديل المخصص لأهالي «رأس الحكمة»، بينما لا تزال أعمال تجهيز باقي المرافق، بما فيها المدرسة، ضمن ما يوجه الوزير بسرعة إنجازه، بعد قرابة عامين من الإعلان عن المشروع الإماراتي.
يشير سعيد إلى أن أهالي القرية شكّلوا لجنة قوامها 15 شخصًا، لتمثيلهم في التفاوض مع الدولة، تتولى حاليًا صياغة مطالبهم كاملة، إلى جانب لجنة أخرى تضم 45 شخصًا، اقترح نواب برلمانيون تكوينها، كمستوى أوسع من التشاور يضمن أيضًا تمثيلًا للنظام القبلي بفروعه، بحسب سعيد، الذي أوضح أن مقترح تشكيل لجنة الـ45 جاء خلال اجتماع أعقب الإعلان عن صفقة «علم الروم»، وتعهد فيه النواب الحاليون، إلى جانب مرشح في الانتخابات الجارية، برفع مطالب الأهالي إلى رئيس الجمهورية بعد انتهاء الانتخابات البرلمانية.
وفي ظل افتقار قرية «سملا» حاليًا لأي خدمات صحية، ولا يوجد بها سوى مدرسة ابتدائية فقط، تتضمن مطالب الأهالي تأسيس قرية كاملة المرافق قبل انتقالهم إليها، على أن تشمل مستشفى ومدارس لجميع المراحل التعليمية، مع ضمانات بعدم تهجيرهم مجددًا.
كما يطالب الأهالي، ضمن قائمة المطالب الجاري صياغتها، أن تشمل المنطقة البديلة قطع أراضٍ لا تقل مساحة الواحدة منها عن ستة فدادين، لتضم كل منها عائلة كاملة لا أسرة واحدة، بما يسمح باستمرار نمط حياتهم الحالي، «أنا وأربعة إخواتي وعيالهم عايشين في بيت واحد، وبقية إخواتي في بيوت جنبينا، عاوزين نفضل كده»، يقول سعيد، وهو عضو في لجنة الـ15، موضحًا أن مطلب المساحات الأوسع مرتبط باحتياجهم للزراعة، «لما أنا هاخد التعويض ابني بيه، وأقعد في حتة أرض ضيقة ما تجيش ربع فدان، أومال هـ أزرع فين وأصرف على بيتي منين؟».
وتظهر زيارة القرية الفارق الواضح في حجم ملكية الأراضي الزراعية مقارنة بمحافظات الدلتا مثلًا، والتي تتفتت فيها الملكية في ظل ارتفاع الكثافة السكانية بالنسبة إلى حجم الأراضي الزراعية، على عكس الوضع في «سملا»، إن لم يكن في جميع مناطق الساحل ومحافظة مطروح، ما ينعكس على نمط البناء المقتصر على بيوت من طابق واحد، بعكس المنازل الريفية التقليدية في الدلتا، والتي تشمل عدة أدوار.
بخلاف ما تحاول ضمانه مستقبلًا لمن سينتقلون للحياة في المنطقة البديلة، تبحث لجنة الـ15 أيضًا مصير المقابر، التي أغفلتها الدولة حتى الآن، حسبما يقول شعبان، وهو عضو آخر في اللجنة، أوضح أن القرية الحالية بها خمس مقابر، تضم كل منها ما لا يقل عن 500 جثمان، وترى اللجنة أن الحل المطروح من الدولة يجب أن يتضمن إنشاء مقابر جديدة في القرية البديلة، ونقل الرفات إليها على نفقة الدولة.
جميع الأسماء المذكورة في التقرير مستعارة، بالاتفاق مع المصادر، حفاظًا على أمانهم.
تقارير ذات صلة
«مفيش فلوس نضيفة»: مُعضلة الشركات الناشئة في عالم رأسمال اليوم
كيف يُمكن لشركة محلية تتمسك بقيّم مُحددة تتعلق بالموقف من القضية الفلسطينية وإسرائيل الآن؟
خلاف داخلي في «جهينة» يكشف أزمات الاستثمار الأجنبي والمنافسة في مصر
رغم التراجع، فإنه لا يعني انتهاء الخلاف تمامًا، في ظل استمرار المخاوف المتعلقة بتضارب المصالح
«اتفاقية الحماية» أمل جديد لحل مشكلات الاستثمار السعودي في مصر وتدفق ملياراته
أعرب مدبولي عن «رغبة» المستثمرين السعوديين في ضخ استثمارات بقيمة تتراوح بين 10-15 مليار دولار
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن