تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
الفيلم أداة مقاومة| مقابلة مع باسل عدرا ويوفال أبراهام 

الفيلم أداة مقاومة| مقابلة مع باسل عدرا ويوفال أبراهام 

حول «لا أرض أخرى» الفائز بجائزتين في الدورة الـ74 من مهرجان برلين السينمائي

كتابة: محمد صبحي 12 دقيقة قراءة

«بدأتُ التصوير عندما بدأنا في الانهيار». الكلمات للفلسطيني باسل عدرا. يتحدث عن مجتمع مسافر يطا في الضفة الغربية، حيث نشأ، وهي منطقة احتلّها الجيش الإسرائيلي والمستوطنون لعقود من الزمان، حيث سلاح السكّان الفلسطينيين الوحيد وأملهم في القتال لوقف تقدّم المدافع الرشّاشة والجرافات هو تشغيل كاميراتهم والتمسّك بها، مهما كلّف الأمر.

وهكذا، بهذا الإعلان المتضمّن مزيجًا متناقضًا من مقاومة عنيدة وعجز خافت يشكّلان جوهر «لا أرض أخرى» -أحد أكثر الأفلام التسجيلية/الوثائقية المُشار إليها في العام الماضي، والذي شارك في إنجازه باسل عدرا مع يوفال أبراهام وحمدان بلال وراحيل سزور- يمكن الولوج إلى عالمه ومقاربة خطابه وأساليب اشتغاله، المتقشّفة والحميمية في آنٍ.

تقع مسافر يطا جنوبي الضفة الغربية، وتضمّ عدة قرى وتجمّعات فلسطينية يعود تاريخها إلى مساكن القبائل البدوية القديمة. كانت المساكن الأصلية عبارة عن كهوف منحوتة في الصخر ولا تزال موجودة حتى اليوم، ولكن بطبيعة الحال، فضّل سكّان المنطقة، في السنوات الأخيرة، الانتقال إلى مساكن أكثر راحة؛ فزوّدوا أنفسهم بالكهرباء ومياه الشرب. وبالإضافة إلى ذلك، أنشأوا مدرسة.

في إحدى هذه القرى، نشأ ويعيش باسل عدرا، المحامي والصحفي الشابّ الذي وثّق، كما فعل والده قبله، اقتلاع القرى الفلسطينية وانتهاكات الجيش والسلطات الإسرائيلية ضد سكّان مجتمعه الفلسطيني المحروم من أبسط حقوقه. في السنوات القليلة الماضية، انضمّ إليه في جمع ونشر الأخبار الصحفي الإسرائيلي يوفال أبراهام. تنشأ صداقة غير متوقعة بين الإثنين. لكن بينما يستطيع يوفال التحرك بسيارته بحريّة، وعبور الحدود والعودة إلى إسرائيل في غضون دقائق، يُمنع باسل من أي حركة: ليس لديه أوراق ثبوتية، وبالتالي لا يستطيع التنقّل ولا التصويت ويصبح هدفًا دائمًا لبطش الاحتلال. في وضعه نفسه، يعيش سكّان المنطقة والأراضي المجاورة الآخرون: مواطنون درجة ثانية يرزحون تحت الاحتلال العسكري. 

caption

في 1980، أعلنت إسرائيل المنطقة تابعةً لها وخصّصتها كمنطقة تدريبات عسكرية (قبل أن يأمر الجيش في 1999 جميع السكان الفلسطينيين في مسافر يطا بمغادرة المنطقة في إحدى أكبر عمليات التهجير القسري في الضفة الغربية المحتلة)، ونتيجة لذلك، حُرمت العائلات الفلسطينية من حق العيش على أرضٍ لم يعرفوا غيرها قبل أن يأتي إليهم ضابط أوكراني أو مجنّدة إثيوبية في جيش الاحتلال لإجبارهم على تركها. في ذلك الوقت بدأ نضال لإنقاذ سكان القرى من الطرد، بقيادة والد باسل عدرا وجيرانه. فلجأ سكّان المنطقة إلى مجموعة من المحامين الإسرائيليين، الذين قدموا التماسًا إلى المحكمة العليا الإسرائيلية ضد الطرد القسري في عام 2000.

في 2022، وبعد معركة قانونية استمرت عقدين من الزمان، أعطت المحكمة العليا للجيش الضوء الأخضر للمضي قدمًا في الطرد. أثار قرار تدمير القرى الفلسطينية وإخلاء حوالي 1800 شخص، للسماح للجيش باستخدام أراضيهم لتدريبات الدبابات، إدانةً عالمية ويعتبره كثيرون، بما في ذلك منظمة العفو الدولية وخبراء حقوق الإنسان التابعين للأمم المتحدة، جريمة حرب. هنا يبدأ الأساس السينمائي لـ«لا أرض أخرى»، الذي يقول عنه عدرا إنه «أول فيلم وثائقي يلقي الضوء على السياسة المنهجية للطرد القسري من خلال هدم المنازل. عندما تُدمّر منازلهم، لا يوجد مكان تذهب إليه عائلات مسافر يطا؛ لا يمكنهم سوى إعادة البناء أو التشرد أو استئجار منازل في البلدات الفلسطينية المكتظة بالسكان، حيث لا توجد مساحات لرعي الأغنام أو الزراعة»، مضيفًا: «مسافر يطا عبارة عن مجتمع من المزارعين. الناس هنا متعلقون جدًا بأرضهم ويعيشون نمط حياة زراعي. وبالتالي ففقدان الأرض يترجم إلى فقدان المجتمع ونمط الحياة: يتوقفون عن العمل كمزارعين». بمعنى آخر، يمكن الإضافة، يتوقفون عن كونهم بشرًا بعد حرمانهم من سبب وجودهم في الحياة ويُجرّون في النهاية إلى دوامة من القسوة العبثية التي لا يترك «لا أرض أخرى» شيئًا فيها للخيال. إنه سينما حيّة وراهنة من شظايا فوضى وألم وكاميرا محمولة، تتقدّم عبر لقطات خشنة وحيوية وقذرة، إنما غنية بانسجامٍ وجمال وشعرية عفوية في بنيتها غير المترابطة ولكن المتماسكة والعضوية بعمق.

النتيجة فيلم بمثابة وثيقة تاريخية أساسية، ورؤية ضرورية لهذه الأوقات الصعبة: صنعنا هذا الفيلم معًا، كمجموعة من الناشطين وصنّاع الأفلام الفلسطينيين والإسرائيليين، لأننا نريد وقف الطرد المستمر لمجتمع مسافر يطا ومقاومة واقع الفصل العنصري الذي ولدنا فيه، من جانبين متعارضين وغير متساويين. الواقع من حولنا يصبح أكثر رعبًا وعنفًا وقمعًا كل يوم، ونحن ضعفاء جدًا في مواجهته. لا يمكننا إلا أن نصرخ بشيء مختلف جذريًا، هذا الفيلم، الذي في جوهره اقتراحٌ لطريقة بديلة يمكن للإسرائيليين والفلسطينيين من خلالها العيش في هذه الأرض؛ ليس كقامعين ومضطهدين، بل في مساواة كاملة...»، يوضّح يوفال أبراهام.

منذ 2019، أمضى عدرا، الفلسطيني، وأبراهام، الإسرائيلي، خمس سنوات في تصوير وتوثيق الحياة اليومية في مسافر يطا، حيث التقى عدرا بأبراهام، الذي يعتبره اليوم صديقه، بينما يجلس بجانبه هنا في هولندا (حيث جرت المقابلة قبل أشهر) على بعد أكثر من ثلاثة آلاف كيلومتر من بيته المهدّد مثل غيره بالهدم والاختفاء من الوجود. نودي بالفيلم الناتج، «لا أرض أخرى»، باعتباره أحد أقوى الأفلام التسجيلية للعام الفائت، وفاز بجوائز في مهرجانات سينمائية دولية. كما أثار الفيلم الجدل، الكثير من الجدل في الحقيقة في الأوساط الموالية لدولة الاحتلال، ودفع صنّاعه إلى تلقّي تهديدات بالقتل.

المفاجئ ليس هنا، فتهديد سينمائي إسرائيلي في بلده بالقتل -فقط لأنه أظهر موقفًا داعمًا للحق الفلسطيني ورافضًا للإبادة الإسرائيلية في غزة– ليس مستغربًا عن بلدٍ مؤسّس على أرض محتلّة يحكمه قتلة، في السياسة والحرب والأمن والإعلام، وهذا الأخير تحديدًا ما يخصّنا، لأنه أحيانًا يغدو أمضى فتكًا وفعالية؛ لتسييد رواية ومحو أخرى، لإلغاء ناس وثقافة وتلفيق تاريخ مزيّف، لتغييب حقائق وتظهير أكاذيب. القتل حرفة إسرائيلية بامتياز، كما يُظهر الفيلم وكما نعرف جميعًا. لكن معاينته مكتنزًا في ساعة ونصف يختصران سنوات من الإجرام الإسرائيلي الممتد في الزمن بهدف محو شعب وشطب تاريخ وحيوات، يضفي بُعدًا تراجيديًا وملحميًا على وقائع تُعاد وتُكرّر يوميًا وتفوت علينا في نشرات الأخبار دون أن نلقى لها بالًا تقريبًا.

بالتعاون مع المخرجين المشاركين حمدان بلال وراحيل سزور، وثّق عدرا وأبراهام كيف تقوم السلطات الإسرائيلية، محاطة بقطعان المستوطنين المتطوعين، بتهجير السكّان الفلسطينيين من بيوتهم بحجة عدم قانونية بنائها. عبر نهج يجمع بين الإخبار والنشاطية activism، حيث تصبح الكاميرا «الأداة الأكثر أهمية»، قضى عدرا شبابه في محاربة مستوطنين وجنود يظهرون ليلًا ونهارًا ويخرجون الناس من بيوتهم دون سابق إنذار.

«لا أرض أخرى»، فيلمٌ وحشي وإنساني عن الجحيم اليومي للاحتلال ينبغي للجميع مشاهدته، عملٌ ناقد وغامر وعاطفي، قصّة شعب يُهجّر من أرضه مثلما قصّة صداقة وثيقة تتحدّى عقلية الاستقطاب. في الجانب الأول، تُظهر عنفًا وإجرامًا وهشاشةً مقاومة، وفي الثاني رعاية متبادلة وتعاطفًا يميّز البشر الأسوياء، بغضّ النظر عن خلفيتهم. ولكن هذا أيضًا دليل على أن طفلين ولدا على جانبي الحدود يمكن أن يعيشا ظروفًا مختلفة للغاية من أجل التمتّع بحياة آمنة.

«أنا وباسل في العمر نفسه، وولدنا في جوار بعضنا، لا تفصلنا سوى 30 دقيقة، لكننا نعيش في ظلّ نظامين قانونيين مختلفين في الدولة نفسها»، كما يقول أبراهام. «أعيش تحت القانون المدني، وهو يعيش تحت القانون العسكري. يمكنني التصويت والسفر بحرية، ولا يمكنه فعل أي منهما. أنت وأنا لدينا الحقّ في التصويت ويمكننا المساعدة في حوكمة القوانين التي نعيش بها، أما باسل فلا. القانون العسكري شيء اخترعه العسكر. إنهم يقررون كل شيء، وهدفهم الوحيد منع قيام دولة فلسطينية. ربما يصعب فهم هذا على كثيرين، ولكن تخيّل أن يوقظك جنود دولة أخرى ويخبرونك بأن بيتك غير قانوني وأنك غير مسموح لك بزيارة عائلتك وأصدقائك القاطنين على بعد دقائق منك. أن يحدث هذا في 2024 وأن يسمح العالم بذلك أمر خاطئ بشكل لا يصدّق».

عُرض «لا أرض أخرى» للمرة الأولى عالميًا في مهرجان برلين السينمائي في فبراير 2024، حيث فاز بجائزتين. وفي خطاب قبولهما، تناول المخرجان الاحتلال الإسرائيلي والإبادة الجارية في غزة منذ السابع من أكتوبر 2023.

قال عدرا على المسرح «يصعب الاحتفال بهذا عندما يُذبح عشرات الآلاف من شعبي ويقتلون على يد إسرائيل في غزة يوميًا»، فيما دعا أبراهام الأشخاص الأقوياء في الحفل إلى الضغط من أجل وقف إطلاق النار وإنهاء فوري لما وصفه بـ«دولة الفصل العنصري». تصريحات أسفرت عن انتقادات شرسة من سياسيين ألمان واتهامات بمعاداة السامية وحتى تهديدات بالقتل. ومنذ ذلك الحين، سافرا حول العالم وحصلا على أكثر من 30 جائزة.

هذا الفيلم، الذي حاز مساحات واسعة من النقاش في الأروقة السينمائية طوال العام الماضي، لم يسمع به أحد في العاصمة الأخرى للإبادة الإسرائيلية، واشنطن، فظلّ حتى كتابة هذا السطور بلا موزّع أمريكي (عُرض مرة يتيمة خلال مهرجان نيويورك السينمائي، وعُرض تجاريًا لمدة أسبوع واحد في مركز لينكولن للفيلم، فقط كي يستوفي شروط التأهل لمنافسات جوائز أوسكار)؛ ربما لأن كثيرين يخشون الدخول في عشّ الدبابير الذي يمثله الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وخاصة في الولايات المتحدة، المشاركة بكامل طاقتها في استمرار المجازر والإبادات بحق الفلسطينيين. وهذا يبرز شيئًا عن قوة الفيلم وأهميته، حيث لا يزال، رغم هذا الإجحاف، من بين الأفلام المفضّلة لنيل أوسكار أفضل فيلم وثائقي.

طبيعي أن يفخر عدرا وأبراهام بهذا الاختيار، ولكن الأهمّ من ذلك أنه «سيعطي الفيلم دفعة كبيرة ويجعل اسم مسافر يطا معروفًا في مختلف أنحاء العالم»، كما يقولان. ويعتقدان أن مجرد معرفة الاسم يحدث فرقًا كبيرًا، لأنه «إذا نظرت إلى أي خريطة إسرائيلية، ستلاحظ أن مجتمعات القرى الفلسطينية الصغيرة لا وجود لها على الإطلاق». ويوضّحان أن هذه القرى في عُرف إسرائيل مجرد «كومة كبيرة من الرمال بلا اسم».

caption

كيف التقيتما؟

أبراهام: نشأت في إسرائيل وتعلّمت في المدرسة أن الثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية ليسوا مواطنين، بل أشخاص بلا حقوق، يخضعون لسيطرة القانون العسكري الإسرائيلي. أدركتُ مدى خطأ ذلك، وشعرت بالخجل الشديد، وأردتُ تغييره. لذلك درست اللغة العربية، وأصبحت صحفيًا، وذهبت إلى مسافر يطا للتحقيق في قصّة عن مستوطنين يهاجمون الأطفال في طريقهم إلى المدرسة. بعد ذلك، عدتُ إلى هناك باستمرار والتقيتُ بباسل.

عدرا: قضينا الكثير من الوقت معًا في توثيق الاحتلال، وفي مرحلة ما قلتُ له إنني أريد أن أفعل شيئًا أكبر من مجرد مقاطع قصيرة ومقالات لوسائل التواصل الاجتماعي: عرضُ القصّة كاملة على مدى عدة سنوات، حتى يتمكّن الناس من فهم الظلم الذي عاشه شعبي لفترة طويلة. عندها اتفقنا على إنجاز هذا الفيلم معًا.

ما أكبر التحديات التي واجهتماها في صنع الفيلم؟

عدرا: كان من الصعب إيجاد نهاية، لأن الوضع يتطوّر ويتصاعد باستمرار. ثم أنني كنت أعمل على الفيلم في منزلي، المعرّض دومًا لاقتحامات الجيش ومصادرة المواد والكاميرات، لذلك كان علينا إخفاء كل شيء. وفي الوقت نفسه، كان علينا دائمًا أن نكون مستعدين للتحرّك إذا هاجم المستوطنون أو هدموا منزلًا.

أبراهام: يصعب تحديد أو الإشارة إلى فعلٍ فظيع واحد، لأن روتين الاحتلال هو جوهر الأمر كله، حيث يصبح الشرّ والظلم طبيعيين على مدى عقود من الزمان. الخوف على حياتك والطرد من منزلك هو حياتك اليومية، لذلك يصعب اختصار شيء طويل ومتكرّر ومنهجي إلى 90 دقيقة.

هل لديك الإيمان نفسه اليوم بأنك تستطيع تغيير العالم بكاميراتك كما كان عندما بدأت التصوير؟

عدرا: أسأل نفسي هذا السؤال كل يوم. إنه حوار مختلف تمامًا عمّا كان عليه قبل بضع سنوات. ثمة جريمة قتل جماعي تُبث على المباشر، ويمكن للجميع رؤيتها تحدث، لكن لا أحد يوقفها، بل على العكس، تزداد الأمور سوءًا. نفوز بالجوائز، لكن لا أحد في مجتمعي يتحسّن من ذلك، وعندما لا يستطيع أحد تبرير ما تفعله إسرائيل والمستوطنون، يستخدمون آخر ورقة لديهم ويتهمّوننا بمعاداة السامية.

إنها معركة صعبة، يبدو أنها ميؤوس منها في كثير من الأحيان، لكننا نواصل القتال من أجل شعبنا، ومن أجل أن ينفّذ أحدهم القانون الدولي. يعلم الجميع أننا حقًا لا نملك القوة، لكنني لا أستطيع الجلوس في المنزل، يجب أن أفعل شيئًا. لكن التوازن صعب، فأنا أخاطر بحياتي والكاميرا في يدي. نحن لا نصنع أفلامًا لأننا نعتقد أنها ممتعة. أتمنى لو لم نصنع هذا الفيلم، ولم نكن بحاجة إليه أبدًا.

ما رأيك في حقيقة عدم شراء أي موزّع أمريكي للفيلم؟

أبراهام: التنافر بين نجاح الفيلم وفشله في تغيير الوضع يزعجنا كثيرًا، لأنه يجب أن يعمل كأداة وليس مجرد فيلم. والفارق بين أن تكون محبوبًا في عالم السينما وأن تصل إلى جمهورٍ واسع كبيرٌ في مكان مثل الولايات المتحدة. فالترفيه يبيع دائمًا أفضل مما نفعله، لكننا نأمل أن يحدث ذلك، لأن الفيلم يستحق أن يشاهده الملايين.

هل يخشى الناس الاقتراب من فيلمكما؟

أبراهام: بالتأكيد، يتعلّق الأمر بمصالح جيوسياسية. وملاحظة الفارق في معاملة «لا أرض أخرى» والفيلم الأوكراني «عشرون يومًا في ماوريبول»، الفائز بجائزة أوسكار وحقق نجاحًا كبيرًا العام الماضي، يقول الكثير. ورغم أن محكمة العدل الدولية قضت بأن ما تفعله إسرائيل غير قانوني، فإنهم يصفون فيلمنا بأنه مثير للجدل ومنحاز للفلسطينيين. وإذا كنت تعتقد بصدق أن كل الأرواح البشرية لها نفس القيمة، فهذا نفاق محض.

سؤال لباسل: حصل الفيلم على أكثر من جائزة للجمهور في مهرجانات أوروبية. كيف تشعر عندما تنال اعترافًا ممن لن يتمكنوا أبدًا من فهم الوضع الذي يعيشه شعبك؟

عدرا: حقيقة أن الناس في جميع أنحاء العالم يشاهدون الفيلم تمنحنا بعض اللحظات السعيدة وسط كل الظلام الذي نعيشه، لكن الأمر لا يتعلّق بنا، بل بفهم الناس للظلم. الفيلم أداة يمكنها إخبار الناس عن الفصل العنصري وعدم المساواة التي يرفض أصحاب السلطة الاعتراف بها. نأمل أن يشاهده الناس، بغضّ النظر عن طبقاتهم الاجتماعية وآرائهم السياسية، ويتحدثون عنه مع بعضهم البعض.

ما أفكارك حول التأثير الهائل الذي أحدثه الصراع على الثقافة والسياسة والمناقشات في مختلف أنحاء العالم خلال هذه الأشهر؟

أبراهام: مع كل الاحترام الواجب، لا أهتم حقًا بكيفية الخطاب في الغرب، وأن يجعل الناس من الخارج الصراع جزءًا من هويتهم ومشكلتهم الخاصة. الأمر يتعلق بإنشاء تحالفات سياسية يمكنها وقف الإبادة الجماعية. آراؤك، متطرفة أم لا، ليست مهمة حقًا، الأمر يتعلّق بتطهيرٍ عرقي وأطفال جائعين. الأمر يتعلّق بفلسطين وغزة.

في الدقائق الأخيرة لمقابلتنا أقرّر استثمارها في الحديث قليلًا في ما يمكن أن يحدث عندما تتشقق سحابة الغضب والخوف والإحباط من حينٍ لآخر ويدخل ضوء صغير. أسألهما عن أفضل ذكرياتهما من السنوات الخمس التي قضياها معًا، وستكون هذه المرة الأولى التي يحتاجان فيها إلى بعض الوقت للتفكير. ينظران إلى بعضهما البعض، ثم يطرقان إلى الأسفل. يعبث أبراهام بالحافة المعدنية للطاولة، وينظر إلى عدرا، ثم إليّ:

أبراهام: الصداقة الخاصة التي طوّرناها، وكل محادثاتنا، والسفر مع باسل لحضور عروض الفيلم، تركوا علامة عميقة في نفسي ستظلّ معي إلى الأبد. في بلدنا لسنا متساوين، والعنف موجود دائمًا معنا، ولكن بعيدًا عن الضفة الغربية نتساوى. هذه طريقة متفائلة وصعبة للشعور والتعبير عن كيفية سير الأمور إذا كان العالم عادلًا، ولكن أيضًا وسيلة للأمل بما قد يكون يومًا ما.

ما آمالك وأحلامك للعام المقبل؟

أبراهام: الأمل أن يتحلّى العالم بالشجاعة، خصوصًا الدول الغنية والنافذة. لا أرى مَن سيوقف إسرائيل، ومئات الآلاف من الأرواح على المحكّ. أيضًا، سيرشّح فيلمنا لجائزة أوسكار، لذا فإنه سينمو أكثر، وربما، ربما يمكنه إنقاذ قرى وأرواح.

عدرا: يبدو الأمر مظلمًا، لا أتوقع الكثير من الأيام الجيّدة. نتحدث عن ضغوط دولية وسياسية، لكنها تسير في الاتجاه الخاطئ. المزيد من المجانين يحصلون على المزيد من القوة. يصعب التفكير في حياتك الخاصة وأن يكون لديك أحلامك الشخصية عندما يُقتل الناس في بلدك كل يوم. لا أجرؤ على الحلم أو التمنّي، لأنني ليس لدي أي فكرة عما سيحدث لي. كل شيء يطغى عليه شعور كبير باليأس. والأهمّ من ذلك كله، أنا خائف حقًا.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن