تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«عاشت لتمنح الأمل».. مقابلة مع زبيدة فارسي

«عاشت لتمنح الأمل».. مقابلة مع زبيدة فارسي

كتابة: محمد صبحي 17 دقيقة قراءة

كان يُفترض أن تحضر المصوّرة والشاعرة الفلسطينية الشابة فاطمة حسّونة (مواليد 2000) ضيفة في افتتاح الدورة الأخيرة لمهرجان كان السينمائي (13 مايو 2025)، أعرق مهرجان سينمائي عالمي. والسبب: الفيلم التسجيلي «ضعي روحكِ على يدكِ وامشي» الذي أخرجته المخرجة الإيرانية زبيدة فارسي عنها ومعها.

لكن كرسيها ظل شاغرًا بينما أشادت بها رئيسة لجنة التحكيم، جولييت بينوش، على المسرح، مقتبسة من قصيدة كتبتها حسونة: «مرّ الموت من خلالي/اخترقتني الرصاصة/وصرتُ ملاكًا». السبب: هجوم إسرائيلي أنهى حياة حسّونة وعشرة من أقاربها بما في ذلك شقيقتها الحامل بعد استهداف منزلهم في حي التفاح بمدينة غزة في 16 أبريل الماضي، بعد يوم واحد من إعلان المهرجان اختياره فيلمًا عنها لعرضه ضمن برنامجه.

في الحوار التالي مع المخرجة، الممتد عبر أشهر من التواصل والمحادثات، تتحدّث زبيدة فارسي عن كيف تحوّل عملٌ وُلد في رحم الحرب إلى ترنيمة أمل.

***

من بين النصوص التحذيرية التي أضحى حضورها شائعًا في بداية الأفلام خلال الوقت الحاضر، ثمة تحذير مؤثّر مر على كاتب هذه السطور في بداية فيلم تسجيلي/وثائقي عن شعوب أستراليا الأصليين. كان يقول: «يحتوي هذا الفيلم على صور وأصوات لأشخاص لم يعودوا على قيد الحياة». في فيلم فارسي/حسّونة يتردد بقوة صدى هذا التحذير.

أرادت زبيدة فارسي دخول غزة لتوثيق القصف الإسرائيلي الوحشي، لكنها مُنعت من الدخول. ابتداءً من أبريل/نيسان 2024، تواصلت مع فاطمة، التي أصبحت، لمدة عام، شاهدةً دامغة على المأساة. بعد يوم واحد من اختيار الفيلم، الذي جمع مهاتفاتهما طوال العام، في مهرجان كان السينمائي 2025، قُتلت فاطمة وعائلتها خلال نومهم نتيجة غارة جوية إسرائيلية استهدفت منزل العائلة بحي التفاح شمال غزة، حيث اعتادت توثيق الحياة اليومية خلال الحرب.

مأساة فاطمة، ومأساة فلسطين، حاضرة في «ضعي روحكِ على كفّكِ وامشي»، تسجيلي/وثائقي يحمل في طياته الأمل أحيانًا، لكنه في النهاية يُصوّر العنف اللاعقلاني للبشر.

أجرت زبيدة فارسي، من فرنسا، محادثات فيديو مع فاطمة حسّونة، التي، رغم كونها في خضم الصراع، قريبةً من القصف والقتل اليومي المجاني، حملت معها أملًا. تفاؤل حسّونة مُترجم في المحادثات، حيوية وابتسامة على وجهها، آملًا أن يتوقف كل شيء في الأشهر القادمة. لكن ذلك لم يحدث. ومع مرور المكالمات والوقت واستمرار الإبادة الإسرائيلية، أصبح توقّف الحرب معجزة، إذ ساد الغموض والخطر مع مرور الساعات والأيام. كل مشهد من هذا الفيلم، من المحادثات إلى الصور التي أرسلتها فاطمة، أصبح فعل مقاومة، توثيقًا راسخًا وقاسيًا. كانت فاطمة صوت الأمل ووجهه في وجه الفوضى، لكنها، للأسف، لم تتمكّن من تحقيق أحد أعظم أحلامها: مغادرة مدينتها ورؤية العالم. 

caption

ورغم سهولة التعامل مع الفيلم باعتباره مرثية لشابة فلسطينية واعدة قُتلت غدرًا بعد شهر واحد من بلوغها 25 عامًا، تختزن بطلته ما يميزه. كوة النور هنا كامنة في أبيات شعرية وحكايات ترويها بذكاء ساخر. في سعادة الحصول على طبق من المعكرونة أو الفاصوليا، القدرة على زيارة أعز صديقاتها مرة أخرى؛ القدرة على مساعدة المحتاجين، رغم حاجتها للمساعدة أيضًا. تأسرنا زبيدة وفاطمة ولا يفارقاننا: فنحن المشاهدين لا نشهد فقط حواراتهما العابرة والمرحة، بل نشهد أيضًا كل هجومٍ وقصف، حيث تتولّى فارسي تسجيل مقتطفات من نشرات الأخبار تُحدّد سياق كل موقف، بالإضافة إلى مقاطع صوتية وصور أرسلتها فاطمة، لا ينقطع فيها الرعب. 

ربما يجد البعض مملًا أن فارسي بَنَتْ فيلمها من تسجيلات هاتفها أو مكالمات الفيديو فقط، لكن الفكرة كانت واضحة: أرادت توثيق شهادة بأبسط الطرق دون تضخيم المشهد أو تجميله، دون أن تفقد أبدًا الاحترام واللباقة والتضامن. لأنه عندما تُروى قصة بصدق ومن منظور مَن يعيشونها، تصبح وعيًا جماعيًا. «ضعي روحك على كفّكِ وامشي» ليس مجرد وثائقي آخر عن الاحتلال/الصراع؛ هو تحية. إذ يروي قصة صوت قرر أن يعلو عندما أراد العالم وإسرائيل الصمت والخضوع. لم تحمل فاطمة مسدسًا، بل كاميرا؛ كان أعظم تمرد لها الأمل والابتسامة. كانت فاطمة تجسيدًا للنضال والمقاومة.

في الترقّب الذي شعرت به المخرجة، والذي سيشعر به المتفرجون لاحقًا عند مشاهدة الفيلم، حين لا نعرف ما إذا كانت فاطمة ستجيب بعد بضع مكالمات فائتة أو دقائق دون ردّ؛ يتضح تمامًا ذلك التعاطف الإنساني مع الحياة وقيمتها الأساسية. اليوم، لإرث فاطمة وجهان: من ناحية، يذكّرنا بضرورة إخبار ما يحدث في فلسطين، ليس كأرقام أو عناوين رئيسية مصمّمة لجذب الانتباه، ولكن كحياة حقيقية تشعر وتحب وتحلم. ومن ناحية أخرى، دعوة لعدم غض الطرف عن الظلم الذي يعانيه العالم وفلسطين.

برحيلها، تركت فاطمة وراءها إرثا صامتًا لكنه راسخ: الحق في أن تُرى وتُسمع. الحق في الوجود. الحرب التي وثّقتها فاطمة دليلٌ آخر على عقودٍ من التهجير والاحتلال والصمت. ينجح هذا الفيلم في تقريبها وأنسنتها، في عالم يبدو عصيًا على الإنسانية. ولا يفعل الفيلم ذلك من خلال التحليل السياسي، بل عبر حميمية الحياة اليومية: صديقةٌ تُقدّم لها منزلًا، أخٌ يضحك، شارع لم يعد موجودًا، امرأة تتوق لرؤية العالم. تُخبرنا فارسي وفاطمة أن النضال الحقيقي يكمن في عدم فقدان الإنسانية أبدًا، في وضع روحك بين يديك والسير، حتى عندما لا يكون هناك مكان آخر تذهب إليه.

التقينا بزبيدة فارسي في أثينا، ضمن فعاليات مهرجان أثينا السينمائي الدولي الحادي والثلاثين، حيث فاز الفيلم بجائزة أفضل فيلم وثائقي. كانت هادئة، ودودة، وتأثرت بشكل واضح بالطريقة التي استقبل بها الجمهور فيلمها. كان الحوار معها جوهريًا ومركّزًا. تحدثت فارسي بصراحة آسرة عن علاقتها بفاطمة، وكيف أنه عبر عينيّ الراحلة يُمثّل الفيلم أكثر من مجرد شهادة من منطقة حرب، فهو قصة صمود وكرامة، ومحاولة لإعطاء «وجه» لشعب غالبًا ما يُقدّم عبر الأرقام والإحصاءات فقط.

***

أكثر ما يلفت النظر في الفيلم ابتسامة فاطمة وتفاؤلها. كيف تصفينها؟

منذ أول محادثة بيننا وحتّى آخرها، لم تكف عن الابتسام. أعتقد أن ابتسامتها كانت جزءًا منها ومن كرامتها؛ وهذا أمر فهمته لاحقًا. لطالما تساءلت كيف استطاعت أن تكون بهذه القوة والصمود في تلك الظروف العصيبة. حتى إنني سألتها عدة مرات.

كانت تراسلني نصيًا وصوتيًا.. تخبرني كم كان كل شيء فوضويًا ومرعبًا، ولكن عندما كنا نتحدث عبر الهاتف، لم تكف عن الابتسام. كانت شخصًا مفعمًا بالحيوية والحماس. لم تكن تريد أن تنقل اليأس، بل التفاؤل والصمود العظيم.

كيف تصفين عملها كمصورة صحفية؟

عندما قابلت فاطمة، كانت في الرابعة والعشرين من عمرها. على مدى عام كامل، تعرّفنا على بعضنا البعض، وتغير منظورها وتركيزها وأسلوبها في مواجهة أحداث الحرب، وأصبح أكثر منهجية.

رغم صغر سنها، إذ كانت في بداية مسيرتها المهنية، وثّقت الإبادة الجماعية بعين ثاقبة وواضحة.

من أين جاء عنوان الفيلم؟ وماذا يعني «حمل الروح» عبر قصة كهذه؟

عنوان الفيلم شيء أخبرتني به فاطمة في رسالة صوتية بعد بضعة أشهر، وهذا ما علق في ذهني. بعد التحرير، وجدت هذا المقطع مرّة أخرى، وفي مكالمتنا الأخيرة سألتها إن كانت تتذكّر معناه. فأخبرتني أنه يعني بالضبط ذلك، أن تعيش كل يوم وأنت تحمل روحك بين يديك. ودفعت ثمن ذلك بحياتها. كان الأمر رمزيًا بالنسبة لي، وهذا ما نراه. ولأن الإنجليزية لم تكن لغتها الأم، أي أنها كانت أصعب عليها في التحدث، فقد خلقت صورًا بكلماتها. وهذا تعبير يتضمن صورةً حيةً، نراها أمامنا عندما نستمع إليها. لهذا السبب احتفظت به كعنوان. إنه يتضمن في طياته رمزيةً كاملةً وروح فاطمة.

علاقتك بفاطمة تبدو أكثر من مجرد تعاون بسيط. كيف التقيتما؟ وما الذي دفعك لسرد قصتها؟

في الحقيقة، التقينا صدفة. غادرتُ إلى مصر، إلى القاهرة، لأنني أردت المرور عبر رفح والذهاب إلى غزة. عندما وصلت إلى القاهرة، كان ذلك في نهاية أبريل، وكانت الحدود مغلقة بالفعل، ولم يسمحوا لأي صحفي أو مخرج سينمائي، أو أي شخص، بالمرور، باستثناء بعض الأشخاص من المنظمات غير الحكومية، وكان الأمر لا يزال صعبًا للغاية. لذلك، كنت أقيم في القاهرة، وكنت أصوّر مع المهاجرين الوافدين حديثًا من غزة، ومن بينهم طالب شابّ من «التفاح»، نفس حيّ فاطمة، رآني مشدوهة بعض الشيء، وأواجه صعوبة في إيجاد طريقة لصنع الفيلم الذي أردته. أخبرني أن لديه شخصًا من الداخل، وأردت التحدث إلى شخص ما زال في غزة. ثم عرّفني على فاطمة، لأنهما صديقان بالفعل ومن نفس الحيّ. 

في البداية أجرينا مكالمة صوتية كهذه، عبر سكايب، لم أرها، شرحت لها ما أريده وما أبحث عنه. فقالت إنها ستكون سعيدة جدًا وستفعل ذلك. أرادت أن تكون جزءًا من الأمر. ثم حددنا موعدًا بعد ساعتين، لأنها اضطرت للمشي، للذهاب إلى مكان ما لالتقاط إرسال، إلى منزل صديقتها. وعندما رأيتها، كانت مكالمتنا الأولى التي تراها في الفيلم، حدث بيننا شيء ما. لا أستطيع تحديد ما حدث بالضبط ولماذا.

أتخيّل الآن، بعد أن أصبحتُ مخرجة إيرانية غادرت البلاد، بعد أن مُنعت من العودة، بعد أن كنتُ في السجن، أنني أستطيع فهم ما مرّت به. وربما رأت فيّ شيئًا واضحًا. يُدهشني أيضًا، حتى الآن، عندما أشاهد الفيلم، كيف شعرنا فجأةً بقربٍ كبيرٍ. أعتقد أنه منذ اللحظة الأولى التي تحدّثنا فيها، كان هناك تواصل، كما لو كنّا نعرف بعضنا البعض منذ سنوات. كان هذا مهمًا جدًا وجميلًا جدًا. لكن هذا هو الحظّ، وهذا هو سحر الحياة.

أعتقد أنه كان اعترافًا إنسانيًا بالآخر. شرحتُ لها أنني أريد توثيق حياتها اليومية. سألتُها إن كان بإمكانها مشاركة الصور معي.. وافقت، وبدأنا الحديث…

عرفت غريزيًا أن هذا هو الوقت المناسب والشخص المناسب. لذا التقطت هاتفي وبدأت التسجيل. منذ ذلك اليوم، كنا نتصل أو نتبادل الرسائل النصية إذا انقطع الاتصال. 

كانت متلهفة جدًا لمشاركة صورها وحياتها مع شخص من الخارج. كنت نافذةً على العالم الخارجي بالنسبة لها. أنا متأكدة أن كوني امرأةً إيرانيةً ومخرجة أفلام ساهم في شعورها بالراحة معي. منحتني ثقتها بسرعة كبيرة؛ وأصبحت فاطمة عينيّ في غزة.

هل يمكنك القول إن فاطمة بمثابة مرآة لك؟ هل هناك جوانب منها تعرّفت عليها كجزء من رحلتك أو مقاومتك؟

دخلت السجن عندما كنت في السادسة عشرة من عمري في إيران. بدأت بالتقاط الصور. في 1981، كنت في شوارع إيران، وخلال الأيام القليلة السابقة، كنا نتحرك بحرية، قبل أن يُغلق كل شيء، وفجأة رآني الباسيج، وليس الشرطة، بل أولئك الذين كانوا يتجوّلون بملابس مدنية، وركضوا للإمساك بي فسقطت. أخذوا كاميرتي وكسروها وأطلقوا سراحي. لكن بعد ذلك بقليل، أُلقي القبض عليّ لسبب آخر، وسُجنتُ لمدة عام تقريبًا. ثم لم أستطع حتى الذهاب إلى المدرسة لفترة، وعندما أنهيت دراستي الثانوية، لم أستطع الالتحاق بالجامعة. لذا، فهذا الشعور بمنع كل شيء عنك وعدم القدرة على فعل أي شيء، قد عشتُه جيدًا. وأعتقد أن هذا منحني شيئًا ما، دافعًا.. وعملي يتعلق بالصور بشكلٍ عام، وفاطمة استخدمت الكلمات والصور، وكان لدينا الكثير من القواسم المشتركة. وهذا جعل تواصلنا أسهل بكثير. ثم، كما قلت، الحياة تحدث فجأة.

هناك قوة عاطفية قوية في الفيلم، كما لو كنت تروين شيئًا يخصّك، حتى لو لم تكن أمام الكاميرا. ما مدى خصوصية هذه العملية بالنسبة لك؟

نعم، كانت أشبه بانفصام الشخصية، ففي الوقت نفسه كان عليّ التحقق من صورتي والتعبيرات والتأطير واللقطة بشكل عام، والتحكم بها ومراقبتها. وفي الوقت نفسه كنت أقوم بالتحرير. بعد حوالي أسبوع، أو عشرة أيام، من أول محاولة تصوير لنا، بدأت التحرير. أجريت تجارب مختلفة. ففي بعض الأحيان كنت داخل الصورة، وفي أحيان أخرى كنت أخرج نفسي، وأُجري الكثير من التعديلات عليها في أثناء التحرير. حتى نهاية نوفمبر وبداية ديسمبر، في مكان ما هناك، قررت عدم إضافة أشياء جديدة إلى الفيلم. رأيت أن لديّ بنية ثابتة. ورغم أنني واصلت التصوير حتى 15 أبريل، آخر محاولة تصوير لنا، فإنني لم أضعها في الفيلم. ثم حاولت تحسين هذه البنية التي كانت لديّ، مثل لقطات من تقارير إخبارية مختلفة، والتي كان مهمًا بالنسبة لي تضمينها.

في وقتٍ تُكافح فيه النساء بالسينما، وخاصةً في الشرق الأوسط، لإيصال أصواتهن، ما الذي يعنيه لكِ تصوير فاطمة ليس كـ«ضحية»، بل كوجودٍ إبداعيٍّ صامد؟

منذ اللحظة التي التقينا فيها، ومع استمرار التناغم بيننا، أصبحنا صديقتين. بل أصبحنا أكثر من مجرد أصدقاء، أعني، كانت بمثابة عائلة لي، وأعتقد أن الأمر نفسه كان بالنسبة لها. كنا قريبين جدًا. ولم تقتصر علاقتي بها على صناعة الفيلم فحسب، بل كنت خائفةً عليها، وأردت سماع أخبارها يوميًا، لأطمئن عليها وعلى عائلتها. وفي مرحلةٍ ما، أعتقد أنني كنت غارقةً في تلك العلاقة، أعني، لا أقول إنني لم أكن أملك السيطرة على الفيلم، ولكن كان الأمر دائمًا جزءًا من تفكيري. كان هذا هو الفيلم الـ16 الذي أُشارك فيه، لذا لديّ الخبرة، لكنني لم أكن يومًا قريبة إلى هذا الحد من شخصٍ بعيد جدًا. وهذا يتجاوز الفيلم. حدث شيءٌ آخر غيّر حياتي وغيّر معنى الفيلم تمامًا.

غزة من أكثر الرموز السياسية والإنسانية حيويةً في عصرنا. ما الدور الذي يمكن أن يلعبه فيلمك في الحفاظ على الحقيقة في حرب التضليل الإعلامي؟

أولًا، أعتقد أن هذا الفيلم مهم لأنه يُظهر وجهًا. يُضفي وجهًا على كل تلك القصص التي نسمعها من غزة، لأن هؤلاء الناس بالنسبة للكثيرين مجرد أرقام. ومع فاطمة، لا يُمكن نسيان تلك الابتسامة، ذلك النور المشعّ على وجهها. عندما تراه، ينطبع في ذهنك. لذا، بشهادتها، أصبح لدينا فجأة وجه يُمثل العديد من القصص الأخرى، وهذا أمر بالغ الأهمية. وأسعى الآن لعرض هذا الفيلم على العديد من دول الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة الأخرى ليتمكّنوا من رؤية ما يحدث. ليس الأمر وكأنهم لا يعرفون، لكنني أريد أن تكون لديهم صورة إنسانية عن جميع القصص، لأن هذا الاختزال الإسرائيلي لهؤلاء الناس أمرٌ بالغ الأهمية، وكان هذا أول ما أزعجني، ولهذا السبب ذهبتُ لتصوير فيلمي.

في وسائل الإعلام، لم يُسمع صوت الفلسطينيين في أي مكان. لم يتحدث الأوروبيون والأمريكيون والإسرائيليون عن الشعب الفلسطيني. حتى اليوم، ليس الأمر في الميزان كما ينبغي. عندما يحدث شيء ما، يذهب الناس إلى هناك، الصحفيون، ويتحدثون إلى الناس. الآن حتى الصحفيين يُقتلون، مات أكثر من 300 شخص لمجرد أدائهم عملهم. لم يحدث هذا من قبل في تاريخنا. ورمزيًا، أعتقد أننا الآن عند مفترق طرق في النضال ضد الرأسمالية والاستعمار وكراهية الإسلام. كل هذا، رمزيًا، في نضال الشعب الفلسطيني. لهذا السبب هو مهم للغاية. ولهذا السبب لا يريدوننا أن نعلم عنه.

بما أننا نلتقي بمناسبة عرض فيلمك في اليونان، فقد حافظت اليونان على موقفٍ يصفه الكثيرون بأنه «محايد» تجاه حرب غزة. ما شعورك حيال هذا الحياد، في ظل أزمة إنسانية بحتة كهذه؟

ليس هنا فحسب، أعتقد أن الفجوة بين رأي الحكومة والشعب كبيرة. إنها هائلة حقًا. أعني، أرى ذلك، وتشعر به عندما تمشي في الشوارع، أن الشعب اليوناني يقف إلى جانب الفلسطينيين. والحكومة الآن تمارس لعبة تواصل للحفاظ على العلاقات الاقتصادية (مع إسرائيل)، لكنها من ناحية أخرى لا تستطيع معارضة رأي الشعب نفسه. وهذا يحدث في أماكن أخرى أيضًا. لقد رأيت ذلك في فرنسا أيضًا، وإن بدرجة أقل بالطبع. هناك اعترفوا بالدولة الفلسطينية، لكن في اليونان لم يحدث ذلك بعد. نعم، إنه أمر مهم، لكن هذا وحده لا يكفي. يجب ألا نكتفي بالكلام، لأن هذه الدولة، لو اُعترف بها حقًا، لكان لها القدرة على فعل شيء ما. ليس لها حدود، ولا جيش، ولا عملة، ولا أوراق، ولا شيء. الاتصالات من إسرائيل. المياه من إسرائيل. كلّ شيء، حتى الطعام، كل شيء، تحت سيطرة إسرائيل. لا ينبغي أن يكون الأمر كذلك. لذا، نعم، هناك هذا الاختلاف. أعتقد أن الأمر يؤثر على مستويات مختلفة الآن. ولكن في أمريكا حيث كنت، وفي نيويورك، وفي ألمانيا، تغيّرت الأمور. ليس على المستوى الرسمي بالطبع. لكن الناس في العديد من الدول غيّروا آراءهم. أما في اليونان، فكان الناس على هذا النحو منذ البداية (مؤيدين للفلسطينيين). يجب عرض هذا الفيلم، وغيره من الأفلام، في كل مكان حتى نتمكّن، بهذه الطريقة، من الدفع نحو التغيير.

كيف يمكن توثيق إبادة جماعية من على بُعد؟

نتلقّى يوميًا صورًا مروّعة من غزة، لكنها صورٌ غير شخصية. عندما تتوالى الصور، تصبح عادية، ونعتاد الرعب. حدث هذا في سوريا، وفي صراعات مسلّحة أخرى، حتى في أوكرانيا. علينا أن نُعرّف تلك الصور، وتلك الأعداد من الجرحى والقتلى...

عندما علمت بسقوط عدة صواريخ على منزل فاطمة، وقرأت أسماء الضحايا -سبعة أفراد من العائلة إجمالًا- عرفتهم. وهذا يُحدث فرقًا كبيرًا. بفضل الفيلم، أصبح الكثيرون يعرفون فاطمة وقصتها.

حاولت أن أُبرز عملها كمصوّرة صحفية، وطريقتها في توثيق الإبادة الجماعية، وأن أقترب منها قدر الإمكان من خلال حواراتنا. كانت في نفس عمر ابنتيّ. لكن فارق السن لا يهم بين شخصين يُفكّران في الحياة. في الفيلم، نرى امرأةً تتحدث عن الجوع بضمير المتكلم، عن رغباتها، ومخاوفها... أعتقد أن العنصر الإنساني هو ما يُحدث الفرق.

خلال المؤتمر الصحفي في كان، رافقتك المقرّرة الأممية المعنية بالأراضي الفلسطينية، فرانشيسكا ألبانيز، إلى جانب صورة كبيرة لفاطمة حسونة. وقد ذكرها العديد من المشاهير، بمن فيهم الممثلة ورئيسة لجنة التحكيم، جولييت بينوش، التي قالت في كلمتها على مسرح لوميير الكبير إن «فاطمة كان ينبغي أن تكون بيننا»، لكن دون ذكر إسرائيل. كيف تُقيّمين ردود الفعل على الفيلم؟

أعتقد أنه كان صعبًا على جولييت بينوش الإدلاء بهذا التصريح، لكنني تمنيت لو أنها قالت إن فاطمة ماتت بصواريخ إسرائيلية، فمن المهمّ أن نسمّي الأشياء بأسمائها. في أول بيان لها بعد مقتلها، تحدّثت إدارة المهرجان عن وفاة غير متوقّعة، ثم غيّرت النص وتحدثت عن وفاة غير متوقعة ناجمة عن قصف صاروخي، لكن دون الإشارة إلى أن الصواريخ إسرائيلية.

من الواضح أن مقتل فاطمة وعائلتها كان اغتيالًا مُستهدفًا؛ ونحن نعلم ذلك. إنها المرة الأولى في العالم التي يُختار فيها فيلم لمهرجان كانّ، ثم تُقتل بطلته في اليوم التالي في هجوم مُستهدف. هذا أمرٌ غير مسبوق، كارثة.

في هذا الصدد، أعتقد أن رد فعل المهرجان لم يكن كافيًا. مع ذلك، على الشاشة، تأثّر المشاهدون والصحفيون بشدة. أجريت مقابلاتٍ عديدة. انتهى الأمر بعشرات الصحفيين بالبكاء وهم يلقون عليّ الأسئلة. أثرت قصة فاطمة فيهم بشدة.

مع أنني لاحظت تحوّلًا في اللغة والمواقف بين الشخصيات الثقافية والمثقفين والسياسيين في الأسابيع الأخيرة، إلا أنه متأخرٌ ولا يزال فاترًا. ينبغي أن تكون اللغة أكثر جرأةً وقوّة.

لديّ شعورٌ بأن الكثيرين (في الغرب) ما زالوا خائفين وحذرين للغاية في وصف الأمور حتى لا ينحرفوا عمّا هو صحيح سياسيًا.

بالطبع، من المهم استخدام الكلمات المناسبة، ولكن علينا تسمية المسؤولين والقول إن هذه إبادة جماعية وقتلٌ مستهدف. ما يحدث في غزة لاإنساني ووحشي. يجب أن يتوقف هذا، ويجب تقديم مرتكبي هذه الانتهاكات للعدالة. مثلما تركّز الميديا الغربية على مسألة الرهائن الإسرائيليين وضحايا هجمات 7 أكتوبر، ينبغي أيضًا عدم تناسي آلاف الضحايا الفلسطينيين.

كيف تشعرين عندما تتوالى التقارير الإخبارية عن قصف المدارس والمستشفيات ونقاط توزيع الغذاء التابعة لمؤسسة غزة الإنسانية، دقيقةً بعد دقيقة، ويومًا بعد يوم؟

منذ بداية الصراع، انتُهكت جميع المواثيق الدولية وأُلقيت في القمامة. بعد أيام قليلة من 7 أكتوبر، اتضح أن رد إسرائيل بمهاجمة المدنيين تجاوز الدفاع عن النفس. الآن تتحدّث علانيةً، ودون تزييف، عن «تطهير» غزة.

لا أرى فرقًا بين الحرب العالمية الثانية وما حدث في معسكرات الاعتقال النازية وما يحدث في نقاط توزيع الغذاء هذه. يُجبرون المدنيين الجائعين على المشي لمسافات طويلة للحصول على القليل من الطعام، وفوق كل ذلك، يُطلقون النار عليهم.

الفرق الوحيد أنها ليست ألمانيا النازية، بل إسرائيل بدعمٍ أمريكي. إنه لأمرٌ مَشين ومُروع.

وهذا يُرسي سابقةً سيئةً للصراعات المستقبلية، وللطغاة، ولكل مَن يريد غزو دولةٍ لأي سببٍ كان. إذا فعلت دولةٌ أخرى الشيء نفسه غدًا، وأمَرَها المجتمع الدولي بالتوقّف، فيمكنها القول إن إسرائيل سُمح لها بفعل ذلك في فلسطين. هذه هي المشكلة؛ نحن نُدمّر المواثيق الدولية.

في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أمرت المحكمة الجنائية الدولية باعتقال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ووزير دفاعه آنذاك، يوآف غالانت، والقائد العسكري لحركة حماس، محمد الضيف، ولم يفعل أحدٌ شيئًا.

لم تحترم أوروبا أوامر الاعتقال هذه. لقد صرّحت ببساطة: «إذا زار نتنياهو الأراضي الأوروبية، فلن نعتقله». هذه مأساةٌ لأن أوروبا تسخر من مؤسساتها، إنها لا تحترم نفسها.

يجب أن نضع حدًا للمجازر والحصار، ونفتح الحدود، ونسحب استثماراتنا من إسرائيل حتى ينتهي احتلال فلسطين والمجازر.

يجب أن نفعل ما هو ضروري لوقف عمليات القتل وتقديم المسؤولين عنها للعدالة. لا يمكننا القول إننا لم نرَ ما حدث، فهي إبادة جماعية نشهدها مباشرةً بفضل عمل الصحفيين الفلسطينيين الذين تهاجمهم إسرائيل عمدًا.

منذ مقتل فاطمة في 16 أبريل/نيسان، قُتل عشرات آخرين. ولم يقتصر الأمر على الصحفيين فحسب، بل طال القتل أيضًا الأطباء والعاملين في مجال الرعاية الصحية والكتاب...

في ديسمبر/كانون الأول 2023، بعد شهرين من بدء الحرب، قُتل رفعت العرير، الذي لم يكن سوى شاعر وأكاديمي.

أعني بذلك أن ما يحدث الآن ليس جديدًا؛ فهو يحدث منذ 20 شهرًا، بل قبل عام 2023 بوقت طويل. لنتذكر مقتل الصحفية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة في مايو 2022 في جنين. وهناك حالات أخرى كثيرة.

شهدت أزمة نقص الغذاء، والمجاعة، وحصار المساعدات الإنسانية، تقلّبات، لكن إذا عدتَ إلى الأرشيف، فسترى أنها كانت تحدث منذ البداية. لكننا تركنا الوضع يتفاقم، وحتى اليوم ما زلنا نناقش ما يجب فعله. مسؤوليتنا اليوم، كمواطنين أحرار في العالم، هي المجابهة، لأن السماح بحدوث ذلك يُعد تقويضًا لديمقراطياتنا ويفتح الباب أمام اليمين المتطرف والفاشية، هنا في أوروبا أيضًا.

فلسطين مختبر للتجربة. علينا أن نوقف هذه الإبادة الجماعية لأنها أشبه بنزيف. المجتمع، البشرية جمعاء، ينزفون، وإذا لم نوقف هذا النزيف الآن، فسنموت. لا شيء مما يحدث -لا في غزة ولا ردود الفعل القمعية على المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين ولا ملاحقة النشطاء، وما إلى ذلك- يندرج ضمن معايير الحياة الطبيعية. 

كيف تتذكّرين آخر محادثة لك مع فاطمة حسونة في 15 أبريل/نيسان؟

أفكر فيها طوال الوقت. كانت تتمتع بطاقة حيوية هائلة، وابتسامتها جذابة للغاية.. ما زلت أشعر بها بجانبي. جزء منّي يعلم أنها رحلت، لكن جزءًا آخر يرفض تقبّل مقتلها.

ما زلت أستيقظ وأنا أفكر أنني سأرسل لها رسالة، أنني سأتحدث معها. إنه شعورٌ مُختلَط.

كل ما أستطيع فعله الآن هو مواصلة الترويج للفيلم، ومشاركة صورها وقصائدها.

هي نفسها أرسلت لي رسائل تُنبئ بوفاتها، خاصةً بعد مقتل أعزّ صديقاتها. لكن في الوقت نفسه، كانت مليئة بالأمل والحماس للسفر إلى كان.

في أثناء التصوير، ماذا علّمتك فاطمة، ليس كبطلة، بل كإنسانة؟

الأمل، القوة، النور. كانت تمتلك كل ذلك. وأيضًا الفخر والكرامة. والحب، لأنها مع كل ما خاضته، وكل الصعوبات التي مرت بها، لم تقل كلمة سيئة عن إسرائيل. أبدًا. قالت شيئًا في لحظة ما وحذفته في أثناء المونتاج. كان ذلك مثيرًا للإعجاب حقًا، أنها كانت دائمًا تظهر بابتسامة، رغم أي صعوبات. أعجبني ذلك فيها وأخبرتها به. كنت أغضب أحيانًا، أما هي فلم تكن تغضب أبدًا. كنت أراها دائمًا بتلك الابتسامة الرائعة والمشرقة.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن