تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
غزة.. إدارة الموت في زمن الإبادة

غزة.. إدارة الموت في زمن الإبادة

كتابة: محمود الشرقاوي 8 دقيقة قراءة

تحذير: هذا التقرير فيه بعض التفاصيل المكثقة عن الموت في غزة تحت الإبادة. 

تنتهي حياة الإنسان بالموت، وهو يقين في الظروف الطبيعية، فيشيّع إلى مثواه الأخير ويدفن. ولكن ليس هذا هو الوضع في غزة، بعد أن عاشت حرب الإبادة منذ أكتوبر 2023. 

في غزة؛ بعد الإبادة، يعاني الكثيرون من غياب يقين الموت، مجسدًا في الجثمان، كما يعاني آخرون من غياب رفاهية الدفن في المثوى الأخير. مات الناس هنا بكل الطرق، ومعهم ماتت القدرة على إدارة الموت نفسيًا وتقليديًا ودينيًا. 

تعرض منزل لعائلة نعيم، في منطقة الزيتون جنوب شرق مدينة غزة لاستهداف اسرائيلي. لم تتمكن طواقم الدفاع المدني من الوصول إلى مكان الاستهداف إلا بعد تسعة أيام، نظرًا لتواجد قوات جيش الاحتلال هناك. وفقًا للمتحدث باسم الدفاع المدني، محمود بصل، كل الإشارات الواردة من هناك كانت تقول إن جميع من كانوا في المنزل قتلوا بفعل الغارة. ولكن؛ أثناء البحث، فوجئ طاقم البحث بوجود صوت لطفل تحت ركام المنزل. نجح الطاقم في إنقاذ الطفل محمد، ذي الست سنوات، حيًا، بإصابة طفيفة، فاقدًا كل أفراد عائلته، ومفاجئًا الجميع بخروجه للحياة.

قصة محمد تجسد الأمل الخافت والمتبقي عند من فقدوا ذويهم ولم يجدوا جثامينهم منذ بدء الإبادة. فبينما يُعد الموت على عظم أثره قاطعًا للشك، يعطي إجابات واضحة لمن يسأل، لم تجد عبير هذا اليقين. 

عاشت عبير في بيت زوجها في شمال مدينة غزة قبل أن تنزح منه إلى جنوب القطاع. وفي أكتوبر 2023، داهمت صواريخ الاحتلال هدوء البيت، فقتلت من قتلت. نجت عبير هي وأسرتها الصغيرة بحياتهم بنزوحهم إلى الجنوب، ولكن مع نجاتها، أتت حيرة التعامل مع موتاها. 

تقول عبير؛ إن خبرًا وصلهم باستهداف مدرسة الرافدين في حي الشيخ رضوان، وسط مدينة غزة، وهي المدرسة التي نزح إليها أخوها محمد. في نوفمبر 2023، تعرض مركز الإيواء للقصف وقُتل من فيه، فيما لم تتأكد أخبار موت ودفن كل من كان بداخله. الأنباء تتضارب، وفقًا لعبير، فتارة يخبرها أحدهم أن أخوها دفن في إحدى المقابر شرق المدينة، ويروي لها آخر أنه وصل إلى مستشفى الشفاء لكن جثمانه لم يدفن، بينما قال لها آخرون إن محمدًا استشهد ودفن. هبّت للبحث عن هؤلاء لتعرف حقيقة موت ودفن أخوها، إلا أنها اكتشفت أنهم لحقوا بمحمد بفعل غارة أخرى. تواصلت عبير وأسرتها مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، التي تساعد الأُسر على البحث عن مفقوديها بالتواصل مع الجهات الرسمية، للتأكد مما إذا كان محمد قد أُسر لدى جيش الاحتلال، أملًا في ألا يكون الموت قد لاقاه. لم تستطع اللجنة الوصول لمعلومة. في نهاية الأمر؛ خبر طبيبٌ من مستشفى الشفاء عبير وأسرتها بمقتل محمد، دون يقينٍ عما إذا كان قد دُفن أم لا.

بمجرد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في يناير، وعند السماح للنازحين في جنوب القطاع بعبور حاجز نتساريم إلى شمال القطاع، توجهت عبير إلى مقبرة التفاح شرق مدينة غزة بحثًا عن قبر محمد أو ما يدل عليه، لكنها وجدت المقبرة قد تعرضت للتجريف والمحو بجرافات جيش الاحتلال. 

مع مواجهة غياب محمد وجثمانه، فقدت عبيرُ أخاها الآخر أنس، الذي لا يحيط الشك بأمر مقتله. قتلت أنس غارة اسرائيلية، في يوليو من العام الماضي، على مجموعة خيام في منطقة مواصي خانيونس، فيما كان يعبر الطريق نحو السوق. اضطرت عائلة عبير أن تدفنه في مقبرة الحي النمساوي في مدينة خانيونس. وبعد وقف إطلاق النار، وصلت نصف عائلة عبير إلى شمال قطاع غزة بعد أشهر من النزوح، فيما تبقى النصف الآخر في جنوب القطاع، ينتظرون بجانب قبر أنس، حيث تأمل العائلة في الحصول على إذن شرعي من رجال الدين بنقل جثمانه إلى مدينة غزة، لتتمكن من زيارته بعد أن فقدت الأمل في زيارة قبر محمد المجهول.

خالد؛ مواطن من قطاع غزة يقيم في الضفة الغربية منذ زمن طويل لظروف عمله، ومنذ بدء الإبادة، يتابع أخبار الحرب عن طريق أخيه مجد، الذي قرر ووالده سعيد، الطبيب في مستشفى كمال عدوان، البقاء في شمال القطاع. كان مجد، على حد قول خالد، عكاز والده وخادم أسرته المطيع. كان شجاعًا إلى حد تعريض حياته للخطر في سبيل المساعدة في انتشال القتلى والجرحى من تحت ركام المنازل المدمّرة، بفعل هجمات جيش الاحتلال الاسرائيلي، على مناطق شمال قطاع غزة.

وفي ليلة من شهر ديسمبر الماضي، بينما يغطي الدخان شمال قطاع غزة وسط وابل الصواريخ والقذائف، كان مجد يقضي ليله هاربًا من شظايا هذه الصواريخ، حينما وصله خبر استهداف منزل أبناء عمومته. هب مجد للمساعدة في إنقاذ من يمكن إنقاذه من تحت ركام المنزل المدمر في مخيم جباليا للاجئين، إلا أن طائرات الاحتلال الاسرائيلي باغتته ومن معه بصاروخ آخر. وصل تباعًا عددٌ من المصابين الذين استطاع الاهالي انتشالهم من المكان الى مستشفى كمال عدوان. لكن لم يصل مجد. 

لم يتيقن خالد من مصير مجد، إلى أن أفاق ابن عمه المصاب في المستشفى وأخبره أنه رأى مجد وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة. على الرغم من الأخبار المؤكدة برحيل مجد، إلا أن عائلته تمسكت بالأمل. عند دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، هرع الجميع إلى مكان استهداف مجد، فوجدوا جثته يغطيها الركام. تمكن الأهالي من انتشاله ودفنه في منزل العائلة، وتركوا أمر تحديد مثواه الأخير إلى حين حضور باقي أفراد العائلة من مناطق نزوحهم في جنوب قطاع غزة. 

ولكن؛ هناك بعض الارتباك حول شرعية نقل الجثمان. مفتي قطاع غزة، محمد اللحام، أفاد أنه بينما نقل جثمان الميت من مقبرة الى مقبرة غير جائز شرعًا، إلا أنه في حالة الميت المدفون في مكان عام كشارع أو حديقة أو حتى في أرض خاصة نتيجة لاستحالة دفنه في مقبرة عند الموت، يجوز نقله إلى مقبرة وفق الشريعة الإسلامية. يتفاوت شعور الأهالي تجاه نقل موتاهم، لكنهم يريدونهم قريبين منهم. 

يقين الموت الذي وصل له خالد بشأن أخيه، والذي لم تصل له بعد عبير بشأن أخيها، واجهته رجاء حمدونة بنفسها وبصفتها ناجية. رجاء أمٌ لثلاثة أولاد وبنت، كانت تعيش وأسرتها في حي هادئ وسط مدينة غزة. اضطرت كغيرها لتركه والنزوح إلى الخيام في مدينة خانيونس منذ بدء الإبادة. تحكي رجاء أنه في يوم السابع من يونيو من العام الماضي، دهست دبابة متوغلة للاحتلال زوجها وأبناءها أمام عينيها، على مقربة من الخيمة، فيما وقفت تصرخ «لا» في وجه الميركافا؛ اعتقدت رجاء أن صراخها سيترك أثرًا عند سائق الآلية، ولكنه أكمل طريقه نحوها وابنتها. 

«أنا الناجية من الموت بمنحة إلهية»، تقول رجاء، المصابة هي وابنتها بإصابات بالغة في الساق واليد والحوض والظهر. لم تسنح لرجاء الفرصة للعثور على جثامين ذويها وتكريمهم بالدفن. تقول إنها تستطيع التعرف عليهم حتى لو كانوا هياكل عظمية. «من جماجمهم سأعرفهم وأدفنهم». وفي سبيل ذلك، تواصلت مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر وجمعيات حقوق الإنسان لمساعدتها في البحث عن جثث زوجها وأبنائها ولكن دون جدوى. 

المتحدث باسم الدفاع المدني في قطاع غزة يقول إن هناك أكثر من عشرة آلاف مواطن مفقود، يرجح أن يكونوا تحت الركام الذي لم يُرفع بعد. عند العثور عليهم، إن كانوا جثامين، فسيُضافون إلى أعداد من قُتلوا. يشرح بصل إن جهودًا كبيرة تبذلها طواقم الدفاع المدني، منذ لحظة دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في يناير، في عمليات انتشال الجثث من تحت الركام، وقد تم انتشال المئات بالفعل منذ ذلك الحين من الطرقات ومن تحت ركام بعض المنازل. أكبر عمليات انتشال الجثامين تمت في مدينة رفح، وفقًا له. 

وفي بيان صدر لها هذا الأسبوع، ضمّنت حركة حماس منع إدخال المعدات الثقيلة اللازمة لرفع الركام وانتشال جثث الضحايا، ضمن خروقات إسرائيل للمرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار.

ويقدر بصل أن هناك حوالي 1800 شخص فقدت آثار جثثهم، وفسّر ذلك بتعرض الجثث لدرجات حرارة قياسية الارتفاع، بالإضافة لمدى قرب هذه الجثث من محيط نزول الصواريخ أو دائرة الاستهداف، ما أدى إلى  تبخرها. يفسر بصل أنه عند حدوث استهداف، تشير الإفادة المقدمة للدفاع المدني بتواجد عدد معين من الأشخاص داخل المكان المستهدف، إلا أن عمليات الانتشال كانت تسفر عن انتشال بعضهم فقط، فيما تفشل في الوصول الى الآخرين أو إلى أثر يفيد بوجودهم.

الناطق باسم الدفاع المدني في جنوب قطاع غزة وأحد العاملين بالفرق، محمد المغير،  يحكي تجربته مع تقفي أثر موتى لم يعد لهم بقايا. «تحركت برفقة طواقم الدفاع المدني لبيت استهدف في رفح في شارع صدام بالقرب من معصرة قشطة. قمنا بعملية انتشال كل جثامين الشهداء من المكان، وبعد البحث واستنفاذ عمليات الإنقاذ وازالة جثامين الشهداء، لم نجد جثث ثلاثة من أفراد العائلة. تم معاودة التفتيش ثلاث مرات وللأسف لم نجد أي أثر لجثامين الشهداء. عند التحري عن نوعية الأسلحة المستخدمة، فوجئنا أن الاحتلال استخدم صواريخ من طراز mk84، الذي يصل وزنه إلى 2000 رطل، وهذا الصاروخ به بعض المواد التى تنتج حرارة تصل إلى 7000-9000 درجة مئوية، وهذا يتسبب في تبخر جثامين الشهداء».

ويقول بصل إن الجهود مستمرة في نقل الجثامين من الأماكن العامة والشوارع والأراضي الخاصة الى المقابر الرسمية، وذلك بمعاونة الجهات الرسمية والعائلات. في المقابل، ترفض إسرائيل وصول المواطنين للمقابر الموجودة على حدود قطاع غزة، فيما تتواجد آليات الاحتلال هناك، ما يعقد إمكانية النقل في ضوء شُح أماكن الدفن.

ويوضح بصل أنه أثناء توغل جيش الاحتلال البري في قطاع غزة، دمّر مقابر عديدة، واستخدم رمالها في إقامة سواتر رملية لحماية آلياته، فيما شرعت طواقم الدفاع المدني، منذ أن سمح لها بذلك، بالوصول الى تلك المقابر والبحث داخل السواتر ومحاولة إعادة الجثث ودفنها في مقابر شمال القطاع ومدينة غزة وشرقها.

وفقًا لمصدر في وزارة الأوقاف، هناك حوالي 60 مقبرة في القطاع، دمّر الاحتلال 40 منها بشكل جزئي أو كلي. كان العدوان على الأحياء والأموات على حد سواء.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن