تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
كيف نمتلك قصصنا ونرتب سردياتنا؟ 

كيف نمتلك قصصنا ونرتب سردياتنا؟ 

كتابة: ياسمين الرفاعي 23 دقيقة قراءة

منذ أيام «Mad Men» و«Breaking Bad»، صارت المسلسلات التليفزيونية الجيدة في حياتي بمثابة سراب، يخيل لي أني أطارده فيما أقلّب بين العناوين المعروضة على «نتفلكس»، حيث يغيب العقل ويسود المحتوى «الميديوكر» في آن. لذا، حين شاهدت «I May Destroy You» (قد أدمرك) -المسلسل الذي استقبل بحفاوة نقدية بالغة، من كتابة وبطولة ميكايلا كول- في نهاية الصيف الماضي، كنت أشعر بحماس من وصل إلى مراده بعد طول بحث: أخيرًا وجدته! (المسلسل من إنتاج BBC وHBO، ومتاح في مصر على منصة عرض OSN). 

يتمحور المسلسل حول فكرة التراضي الجنسي، وتدور حبكته الرئيسية حول واقعة اعتداء جنسي واغتصاب تتعرض لها البطلة، أرابيلا، التي تقوم كول بدورها. أرابيلا، التي يضع مغتصبها مخدرًا في مشروبها ليلة ارتكابه للجريمة، لا تتذكر ما حدث سوى في هيئة ومضات مرتبكة ومتشظية. المسلسل مقتبس عن تجربة شخصية، حيث تعرضت كول ذاتها إلى الاعتداء الجنسي، الأمر الذي تحدثت عنه بشكل علني عام 2018.

أرابيلا كاتبة لندنية، انتقلت لتوها من عالم وسائل التواصل الاجتماعي -حيث أصبحت نجمة بعد كتابها الأول «Confessions of a Fed-Up Millennial»، الذي نشرته ذاتيًا- إلى عالم النشر التجاري، حيث تعمل على تسليم مسودة من كتاب جديد تعاقدت عليه مع دار نشر معروفة. هكذا تكون حين نقابلها في بداية المسلسل: منطلقة اجتماعيًا، دافئة، منفتحة مع الغرباء ومع معجبيها كما هي مع أصدقائها المقربين. ذات ليلة، تأخذ استراحة أثناء العمل على مسودتها -المقرر تسليمها في صباح اليوم التالي- وتذهب إلى لقاء صديق في إحدى الحانات القريبة، وهناك يتم الاعتداء عليها. 

يأخذنا المسلسل في رحلة إدراك أرابيلا لما حدث لها، وتحولها من شابة مرحة ومغامِرة إلى محارِبة من أجل العدالة الجنسية، تستخدم منصاتها على مواقع التواصل الاجتماعي وغضبها العميق في فضح المغتصبين وإطلاق الحملات ضد العنصرية والذكورية باستخدام لغة رنانة نألفها جميعًا في يومنا هذا: الرجال البيض، والنظام الأبوي، والحقيقة. يتناول المسلسل الالتباس الأخلاقي والتعقيدات التي تظهر في حياة مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي بشكل نقدي لكن دون وعظ. في معالجته لأرابيلا كإحدى «وحوش» السوشيال ميديا -وكذلك في تصويره لباقي الشخصيات- يرفض المسلسل لصق صفة الخير أو الشر بأحد، فالكل قادر على هذا وذاك.

تغلق أرابيلا حساباتها إثر ضغط مواقع التواصل عليها، وهنا نشاهد كاتبة تصارع مع معضلة: كيف تحكي قصتها؟ هل من الممكن إيجاد شيء من التصالح بعد صدمة نفسية كتلك التي اختبرتها؟ ماذا يعني التعافي أصلًا، وكل من حولك في هذا العالم منتهَك بشكل أو بآخر؟ 

هذا هو أكثر ما أثار دهشتي أثناء مشاهدتي لحلقات كول المحكمة والمركبة، والتي أدى فيها الممثلون أدوارهم بعناية فائقة: كيف فعلتها؟ كيف تمكنت كاتبة ومخرجة شابة، سوداء، من صنع مسلسل تليفزيوني ليس فقط ممتعًا، ولكن أيضًا يدفع بمشاهديه إلى التفكير بجدية في نوع من الانتهاك عادة ما يتفاعل معه الجماهير على المستوى العاطفي فقط؟ 

جزء من الإجابة هو أن كول تشمل أفراد مختلفين من دائرتها الاجتماعية في قصتها، لترينا كيف يأخذ كل من الاغتصاب والنجاة والتضامن أشكال متنوعة. الجانب الآخر من الإجابة، أعتقد، يكمن في أنه رغم كون المسلسل عن التراضي الجنسي -وهكذا تم تسويقه- إلا أنه أيضًا عن صناعة الفن في ظل الرأسمالية. نشاهد كيف تتعامل أرابيلا مع صناعة النشر التي صار القائمون عليها مدفوعين فقط -ودون محاولة لإخفاء ذلك- بالأرقام، وصارت هي ذاتها بداخلها سلعة، لا فنانة. في تعامله مع التراضي ومع الرأسمالية، يستكشف المسلسل طبقة مزدوجة من التأليف، ومن امتلاك القصص: يعد الكتاب الذي تؤلفه أرابيلا عن تجربة اغتصابها موازيًا للمسلسل الذي صنعته كول في الواقع.

كان الزخم حول قضية العنف الجنسي في مصر -من الناحية الخطابية والتنظيمية- حادثًا بالفعل حين شاهدت «I May Destroy You» للمرة الأولى. بحثت عن عذر لمشاهدته مرة أخرى، ولإيجاد أشخاص أناقشه معهم، أشخاص كانوا هنا في نفس الأثناء. 

شاهدته بالفعل بعد مرور عدة أشهر بصحبة سلمى الطرزي وروزالين البيه. كنا نشاهد معًا ولكن أيضًا عن بعد، كل منا في منطقة زمنية مختلفة، ندردش في سلسلة مشتركة من الرسائل النصية فيما نشاهد حلقة تلو الأخرى. حين فرغنا من المسلسل، قمنا بإجراء مناقشة حوله على زووم، نست فيها سلمى أن غرض الاجتماع كان في الأساس نشر مقال حول الأمر. كانت تجربة قيّمة في كل الأحوال، وأنا أرشّح بشدة مشاهدة هذا المسلسل مع أشخاص تحبون مناقشة أعمال السينما والتليفزيون معهم. ستجدون الكثير لتتحدثون عنه. 

روزالين البيه، ممثلة وكاتبة، وسلمى الطرزي، صانعة أفلام وكاتبة وفنانة. 

caption

ياسمين الرفاعي: أنا استفدت كتير من مشاهدتي التانية للمسلسل، وأعتقد كمان أن الفُرجة عليه وأنا بتكلم معاكم خلتني أركز أكتر وأفكر بحساسية أكتر في اللي أنا بتلقاه. أنا عمري ما شفت أي عمل فني عن العنف الجنسي معمول بالشكل دا، قوي ومرن في نفس الوقت. كل فكرة وكل خط في القصة بيتم التعامل معاهم بشكل مفاجئ، أو من أكتر من زاوية، أو بيتشقلبوا خالص في الآخر بطريقة غير تقليدية. 

روزالين البيه: أنا متفقة معاكِ. مفيش أبيض وأسود، مفيش التقسيمة الواضحة دي؛ عمرك ما هتلاقي نفسك بتقولي بأريحية: «دا الصح ودا الغلط في الموقف دا». ساعات الواحد بيبقى عايز يتفرج على التليفزيون ويبقى فيه شخصيات معينة كارهها وشخصيات حاببها، من غير ارتباك، بس هي مش بتسمح لنا حتى نحس كدا في المسلسل دا، ودي حاجة جريئة جدًا، ومثيرة للإعجاب كمان، لأن المسلسل مقتبس من تجربتها الشخصية. 

سلمى الطرزي: أعتقد كمان أن إخراج الاغتصاب نفسه كان كويس جدًا. إحنا كنا جوا دماغها، مش بنبص عليها، وبالتالي مفيش «تشييء» ليها أو لجسمها. حتى وهي ظاهرة في اللقطة، مش بنحس إننا بنتفرج عليها، بنحس إننا معاها. ودي نقلة كبيرة في المنظور اللي المَشاهد دي بتتصور منه دايمًا، وحاجة نادرة جدًا. حتى أكثر المخرجات أو المخرجين تعاطفًا وحتى لو نواياهم كويسة جدًا، لما بييجوا يصوروا مشهد اغتصاب أو عنف جنسي، عادةً هيبقى غارق في الميلودراما أو فيه مبالغة في الصعبانيات أو هيبقى جنسي بزيادة -حادف على إغراء يعني- أو فيه شيء من الابتذال، دايمًا فيه حاجة مش بتظبط. وعادةً لما صناع الأفلام بيفكروا في تصوير مشهد زي دا من وجهة نظر الضحية، اللي بيعملوه بشكل تلقائي هو إنهم بيحطوا الكاميرا ناحيتها، بحيث نبقى شايفين اللي هي شايفاه، فبنشوف وش الراجل الهيجان المتوحش وهو بيفترسها من زاوية واسعة، وبالنسبة لي دا بيرسخ نفس الشيء: التركيز برضه بيبقى على رغبة المغتصب، أو أيًا كان الشيء اللي بيحركه. 

روزالين: في الحلقة دي كنت ببص ع المغتصب وكل اللي بفكر فيه هو «إنتَ إزاي بتعمل كدا؟«، بس دا مش معناه إني ماكنتش شايفاها هي كمان. أنا مش فاكرة امتى آخر مرة مشهد اغتصاب خلّى الناس تتكلم عنه كتير كدا. في مسلسل «Orange Is the New Black»، أعتقد في الموسم التاني أو التالت، كان فيه مشهد اغتصاب مش بنشوف فيه حاجة غير «زووم» على وش الضحية. ساعتها ناس كتير اتكلمت وكتبت عنه باعتباره أخيرًا مشهد اغتصاب مش متصور من منظور ذكوري، بمعنى إننا مش بنشوف الضحية بشكل جنسي وفيه أي شيء من الإغراء، كل التركيز بيبقى على تجربتها وشعورها بالانتهاك دا وهو بيحصل لها. بس على الناحية التانية، الاختيار الإخراجي دا بيخلينا مانشفش المغتصب، مانواجهوش. اللي ميكايلا كول عملته كان مبتكر جدًا في إنه لقط الحاجتين: بيجبرك تشوف المغتصب وهو بيرتكب الجريمة دي، وفي نفس الوقت تفضل حاسس بأرابيلا من موقعها كضحية.  

ياسمين: بالنسبة لي، النقلة دي في المنظور تعتبر جزء من مشروع أكبر بنشوفه طول المسلسل، وإحنا جوا وعي أرابيلا نفسها والتغيرات اللي بتحصل فيه. الذروة بتحصل في لحظة مثيرة جدًا للتعاطف، بتهز المُشاهد فعلًا، لما بتبقى في القسم وذاكرتها لسة مش واضحة، بتفتكر مشاهد متقطعة لشخص ما بيُغتَصَب، وبعدين المحققة بتقف بشكل معين بيخليها تدرك إن هي اللي اغتُصبَت. اللحظة دي، اللي أرابيلا بتفهم فيها الموضوع وبتدرك أنه «دا كان أنا»... ما أعتقدش أن فيه أي مسلسل شفته في حياتي أثّر فيّ بالشكل دا. وحسيت بنفس الحاجة لما شفت المشهد دا تاني وتالت مرة. 

سلمى: حاجة تانية عجبتني طول المسلسل هي أن أرابيلا شخص غير مهندم وغير منمق إطلاقًا، في شكلها وحركتها وتصرفاتها. حتى في الأعمال اللي الاغتصاب مش بياخد فيها طابع جنسي إغرائي بشكل مقصود، دايمًا الضحية بتكون أنثوية جدًا، رقيقة جدًا، دايمًا بتكون جميلة. بس هنا طول المسلسل -حتى في المشاهد اللي أرابيلا بتمارس فيها الجنس- مفيش الأنثوية الحسيّة المبالغ فيها دي. ودا صادم جدًا بالنسبة للمُشاهد اللي عنده تصور لضحايا الاغتصاب عادةً بيكونوا عاملين إزاي. 

روزالين: أنا دايمًا بشير للموضوع دا لما الناس بتتكلم عن إزاي الشخصيات النسائية بيتم تصويرها في السينما والتليفزيون، بالذات لما تبقى شخصيات مفروض المُشاهد يتعاطف معاها. أثناء تصوير فيلم «تيتانيك»، في مشاهد غرق السفينة، المخرج جيمس كاميرون طلب إن كيت وينسلت تلبس لايف جاكيت (سترة نجاة) كبيرة عليها، عشان تبان أصغر جواها، وبالتالي أكثر هشاشة، والناس تتعاطف معاها أكتر. فهو شايف أن عشان الجمهور يتعاطف مع شخصية نسائية، الشخصية دي لازم تبان صغيرة، ضعيفة، كأنها طفلة. بس أرابيلا عمرها ما بتبان «صغيرة»، لا شكلًا ولا موضوعًا؛ مش محتاجة تدي أي إيحاء بالضعف عشان نتعاطف معاها. كأن المسلسل بيأكد أن النوع دا من الانتهاكات بيحصل للستات القويات والمستقلات، مش بس الستات اللي لا حول ليهم ولا قوة. بيحصل حتى للستات اللي «لا يمكن يحصل لها». 

سلمى: المسلسل عمومًا بيقول حاجات كتير وبيسجّل موقف واضح من غير محاضرات ومانيفستوهات. باستثناء الحلقة اللي أرابيلا بتشتغل فيها مع شركة ناشئة للأكل النباتي، وأصدقائها السود بينتقدوا الموضوع. أنا فاهمة قصدهم ومتفقة معاهم، بس أحب نتكلم أكتر عن الحلقة دي. 

روزالين: أنا شايفة أن دا كان نموذج كويس جدًا -هو والهوس بمواقع التواصل الاجتماعي اللي بتتطرق له بعد كدا- لإزاي أصوات الستات بيتم تسليعها. الشركة دي مثلًا صحابها كانوا متحمسين جدًا إنهم يشغّلوا معاهم ست سودا، بس في الحقيقة هم بيستغلوها عشان تروّج للشركة، مش أكتر. والجانب الأكبر من تجربة أرابيلا مع دار النشر أو على السوشيال ميديا عمومًا كان بيديني الإحساس دا، أن تجاربها الحقيقية بيتم تهميشها أو تحييدها عشان يبقى أسهل إنها تتعبّى لاستهلاك جمهور أوسع. 

caption

ياسمين: المسلسل اتعرض في 2020، بس هي بدأت تشتغل عليه في 2018، والفكرة جت لها وقت ما حملة #MeToo كانت حاصلة. ساعتها منتجين كتير في التليفزيون لقوا نفسهم محتاجين أعمال بتعكس الثقافة التقدمية اللي بقت مهيمنة على الخطاب العام وفيها تمثيل أكبر للأقليات وبتتناول القضايا اللي الرأي العام مشغول بيها وهكذا. النتيجة كانت كمية مهولة من المسلسلات السطحية والرديئة اللي ماكانتش بتعمل أي حاجة غير أنها بتسد خانات: ناقشنا القضايا صح، عندنا ممثلين شكلهم كذا.. إلخ. بس هي قدرت تتجاوز دا كله، بما فيه موضوع السوشيال ميديا. عرفت تشتبك بشكل نقدي مع اللغة اللي بنستخدمها في الكلام عن الأمور دي، وإزاي بيتم تجويفها بسرعة كبيرة جدًا، لدرجة إننا بنتحول لآلات وإحنا بنناقش القضايا دي أو بنكتب عنها على تويتر وغيره، وبنبقى مش قادرين ننفصل عن الـ«likes» أو ردود الفعل المختلفة اللي بنتلقاها على شبكات التواصل. إحنا محتاجين السوشال ميديا لأنها منصة وأداة مهمة، وأحيانًا مش بيكون عندنا غيرها. بس هي بتعمل فينا إيه في المقابل؟ مش عارفة لو شفتم الكلمة اللي ميكايلا قالتها في مهرجان إدنبره للتلفزيون -كانت موجهة لجمهور مكوّن من أهم الأشخاص وأكثرهم نفوذًا في الصناعة دي، من منتجين وغيرهم- وساعتها ناقشت حاجات زي العرق وسياسات الجندر من غير ما تستخدم اللغة اللي إحنا محاطين بيها في كل حتة؛ استخدمت مصطلحات جديدة تمامًا، زي كلمة misfits مثلًا (ومعناها الحرفي «الذين لا ينتمون») بدل minorities (الأقليات). 

روزالين: هي بتعمل كدا في المسلسل نفسه كمان، بتقول مثلًا كلمة raper في وصف المغتصب بدل rapist، وهي كلمة بتدي نفس المعنى ومشتقة من نفس الفعل لكن غير مستخدمة خالص تقريبًا. استخدامها للغة متأني جدًا، كل كلمة مقصودة. في نقاشات كتير بخوضها حاليًا جوا الصناعة بنستخدم كلمات رنانة تقريبًا فقدت معناها خلاص، زي «التنوع» (diversity) و«التضمين» (inclusion). ساعات بسأل نفسي طب هو إحنا بنبقى بنتكلم عن إيه بالظبط لما بنقول «تنوع» مثلًا؟ لما بنشيل الكلمات الكبيرة دي ونحاول نتكلم عن المعنى اللي وراها، دا بيجبر الواحد أنه يفكر بجدية في اللي هو بيتكلم فيه، بدل ما تفترض أن كله معاك على نفس الصفحة وتمام كدا. أعتقد عشان كدا المسلسل دا مثير جدًا للتفاعل والاشتباك، لأن السيناريو عمره ما بيعمل اللي أنت متوقع أنه يعمله. مش هتقدر تريّح كدا وتقول لنفسك: «أنا عارف الحلقة دي هيحصل فيها إيه»، جرّب حتى كدا (تضحك)... مش هيحصل. ودا أسلوبها كصانعة أفلام، هي بتتحدى توقعات المشاهدين. 

يعني مثلًا، أول مرة بنقابل حد من دار النشر اللي أرابيلا متعاقدة معاها، بيكونوا وكلاء أعمالها، اللي هما راجل أبيض وست بيضا. بعدين بتظهر صاحبة دار النشر في الصورة، سوزي هيني، واللي هي ست سودا، وبنتوقع إنها هتكون حليفة لأرابيلا، لأنها ست وسودا زيها وأكيد هتبقى متعاطفة معاها وفاهمة اللي بتمر بيه. بس دا مبيحصلش، بالعكس، الست دي بتبقى الخصم الرئيسي لأرابيلا في الخط بتاع دار النشر دا كله. 

ياسمين: أنا كنت بفكر في الموضوع دا برضه في مشهد لاحق في المسلسل، لما أرابيلا بتفلس وبتبقى عايزة دفعة من فلوس الكتاب -دفعة فوق الدفعة اللي هي واخداها بالفعل- وبتروح دار النشر، وخدت بالي إن هي كل مرة بتروح تشوف سوزي هيني بتركب الأسانسير الأزاز دا، وفكرت أن الموضوع دا بيقول حاجة عن إزاي السلطة بتشتغل في ظل الرأسمالية. وبعدين لما بتوصل عند سوزي، بتحصل حاجات عبثية من نوع أن سوزي بتعزم عليها تاكل من سلطانية فيها رمان وتطبطب ع الزرع اللي عندها في المكتب والكلام دا، وبعدين فجأة سوزي بتجيب من الآخر وتسألها بشكل مباشر: «فين المسودة؟» ودا بيفكرنا بالمشهد اللي أنتِ كنتِ بتتكلمي عنه يا روز، اللي سوزي بتظهر فيه للمرة الأولى، لما أرابيلا بتقول لهم إنها اغتُصبت، وسوزي هيني بتكون موجودة، ومش بتتجاوب مع الموضوع على أي مستوى إنساني، كل اللي بتقوله هو إنها بتقترح على أرابيلا تكتب عن تجربتها دي وإن دا يبقى هو موضوع الكتاب. 

روزالين: كل مرة أرابيلا بتبقى طالعة لسوزي في الأسانسير الأزاز بنشوفها متفائلة وعندها نوع من الأمل، وكل مرة بتبقى نازلة محبطة، منكسرة. الفكرة أن شخصية سوزي مكتوبة بدقة شديدة برضه، يعني المجاز بتاع الزرع اللي في المكتب مثلًا... المشهد دا كان مستفز جدًا، قعدت تقول لها «الزرع دا عندي بقى له سنتين» و«أصله محتاج رعاية عشان يكبر» وحاجات كدا، وبعدين لما أرابيلا تيجي تتكلم فجأة تقاطعها، وتسأل عن الكتاب. الممثلة عملت الدور حلو قوي. 

ياسمين: كان إيه إحساسكم ناحية الحلقة اللي أحداثها بتحصل بين طفولتها أو مراهقتها وبين عزومة عشا في بيت أهلها في الزمن الحالي؟ اللي علّق معايا قوي من الحلقة دي هو نهايتها، أنها بتخلص بعد ما بتحكي لأمها عن الاغتصاب. في المشهد الأخير بيبقوا كلهم قاعدين حوالين الترابيزة بياكلوا وكل واحد بيلعب دوره في العيلة باستثناء الأم، اللي بتكون قاعدة وشكلها مفجوع من الشيء اللي سمعته دا ومش قادرة تتكلم عنه، وبنلاحظ إن ابنها مركز معاها جدًا، وأرابيلا بتقوم تغرف أكل زيادة لأبوها في طبقه.

caption

روزالين: المقال اللي كتبته في «مدى» من فترة كان بيتكلم عن حاجة شبه اللي بيحصل في المشهد دا، العلاقة اللي أحيانًا بتبقى بين الأمهات وبناتهم واللي شبه مستحيل أعضاء الأسرة الذكور يفهموها. يعني أنها تبقى حاسة بتُقل اللي حصل لبنتها دا، ورجالة العيلة قاعدين على الترابيزة معاهم، إزاي تقدر تتكلم عن حاجة زي دي...؟ هل هيتجاوبوا مع الموضوع بنفس الشكل؟ غالبًا لأ. لو حكت لهم، غالبًا رد فعلهم هيبقى بيتمحور حوالين الانتقام، «لازم نجيب ابن الكلب دا» وهكذا. بس في الحلقة صراعهم بيكون داخلي، بينهم وبين نفسهم وبينهم وبين بعض، ودي حاجة جميلة جدًا. ورغم أن الحلقة دي أصلًا عن الأب، هي في الحقيقة عن ستات العيلة، إزاي الأب أثّر عليهم، على مراته وبنته، وعلى علاقة الأم بصاحبتها (اللي بنكتشف أنه كان بيخونها معاها)، وإزاي الأم مصرّة أن هي «تمام» ومش فارق معاها، بس في الواقع هي مش تمام ولا حاجة. 

سلمى: هي الحلقة عن الأب، بس مش بالظبط. أعتقد إنها عن إزاي أرابيلا ماكانتش شايفة أمها كست قبل ما هي نفسها تتعرض للانتهاك لمجرد أن هي ست. دي اللحظة اللي كونِك ست فيها بيبتدي يتحول لأمر مُلِح، حاجة كنتِ بتتعاملي معاها كأمر واقع طول حياتك ومش بتفكري فيها كتير، لحد ما تُنتهكي بسببها، وساعتها بتلاقي نفسك بتستكشفي سؤال هو إيه معنى إنك تكوني ست أصلًا؟ معتقدش أن أرابيلا كانت رايحة العشا دا وناوية تحكي لأمها اللي حصل، أعتقد أن القرار دا جه لما لقت نفسها شايفة الرابط دا لأول مرة في حياتها، شايفة أمها كست اتخانت، وأن كل واحدة فيهم شايلة سر التانية، كاتنين ستات، مش بس أم وبنتها. 

هل تحبوا نتكلم أكتر عن موضوع اغتصاب كوامي؟ 

caption

روزالين: الموضوع دا أثّر فيّ جدًا، لأن محاولاته لحماية نفسه بعد كدا بتتحول لأنه في الحقيقة بيعاقب نفسه، وبينتهي بيه الأمر أنه بيشوف نفسه كـ«شيء»، ودي حاجة مألوفة جدًا. غير أن محدش حواليه بيكون شايفه أو حاسس باللي هو بيعدي بيه، ودا بيحصل لكتير جدًا من ضحايا الاغتصاب، خصوصًا الرجالة منهم. في الآخر هو راجل، وبالتالي صحابه مش هيركزوا مع تصرفاته بنفس القدر ولا هيخمنوا أن دا اللي حصل خالص، الموضوع مش هيبقى ظاهر لهم بالوضوح دا. في الحلقتين اللي بييجوا بعد تعرضه للاغتصاب، محدش منهم بيبقى مهتم بيه خالص، حتى وهم بيتكلموا عن الحاجات اللي بتحصل لضحايا الاغتصاب في سياق الحادثة بتاعة أرابيلا -إنك تنسحب وتنزوي جوا نفسك مثلًا وهكذا- مش بياخدوا بالهم خالص أن دا حاصل له، أنه بيمر بدا فعليًا قدام عينيهم. 

سلمى: الخط بتاع كوامي بيبرز إزاي فكرة الامتياز (privilege) مش هرمية، ولكن شبكية أكتر. يعني إزاي نفس الشخص ممكن يكون بيتمتع بامتيازات قليلة جدًا وبالتالي بيُمتهن أحيانًا لهذا السبب، ولكن في موقف تاني ممكن يكون في موضع قوة بيخليه يمتهِن شخص تاني، وهكذا. والطريقة اللي دا اتصور بيها كانت مثيرة جدًا للتأمل، بالذات في اللي دار بينه وبين الست البيضا اللي بيخرج معاها: هي اتصرفت معاه بشكل رديء جدًا بسبب امتيازاتها اللي هي مش واعية بيها، ولكن في نفس الوقت هو انتهكها، وفي اللحظة دي هو كان راجل، مثلي أو لأ، كان راجل واستغل امتيازاته. دا موقف مركب ومعقد أخلاقيًا، واتنفذ في المسلسل بشكل متقن جدًا. 

روزالين: الموقف دا غير مريح لأنه بيثير تساؤلات كتير. امتى بتكون بتنتهك التراضي اللي بينك وبين شخص ما؟ هل لما بتخبي عنه معلومة معينة تبقى بتعمل كدا؟ في الآخر هو كان بيحاول يتعافى -أو أيًا كان اللي كان بيحاول يعمله في علاقته مع الست دي- وقرر أنه محتاج حد يتعافى من خلاله، لكن هي عمرها ما وافقت تكون جزء من محاولاته دي.

ياسمين: غصب عني بقارن اعتذار كوامي للست دي باعتذار زين، اللي هو لا يرقى لكونه اعتذار في الحقيقة. زين بيبدو ندمان، بس مش تائب، لكن بيساعدها لما بتبقى عطلانة في الكتاب بتاعها، وهي بتقبل مساعدته دي. لو بصينا للموضوع بنظرة متشككة شوية، هنحس أن فيه شيء ما تبادلي هنا، وكأنها صفقة ما: هو عنده معرفة اكتسبها من دراسته في كامبريدج، ومن أول ظهور له في المسلسل بنحس أنه شايف أنها مفروض تبقى بتشاركه نفس المساحات الأدبية اللي هو بيتحرك فيها، وهي دي نفس المساحات اللي هي بتفضحه فيها. في الآخر الامتيازات اللي بيتمتع بيها هي اللي بتسمح له يرجع في حياتها بالشكل المحايد دا، من غير حتى ما يبقى مضطر يناقش معاها الموضوع بشكل مباشر. 

روزالين: أوقات كتير -ودا شيء غير مريح بالمرة- الشخص اللي اعتدى عليكِ هيفضل موجود في حياتك، وفي شغلك، وهتبقي مضطرة تتعاملي معاه، أوقات هتبقي مضطرة تواجهيه. وهي بتلاقي طريقة تستغل بيها الموضوع. دا مش بيخليه مريح ولا بيخليه تمام، بس فيه إيه تاني ممكن تعمله؟ يعني هي طلعت ع المسرح وفضحته وقالت بوضوح إنه اغتصبها، وبرضه لسة شغله بيتنشر. هتعمل إيه تاني؟ 

ياسمين: طب حسيتم بإيه أول مرة شفتم المشهد دا، لما بتطلع وتفضحه على المسرح؟ 

روزالين: الموضوع كان مريح جدًا بالنسبة لي، كان فيه شيء من التطهر بشكل ما. فكرت إني كنت أتمنى لو كانت جت لي الفرصة أعمل اللي عملته. بس برضه كنت خايفة عليها، يعني ماكانتش لحظة انتصار بدون شوائب، كنت فعلًا خايفة عليها. غير أنه كان نوع الانتهاك اللي هي بتكتشف بعده أنه اغتصاب، مابتبقاش واعية لدا وهو بيحصل، ودي حاجة بشعة. وأنا حبيت جدًا أنهم تطرقوا لدا في المسلسل، لأنه بيحصل طول الوقت، لما يحصل حاجة بينك وبين حد وتبقي حاسة أن فيه شيء مش صح بس مش عارفة تحطي إيدك عليه، بتبقي محتاجة حد يقول لك بوضوح إن اللي حصل دا غير مقبول عشان تدركي أن أيوا، دا غير مقبول. الموضوع مش بالوضوح بتاع أنها تقول: «الراجل دا هجم عليّ في حتة ضلمة» مثلًا؛ التعبير عن اللي هي اتعرضت له أصعب من كدا بكتير، لأنه محتاج أنها تدخل في تفاصيل. إنها تقول إنه قلع الـ«كوندوم» (الواقي الذكري) أثناء الجنس بيحطها في موقف أكثر هشاشة وبيتطلب درجة أكبر من الكشف عن إنها تقول: «الراجل دا اغتصبني» وبس.

سلمى: فيه حاجة تانية حسيتها في المشهد دا. في قلب اللحظة الواحد ممكن يحس أنه مبسوط أنها عملت كدا، وأنها حاجة شجاعة جدًا. بس في الحقيقة رد فعلها هو محاولة للنجاة، بمعنى أنها بتحاول تمسك في أي حاجة، وفي محاولتها دي للنجاة اللحظة اللي كان المفروض تقرأ فيها جزء من شغلها ككاتبة اتدمرت تمامًا. فهو مش بس اغتصبها، لكن كمان كنتيجة لدا كل حاجة اشتغلت عليها وبذلت فيها مجهود اتركنت على جنب، وبقت هويتها مختزلة في أنها ضحية الاغتصاب اللي فضحت مغتصبها. وكله بقى بيطلب منها أنها تكتب عن الموضوع، وتستخدمه في مساعدة ستات غيرها. كأن دا أهم شيء حصل لها في حياتها. 

روزالين: أعتقد دي أكتر حاجة ناس كتير من اللي ماتعرضوش لتجارب شبيهة مش بيكونوا مدركينها. إن الموضوع مش بينتهي عند فعل الانتهاك نفسه، لكن الفعل دا بيسلب الشخص من احتمالات كتير، بيسلبه من إيه اللي كان ممكن يبقاه أو كان ممكن يبقى بيعمله لو ماكنش اتعرض للانتهاك دا. 

ياسمين: خلينا نتكلم شوية عن دور الشرطة. من موقعي طبعًا، وأنا بتفرج كنت حاسة أن دا حلم، إنك تروحي القسم والمحققات اللي يقابلوكِ يبقوا ستات ويتعاملوا مع الموضوع بمنتهى الحساسية وبمهنية شديدة. بس بعد كدا بندرك أن هي في عالم كل اللي حواليها فيه اتعرضوا للانتهاك، ودي نفس الشرطة اللي لما كوامي بيروح لهم عشان يبلّغ عن اللي حصل له رد فعلهم بيعيد إحياء الصدمة اللي اتعرض لها جواه، وفي الآخر مش بيقدروا يساعدوا أرابيلا تلاقي حل. 

caption

روزالين: ودي كانت تجربة ميكايلا في الواقع، الموضوع عمره ما بيتحل، مابيعرفوش يمسكوا المغتصب والتحقيق بينتهي على كدا. فمن ناحية المحققات حاولوا يساعدوها فعلًا، بس في الآخر فعالية النظام من فعالية القائمين عليه؛ لما كوامي بيروح نفس القسم بعد كدا، بيقابل شرطي مختلف مش بيكون على نفس القدر من التعاطف، بالعكس، بيحكم عليه من أول لحظة، ودا اللي بيحصل عادةً. بس المأساة الحقيقية هنا هي أن حتى لو النظام القانوني شغال بأقصى كفاءة ممكنة، دا مش معناه بالضرورة أنك هتوصل للنتيجة المرجوة. في الحالة دي إزاي تقدر تتعافى وتتجاوز؟ 

ياسمين: في الحلقة الأخيرة، أرابيلا بتستعرض عدد من النهايات البديلة المتخيلة. أول مرة شفت الحلقة دي حسيت أن الموضوع منمق قوي، ويمكن حتى مفتعل شوية. بس لما اتفرجت تاني وبتركيز أكبر -وبعد ما كنت عرفت أكتر عن إزاي المسلسل مقتبس عن تجربة مشابهة جدًا اتعرضت ليها ميكايلا نفسها- أدركت قيمة الحلقة دي. حسيت أنها في الأساس حلقة عن الكتابة -أو التأليف، بمعنى أدق- وامتلاك القصص: إحنا فين من قصصنا ومن امتلاكها، وإيه مدى قدرتنا على التعامل مع تبعات الأحداث اللي بتحصل لنا. بين كل واحد من السيناريوهات المتخيلة اللي بنشوفها في الحلقة دي، بنرجع للمشهد اللي بتبقى قاعدة فيه في الجنينة مع زميلها في السكن، بين. في الحلقة دي هي بتبقى بتخلص كتابة روايتها، وعلى الحيطة في أوضتها بتلزق ورق كتير في محاولة لترتيب مشاهد الرواية، وفي لحظة خاطفة بناخد بالنا أن فيه ورقة من دول مكتوب عليها: «مشهد الجنينة مع بين». دي اللحظة اللي أدركت فيها قد إيه المسلسل بيتمحور حوالين فكرة التأليف دي، وإزاي بنرتب سردياتنا، ودا حاصل على مستويين: أرابيلا كروائية وميكايلا نفسها كمؤلفة المسلسل. 

سلمى: أنا قدرت جدًا النهاية. في الأول وأنا بتفرج على أحد السيناريوهات المتخيلة -قبل ما أفهم أنه متخيل- واللي هو كان عنيف جدًا، حسيت للحظة بالخيانة. فكرت إني أعرف ناس كتير ممكن جدًا ينبسطوا بنهاية زي دي. بس بعد كدا الموضوع بيروح في حتة ضلمة جدًا، ضلمة لدرجة تخلي صعب الاحتفاء بيه، حتى بالنسبة للناس اللي كانوا غضبانين ان دا ماكنش شعوري بعد حادثة اغتصابي أنا. ماكنش ينفع تسيب الموضوع ضلمة كدا، وعشان كدا لما بندرك أن السيناريو دا محصلش فعليًا وأن هي بس بتتخيله حسيت: «أيوا كدا، فهمت، شكرًا.»

أكتر سيناريو لمّس معايا أنا شخصيًا وكان مُرضي جدًا بالنسبة لي هو اللي بتمارس فيه الجنس مع المغتصب وبتبقى هي اللي فوق. دا كان مُرضي على أكتر من مستوى، واحد منهم إنها قدرت أصلًا تعمل المشهد دا وإنه عدّى. أنا ماعرفش هو تم استقباله إزاي، بس هو موجود في المسلسل، يعني في الآخر عدّى. وعلى مستوى تاني حبيت إزاي هي لعبت على موضوع تبادل الأدوار دا، إن هي اللي فوق لكن في نفس الوقت الموضوع مش عنيف ومش قبيح. 

caption

ياسمين: إنه فيه إيلاج، بس مفيش «اقتحام»، مفيش النوع دا من الدفع.

سلمى: (تضحك)

روزالين: الموضوع مش انتقامي، يعني مش كأنها بتغتصبه هي كمان مثلًا عشان تردها له. 

سلمى: بالظبط، في المشهد دا الجنس مش بيكون عقاب. أنا حسيت بالامتنان ناحية المشهد دا، لأنه شيء نادر جدًا إن أي حد يقرّ بالجانب دا من عملية الاستيعاب اللي بتخوضها الضحية بعد اللي بتتعرض له. 

روزالين: أعتقد إني حسيت بشيء شبيه للي ياسمين حسته أول مرة شفت الحلقة دي، ماكنتش فاهمة إيه اللي بيحصل، وكانت تقيلة عليّ خصوصًا بعد الفُرجة على المسلسل كله للمرة الأولى. بس لما شفتها تاني مرة، الموضوع بقى أوضح بالنسبة لي وحسيت إني فاهماها تمامًا. دايمًا بيبقى فيه توقع مجتمعي كدا في المواقف دي أنه لو أنتِ اتعرضتِ للاغتصاب أو الاعتداء فالعدالة هي أن الجاني يتحبس وخلاص كدا، بتتخطّي الموضوع. بس الأمور مابتمشيش كدا. والسبب اللي بيخلينا نقعد نتصور سيناريوهات خيالية في دماغنا هو إن إحدى طرق التعامل مع الصدمات النفسية اللي زي دي هي أنك تحاول تعيد كتابة اللي حصل، وتحاول تلاقي له «حل» أو «انفراجة»، زي ما بيحصل مع حبكات الروايات أو الأفلام. ومن أصعب المشاعر اللي الواحد بيبقى مضطر يتعامل معاها هو أن رغم أن المعتدي دا عمل شيء سيء جدًا ولا يغتفر، إلا أنك بتلاقي نفسك محتاج لسيناريو تكون مش موجوع فيه، ويكون اللي دار بينك وبين المعتدي دا شكله مختلف خالص -مش عنيف ومش مؤلم كدا- بالذات لو هو شخص تعرفه. في حالة أرابيلا، المعتدي كان راجل ماتعرفوش، وبالتالي في أحد السيناريوهات المتخيلة كتبته كشخصية مثيرة للتعاطف، وبيمارسوا الجنس مع بعض ومش بيكون جنس عنيف، وفي الآخر بتقول له يمشي وبيمشي، بيقوم ويخرج بمنتهى البساطة. دي الانفراجة اللي بتتخيلها. 

ياسمين: السياق أو الترتيب المؤدي للجنس في السيناريو دا عمومًا خالي تمامًا من ديناميكيات القوة المعتادة. من البداية خالص، في البار، المشهد كله بيكون غريب ومتشقلب، الراجل هو اللي بيرقص لتيري، وبنبقى بنتساءل إيه اللي بيحصل بالظبط. هي كأنها ليلة من الجنس العابر في الأساس: بيتقابلوا، بيعجبها وبتعجبه، بيناموا مع بعض، وبعدين بتقول له يمشي. وبيمشي فعلًا، من غير حتى ما يلبس هدومه.

سلمى: جانب تاني لاحظته في المشهد دا هو إني ماكنتش متأكدة حتى لو بيحصل إيلاج ولا لأ، وأعتقد إن دا ذكي جدًا. هي ماكانتش فوقه في وضعية الـcowgirl مثلًا، لأن دا هيؤكد إن فيه إيلاج، بس الموضوع ماكنش واضح، وأعتقد دا بيخلق نوع من المسائلة للقوة المتمثلة في فعل الإيلاج نفسه، ودا كان محفز للتفكير. وهي كان ممكن توضح لو هي عايزة، بس هو كان خيار واعي من جانبها إنها ماتوضحش. كان ممكن تعمل «نِمرة» عشان تقول بيها حاجة معينة، يبقى باين إن هي اللي بتعمل فعل الإيلاج دا، لو هي لابسة strap-on مثلًا (حزام مثبت به أداة تشبه العضو الذكري) أو أي حاجة من هذا النوع، بس المشهد متصوّر بطريقة تخلينا مش قادرين نعرف. هي قاصدة تخلي الموضوع صعب تصوره تشريحيًا. 

روزالين: بالنسبة لي كان واضح إن هي اللي بتقوم بفعل الإيلاج، بس قدّرت برضه إزاي المشهد متصوّر ومتنفذ، إزاي الملايات محطوطة على أجسامهم بشكل فني كدا، كأنه مشهد جنس رومانسي عادي في أي فيلم، بس معكوس. 

بعد كدا بنفهم أن كل دا محصلش، وأنها عمرها ما رجعت البار أصلًا وكل دا كانت بس قاعدة بتتخيل في الجنينة. ودا تقريبًا أحسن سيناريو ممكن، أنها تدرك أنها مينفعش تفضل ترجع هناك كل شوية. هي رددت كذا مرة موضوع أن المجرم دايمًا بيعود لمسرح الجريمة، وفي آخر حلقة دي بنحس أنها بتسأل نفسها: «طب هو في الحالة دي مين فينا المجرم؟» فين النقطة اللي بتتحول عندها محاولتها لإيجاد حل لأزمتها إلى فعل مؤذي؟ هل لما تجبر نفسها على الرجوع للصدمة اللي اتعرضت لها مرة ورا التانية دا هيساعدها تتجاوز، ولا هيفضل يعيد إنتاج الألم دا بداخلها؟ دا مش حل مجزي بالنسبة لها إطلاقًا. 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن