خلاف داخلي في «جهينة» يكشف أزمات الاستثمار الأجنبي والمنافسة في مصر
تراجعت الجمعية العمومية لشركة «جهينة»، كبرى شركات منتجات الألبان في مصر، عن تعديل أدخلته في أغسطس الماضي على نظامها الأساسي، استهدف منع شركة «بلدنا» القطرية، ثاني أكبر مساهمي الشركة، من الحصول على مقعد في مجلس الإدارة، بحسب بيان صادر عن «جهينة» صباح اليوم اطلع عليه «مدى مصر»، فضلًا عن إفصاح إلى البورصة، أمس.
كان التعديل الذي أدخله مجلس الإدارة قبل التراجع عنه، استحدث شرطين إضافيين لأي من المساهمين للترشح لعضوية المجلس، يقضيان بعدم ترشح أي مُساهم يعمل بنشاط «مُشابه ومُنافس»، أو أن يكون شريكًا مُساهمًا في شركة منافسة.
ورغم هذا التراجع، فإنه لا يعني انتهاء الخلاف تمامًا، في ظل استمرار المخاوف المتعلقة بتضارب المصالح، نظرًا لتشابه نشاط «بلدنا» مع نشاط «جهينة»، لا سيّما بعد إعلان الشركة القطرية، قبل عامين، عن استعدادها لدخول السوق المصري باستثمارات تصل إلى 1.5 مليار دولار، عقب توقيع مذكرة تفاهم مع الحكومة المصرية، إلى جانب المنافسة المحتملة في أسواق أخرى خارج مصر.
ظهرت هذه المخاوف في مداخلة المستشار القانوني للشركة، محمد عبد الفتاح، مع برنامج عمرو أديب، حين حذر من أن انضمام شركة منافسة مثل «بلدنا» إلى مجلس الإدارة يمنحها الاطلاع على استراتيجيات الشركة وتفاصيل عملها، بما قد يُستخدم لاحقًا في المنافسة ضدها. «أنا جوه المجلس بناقش استراتيجيات وأسواق وخطط إنتاج وأسعار وحجم تكاليف، وممكن أروح أنافس بره»، يقول عبد الفتاح في إشارة إلى «بلدنا».
مسؤول سابق في جهاز حماية المنافسة، تحدث إلى «مدى مصر» مشترطًا عدم ذكر اسمه، اتفق مع هذا الطرح، معتبرًا أن وجود شركة تمارس النشاط الاقتصادي ذاته داخل مجلس إدارة شركة أخرى، يُضر مباشرة بالمنافسة، بسبب الاطلاع على معلومات يمكن استغلالها لاحقًا.
ورغم ذلك، حرص بيان الشركة الصادر اليوم على التأكيد على أن التعديلات التي أُقرت على النظام الأساسي، بصيغتها الجديدة والتي تمثل تراجعًا عن التعديل السابق، تمت «بالإجماع [...] بما يعكس توافق المساهمين الكامل على القرارات التنظيمية المطروحة»، ما يعكس رغبةً في إنهاء الخلاف الذي انعكس على استقرار الشركة، خاصة أن بياناتها المالية للأشهر التسعة الأولى لأداء الشركة، والمُعلنة في نوفمبر الماضي، أظهرت انخفاضًا في الأرباح نتيجة ارتفاع تكاليف المبيعات، تبعها انخفاض قيمة أسهم الشركة بنسبة 27%.
وتعود جذور الأزمة إلى أواخر العام الماضي، حين حاولت «بلدنا» ترشيح ممثل لها في انتخابات مجلس إدارة «جهينة» التي عقدت في ديسمبر 2024، إلا أن الجمعية العمومية رفضت الترشيح بناءً على اعتراض مجلس الإدارة وقتها، بسبب ما اعتبره شبهة تضارب مصالح.
وفي نهاية يوليو الماضي، دعت «جهينة» إلى جمعية عامة غير عادية، لمناقشة بنود روتينية، مثل التصديق على تقرير مراقب الحسابات والقوائم المالية وتقرير مجلس الإدارة عن نشاط الشركة، قبل أن تُلحق الدعوة باستداراك، أُضيف بعد يومين، يوضح أن البند الثالث من جدول أعمال الجمعية سيكون النظر في تعديل المادة رقم 22 من النظام الأساسي للشركة (أي اللائحة الداخلية المُنظمة لها). وكان واضحًا أن التعديل هدفه قطع الطريق على الشركة القطرية للحصول على تمثيل في مجلس الإدارة.
بدورها، اعترضت الشركة القطرية على إدراج هذا التعديل في جدول أعمال تلك الجمعية العامة، إلا أن مجلس الإدارة تجاهل الاعتراض، بدعوى أنه لم يُرسل خلال المُهلة القانونية لتلقي الملاحظات قُبيل الجمعية، بحسب محضر الجمعية.
وفي اجتماع الجمعية العامة، أغسطس الماضي، عارض المساهم القطري صراحة التعديل، مُعتبرًا أن صيغة «نشاط مُشابه» التي أدرجت في التعديل «وصف يحتمل التأويل وبالتالي باطل»، كما رأت «بلدنا» أن وصف «منافس» غامض، مُستدلة بقانون «حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية»، الذي ربط المنافسة بسوق كائنة أو موجودة. وتساءلت الشركة القطرية عن «ماهية معيار المنافسة؟» و«ما هو السوق الذي قرره التعديل»، مُعتبرة توصيف السوق غير واضح، بحسب ما ورد بمحضر الجمعية، في إشارة إلى أن «بلدنا» تعمل بالسوق القطرية وليست المصرية.
في المقابل، دافعت الإدارة القانونية لـ«جهينة» عن صحة التعديل، مستندة إلى المادة (98) من قانون الشركات المُساهمة، التي تحظر على عضو مجلس الإدارة لشركة أو مديرها «الاتجار لحسابه أو حساب غيره في أحد فروع نشاط الشركة» إلا بترخيص من الجمعية العامة، وإلا كان للشركة أن تطالبه بالتعويض أو اعتبار كافة العمليات التي باشرها لحسابه الخاص من حق الشركة، بحسب المحضر.
من جانبها، تقدمت «بلدنا» بشكوى رسمية إلى هيئة الرقابة المالية، التي تخضع لها الشركة بسبب إدراجها بالبورصة، لتقرر الهيئة وقف وتعطيل المادة محل الخلاف، استنادًا إلى صلاحياتها بموجب المادة 10 من قانون سوق رأس المال، معتبرة أن التعديل يحرم فئة من المساهمين من حق قانوني، ويؤدي إلى «تمكين فئة واحدة من المساهمين من السيطرة على مجلس الإدارة»، بحسب بيان الهيئة.
وأوضحت الهيئة أن المادتين (97) و(98) من قانون الشركات المساهمة تنُظمان مسألة تعارض المصالح، معتبرة أن «جهينة» تفادت هذا التعارض بشكل مُسبق واحترازي، بينما يقتصر دور المواد المذكورة على منع تعارض المصالح حال وقوعه، أي حين يحاول المساهم الاستثمار أو ممارسة نشاط مُنافس، من خلال عدم الترخيص له أو إقصائه من مجلس الإدارة.
فيما اعتبر مجلس إدارة «جهينة» أن شكوى «بلدنا» محاولة من المُساهم القطري للدخول إلى مجلس إدارة الشركة عبر تجاوز القيود والشروط اللازمة لذلك ضمن إطار القانون، مُؤكدًا على حق الجمعية العمومية في التدخل «إذا ما ارتأت خطرًا على استثماراتها» بهدف «حماية وتأمين هذا الاستثمار».
وبينما ردد الإعلامي عمرو أديب اتهامات لـ«جهينة» بمعرفتها المسبقة بطبيعة أعمال الشركة القطرية وقت حصولها على استثماراتها، فإن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أن «بلدنا» حصلت على حصتها عبر شراء أسهم حرة التداول في البورصة، وليس عن طريق شرائها من عائلة ثابت.
عبد الفتاح أوضح خلال مداخلته مع أديب، أن مجلس إدارة أي شركة لا يحق له منع أحد من شراء أو بيع أسهم الشركة بالبورصة، موضحًا أن الاستثمار في حدّ ذاته، حتى إن كان من مُستثمر يمارس نشاطًا مشابهًا، لا يتعارض مع حماية الشركة وحقوق ملكيتها الفكرية لمنتجاتها، بسبب وجود أطر قانونية تنظم قواعد المنافسة والاستثمار وتمنع تضارب المصالح حين تكون أنشطة الشركات مشابهة. وأشار عبد الفتاح إلى أن الاستثمار في أسهم الشركة يختلف عن تمثيلها في مجلس الإدارة، الأمر الذي يمنحها مزايا مختلفة قد تضر بهذه المنافسة.
من جانبه، أوضح مسؤول «حماية المنافسة» أن امتلاك حصص أقلية يأخذ شكلين: الأول هو ما يُعرف بالملكية السلبية «passive shareholding»، حين يضخ المساهم استثمارات ويجني الأرباح وفقًا لحصته نهاية كل عام، ويقتصر اطلاعه على البيانات التي تفصح عنها الشركة للعامة من بيانات مالية وإفصاحات للبورصة وغيرها، دون أن يكون له تأثير مادي على السوق، وبالتالي دون شبهة تضارب مصالح.
أما النوع الآخر هو ما يُعرف بالملكية النشطة «active shareholding»، حيث يتمتع المُساهم بتأثير مادي على الشركة والسوق، وبالأخص الاطلاع على «معلومات تجارية حساسة للشركة»، ما يخلق شبهة تضارب مصالح تضر بالمنافسة العادلة. وهو النمط الذي تسعى «بلدنا» إلى بلوغه، بحسب المسؤول.
تأسست «جهينة» في مطلع الثمانينيات، وتحولت إلى عملاق بسوق منتجات الألبان، مستحوذة على نحو 65% من سوق الألبان في مصر، إلى جانب نسبة كبيرة في منتجات أخرى، واعتمد تفوقها بالأساس على «شبكة توزيع استثنائية». وتمتلك شركة «فرعون للاستثمارات المحدودة»، المملوكة بالكامل إلى عائلة صفوان ثابت، 51% من أسهم «جهينة»، مقابل 16.25% لـ«بلدنا»، و11% لشركة «ريمكو للاستثمارات» الإماراتية، بينما يُتداول نحو 22% من الأسهم في البورصة.
ويتكون مجلس إدارة الشركة، والذي تنتهي فترته القانونية في ديسمبر 2027، من تسعة أعضاء، تسيطر عائلة ثابت علىى ثُلثيّهم (بقيادة سيف ثابت، نائب رئيس مجلس الإدارة والنجل الأكبر لصفوان)، إلى جانب رئيس مجلس الإدارة وعضوين آخرين، فيما لا تحظى «بلدنا» بأي تمثيل داخله.
وتعمل شركة «بلدنا» القطرية في قطاع الألبان ومشتقاته، إلى منتجات غذائية أخرى، ولديها سلسلة إنتاج مُتكاملة. وقد حققت نموًا متسارعًا في أعقاب المقاطعة التي فرضتها دول مجلس التعاون الخليجي على قطر، ما أدى إلى توقف شركة «المراعي» السعودية عن إمداد السوق القطرية، لتجد «بلدنا» فرصة للنمو، وهو ما حدث بالفعل.
ودخلت «بلدنا» السوق المصرية أول مرة في مارس 2022، مع استحواذها على نحو 5% من أسهم «جهينة» عبر عمليات شراء للأسهم من السوق، قبل أن ترفع حصتها إلى 10% خلال شهرين، ثم إلى 15% خلال أقل من عام، وصولًا إلى 16.25% حاليًا.
ورغم الإعلان عن نيتها ضح استثمارات جديدة في مصر، فإن «بلدنا» لم تبدأ في تنفيذ هذه الخطط حتى الآن، ما يرجح تفضيلها شراء حصص في شركات مصرية قائمة بالفعل وليس بدء استثمارات جديدة، وهو ما يتفق مع النمط العام لمعظم الاستثمارات الخليجية في مصر.
وتزامن تكوّين «بلدنا» لحصتها في «جهينة» مع اعتقال مؤسس الشركة، صفوان ثابت، الذي أسسها قبل نحو أربعين عامًا. مثّل اعتقال ثابت ذروة توتر علاقة العائلة بالدولة، الذي بدأ عام 2015 باتهام العائلة بالارتباط بجماعة الإخوان المسلمين، وصدور قرار عن لجنة حصر وإدارة أموال جماعة الإخوان المسلمين بالتحفظ على أموالها، أعقبه التحفظ على أسهمها في «جهينة»، ثم إدراج صفوان ثابت على قوائم الإرهاب بحكم قضائي من محكمة جنايات القاهرة، عام 2017، فيما تصاعدت المضايقات ضد العائلة لاحقًا، إذ ألقت قوات الأمن القبض محمد ثابت، شقيق صفوان ثابت في سبتمبر 2019، وبعد نحو عام، اعتقلت صفوان ونجله في غضون شهرين.
بعد اعتقال أفراد العائلة، نشرت صحيفة «الإيكونوميست» تقريرًا أشارت فيه إلى أن سبب اللاعتقال كان رفض الأب ونجله الرضوخ إلى ضغوطات الدولة للاستحواذ على «جهينة»، وهي الرواية التي دعمها كذلك تقرير صادر عن منظمة العفو الدولية، وكذلك تصريحات سابقة لمصادر مُطلعة لـ«مدى مصر».
أفرجت النيابة عن صفوان ونجله في يناير 2023، بينما ظل شقيقه محمد ثابت محبوسًا احتياطيًا لمدة خمسة أعوام قبل أن يُحال إلى المحاكمة منتصف العام الماضي، ولم يُفرج عنه حتى الآن، بحسب محامي العائلة، أحمد أبو العلا ماضي، لـ«مدى مصر».
وتلا الإفراج عن صفوان صدور حكم قضائي من محكمة الأمور المستعجلة برفع التحفظ على أمواله، قبل أن تقرر غرفة المشورة بمحكمة جنايات القاهرة شطب اسمه من قوائم الإرهاب، فيما لم يعد صفوان إلى مجلس إدارة «جهينة» منذ أن تنحى عن رئاسته بعد أسابيع من اعتقاله، إلا أن نجله سيف عاد إلى مجلس الإدارة، نائبًا لرئيسه ومديرًا تنفيذيًا، لتنتعش أسهم الشركة.
تقارير ذات صلة
«مفيش فلوس نضيفة»: مُعضلة الشركات الناشئة في عالم رأسمال اليوم
كيف يُمكن لشركة محلية تتمسك بقيّم مُحددة تتعلق بالموقف من القضية الفلسطينية وإسرائيل الآن؟
الوجه الآخر للتطوير.. كيف يرى «أصحاب الأرض» صفقة «علم الروم»
لم تتضمن مراسم توقيع عقود «علم الروم» أي إشارة إلى البدائل المتاحة لسكان المنطقة
«اتفاقية الحماية» أمل جديد لحل مشكلات الاستثمار السعودي في مصر وتدفق ملياراته
أعرب مدبولي عن «رغبة» المستثمرين السعوديين في ضخ استثمارات بقيمة تتراوح بين 10-15 مليار دولار
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن