سينما تناضل ضد الاستعمار| حوار مع ماتي ديوب
عن فيلمها «داهومي» الفائز بـ«الدبّ الذهبي لأفضل فيلم» في مهرجان برلين السينمائي
بدأت ماتي ديوب (1982) علاقتها بالسينما كممثلة في فيلم كلير دوني «35 كأسًا من الرمّ» (2008)، بينما كانت تنجز أيضًا أفلامها القصيرة الأولى. في 2019، أصبحت المخرجة الفرنسية السنغالية أول امرأة من أصل إفريقي تنافس على السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي بفيلمها الأول الرائع «أتلانتيكس»، الذي اقتنص لها الجائزة الكبرى لمهرجان كان وإشادة النقاد الدوليين (بالإضافة إلى عملية شراء غير عادية من قبل «نتفليكس»، التي لا تزال تحتفظ بالفيلم في كتالوجها بأعجوبة). بعد خمس سنوات، في فبراير 2024، نافست ديوب في المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي وحصلت على «الدبّ الذهبي لأفضل فيلم» عن تسجيلي استثنائي بعنوان «داهومي»، يتناول إرث الاستعمار وإرباك الهويّات والسياسات الاستعمارية قديمًا وحديثًا.
بحريّة وانطلاق نادرين في العديد من الأفلام التسجيلية، يتتبّع «داهومي» عملية الإصلاح التاريخي التي يفهمها كرأس حربة لعملية أكبر بكثير: 26 كنزًا -منحوتات وتماثيل وزخارف وأبواب- تنتمي إلى مملكة داهومي (تقع في جنوب جمهورية بنين حاليًا) تبدأ عودتها من فرنسا إلى أرضها الأصلية بعد 130 عامًا من نهبها. يؤخّر وباء كورونا وصولها، ولكن عندما تصل أخيرًا، يُقام مهرجان شعبي -ونقاش طلابي لافت- في الشوارع، للاحتفاء بهذا اللقاء مع الأعمال التي سرقتها الإمبريالية الفرنسية في نهاية القرن التاسع عشر.
تسجّل ماتي ديوب هذه العودة التاريخية وتعطي صوتًا لأحد القطع، رقم 26. يروي التمثال البرونزي -الذي يمثّل الملك جيزو- عن شقوقه وجروحه الناجمة عن عنف المحيط الأطلسي، وكيف اُحتجز أسيرًا في متحفٍ باريسي طوال هذا الوقت. الآن، منهكًا ومجففًا، يتحدّث عن وطنه. بمجرد وصولنا إلى بنين، تأخذنا ديوب إلى جامعة أبومي كالافي، حيث يناقش الطلاب الكنوز المنهوبة وعودتها. إنهم يمثلون جيلًا جديدًا من البينينيين. جيل لا يزال يتساءل عن مرحلة ما بعد الاستعمار ويشدّد على إنهائه. هل يجب أن يكونوا ممتنين لفرنسا؟ وأين الكنوز السبعة آلاف الأخرى المنهوبة؟
بموسيقى تصويرية تشبه الأحلام وتعليقات صوتية باللغة البنينية، تمزج ديوب ملاحظاتها بالصور والأصوات والشعر. وفي غضون 68 دقيقة فقط، تعيش هذه اللحظة التاريخية من البداية إلى النهاية: تعبئة التماثيل في باريس، وتصنيفها وفحصها من قبل المؤرخين، وتحميلها على متن طائرة وفكّها بشكل احتفالي في العاصمة كوتونو.
ماتي ديوب، حفيدة أحد أعظم المخرجين الأفارقة، جبريل ديوب مامبيتي، تقوم بتصوير سينمائي يركّز على جذورها الإفريقية. تتبع مسارًا معاكسًا لرحلة فيلمها الأول، «أتلانتيكس»، من أوروبا إلى إفريقيا. الصور الأولى لـ«داهومي»، حيث تظهر أبراج إيفل مصغّرة كتذكارات ورحلة بالقارب على نهر السين، تأخذنا على الفور إلى العاصمة الفرنسية. من هناك، تتبّع المخرجة مسار الترميم بأسلوب يمزج بين الرصدية التسجيلية والواقعية السحرية عندما تعطي صوتًا للتماثيل، لأفكارها في تيار من الوعي. أصوات مظلمة تتساءل عن نفسها، تطرح مشاكل وجودية، على شاشة سوداء، الظلام داخل حاويات النقل، وصرامة الأصوات الوحيدة، بلغة الأجداد.. تعيد المخرجة كرامة مسلوبة من ملوك وأجداد وثقافة. تمنح ماتي ديوب مساحة لرؤية ليست مانوية ولا تبسيطية، تذكّرنا بإرث النهب الاستعماري، كما بدور بعض الملوك الأفارقة في تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر.
من ناحية أخرى، هناك سينما الواقع، والتي تتضمن مناقشة طويلة ومضنية بين مجموعة من الطلاب من بنين، حول معنى عملية الاسترداد تلك. يمكن ملاحظة تأثيرات العديد من أساتذة الأفلام التسجيلية/الوثائقية. يبرز فريدريك وايزمان في الجزء الطويل من المناقشة، ولكن يمكن أيضًا العثور على نيكولا فيليبير في جانبٍ من تركيب المتحف الجديد، وأيضًا «أوسترليتز» لسيرجي لوزنيتسا. يُظهر الزوار المتوافدين لرؤية الأعمال المعروضة السطحية المبتذلة نفسها مثل أولئك الموجودين في معسكر الإبادة في الفيلم الأخير. هل يمكن أن تصبح الكنوز الوطنية في بنين مثل أبراج إيفل المصغّرة في بداية الفيلم؟ أغراض ديكورية في خدمة سيّاح أغبياء يتجاهلون الأهمية التاريخية والثقافية لأعمالٍ يلتقطون أمامها صور سيلفي؟ أسئلة مفتوحة، كالنقاش الطلابي في حرم الجامعة البينينية.
أواخر العام الماضي أتيحت لنا الفرصة للقاء المخرجة عبر «زووم»، فكان هذا الحديث عن بعض المسائل والقضايا التي يثيرها فيلمها: كيف يستمرّ الاستعمار في زمن ما بعد الاستعمار، وكيف يمكن معالجته سينمائيًا، دون التوقف عن عكس هذا العنف، ولكن في الوقت نفسه تجاوزه.

هناك جدل في كثير من أنحاء العالم حول إعادة القطع الأثرية والتاريخية إلى البلدان التي تعرضت للنهب. ما الوضع الحالي في فرنسا بشأن هذه القضية؟
لست متأكدة من أنني أستطيع تقديم تحليل دقيق في هذا الشأن، فهناك وجهات نظر عديدة ومختلفة للغاية، لذا أفضّلُ التحدث من وجهة نظري الخاصة. هناك العديد من الطرق للتعامل مع هذه القضية: هناك منظور استعماري قديم، وهناك أيضًا منظور استعماري جديد، وهناك من بيننا مَن يريدون، مثلي، التحرّك ضد إدامة الاستعمار. الوضع متجمّد إلى حدّ ما في الوقت الحالي لأن هناك قانونًا يجب اقتراحه. هناك ثلاثة قوانين بشأن قضايا مماثلة يتم التعامل معها بالفعل في البرلمان أو تنتظر التصويت عليها (جرى الحوار أواخر العام الماضي). أحدها يتعلق بالممتلكات اليهودية التي نُهبت في ألمانيا النازية، والتي توجد في مجموعات عامّة فرنسية؛ وآخر يتعلق بالبقايا البشرية من قارات أخرى والموجودة في متاحف فرنسية، والثالث يتعلّق بنهب القطع الأثرية الية.
طُرح القانونان الأولان في البرلمان، ولكن القانون الثالث الذي لا يزال معلقًا هو القانون الذي يواجه أكبر مقاومة والمتعلّق بموضوع فيلمي. كما تعلمون، تمرّ فرنسا حاليًا بتحوّل نحو اليمين، بين الليبرالية الجديدة واليمين المتطرّف، لذلك لست متفائلة بشأن تطوّر هذا القانون، ولكن في العالم الأكاديمي والفني أيضًا، يتزايد النقاش. وأنا مقتنعة بأن فيلمي يمكن أن يجذب المزيد من الأصوات لهذه القضية. إذا كان هناك المزيد من الأفلام والكتب والمقالات حول هذا الموضوع، فسيكون هناك مستوى أكبر من الوعي. نعلم أن السينما لديها القدرة على الوصول إلى عدد أكبر من الناس في وقت أقل من النشر الأكاديمي ولهذا السبب أنا سعيدة لأن «داهومي» شهد عروضًا جماهيرية في جزء كبير من العالم. ما شهدناه في فرنسا كان إيجابيًا للغاية، لأن الجمهور تفاعل بحماسٍ وامتنان للإمكانية التي يمنحها الفيلم لإبقاء هذا النقاش مفتوحًا حول الاستعمار وكيفية التعامل معه من منظور حالي. لا يزال هناك الكثير لمعالجته في بلدي حول هذا الموضوع.
في فيلمك، تتحدث التماثيل، مثل تمثال الملك جيزو، أخيرًا بعد نوم طويل وعميق، دام أكثر من قرن. كيف نشأ هذا المفهوم الفريد لفيلمك؟
لا أستطيع تحديده على أنه حلم بالضبط، ولكن ربما كابوس. لقد اُحتجزت هذه الشخصيات لفترة طويلة جدًا، وقُلّص وجودها حدّ الإخفاء وتحوّلت سجينة متحف، محبوسة في مساحة من الإنكار والصمت والاغتراب، وهذا ما تقوله شخصية الملك جيزو في بداية الفيلم. من خلال إعادة الكلمة لهذه الشخصيات، أردتُ استعادة كرامتهم. لكنني كنت حريصًا جدًا على عدم تحويل هذه الشخصيات إلى ضحايا. لديهم الآن صوت وهم مرة أخرى ممثلون ورواة لمصيرهم. بصفتي صانعة أفلام، أردتُ أن أعيد لهم وجهة نظرهم. أن يستعيدوا هويتهم، وذاتيتهم، وأن يتوقفوا عن كونهم مجرد أشياء متحفية غريبة. إنه شيء أشعر بحساسية خاصة تجاهه بصفتي امرأة من أصل إفريقي: حقيقة الاختزال إلى مجرد غرض إكزوتيكي.
أعرف جيدًا، في أعماقي، ذلك الشعور بالتحوّل إلى كونك أقرب لتعويذة أو شبح. لذا، من خلال منح هذه الشخصيات صوتًا، أردتُ أيضًا أن أعيد لها قوّتها. لأن هذه التماثيل بالنسبة لي مركّبات لثقافة وهوية، وهي روح شعب. مثل أسلافي، حُمّلت أيضًا في سفن مكتظة وتحوّلت إلى عبيد. واليوم يمثلون أيضًا روح المهاجرين المحرومين والمضطهدين. إنها جزء من الشتات. وبالنسبة لي، هذا هو جوهر الفن: نقل الثقافة وإعطاء وصف لسياسة، هذا ما تتحدّث عنه هذه الشخصيات. لهذا السبب أردت أن أعيد لهم قدرتهم على الفعل: القدرة على حمل نضالها عبر الزمن، وسرد أسْرها ومنفاها، وكذلك التعقيد الذي تعنيه العودة إلى أرضها الأصلية.
ما هي خطة عملك؟
فكرتي أن أظلّ وفية للغة سينمائية تخصّني، والتي بدأت في تطويرها بأفلامي القصيرة وفيلمي الروائي الطويل السابق، «أتلانتيكس». لغةٌ أريدها في متناول الجمهور العام ولكن دون أن أفقد التعقيد، أي لغة شعبية وخاصة للغاية. وبقدر الإمكان، المساهمة في رؤية السينما ذات الجذور الإفريقية في المشهد الدولي. وهذا مهم للغاية بالنسبة لي وللمتعاونين معي. ولكن أيضًا على افتراض أن هذا القرار لا ينبغي أن يكون عبئًا أو التزامًا علينا؛ وأن نشعر بالحرية في اتباع دوافعنا المنهجية ومساراتنا السياسية. يُظهر لنا تاريخ السينما أن هناك موجات تأتي وتذهب وفي هذا التطوّر تبدو السينما الإفريقية دائمًا على وشك الاختفاء. وهذا شيء ينبغي تجنّبه. يجب أن نكافح حتى لا يحدث ذلك. لأننا نعلم أن هذا جوهر المشاريع الاستعمارية: إخفاء الثقافات الأخرى التي لا تعدّ ثقافات «مركزية». لا تزال هناك وصمة عار قوية جدًا للاستعمار في القارة الإفريقية. ونحن نرى ذلك أيضًا بطريقة مروعة ومأساوية للغاية اليوم في فلسطين: كيف يريد المشروع الاستعماري محو جزء كامل من الأرض من الخريطة، بثقافته وشعبه وتاريخه.
إخفاء بعض الثقافات هي الطريقة التي يواصل بها المشروع الاستعماري نفسه اليوم. وفي وقت مبكر جدًا قرّرتُ وضع سينماي في خدمة النضال ضد الاستعمار. أكيد أن سينماي ليست إفريقية 100%، فهي ذات جذور هجينة. لكنني أحاول استعادة اللغات والحقائق التي لها علاقة بأصولي. فعلتُ ذلك في «أتلانتيكس» وحاولتُ مرة أخرى الآن في «داهومي»، باقتناعٍ كبير والتزام. أيضًا، يجب القول إن الدبّ الذهبي في برليناله» فتح العديد من الأبواب لـ«داهومي» للتوزيع الدولي وأن يكون معروفًا في أماكن بعيدة جدًا عن بعضها البعض. لأنه عندما تبدأ فيلمًا لا تعرف أبدًا إلى أين سينتهي به الأمر وأعتقد أن «داهومي» يمكن أن يساهم الآن في إثراء الحوار السينمائي العالمي بمنظورٍ مختلف، والذي يشمل أيضًا الأجيال الجديدة، التي يجب أن تعرف ما حدث في إفريقيا وحجم النهب الذي عانينا منه.
هل تفرض هذه الجوائز ضغوطًا على مستقبل أفلامك من قِبل وسائل الإعلام والصناعة؟
لا أشعر بهذا الأمر، أو لم أفكّر فيه كثيرًا بعد، ولكن إذا كان هناك شيء واحد متأكدة منه، فهو أنني لا أريد تقييد نفسي بأي شكل من الأشكال. ولا أريد تكرار نفسي. حقيقة أنني صنعت فيلمين لهما، بطريقتهما الخاصة، خطابٌ سياسي قوي (ربما يكون «داهومي» أكثر من «أتلانتيكس») لا يعني أنني يجب أن أتخلّى عن مسارات أخرى، دون أن أفقد خيطًا مشتركًا معينًا. أودّ، على سبيل المثال، أن أصنع فيلمًا كوميديًا، فأنا أحب الكوميديا. وأعتقد أنه مثلما يستطيع الموسيقيون، مثلا، عندما يصعدون على المسرح، تقديم مواضيع مختلفة للغاية دون أن يفقدوا شخصيتهم، أودُّ أيضًا أن أقدر على القيام بشيء مماثل. لا أريد أن أكون متزمتة. أعتقد أنه يمكنك أيضًا أن تصنع أفلامًا سياسية دون أن تصبح جادًا، دون أن تفقد روح الدعابة التي هي ضرورية للتنفسّ في مثل هذه الأوقات المظلمة التي نعيشها.
نحن بحاجة إلى استعادة الإيقاع والبهجة. ومن المهمّ أيضًا المخاطرة. وبهذا المعنى، أعتبر الكوميديا والرعب من أصعب الأنواع في السينما. إنه تحدٍ كبير أن تفعل ذلك بشكل جيد حقًا. هناك مخرج برازيلي أحبّه حقًا، وهو كليبر ميندونسا فيليو، الذي يُظهر لنا أن هذا المسار ممكن وأنه عصي على التصنيف، وأنه يتغيّر من فيلمٍ إلى آخر، كما فعل مع «أصوات الجوار» و«أكواريوس» وفيلمه الأخير الرائع «باكوراو»، الذي أذهلني بخشونته وجرأته. ولم يفعل أبدًا ما توقّعته منه الصناعة أو المهرجانات. إنه مصدر إلهام كبير بالنسبة لي، لأن سينماه جذرية للغاية، لكنه في الوقت نفسه قادر على عدم فقدان الاتصال بالجمهور.
مثل فيلمك السابق، يمتزج هنا التاريخ والأسطورة والصورة. لنتحدث قليلًا عن البناء والشكل الذي اخترته لفيلمك..
البعد التاريخي للّحظة يحمل بُعدًا أسطوريًا أردت حمله إلى «داهومي» من خلال حركات الكاميرا، لإظهار ثقل وكثافة واتساق ما كان يحدث. غالبًا ما ينتج الواقع صورًا أكثر إثارة للدهشة من أي شيء يولّده الخيال. أذهلتني عملية الترميم عالية التقنية: بدا الأمر وكأنه حفل جنائزي، بإيقاع تحدّده تعبئة كل قطعة أثرية على صوت التدريبات ولقطات موقع البناء. كان الجو مهيبًا، وشعرتُ بكل ثانية تمرّ. كان التاريخ يغيّر اتجاهه؛ كان هناك شيء ما ينعكس. في بعض الأحيان يتحوّل الناس إلى شخصيات أسطورية أو نماذج أوّلية. هذا حال كاليكست بيا، القيّمة الفنية التي عينتها حكومة بنين لنقل الكنوز من متحف كي برانلي إلى كوتونو.
قبل أن تخطر ببالي فكرة جعل القطع الأثرية تتحدث، أردت أن أجعل صمتها مسموعًا قدر الإمكان، وهو ما أعدنا خلقه في تحرير الصوت والمزج مع نيكولاس بيكر وسيريل هولتز. بدا لي أن هذه هي الطريقة الأكثر بلاغة لاستعادة قوتها من خلال استحضار جوانبها السرّية والغامضة. التسلسل الذي تُثبّت فيه القطع الأثرية ضمن مساحة العرض في القصر أُعيد ضبطه وكتابته في غرفة المونتاج.
ما يميّز الفيلم التسجيلي عن الروائي يتعلّق بمسألة عملية الكتابة. بالإضافة إلى الحاجة التي شعرت بها لصنع هذا الفيلم، بعد «أتلانتيكس» كنت بحاجة إلى إعادة إحياء عملية كتابة وتصوير حرّة مقارنة بعمل روائي. أحبّ تحرير نفسي من الاتفاقيات المتعلقة بالشكل وأحب فكرة إعادة اختراع نهجي في الكتابة مع كل فيلم. تصوَّرت «أتلانتيكس» كقصّة قوطية، بينما «داهومي» فيلم تسجيلي روائي. في الأفلام التسجيلية، الكتابة في المقام الأول وجهة نظر، حول الناس أو حول موقف. تبدأ الكتابة باللغة التي تترجم (أو تخون) علاقتك بالعالم، مع الآخرين ومع نفسك. في النهاية، عندما تشاهد فيلمًا، سواء كان تسجيليًا أو روائيًا، فالسؤال الوحيد هو ما إذا كانت السينما موجودة أم لا.
عندما وصلت إلى متحف كي برانلي مع جوزفين دروين فيالارد، مديرة التصوير الفوتوغرافي، في اليوم الأول من التصوير، عندما كان لا بد من إزالة القطع الأثرية من المعرض وتعبئتها، لم نكن نعرف ماذا نتوقّع وكنا قلقين للغاية بشأن سياق المتحف. فيلم «التماثيل تموت أيضًا» (1953، آلان رينيه وكريس ماركر)، أحد الأفلام القليلة التي كانت في ذهني كمرجع، تقترب لقطات التماثيل من السمو. إنه - في الوقت نفسه - بيان سياسي وفيلم فني. كنت أهدف إلى الدقة الجمالية نفسها، ولكن في فيلمٍ تسجيلي لا يمكنك التحكم في كلّ ما يحيط بك.
ملفت ومحفّز على التفكير ذلك النقاش بين طلاب الجامعة. ما الذي دفعك لتضمينه داخل الفيلم؟
استعادة القطع الأثرية الثقافية المنهوبة خلال الفترة الاستعمارية الفرنسية تتعلّق في المقام الأول بالشباب الأفارقة، الذين لم تُسمع أصواتهم بعد بشأن هذا الموضوع ولكن تم تحويلهم بدلاً من ذلك إلى الدوائر السياسية أو عزلهم في الأوساط الأكاديمية. كان من الضروري نقل القضية برمّتها من الأعلى إلى الأسفل، لإتاحة مساحة تسمح للشباب بتحديد عملية الاستعادة كجزء من التاريخ. بالنسبة لـ«داهومي»، تخيّلت مناقشة واسعة النطاق في الجامعة، مثل جلسة عصف ذهني، للنظر في جميع الأسئلة التي يثيرها هذا الاسترداد، وقبل كل شيء، يكشف عنها. أردت أن تدور المناقشة حول موضوعات التاريخ والآثار والذاكرة. بالنسبة لي، كان التحدي إيجاد طريقة لخلق مساحة لتعبير حرّ حول الموضوع. في يوم التصوير، اخترت بث المناقشة على راديو الجامعة لتوليد المزيد من التوتر والإلحاح بين المتحدثين، الذين كانوا يعرفون أن جمهورًا أكبر يستمع إليهم. بغضّ النظر عن التصوير، كان من مهمًّا بث المناقشة ومشاركتها بين أكبر عدد ممكن من الناس.
هل تعتقدين أن الشعر في «داهومي» محاولة للتخفيف من حدة السخط الناجم عن نهب شعب بنين؟
ليس لدي إجابة على هذا السؤال، والذي أجده مثير للاهتمام للغاية. أريد أن أكون صادقة. بالنظر إلى الوراء، مع «أتلانتيكس» شعرت أن جماليات وشعرية الفيلم كان من الممكن أن يطمسا البُعد السياسي الذي أبحث عنه. لأن هناك أسباب محدّدة للغاية دفعتني لإنجاز هذا الفيلم، وهي في صلبه تمامًا، لها علاقة بالمهاجرين السنغاليين الذين يذهبون للبحث عن مصير جديد في أوروبا، ويخاطرون بحياتهم على طول الطريق. هناك الكثير من الغضب والحزن والألم هناك لا أعرف ما إذا انعكس في الفيلم كما أردت. لحسن الحظ، حقّق الفيلم نجاحًا كبيرًا، وفاز بجائزة مهمّة في «كان»، وقد قُدّر لأسباب عديدة، ولكن عندما أراه الآن، بعد خمس سنوات، أتساءل عمّا إذا كانت الجماليات والبُعد الخيالي الذي اخترته قد خفّفا من عنف الموضوع الرئيسي كثيرًا. إنها مسألة تشغلني إلى حدّ كبير. ثم قلتُ لنفسي أكثر من مرة إن لغتي هي لغتي ولست متأكدة من أنني أستطيع معارضة ميولي نحو شعرية معيّنة (على الرغم من أن «الشعرية» ليست الكلمة المناسبة) أو نحو النوع الخيالي. لكن عليّ أن أجد توازنًا لا يخفّف من عنف السياق. إنه شيء ما زلتُ أعالجه وما زلتُ أفكّر فيه.
في ما يتعلّق بـ«داهومي».. لا يسعني إلّا أن أسأل نفسي السؤال ذاته: كيف أجد التوازن بين عنف قصّة الاستعمار هذه، ورؤية كيف أن وصمة العار التي خلّفها هذا الاستعمار لا تزال مرئية، كما يحدث بطريقة مباشرة للغاية في مشهد المناقشة بين طلاب الجامعة (الاستماع إليهم يتحدّثون عن عواقب الاستعمار عليهم، بكلماتهم الخاصة، بأصواتهم).. بالنسبة لي، هذا النقاش م للحقيقة، والتعويض، لأنهم أصواتهم، وهم تجاربهم. وبصفتي صانعة أفلام، كنت بحاجة إلى هذه المباشرة، هذه الحقائق الملموسة.
ثم في ما يتعلّق بالقطع الأثرية التي كتبت أصواتها بالاشتراك مع الكاتب الهاييتي ماكنزي أورسيل.. أتساءل أحيانًا عمّا إذا ينبغي ألا تكون تلك الأصوات أكثر عنفًا. ولكنني في الوقت نفسه أدرك أنني أردت أن تكون تلك الكنوز قادرة على تجاوز غضبها، لأنني كما قلت من قبل، لم أرد تحويلها إلى ضحايا. تقول إحداها: «الأبدية تتردّد في أذهاننا»، لأن 26 قطعة فقط مُعادة إلى وطنها عددٌ ضئيل، «إهانة» كما يقول أحد الطلاب في المناقشة. وأحيانًا أعتقد أن الخطاب الغاضب المباشر جدًا يمكن أن يكون له تأثير قوي، لكنه يفقد عمقه. أردتُ أن تكون لهذه القطع أبعاد أوسع بكثير. ولهذا السبب فإن كلمة «شعرية» لا تقنعني أو ترضيني، لأنني أردت تحقيق نتيجة مختلفة، دعنا نسميها «متعددة الأبعاد»، بمعنى أن هذه الكنوز لها أبعاد عديدة لدرجة يستحيل حصرها في مفهومٍ أو تعريف واحد. كانت هذه الكنوز مخفية، والآن أصبحت مرئية، لقد ماتت وأصبحت أكثر حيوية من أي وقت مضى، فهي تجسّد الماضي والحاضر والمستقبل. ولهذا السبب كان يهمّني إيجاد الموقع الدقيق الذي تتحدّث منه هذه الكنوز. هل هي غاضبة أم حزينة؟ على أي حال، أردتُ أن تكون أبعد من هذه المشاعر الإنسانية. لكن هذا شيء لا أتوقف عن التفكير فيه أبدًا. لأن مستوى العنف الاستعماري بالنسبة لي قوي وهائل لدرجة أنني ما زلت بحاجة إلى إيجاد الشكل والطريقة للتعبير عنه في سينماي.
تقارير ذات صلة
«عاشت لتمنح الأمل».. مقابلة مع زبيدة فارسي
منذ مقتل فاطمة في 16 أبريل/نيسان، قُتل عشرات آخرين. ولم يقتصر الأمر على الصحفيين فحسب
الفيلم أداة مقاومة| مقابلة مع باسل عدرا ويوفال أبراهام
حول «لا أرض أخرى» الفائز بجائزتين في الدورة الـ74 من مهرجان برلين السينمائي
عن المدينة كعالم والكتابة كشرخ للواقع| حوار مع محمد فرج
لا يخلق الأدب بشرًا جدد، الأدب يخلق أسئلة، يعمق حساسيات، يرفع الغطاء عن عوالم مخفية
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
