لا حلوى لأطفال المدينة.. عن السكر المفقود في أسواق غزة
لم يستطع بلال أبو ستة تلبية رغبات أطفاله بالحصول على بعض السكاكر، التي وصل سعر الواحدة منها إلى نحو 20 شيكلًا، بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر على تشديد إسرائيل حصار قطاع غزة، ومنعها إدخال مختلف السلع الغذائية إليه، ومن بينها السكر وحاجيات الأطفال.
بات توقف الحرب حلمًا لأطفال أبو ستة، من أجل الحصول على قطعة حلوى، حسبما قال لـ«مدى مصر»، بينما بالكاد يتمكن من توفير وجبات الطعام الأساسية لأسرته، ويقف عاجزًا أمام غلاء أسعار أصناف الغذاء المتوافرة بكميات قليلة، وعلى رأسها السكر والمنتجات المحلاة، التي باتت رفاهًا لا يستطيع تحمل أسعارها، ليزداد شوق أطفاله المحرومين من قطعة شوكولاتة، أو حبة بوظة، فيما نسى الرجل نفسه أمنيته في شرب كأس من الشاي مُضاف إليه القليل من السكر.
مثل أبو ستة، يعجز عبد الله الحواجري، عن توفير الحاجيات حلوة المذاق وقطع الشوكولاتة لابنته ذات الأعوام الخمسة، حسبما قال لـ«مدى مصر»، مُضيفًا أن سعر قطعة الشوكولاتة الواحدة الذي كان يقترب من شيكلين قبل العدوان، وصل الآن إلى نحو 80 شيكلًا، بعدما باتت من الأصناف النادرة في أسواق القطاع المحاصر.
يتهرب الحواجري من الاقتراب من بسطات المواد الغذائية التي تعرض بعض الأصناف مرتفعة الثمن، عندما يسير مع ابنته، محاولًا تغطية وجهها، «كي لا ترى الشوكولاتة»، بينما يعلم شوقها لتذوقها، وهو غير قادر على إشباع رغبتها بالحصول على قطعة منها، حسبما قال، لافتًا إلى شعورهم بفقدان الطاقة من أجسادهم التي ينهكها التعب، نتيجة نقص السعرات الحرارية.
يحاول الحواجري تعويض نقص السكر وغلاء الأطعمة المحلاة، بتناول الخبز أو النشويات، التي ارتفعت أثمانها بدورها، إذ يبلغ سعر كيلوجرام الدقيق نحو 70 شيكلًا، بينما «نشرب الشاي دون سكر، فقط في محاولة لنخدع أنفسنا بأننا شربنا شيئًا غير الماء»، حسبما قال.
أما النازحة سيرين محمد، والتي نزحت من مسكنها المدمر في مدينة غزة، إلى خيمة في غرب المدينة، فحُرم أطفالها من الحلويات منزلية الصنع، التي اعتادت تحضيرها لهم من حين لآخر، وذلك لعدم توافر المواد الأساسية، كالسكر والسميد والسمن، فضلًا عن عدم توافر أدوات التحضير داخل الخيمة، حسبما قالت لـ«مدى مصر»، مضيفة: «الواحد نِفسه بإشي حلو، الطحين سعره وصل 70 ومش قادرين نوفره، عشان نجيب سكر».
وبينما تحدثت الأم الثلاثينية عن شوق أطفالها للحلويات المنزلية، قال الأب الأربعيني، عبد الرحمن صالحة، لـ«مدى مصر»، إن أولوياته في ظل حملة التجويع الإسرائيلية، باتت تنحصر في توفير وجبات الطعام الأساسية لأسرته، والتي تعتمد بنسبة كبيرة على البقوليات والمعلبات الغذائية في ضوء نقص الدقيق ومصادر البروتين المختلفة، مشيرًا إلى فقدانه نحو 30 كيلوجرامًا من وزنه نتيجة الجوع المستمر، «ما في خبز، هي وقفت ع السكر؟»، يضيف صالحة.
ومع اشتداد الحصار ومنع دخول الإمدادات إلى القطاع، استمرت أسعار السكر في الارتفاع، بداية من 100 شيكل للكيلوجرام في بداية الأزمة، وصولًا إلى 500 شيكل في الوقت الراهن، وسط تدهور القدرة الشرائية للمواطنين، بحسب مراسل «مدى مصر» في غزة، الذي تجوّل في أسواق المدينة بحثًا عن السكر، قبل أن يخبره أحد الباعة أنه «مقطوع نتيجة لإخفائه من قبل كبار التجار بهدف التحكم في أسعاره متى قرروا توفيره للمواطنين».
بعد بحث استمر ساعات، عثر مراسل «مدى مصر» على السكر عند أحد الباعة، معروضًا للبيع في أكياس صغيرة، يحتوي كل منها على 50 جرامًا، بسعر نحو 25 شيكلًا.
بالمقابل، كان لنقص السكر تأثير أخطر على مرضى السكري، وسط شح وغلاء المواد الغذائية المحلاة، التي لا غنى عنها عند انخفاض مستويات السكر بالدم، في ظل غياب الأدوية والعلاجات المنظمة له، بحسب شهادات عدد من الأهالي لـ«مدى مصر»، أشاروا فيها إلى أن غياب العلاجات ألجأهم إلى «كُباية شاي عليها 3 ملاعق سكر» أو قطعة حلوى، قبل أن ينعدم هذا الخيار بدوره.
محمد مطر قال إنه بحث في شوارع مدينة غزة لعدة ساعات عن بعض السكر من أجل والدته المصابة بالسكري، دون أن يعثر على شيء، مع تحوله إلى أحد أندر وأغلى الأصناف الغذائية، التي بات إيجادها بالغ الصعوبة إن لم يكن مستحيلًا، بسبب ارتفاع سعره إلى حدود غير معقولة، وفق ما قال مطر لـ«مدى مصر»، مُضيفًا أن والدته التي تسوء حالتها الصحية يومًا بعد يوم، بسبب قلة الطعام والدواء ونقص السكر في دمها، باتت معاناتها مُضاعفة نتيجة غياب السكر من نظامها الغذائي.
بدورها، كانت نجية محمود شاهدة على سقوط أحد جيرانها في مخيم نزوحها بغزة، نتيجة إصابته بغيبوبة سكر، وقالت لـ«مدى مصر»، إنهم بحثوا في كل أرجاء المخيم عن ملعقة سكر لحظة سقوطه، دون جدوى، ليفارق الحياة إثر مضاعفات نقص السكر الحاد في دمه.
أما يحيى حرب، الذي يعاني والده من السكري، وتزداد حالته سوءًا مع مرور الوقت بسبب نقص السكر في الدم، فقال لـ«مدى مصر» إن والده كاد أن يتعرض لنفس المصير المميت الذي شهدت محمود وقوعه، قبل أن يتمكن الأطباء من إنقاذه في اللحظات الأخيرة، بعد وصوله إلى المستشفى متأثرًا بإصابته بنقص السكر الحاد، نتيجة عدم تناوله منذ أسابيع، بعد اختفائه من الأسواق.
ويعاني أكثر من 80 ألفًا من مرضى السكري في القطاع، نتيجة نقص الدواء، فضلًا عن نقص كميات السكر في الدم، حسبما قال لـ«مدى مصر»، مدير المستشفيات الميدانية في وزارة الصحة بغزة، مروان الهمص، مُضيفًا أن الخطر يحيط بكثير من المرضى، بعد أن واجهوا مضاعفات وصلت إلى حالات بتر الأطراف بسبب نقص العلاج وبلوغهم مراحل «ميؤوس منها»، لا سيما فقدان الحياة لمرضى الأمراض المزمنة، نتيجة مستويات غير مسبوقة من سوء التغذية.
ويقضي واحد على الأقل من كل ثلاثة أشخاص من سكان القطاع المنكوب، أيامًا كاملة دون تناول الطعام، حسبما أفاد تقرير حديث صدر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة «أوتشا»، وأضاف أن المساعدات الغذائية المحدودة التي تدخل القطاع أقل من الاحتياجات الهائلة للسكان المحاصرين، كما أشار إلى أن المزيد من الأشخاص معرضون لخطر المجاعة.
ومنذ أواخر مايو الماضي، عندما بدأت السلطات الإسرائيلية تسمح بدخول كميات محدودة من المساعدات إلى غزة، اعترض مدنيون جائعون معظم الشاحنات التي تحمل مساعدات غذائية، وفق تقرير «أوتشا»، الذي توقّع أن «أسوأ سيناريو للمجاعة» يزداد احتمالًا، نتيجة العمليات العسكرية واسعة النطاق، والعجز المستمر عن إيصال السلع والخدمات الأساسية.
تقارير ذات صلة
كيف اعترفت إسرائيل بصوماليلاند دولة مستقلة؟
تعود الاتصالات بين مسؤولين إسرائيليين وآخرين من صوماليلاند إلى ما لا يقل عن أربع سنوات
«ضاق المخيم»: اللاجئون الفلسطينيون في لبنان بين الحرب والحصار
بينما يتصاعد عدوان الاحتلال يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان خطر الحرب والنزوح في بيئة معقدة
«صحاب الأرض» و«أرض محرمة».. قراءة مقارنة
كلا العملين مقدم للعالم وليس مجرد استهداف محلي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن